الأحد 8 ربيع الأول 1431

شبهات الغلاة في التكفير حول العذر بالجهل (5)

كتبه 
قيم الموضوع
(2 أصوات)

شبهات متعلقة بأدلة العذر بالجهل

الدليل الأول : عموم رخصة الخطأ

قال ابن تيمية (12/489-490):" فيقال : من كفره بعينه فلقيام الدليل على أنه وجدت فيه شروط التكفير وانتفت موانعه، ومن لم يكفره بعينه فلانتفاء ذلك في حقه، هذا مع إطلاق قوله بالتكفير على سبيل العموم . والدليل على هذا الأصل : الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار،أما الكتاب :فقوله سبحانه وتعالى : (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ)(الأحزاب:5) وقوله تعالى : (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (البقرة:286) وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أن الله تعالى قال:" قد فعلت" لما دعا النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون بهذا الدعاء"، وروى البخاري في صحيحه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" أعطيت فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش"و"أنه لم يقرأ بحرف منها إلا أعطيه"، وإذا ثبت بالكتاب المفسر بالسنة أن الله قد غفر لهذه الأمة الخطأ والنسيان؛ فهذا عام عموما محفوظا، وليس في الدلالة الشرعية ما يوجب أن الله يعذب من هذه الأمة مخطئا على خطئه وإن عذب المخطئ من غير هذه الأمة ".

 

شبهات الغلاة في التكفير حول العذر بالجهل (5)

 

    فاعترض المخالفون على من استدل بهذا الدليل بأن هذا العموم ليس محفوظا بل هو عموم مخصوص فلا يدخل فيه الوقوع في نواقض الإيمان، واستندوا إلى كلمات للعلماء في تخصص هذه الرخصة بالمؤمنين دون غيرهم كقول ابن تيمية بأن هذه الرخصة للمؤمنين دون من كان مسلما في الظاهر وهو منافق في الباطن أو من لم يكن مسلما أصلا (10/760،768) (وهم لا يشيرون طبعا إلى أن المردود عليه هو ابن تيمية الذي استدل بهذه الآيات في قضايا التكفير كما هو واضح!!!)، ونحن نقول بموجب الكلام الذي نقلوا عن ابن تيمية، فإن الكافر والمنافق عمله حابط ولا حسنة له، وقد أشار إلى ذلك في قوله:" وإن عذب المخطئ من غير هذه الأمة ".

قال صاحب المجهر (213) وهو يستدل على تخصيص هذه الأدلة : " الدليل الثاني : قوله تعالى :( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ) (التوبة:65) فهؤلاء القوم كما رجح ابن تيمية قالوا : هذا القول الذي علموا حرمته ولم يقصدوا الكفر ...فهؤلاء مع جهلهم بكفرهم لم يعذروا برخصة الخطأ".

والجواب : نعم هؤلاء لم يجهلوا الحكم وعلموه كما بينه ابن تيمية، فإذا لم يكونوا جهالا ولا مخطئين فما وجه إيراد الآية لتخصيص عموم العذر بالخطأ والجهل، والآية إنما تدل على عدم عذر المستهزئ وليس هذا موضوع بحثنا، وربما تدل أيضا على أنه يكفي في قيام الحجة العلم بتحريم القول أو العمل ولا يشترط العلم بأنه مكفر.

     ومن كلام ابن تيمية الواضح في العموم أيضا قوله في مجموع الفتاوى (11/401) وقد سئل عمن يزعم سقوط التكاليف الشرعية عنه :" لا ريب عند أهل العلم والإيمان أن هذا القول من أعظم الكفر وأغلظه . وهو شر من قول اليهود والنصارى " وذكر رحمه الله تعالى ألوانا من الموبقات التي يستبيحها هؤلاء الناس ثم قال (11/406):"لكن من الناس من يكون جاهلا ببعض هذه الأحكام جهلا يعذر به فلا يحكم بكفر أحد حتى تقوم عليه الحجة من جهة بلاغ الرسالة كما قال تعالى : ( لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) وقال تعالى : ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) ولهذا لو أسلم رجل ولم يعلم أن الصلاة واجبة عليه ؛ أو لم يعلم أن الخمر يحرم لم يكفر بعدم اعتقاد إيجاب هذا وتحريم هذا ؛ بل ولم يعاقب حتى تبلغه الحجة النبوية" ثم قال (11 /407):" لأن الله عفا لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان، فإذا كان هذا في التأثيم فكيف في التكفير، وكثير من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة الذي يندرس فيها كثير من علوم النبوات، حتى لا يبقى من يبلغ ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة، فلا يعلم كثيرا مما يبعث الله به رسوله، ولا يكون هناك من يبلغه ذلك ومثل هذا لا يكفر؛ ولهذا اتفق الأئمة على أن من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم والإيمان، وكان حديث العهد بالإسلام فأنكر شيئا من هذه الأحكام الظاهرة المتواترة، فإنه لا يحكم بكفره حتى يعرف ما جاء به الرسول ؛ ولهذا جاء في الحديث:" يأتي على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة ولا زكاة ولا صوما ولا حجا إلا الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة يقول أدركنا آباءنا وهم يقولون : لا إله إلا الله وهم لا يدرون صلاة ولا زكاة ولا حجا ولا صوم. فقال : ينجيهم من النار ". ثم ذكر حديث صاحب الوصية الجائرة ، وهو موضوع الدليل الثاني

الدليل الثاني : حديث الوصية الجائرة

    ومن أدلة العذر بالجهل البينة حديث أبي هريرة قال  :" كان رجل يسرف على نفسه فلما حضره الموت قال لبنيه إذ أنا مت فأحرقوني ثم اطحنوني ثم ذروني في الريح فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذابا ما عذبه أحد فلما مات فعل به ذلك فأمر الله الأرض فقال اجمعي ما فيك منه ففعلت فإذا هو قائم فقال ما حملك على ما صنعت ؟ قال يا رب خشيتك فغفر له" متفق عليه .

    قال ابن تيمية (11/409):" فهذا الرجل ظن أن الله لا يقدر عليه إذا تفرق هذا التفرق فظن أنه لا يعيده إذا صار كذلك وكل واحد من إنكار قدرة الله تعالى وإنكار معاد الأبدان وإن تفرقت كفر، لكنه كان مع إيمانه بالله وإيمانه بأمره وخشيته منه جاهلا بذلك ضالا في هذا الظن مخطئا، فغفر الله له ذلك. والحديث صريح في أن الرجل طمع أن لا يعيده إذا فعل ذلك، وأدنى هذا أن يكون شاكا في المعاد وذلك كفر - إذا قامت حجة النبوة على منكره حكم بكفره -". وقال في (3/231):"والتكفير هو من الوعيد . فإنه وإن كان القول تكذيبا لما قاله الرسول، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام أو نشأ ببادية بعيدة . ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة . وقد يكون الرجل لا يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها ، وإن كان مخطئا، وكنت دائما أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال:" إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني، ثم ذروني في اليم فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا من العالمين ، ففعلوا به ذلك فقال الله له : ما حملك على ما فعلت . قال خشيتك : فغفر له". فهذا رجل شك في قدرة الله وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه لا يعاد ، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلا لا يعلم ذلك وكان مؤمنا يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك". وكرر الاستدلال به في المجموع (7/619) (8/12) (12/490) (23/347) والمنهاج (5/337) والاستقامة (1/164) الرد على البكري (2/394) الصفدية (1/233) بغية المرتاد (1/308-310) (1/342).

وقد أجابوا عن هذا الحديث بأجوبة كثيرة منقولة في كتب شرح الحديث:

أولا : قولهم بأن "قدر" في الحديث بمعنى ضيق أو بمعنى قضى وهذا القول جعله ابن تيمية (11/410) من تحريف الكلم عن مواضعه وقال رحمه الله :" ...فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا . فذكر هذه الجملة الثانية بحرف الفاء عقيب الأولى يدل على أنه سبب لها وأنه فعل ذلك لئلا يقدر الله عليه إذا فعل ذلك فلو كان مقرا بقدرة الله عليه إذا فعل ذلك كقدرته عليه إذا لم يفعل لم يكن في ذلك فائدة له ؛ لأن التقدير عليه والتضييق موافقان للتعذيب وهو قد جعل تعذيبه مغايرا لأن يقدر الرب. قال : فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا من العالمين . فلا يكون الشرط هو الجزاء؛ ولأنه لو كان مراده ذلك لقال : فوالله لئن جازاني ربي أو لئن عاقبني ربي ليعذبني عذابا كما هو الخطاب المعروف في مثل ذلك : ولأن لفظ " قدر " بمعنى ضيق لا أصل له في اللغة . ومن استشهد على ذلك بقوله :"وقدر في السرد" وقوله :"ومن قدر عليه رزقه" فقد استشهد بما لا يشهد له. فإن اللفظ كان بقوله:" وقدر في السرد" أي اجعل ذلك بقدر ولا تزد ولا تنقص وقوله:"ومن قدر عليه رزقه" أي جعل رزقه قدر ما يغنيه".

قال ابن حزم في الفصل (3/141):" وهذا تأويل باطل لا يمكن لأنه لو كان يكون معناه حينئذ لئن ضيق الله علي ليضيق علي، و أيضاً فلو كان هذا لما كان لأمره بأن يحرق ويذر رماده معنى ولا شك في أنه إنما أمر بذلك ليفلت من عذاب الله".

ثانيا : وقد ارتضى كثير من المعاصرين تأويل الحديث بأنه قاله في حالة الذهول والدهشة وشدة الفزع، فكان بمثابة الغافل الذي لا يدري ما يقول ، وقد اختاره من الشراح ابن حجر .

   ونسب صاحب عارض الجهل هذا القول الأخير إلى النووي بواسطة صاحب الأحاديث القدسية عن القسطلاني ، والنووي في كتابه إنما ينقله عن طائفة لم يبينها؟! وقال (ص:333):"وقد اعتمده الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب". واستند إلى ما جاء في الدرر (10/ 245-246) :"فهذا الرجل قد وقع له الشك والجهل في قدرة الله تعالى على إعادة من فعل به ما أمر أهله أن يفعلوه، فهذا الرجل لما كان مؤمنا بالله في الجملة، ومؤمنا باليوم الآخر في الجملة، وهو: أن الله يثيب، ويعاقب بعد الموت، فهذا عمل صالح، فغفر الله له بما كان معه، من الإيمان بالله واليوم الآخر، وإنما أخطأ من شدة خوفه". لكنه بتر أول الكلام وعزاه إلى(1/246) ولعله لم يقف عليه وإنما نقله عن غيره؟ وهذا الكلام منقول مختصرا من كلام ابن تيمية وهو في المجموع (12/491). وهذا يبين أنه لم يفهم كلامه إذ لا تنافي بين كونه قال ذلك جاهلا وبين كون دافعه هو شدة الخوف.

   ومن قال إنه كان بمثابة الغافل الذي لا يدري ما يقول فجوابه أنه تأويل بلا سند فليس في متن الحديث ما يعضده، بل فيه ما يرده وهو قوله :"فغفر الله له" لأن المغفرة تكون لمن كان عاقلا قاصدا للفعل مختارا لا لمن ارتفع عنه التكليف، ثم إنه لما اعتذر قال:"خشيتك" ولم يقل :" ذهلت، ولم أكن أدري ما أقول" والذي يفهم من هذا التأويل أنها زلة لسان حدثت في حال قوة الخوف، وهي حال لا تدوم ولو كان ذلك لاستدرك ولفهم ذلك أولاده ولما نفذوا وصيته.

   ومن كلام الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في هذه المسألة قوله في الدرر السنية (10/ 239-240):"إذا فعل الإنسان الذي يؤمن بالله ورسوله، ما يكون فعله كفرا، أو اعتقاده كفرا، جهلا منه بما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، فهذا لا يكون عندنا كافرا، ولا نحكم عليه بالكفر حتى تقوم عليه الحجة الرسالية، التي يكفر من خالفها، فإذا قامت عليه الحجة، وبين له ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وأصر على فعل ذلك بعد قيام الحجة عليه، فهذا هو الذي يكفر، وذلك لأن الكفر: إما يكون بمخالفة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهذا مجمع عليه بين العلماء في الجملة، واستدلوا بقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)، وبقوله: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً) إلى قوله: (بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ).

   واستدلوا أيضا: بما ثبت في الصحيحين والسنن، وغيرها من كتب الإسلام، من حديث حذيفة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن رجلا ممن كان قبلكم، قال لبنيه: إذا أنا مت فأحرقوني، ثم ذروا نصفي في البر، ونصفي في البحر؛ فوالله لئن قدر الله علي، ليعذبني عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين. فأمر الله البحر فجمع ما فيه، وأمر الله البر فجمع ما فيه، ثم قال له: كن، فإذا الرجل قائم. قال الله: ما حملك على ذلك؟ قال خشيتك ومخافتك، فما تلافاه أن رحمه". فهذا الرجل اعتقد أنه إذا فعل به ذلك، لا يقدر الله على بعثه، جهلا منه لا كفرا ولا عنادا، فشك في قدرة الله على بعثه، ومع هذا غفر له ورحمه، وكل من بلغه القرآن، فقد قامت عليه الحجة بالرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن الجاهل يحتاج إلى من يعرفه بذلك من أهل العلم، والله أعلم".

ثالثا : ومنهم من قال بأن هذا كان موحدا كما جاء في بعض الروايات وأن خطأه كان في الصفات والخلاف في تكفير منكر الصفات ثابت والعذر فيها جائز، فنقول له نعم كان موحدا لذلك كان من مقتضى عذره دخول الجنة لا الامتحان، لكن لا نسلم أن خطأه كان متعلقا بصفة القدرة فحسب بل كان متعلقا بأصل من أصول الاعتقاد وهو الإيمان باليوم الآخر والقدرة على البعث، والكفر لا يكون فقط بالوقوع في الشرك بالله تعالى بل يكون بالقول والعمل والاعتقاد والشك، وهذا شك في البعث وفي قدرة الله تعالى، وأي فرق بين الشرك بالله والشك في المعاد.

رابعا : ومنهم من أكثر من الأقوال المذكورة في تأويله حتى تلك الواردة عمن لا يعرف، وقد أبلغها بعضهم إلى سبعة أقوال ، ليبين أن تفسير ابن تيمية وابن حزم من قبله ومن تبعهما ليس متفقا عليه، أو لبيان أن العلماء قد استشكلوا لفظ الحديث لكونه قد عارض القواطع عندهم.

والجواب أنه ليس من شرط صحة الاحتجاج بالحديث أن يتفق الناس أولهم وآخرهم، سلفيهم وخلفيهم على معناه، والأصل إعمال الحديث وحمله على ظاهره، وأما الاستشكال فيكون مقبولا إذا ما عورض الحديث بأدلة نقلية أخرى ، أما إذا كان مصدره ما يسميه الخلف معقولات قطعية فإنه لا عبرة به.

   قال صاحب المجهر (251):"إن تأويل العلماء لهذا الحديث وصرفه عن معناه الظاهري لخير بيان أن ظاهر الحديث غير مراد وأنه معارض لأصولهم الكلية، وهم ينزلون قضايا الأعيان على مقتضى القواعد الكلية، فإن كان من أصولهم : إعذار الجاهل لقالوا جميعا: أن هذا الرجل جهل قدرة الله وكان جاهلا وعذر بجهله، وكفوا أنفسهم مؤنة التأويل، لأن التأويل عندهم شر لا يذهبون له إلا في حالة الضرورة عندما تصطدم قضية من قضايا الأعيان أو دليل جزئي مع القواعد والأصول الكلية".

   من هم هؤلاء العلماء الذين تأولوا الحديث؟ وهل صحيح أنهم يعدون التأويل شرا؟ أليس أكثرهم يتأولون الصفات لقطعيات المعقول عندهم؟ ثم هل أجمعوا على التأويل وبطلان الظاهر؟ وإذا لم يجمعوا فلا حجة في كلامهم لأنا نقول لماذا لا يكون قول ابن قتيبة والخطابي الذي نقله هو الصواب وقد حملا الحديث على ظاهره، لكني على يقين أنه نقل الكلام ولم يفهمه.

الدليل الثالث : الإجماع

   قال ابن حزم في الفصل (3/253):" وبرهان ضروري لا خلاف فيه وهو أن الأمة مجمعة كلها، بلا خلاف من أحد منهم وهو أن كل من بدل آية من القرآن عامدا وهو يدري أنها في المصاحف بخلاف ذلك ، أو أسقط كلمة عمدا كذلك أو زاد فيها كلمة عمدا ، فإنه كافر بإجماع الأمة كلها ، ثم إن المرء يخطئ في التلاوة فيزيد كلمة وينقص أخرى ، ويبدل كلامه جاهلا مقدرا أنه مصيب ، ويكابر في ذلك ويناظر قبل أن يتبين له الحق ، ولا يكون بذلك عند أحد من الأمة كافرا ولا فاسقا ولا آثما ، فإذا وقف على المصاحف أو أخبره بذلك من تقوم الحجة بخبره ، فإن تمادى على خطئه فهو عند الأمة كافر بذلك لا محالة، وهذا هو الحكم الجاري في جميع الديانة".

ونقل الإجماع أيضا ابن تيمية في المجموع في مواضع منها (11/407) (12/489)

وقد عورض هذا الإجماع بإجماع آخر على خلافه زعموه ونقلوا في ذلك نقولا :

الأول : منها كلام ابن القيم الذي بيناه في الشبهة العاشرة .

الثاني : ومنها قول القرافي في شرح التنقيح (439):" ولذلك لم يَعْذر اللهُ بالجهل في أصول الدين إجماعاً". وجوابه من وجوه:

1- أنه قال في بحث حكم الاجتهاد في العقائد أو التصويب والتخطئة في معرض رده على الجاحظ والعنبري إذا قالا بالتصويب ومن الأصوليين من فهم من ذلك تصويب اليهود والنصارى أو عدم تأثيمهم إذا اجتهدوا، ووهذا ما فهمه القرافي وتمام كلامه يدل على ذلك:"فكذلك إذا حصل الكفر مع بذل الجهد يؤاخذ الله تعالى به، ولا ينفعه بذل جهده ؛ لعظم خطر الباب وجلالة رتبته، وظواهر النصوص تقتضي أنه من لم يؤمن بالله ورسوله ويعمل صالحاً فإن له نار جهنَّم خالداً فيها، وقياسُ الخصمِ الأصولَ على الفروع غَلَطٌ لعظم التفاوت بينهما". وعلى هذا فلا خلاف فيما قال وهو خارج عن محل النزاع.

2- لا يصلح نقل المتأخر الإجماع على خلاف إجماع المتقدم، وخاصة إذا لم يكن المتأخر من أهل الخبرة بمذاهب السلف والأئمة المتقدمين، ومن خبر كتب الأصوليين المتأخرين علم أن لا قيمة للإجماعات المنقولة فيها، خاصة ما يورد منها في محل الاحتجاج على الخصوم. وليتأكد المستدل من هذا نحيله على كلام القرافي نفسه في الفروق (2/596) حيث جعل عدم العذر هو المشهور من المذاهب. وهذه عبارته :"ولم يرتفع ذلك الجهل فإنه آثم كافر بترك ذلك الاعتقاد الذي هو من جملة الإيمان ، ويخلد في النيران على المشهور من المذاهب " وقد نقل هذا النص بعضهم ليبين أن القول المشهور عدم عذر الجاهل ونسي مذهبه في المسألة وهو أنه لا يحكم له بالنار وإنما بالامتحان !!

3- قال الشافعي كما في طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (1/283-284):« لله تبارك وتعالى أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه صلى الله عليه وسلم  أمته لا يسع أحدا قامت عليه الحجة ردها لأن القرآن نزل بها وصح عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  القول بها فيما روى عنه العدل فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو بالله كافر ، فأما قبل ثبوت الحجة عليه من جهة الخبر فمعذور بالجهل ، لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل والروية والفكر ». وهذا النص يبين لنا أن ابن حزم ليس أول من قال بالعذر بالجهل وأنه ليس ثمة إجماع على نفيه كما يزعمه المخالفون.

الثالث: ومنهم من أورد قول أبي بطين النجدي في الانتصار (46):" فالمدعي أن مرتكب الكفر متأولا أو مجتهدا مخطئا أو مقلدا أو جاهلا معذور، مخالف للكتاب والسنة والإجماع بلا شك". وهذه دعوى عريضة فيها نفي جملة من الأعذار، ومن جوابه أن ممن نص على العذر شيخ الإسلام ابن عبد الوهاب النجدي كما سبق نقله، فهل خرق الإجماع هو أيضا، ثم إن المتأخرين من النجديين إنما يفسرون كلام الشيخ، فمن أراد تحقيق المذهب الصحيح للدعوة النجدية فعليه أن يعلو في السند ويطلبه من كلام ابن عبد الوهاب نفسه، لأن من جاؤوا بعده قد اختلفوا اختلافا كبيرا:

1- فأبناء الشيخ عبد الله وحسين وحمد بن ناصر لهم رأي آخر كما في الدرر السنية (10/136-137) وهو أن من وقع في الكفر والشرك جهلا لا يُكفَّر لعذره بالجهل ولا يحكم له بالإسلام، ويوم القيامة يمتحن؟

2- وأبو بطين المذكور ينفي العذر بالجهل ويصرح بالتكفير والحكم بالنار لمن وقع في الكفر جهلا كما في الدرر (10/352) وهذا مناقض للقول الأول في الاسم والحكم الأخروي.

3- وكثير من المعاصرين يقول من وقع في الكفر والشرك جهلا يكفر عينا بظاهر حاله ويوم القيامة يمتحن. وهذا مخالف للقول الأول في الاسم وموافق له في الحكم الأخروي، وموافق للقول الثاني في الاسم مخالف له في الحكم الأخروي، ومع ذلك فالمؤلفون منهم ينقلون من كلام أبناء الشيخ ابن عبد الوهاب وأبي بطين ما يوافق اختيارهم.

فأين هو إجماع أبي بطين المدعى ؟ والمستدل به ؟

الرابع : ومن طريقة بعض القاصرين في الاعتراض على الإجماع الذي نقله ابن حزم وابن تيمية نقل خلاف المتأخرين من المتمذهبين وغيرهم، ولا أدري ما فائدة نقل إجماع المتقدمين؟ إذا كان يفسد بمجرد خلاف المتأخرين والمعاصرين ؟ إن الإجماع إذا صح بنقل إمام معتمد يكون حجة على كل من جاء بعده ولا يكون خلافهم يكون دليلا على عدم صحة الإجماع ، ولو جاز ذلك لم يتم إجماع إلى يوم القيامة .

   ثم إن ما ينقلونه من إجماعات على لسان المتأخرين يفسد بإثبات خلاف واحد ممن تقدمهم كابن حزم وابن تيمية، فكيف وهما ينقلان إجماعا، فإن قيل إن المتأخرين إنما ينقلون إجماع السلف قبل ابن حزم وابن تيمية، قيل وكذلك ابن حزم وابن تيمية ينقلون إجماع السلف وهما أعلم وأخبر بالمنقول عن السلف من هؤلاء المتأخرين المتمذهبين الذين أكثر عنايتهم بكتب أصحاب مذاهبهم، والطريقة المعروفة في نقد الإجماع أن ينقل عن إمام أقدم من الناقل خلاف ، وأنى لهم ذلك إلا أن يكون معتزليا أو ماتريديا أو أشعريا جهميا يحد الإيمان بالمعرفة والكفر بالجهل بالله تعالى .

  هذا آخر ما أردنا بحثه من شبهات مثارة حول قضية العذر بالجهل ، وإن كانت ثمة شبهات أخرى فهي أقل شهرة وانتشارا من هذه فيما أحسب، ونسأل الله تعالى أن يهدينا ويهدي بنا ويجعلنا هداه مهتدين وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

(تاريخ نشره أول 14 أكتوبر 2008)
تم قراءة المقال 4951 مرة