الأحد 8 ربيع الأول 1431

شبهات الغلاة في التكفير حول العذر بالجهل (1)

كتبه 
قيم الموضوع
(4 أصوات)

    الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين ، أما بعد: فإن ظاهرة الغلو في التكفير من الظواهر الخطيرة التي ينبغي الاهتمام بعلاجها ، وربما كانت أولى بالعناية من كثير من مظاهر الفساد الأخرى لما لها من آثار سيئة على المجتمع الإسلامي ومسيرة الدعوة إلى الله، لذلك رأيت أن أكتب مقالات موجزة أرد فيها بعض شبه الغلاة المضللة وأفكارهم الخاطئة وآراءهم الباطلة التي لا تزال تروج في العالم، وتستغل لإضلال الشباب وحمله على تكفير المسلمين واستباحة دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وقد سميت هذه المقالات بشبهات الغلاة في التكفير ليعلم أننا لسنا ننكر التكفير الذي هو حكم الشرعي خاضع للنصوص الشرعية والضوابط الفقهية، لأن تكفير من كفره الله ورسوله واجب كل موحد يبرأ من الشرك ومظاهره، ولكننا ننكر الغلو فيه بحيث يحكم على المسلمين بالكفر والردة ظلما وعدوانا، وهذا الغلو والتجاوز للحدود الشرعية له مظاهر في الواقع خلاصتها :

-التكفير بما ليس مكفرا من المعاصي وكبائر الذنوب .

-تكفير من لم يتحقق تلبسه بأسباب الكفر التي دلت النصوص على أنها كفر. 

-عدم مراعاة الشروط في إيقاع حكم الكفر على الأعيان وموانعه.

 

شبهات الغلاة في التكفير حول العذر بالجهل (1)

 

   وسأقتصر في هذه المقالات على مناقشة جزئية مندرجة في الحالة الثالثة ، وهي زعمهم أنه لا يشترط إقامة الحجة على المعين لتكفيره ، وأنه لا أثر لعارض الجهل في ذلك، وذلك بدحض شبهات المخالفين التي كثر المرددون لها، وقد كتب كثير من أهل الإنصاف والاعتدال في هذه المسألة وحققوا الحق فيها من خلال النصوص الشرعية وبيان مواقف الأئمة الأعلام منها، ولا شك أن الجواب عن الشبهات مما يكمل المقصود ويزيد الحق جلاء ويحمي من عرضت له من الإذعان لها.
   ومما لابد من التنبيه عليه هنا أن بعض المتحمسين للرد على الغلاة قد أخطأوا الوجهة في النصيحة للأمة في هذه القضية الخطيرة، وجعلوا كل همهم  التحذير من بعض الأفراد المخالفين ممن تبنى فكر الغلاة في التكفير، وليس ذلك مما ينصر الحق ويحفظ شباب الأمة من الوقوع في هذا المحذور، لأن الناصح لا يمكنه أن يحصي أسماء المخالفين أجمعين، لأجل هذا لم أحرص على تسمية المخالفين إلا حيث رأيت المصلحة في ذلك، والناس إذا عرفوا الحق تمسكوا به وعظموا أهله وإذا عرفوا الباطل اجتنبوه وأهله، وكم رأينا من الشباب الملتزم بمنهج السلف إجمالا قد غرته شبهات المخالفين وجرته إلى الغلو في التكفير لعدم الحصانة العلمية التي تقيه من مهاوي الانحراف، وأكثر هؤلاء المتحمسين المشار إليهم قد أهملوا الجانب العلمي التأصيلي فتراهم يناقشون الكتابات الأدبية المستندة إلى العاطفة الدينية التي لا تؤثر غالبا إلا في العوام وأشباه العوام، ويتركون نقد كتب التنظير العقدي لهذا الفكر التي تصطبغ بالصبغة العلمية، ويستند أصحابها إلى الأدلة الشرعية!! وأقوال علماء السلف والخلف!! وما أكثر هذه الكتب وما أكثر القائلين بما فيها، فهذه المقالات إسهام بحسب الطاقة في بيان الحق وتكميل لجهود غيرنا من الناصحين لله ولدينه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، نسأل الله تعالى أن ينفع بها وأن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم وهو حسبي ونعم الوكيل.

الشبهة الأولى: تحكيم العقل

    من شبهات من يجنح إلى تكفير المسلمين الواقعين في الشرك من غير اشتراط إقامة الحجة وإزالة عارض الجهل والشبهة عنهم، أن حقيقة التوحيد مدركة بالعقل متوصل إليها بالنظر غير متوقفة على إرسال الرسول، وهذا مذهب المعتزلة والماتريدية، قال أبو منصور الماتريدي في تفسيره لقوله تعالى :( لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) (النساء:165):« نفيه الحجة إنما هي في العبادات والشرائع التي سبل معرفتها الرسل أما معرفة الله فإن سبيل لزومها العقل فلا يكون لهم ذلك على الله حجة » (انظر الماتريدية دراسة وتقويما(147)). وقد اعتمد هذا الرأي كثير من الغلاة مع زعمهم الانتساب إلى السنة، ولما قال ابن تيمية في الدرء (8/492) :« وهذا مذهب المعتزلة ومن وافقهم من أصحاب أبي حنيفة» ويعني بأصحاب أبي حنفية الماتريدية منهم، نقله بعض المعاصرين عن المعتزلة وجمهور الحنفية ([1])، ليكون قولا لبعض أهل السنة، ثم بعدها شكك في وجود من لم تبلغه دعوة التوحيد ليصير خلاف من نازع في تحكيم العقل -وهم جمهور أهل السنة عنده -خلافا لفظيا ، لأن اشتراط بلوغ الحجة عن طريق الرسل يصبح أمرا لا معنى له لأنه شرط متحقق في كل عصر وفي كل مكان. وهذه طريقة من يحكم على من وقع في الشرك بالكفر في أحكام الدنيا والآخرة، ويحمل قول الله تعالى: ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (الإسراء:15) على العذاب الدنيوي العام .
    ومن الغلاة من رام ربط عدم العذر بالجهل مع قضية تحكيم العقل من جهة التحسين والتقبيح العقلي على مذهب أهل السنة لا على مذهب المعتزلة، ذلك أن الفرق الإسلامية في هذه القضية طرفان ووسط، فالأشعري ومن تبعه نفوا الحسن والقبح العقليين مطلقا عن أفعال العباد قبل الشرع، وبالتالي لا يترتب على ذلك حسن ولا قبح ولا تكليف إلا بورود الشرع، والمعتزلة ومن تبعهم أثبتوا الحسن والقبح لأفعال العباد بمجرد العقل وقبل ورود الشرع ورتبوا على ذلك الثواب والعقاب، وأهل السنة المحضة قالوا:إن أفعال العباد متصفة بصفات حسنة وسيئة تقتضي الحمد والذم، ولكن لا يعاقب أحد إلا بعد بلوغ الرسالة كما دل عليه القرآن في قوله تعالى:( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (الإسراء: 15)، وفي قوله:(كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ) (الملك:8-9) ([2])، وقد استنتجوا من مذهب أهل السنة المذكور :« أن القوم قبل البعثة وإقامة الحجة معذورون في أحكام وغير معذورين في أحكام أخرى . معذورون في أنهم لا يعذبون في الدنيا والآخرة حتى تقام عليهم الحجة الرسالية وهذا من رحمة الله وفضله . وغير معذورين في اقترافهم الشرك وما ينبني عليه من أحكام مثل عدم دفنهم في مقابر المسلمين ولا الصلاة عليهم وعدم القيام على قبورهم والاستغفار لهم ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم ولا يدخلون الجنة وهو أعظمها « ([3])). وهذه طريقة من ينفي العذاب الدنيوي والأخروي عمن وقع في الشرك مع الحكم عليه بالشرك تعيينا من غير إقامة حجة. والذي يجمعهم جميعا هو الاعتماد على حجة العقل .
     الجواب عن هذه الطريقة في الاستدلال أنها معلومة الفساد عند أهل السنة والجماعة، فمما هو متقرر عندهم أن العقل لا حكم له لا قبل الشرع ولا بعده، وأن مناط التكليف هو الشرع، وقد تواترت بذلك النصوص الشرعية وأجمع عليه السلف، وهو أمر لا يخفى على من كان له إلمام بقضايا التوحيد، قال تعالى :( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) (يوسف:40) وقال سبحانه :( أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (الشورى:21).
   والمخالفون دفعهم هذا الاعتقاد الفاسد إلى تأويل النصوص التي تدل على معتقد أهل السنة بتأويلات متكلفة وتخرصات وظنون كاذبة ، كتخصيص الحجة التي يقيمها الرسل بتفاصيل الشرائع دون أصل الدين وتوحيد رب العالمين ، وحمل العذاب المنفي في قوله تعالى :( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (الإسراء: 15) على عذاب الاستئصال في الدنيا فقط، وأعجب من كل ذلك أن يتأول الرسول المبعوث بالعقل المبثوث .
   وأما ثبوت الحسن والقبح للأفعال قبل الشرع عند أهل السنة فلا يستلزم التكفير ولا علاقة له بإثبات الأحكام الشرعية مطلقا، فما زين به ذلك المستدل قولَه آيل إلى قول المعتزلة وإن خالفهم في العذاب الأخروي، لأنه رتب على التحسين والتقبيح أحكاما شرعية وهذا قول المعتزلة لا قول أهل السنة، وإذا كانت الأحكام المذكورة صحيحة في حق من لم يعرف دين الإسلام ولم يلتزم به في الجاهلية أو بعدها، فليس مستندها هو التحسين والتقبيح، ولا يلزم أن تكون صحيحة في حق من عرف الإسلام والتزمه التزاما مجملا ثم وقع في شيء من نواقضه جهلا.

الشبهة الثانية : الاستدلال بالفطرة
   ومنهم من يستدل على قيام الحجة بالفطرة التي فطر الله الناس عليها وهي الإسلام، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه » رواه البخاري ومسلم .
والجواب :
   نعم المقصود بالفطرة في الحديث فطرة الإسلام كما فسرها أبو هريرة راوي الحديث وكما دل عليها الحديث القدسي :« خلقت عبادي حنفاء كلهم » رواه مسلم. لكن لا تلازم بين ثبوت خلق الإنسان على الفطرة وبين قيام الحجة عليه بحال، قال ابن تيمية :« وإذا قيل إنه ولد على فطرة الإسلام أو خلق حنيفا ونحو ذلك، فليس المراد به أنه حين خرج من بطن أمه يعلم هذا الدين ويريده ، فإن الله تعالى يقول:( وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً) (النحل:78)، ولكن فطرته مقتضية موجبة لدين الإسلام لمعرفته ومحبته، فنفس الفطرة تستلزم الإقرار بخالقه ومحبته وإخلاص الدين له وموجبات الفطرة ومقتضاها تحصل شيئا بعد شيء بحسب كمال الفطرة إذا سلمت عن المعارض، وليس المراد مجرد قبول الفطرة لذلك أكثر من غيره، كما أن كل مولود يولد فإنه يولد على محبة ما يلائم بدنه من الأغذية والأشربة فيشتهي اللبن الذي يناسبه»([4]). ثم قال :« إذا ثبت أن نفس الفطرة مقتضية لمعرفته ومحبته حصل المقصود بذلك وإن لم تكن فطرة كل أحد مستقلة بتحصيل ذلك، بل يحتاج كثير منهم في حصول ذلك إلى سبب معين للفطرة كالتعليم والتخصيص فإن الله قد بعث الرسل وأنزل الكتب ودعوا الناس إلى موجب الفطرة من معرفة الله وتوحيده فإذا لم يحصل مانع يمنع الفطرة وإلا استجابت لله ورسله لما فيها من المقتضي لذلك، ومعلوم أن قوله: (كل مولود يولد على الفطرة) ليس المراد به أنه حين ولدته أمه يكون عارفا بالله موحدا له بحيث يعقل ذلك فإن الله يقول: ( وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً) (النحل:78)، ونحن نعلم بالاضطرار أن الطفل ليس عنده معرفة بهذا الأمر، ولكن ولادته على الفطرة تقتضي أن الفطرة تقتضي ذلك وتستوجبه بحسبها، فكلما حصل فيه قوة العلم والإرادة حصل من معرفتها بربها ومحبتها له ما يناسب ذلك »([5]).

الشبهة الثالثة : الاستدلال بآية الميثاق

    ومن أشهر ما يلبس به الغلاة في نفي العذر بالجهل الاستدلال بقوله تعالى :(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) (الأعراف:172) ومع أن وجه الاحتجاج بها هو عين وجه الاحتجاج بالفطرة إلا أن الغلاة يعتمدون عليها ويطيلون في شرحها ونقل كلام العلماء فيها، لما في ألفاظها من عبارات متشابهة، ولما في كلام المفسرين فيها من إطلاقات موهمة.
      وقبل الجواب عنها نلخص مذاهب أهل السنة في تفسيرها، إذ لهم فيها قولان مشهوران :
أحدهما : أن معنى "الأخذ" فيها هو إيجادهم قرنا بعد قرن، ومعنى "الإشهاد" نصب الأدلة القاطعة على ربوبيته واستحقاقه للعبادة ، ومعنى "قالوا بلى" هو إقرارهم بربوبيته وهو شهادتهم على أنفسهم بأنه ربهم في حياتهم بعد خلقهم ، وهذا الإقرار خلقوا عليه وجبلوا لا يمكن لأحد حجده ، وليس المراد أنه إشهاد لجميعهم في يوم واحد ولو كان ذلك مقصودا لما كان فيه حجة عليهم لأنه لا يذكره أحد عند وجوده في الدنيا وممن اختار هذا التفسير ابن تيمية وابن القيم (انظر الدرء (8/482-491)).
والقول الثاني : أن الله أخرج جميع ذرية آدم من ظهور الآباء في صورة الذر وأشهدهم على أنفسهم وأجابوه بلسان المقال لا بلسان الحال، ثم أرسل بعد ذلك الرسل مذكرة بذلك الميثاق الذي نسيه الكل ، وإخبار الرسل به يحصل به اليقين بوجوده، وذهب إليه الشنقيطي رحمه الله تعالى في أضواء البيان (2/335-337)

    وبعد هذا التوضيح يتبين أنه لا حجة في الآية مطلقا على عدم العذر بالجهل لا على القول الأول ولا على القول الثاني، لأن القول الأول راجع إلى معنى الفطرة وقد علم الجواب عنه، والقول الثاني اشترط فيه تذكير الرسل .
قال الشنقيطي:« فمن ذلك قوله تعالى :( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) فإنه قال فيها حتى نبعث رسولا ولم يقل حتى نخلق عقولا وننصب أدلة ونركز فطرة ، ومن ذلك قوله تعالى :] رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ )(النساء: 165) فصرح بأن الذي تقوم به الحجة على الناس وينقطع به عذرهم هو إنذار الرسل لا نصب الأدلة والخلق على الفطرة ».
فإن قيل فكيف تفسرون الآية بعدها :( أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ )(الأعراف:173) قيل : ذكر لهم حجتين يدفعهما هذا الإشهاد ، إحداهما دعوى الغفلة وهي حجة المعطلين الجاحدين للفطرة لوجود الخالق، والثانية اتباع الآباء وهي حجة المشركين، وهذا يقتضي أن الفطرة وحدها حجة في بطلان الشرك، ومع ذلك فليس في ذلك نفي للعذر بالجهل، قال ابن تيمية رحمه الله :« وهذا لا يناقض قوله تعالى :(وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (الإسراء:15) فإن الرسول يدعو إلى التوحيد لكن إن لم يكن في الفطرة دليل عقلي يعلم به إثبات الصانع لم يكن في مجرد الرسالة حجة عليهم، فهذه الشهادة على أنفسهم التي تتضمن إقرارهم بأن الله ربهم ومعرفتهم بذلك وأن هذه المعرفة والشهادة أمر لازم لكل بني آدم به تقوم حجة الله تعالى في تصديق رسله فلا يمكن أحدا أن يقول يوم القيامة إني كنت عن هذا غافلا، ولا أن الذنب كان لأبي المشرك دوني لأنه عارف بأن الله ربه لا شريك له فلم يكن معذورا في التعطيل ولا الإشراك بل قام به ما يستحق به العذاب، ثم إن الله بكمال رحمته وإحسانه لا يعذب أحدا (إلا) بعد إرسال رسول إليهم وإن كانوا فاعلين لما يستحقون به الذم والعقاب »([6]).

تحريفات صاحب الجواب المفيد
   بعد أن بينا أن آية الميثاق تدل على ثبوت الفطرة، وأنها على قول أهل السنة لا تكون حجة موجبة للعذاب في الدنيا أو الآخرة نأتي إلى كشف بعض تحريفات الغلاة لنصوص العلماء وتعمد البتر المغير للمعنى. نقل صاحب الجواب المفيد (330) مجموعة من النصوص المنتقاة من كلام ابن القيم ونحن نوردها في سياقها لنبين البتر وأثره .
   قال ابن القيم في كتاب الروح (164-165) :« وزاد الجرجاني بيانا لهذا القول فقال حاكيا عن أصحابه أن الله لما خلق الخلق ونفذ علمه فيهم بما هو كائن وما لم يكن بعد مما هو كائن كالكائن إذ علمه بكونه مانع [كذا ولعل الصواب: واقع] من غير كونه, شائع في مجاز العربية أن يوضع ما هو منتظر بعد مما لم يقع بعد موقع الواقع لسبق علمه بوقوعه كما قال عز وجل في مواضع من القرآن كقوله تعالى: ونادى أصحاب النار ونادى أصحاب الجنة ونادى أصحاب الأعراف، [قال فيكون تأويل قوله وإذ أخذ ربك وإذ يأخذ ربك وكذلك قوله: (وأشهدهم على أنفسهم ) أي ويشهدهم مما ركبه فيهم من العقل الذي يكون به الفهم ويجب به الثواب والعقاب وكل من ولد وبلغ الحنث وعقل الضر والنفع وفهم الوعد والوعيد والثواب والعقاب صار كأن الله تعالى أخذ عليه الميثاق في التوحيد بما ركب فيه من العقل وأراه من الآيات والدلائل] على حدوثه وأنه لا يجوز أن يكون قد خلق نفسه وإذا لم يجز ذلك فلا بد له من خالق هو غيره ليس كمثله».
   فهذا الكلام الذي بين معكوفين هو ما نقله منسوبا لابن القيم وهو من كلام الجرجاني المذكور ، وإن فيه عقيدة اعتزالية حيث جعل العقل موجبا للثواب والعقاب، ومع كل ذلك فقد تكلم ابن القيم بما ينقض ما أراده الناقل من قيام الحجة بمجرد الميثاق والعقل ، وسيأتي نقله .
   قال ابن القيم في الروح (167) :« [ولما كانت آية الأعراف هذه في سورة مكية ذكر فيها الميثاق والإشهاد العام لجميع المكلفين ممن أقر بربوبيته ووحدانيته وبطلان الشرك وهو ميثاق وإشهاد تقوم به عليهم الحجة وينقطع به العذر وتحل به العقوبة ويستحق بمخالفته الإهلاك] فلابد أن يكونوا ذاكرين له عارفين به وذلك ما فطرهم عليه من الإقرار بربوبيته وأنه ربهم وفاطرهم وأنهم مخلوقون مربوبون، ثم أرسل إليهم رسله يذكرونهم مما في فطرهم وعقولهم ويعرفونهم حقه عليهم وأمره ونهيه ووعده ووعيده ».
   نقل الكلام المنقول بين معكوفين وترك قول ابن القيم بعده :« الخامس : أنه سبحانه أخبر أن حكمة هذا الإشهاد إقامة الحجة عليهم لئلا يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، والحجة إنما قامت عليهم بالرسل والفطرة التي فطروا عليها كما قال تعالى:( رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) (النساء:165)». وقوله :« الثامن قوله تعالى:( أفتهلكنا بما فعل المبطلون ) أي لو عذبهم بجحودهم وشركهم لقالوا ذلك وهو سبحانه إنما يهلكهم لمخالفة رسله وتكذيبهم فلو أهلكهم بتقليد آبائهم في شركهم من غير إقامة الحجة عليهم بالرسل لأهلكهم بما فعل المبطلون أو أهلكهم مع غفلتهم عن معرفة بطلان ما كانوا عليه وقد أخبر سبحانه أنه لم يكن ليهلك القرى بظلم وأهلها غافلون وإنما يهلكهم بعد الإعذار والإنذار ».

تلبيس صاحب العذر بالجهل تحت المجهر
   وأما صاحب العذر بالجهل تحت المجهر (42-43) فبعد أن قرر أن من وقع في الشرك فهو مشرك باتفاق لأن الخلاف واقع في العذاب لا في الاسم قال :« وهذا الموضع ضل فيه كثير من العقول والأفهام لظنها أن قوله تعالى : ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (الإسراء:15) حجة في إعذار من يقع في الشرك بالله، وأنه ما زال مسلما موحدا مع انغماسه في الشرك وقطعوا بنجاته في الدارين إلا أن تقام عليه الحجة الرسالية ، ويرد على هذا الزعم الباطل هذا البحث الذي بين أيدينا الذي اتفق عليه العلماء : على أن من وقع في الشرك من أهل الفترات الذين هم في غياب عن الشرائع وفي طموس من السبل فهو مشرك لنقضه حجية الميثاق والفطرة وأن العقل حجة على هذا ».

الجواب :
أولا : أن تسمية المشركين الذين ليسوا بمسلمين بالمشركين وملازمة وصف الشرك لهم ليست متوقفة على حجية الميثاق أو الفطرة والعقل، فنحن نسمي المشرك مشركا ونسمي اليهودي يهوديا والمجوسي مجوسيا لانتسابه لهذا الدين ولعدم إقراره بالتوحيد الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم .
ثانيا : وإذا أثبت بالحجج واتفاق العلماء أن المشركين مشركون، فلا يلزم من ذلك أن يحكم بالشرك على المسلمين المقرين بالشهادة والملتزمين بالإسلام وشعائره إذا جهلوا بعض صور العبادة فأشركوا فيها مع الله غيره .

   وقال صاحب المجهر (43):« فلو لم تكن آية الميثاق حجة مستقلة في الإشراك فبأي حجة حكم العلماء بها عليهم بالشرك؟ ».
والجواب واضح يحكمون عليهم بالظاهر منهم، والذي يفهم من هذا التساؤل أنه لولا آية الميثاق لكان هؤلاء المشركون في عداد المسلمين !! لكن من يقول هذا ، بل هم مشركون ونحن مستغنون عن الاستدلال على ذلك.
   وقال أيضا :« وما الحال فيمن وقع في الشرك بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم وكل تراثه محفوظ وآيات الله وأحاديث نبيه تتلى عليهم ليل نهار والموحدون في كل بيت من بيوتهم ». ومعنى كلامه أنا إذا حكمنا بالشرك على أصحاب الفترات فالحكم على هؤلاء (المسلمين) أولى .
الجواب عن هذا ، أن يقال : نعم من كان في بيته موحدون يدعونه ويبينون له التوحيد فقد قامت عليه الحجة أما مجرد تلاوة القرآن والحديث فلا تقوم بها حجة، لأنه يحتاج إلى تفسير وبيان وليس كل الناس يفهم القرآن.
قال ابن حزم في الإحكام (1/71):« وكل ما قلنا فيه إنه يفسق فاعله أو يكفر بعد قيام الحجة عليه، فهو ما لم تقم عليه الحجة معذور مأجور وإن كان مخطئا وصفة قيام الحجة عليه هو أن تبلغه فلا يكون عنده شيء يقاومها وبالله تعالى التوفيق».
 
 

[1]/ الجواب المفيد في حكم جاهل التوحيد (336) وما بعدها .
[2]/ انظر درء تعارض العقل والنقل (8/492-493).
[3]/ العذر بالجهل تحت المجهر (53).
[4]/ درء تعارض العقل والنقل (8/383-384).
[5]/ درء تعارض العقل والنقل (8/460-461).
[6]/ درء تعارض العقل والنقل (8/490-492) الكلام نفسه ورد في أحكام أهل الذمة لابن القيم (2/1011-1014) .

(المقال نشر أول مرة بتاريخ 14 ماي 2008 )

تم قراءة المقال 5675 مرة