لثلاثاء 19 ذو القعدة 1431

أحاديث ضعيفة من كتاب الحج وأثرها في الفقه (4)

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

5-باب النيابة في الحج والحج عن الميت

 من المسائل المهمة في أحكام الحج مسائل النيابة والحج عن الميت، وقد صحت فيها أحاديث منها حديث ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَحُجَّ أَفَأَحُجَّ عَنْهَا قَالَ نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ قَالَتْ نَعَمْ فَقَالَ اقْضُوا اللَّهَ الَّذِي لَهُ فَإِنَّ اللَّهَ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ([1])، لكن من الفقهاء المتأخرين من عارض هذه الأحاديث بحديث شاذ منكر فترك الصحيح واتبع الضعيف وفيما يأتي بيان علة الحديث وما فرع عنه من استدلال.

الحديث التاسع :

             عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَحُجُّ عَنْ أَبِي قَالَ نَعَمْ حُجَّ عَنْ أَبِيكَ فَإِنْ لَمْ تَزِدْهُ خَيْرًا لَمْ تَزِدْهُ شَرًّا.

 

أحاديث ضعيفة من كتاب الحج وأثرها في الفقه (4)

 

    أخرجه ابن ماجة (2904) الطبراني (12/245) أبو نعيم (4/100) من طرق عن عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مرفوعا.

   وهذا سند ظاهره الصحة لكنه معلول بالوقف انفرد عبد الرزاق برفعه،

وقد رواه علي بن مسهر عن الشيباني عند ابن أبي شيبة (15117) ويحيى بن المهلب عند الشيباني في الحجة (2/236) عن سليمان الشيباني عن يزيد عن ابن عباس قال سأله رجل فقال إن أبي مات ولم يحج قط أفأحج عنه قال نعم فإنك إن لم تزده خيرا لم تزده شرا.

    قال ابن عبد البر في الاستذكار (4/166):"هذا الحديث قد أنكروه على عبد الرزاق وخطؤوه فيه لأنه حديث لم يروه أحد عن الثوري غيره فلا يوجد في غير كتاب عبد الرزاق، وقالوا هذا حديث منكر لا يشبه ألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم ومحال أن يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بما لا يدري أينفع أم لا " وقال نحوه في التمهيد (9/129)

تنبيه :

    قد ورد هذا الحديث في صحيح ابن ماجة للألباني وقال فيه صحيح الإسناد، لكنه قد تراجع عن ذلك في ما يظهر في السلسلة الضعيفة رقم (5967)

 

فقه الحديث

 

قد استدل بعض الفقهاء المتأخرين بهذا الخبر مرفوعا على عدة مسائل في النيابة في الحج، منها:

الأولى : الحج عن الميت

    ذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يشرع الحج عن الميت إلا إذا أوصى به فتؤخذ نفقته من ثلث تركته([2])، وقد استدلوا على ذلك بأدلة منها حديث الباب ووجه دلالته أن النبي صلى الله عليه وسلم توقف في أمر إثبات الأجر لمن حج عن غيره، ولو كان مشروعا لما توقف فيه.

   والصحيح أن الوجوب لا يسقط عن الميت سواء فاته الحج بتفريط أو بغير تفريط، ويحج عنه أوصى أو لم يوصي وتؤخذ نفقته من جميع ماله وهو قول الشافعي وأحمد([3]). ومن أدلة المسألة إضافة إلى حديث ابن عباس حديث بُرَيْدَةَ رضي الله عنه أن امرأة قَالَتْ عن أمها إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا فقَالَ صلى الله عليه وسلم حُجِّي عَنْهَا ([4]). ولم يستفصل النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفصل فدل على عمومه للأحوال كلها، وإذا وصف الحج بأنه دين والدين واجب في المال لا البدن، وإذا كان الحج دينا فهو كدين الآدمي لا يسقط بالموت.

الثانية : حكم النيابة عن العاجز

   ومن لم يقدر لعجزه ببدنه أجمعوا على أنه لا يلزمه المسير، واختلفوا إن وجد من ينوب عنه هل يلزمه الحج بالنيابة أم لا([5]) فذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يلزمه الحج وإذا استناب لم يصح عنه([6])، ومنهم من قال تلزمه الاستنابة إذا وجب عليه قبل أن يعجز عنه([7]). ومن حججهم على مذهبهم حديث الباب حيث لم يأمره بل خيره ولم يثبت له الثواب والإجزاء.

   والصحيح أن من وجد من ينوب عنه يلزمه الحج بالنيابة مطلقا وهو قول الشافعي وأحمد([8])، لحديث ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ جَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ فَهَلْ يَقْضِي عَنْهُ أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ قَالَ نَعَمْ ([9]).

ويختص هذا الحكم بمن كان سبب عجزه دائما أما ومن كان محبوسا أو مريضا مرضا يرجى برؤه فلا تلزمه الاستنابة ولا تجزئه ([10]).

الثالثة : الإجارة على الحج

   والخلاف في هذه المسألة فيه شقان أحدهما لزوم الاستئجار وهو مبني على معنى الاستطاعة والاختلاف في حكم النيابة، والثاني الإجزاء وهو مبني على صحة الإجارة على العبادة، والمانع من اللزوم والإجزاء يحتج بحديث الباب.

   والصحيح أن من عجز عن الحج ببدنه وقدر على الإجارة لزمه ذلك وأجزأ عنه، وكذلك يجزئ إن كان عن ميت وهو قول الشافعي وداود وأحمد في رواية ([11]). وذلك بناء على ما سبق في حكم النيابة ومن أن معنى الاستطاعة مطلق لا يتحدد، وأما الإجارة على العبادة فالصحيح جوازها لقوله صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ"([12])، ولإجماعهم على جواز الإجارة في كتب المصاحف وبناء المساجد([13]).

 

6-باب اشتراط الحج عن نفسه ليحج عن غيره

 

الحديث العاشر:

         عن ابن عباس قال:" سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يلبي عن نبيشة فقال أيها الملبي عن  نبيشة هل حججت قال لا قال فهذه عن نبيشة وحج عن نفسك".

 

     أخرجه الدارقطني (2/268) والبيهقي (4/337) من طريق الحسن بن عمارة عن عبد الملك بن ميسرة عن طاوس عن بن عباس به

     قال الدارقطني :"تفرد به الحسن بن عمارة وهو متروك الحديث والمحفوظ عن ابن عباس حديث شبرمة...يقال إن الحسن بن عمارة كان يرويه ثم رجع عنه إلى الصواب فحدث به على الصواب موافقا لرواية غيره عن ابن عباس وهو متروك الحديث على كل حال".

 

فقه الحديث

 

    ذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يشترط فيمن ينوب عن غيره أن يكون قد حج عن نفسه([14])، ومما استدل لهم به حديث الباب وقد علم ضعفه.

   والصحيح أنه يشترط وإن حج عن غيره من لم يقض فرض نفسه انقلب إلى فرض نفسه، وهو قول الشافعي وأحمد([15]).

لحديث ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ e سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ قَالَ مَنْ شُبْرُمَةُ قَالَ أَخٌ لِي أَوْ قَرِيبٌ لِي قَالَ حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ قَالَ لَا قَالَ حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ([16]).

وعلى فرض كونه موقوفا -وقد أعل بالوقف([17])- فهو حجة أيضا لأنه لا مخالف لابن عباس في هذا الشرط.

 



[1]/ البخاري (7315).

[2]/ الحاوي (4/16) المغني (3/196) شرح المهذب (7/112) بدائع الصنائع (3/291).

[3]/ الحاوي (4/16) المغني (3/196) شرح المهذب (7/112) المحلى (7/62).

[4]/ مسلم (1149).

[5]/ تفسير القرطبي (4/150) لا تجزئ الاستنابة القادر على الحج الواجب إجماعا نقله ابن المنذر وابن قدامة والنووي.

[6]/ بداية المجتهد (2/624-625) التمهيد (9/125،134) تفسير القرطبي (4/150) القوانين الفقهية (128).

[7]/ بدائع الصنائع (3/47) (3/270-271) الحاوي (4/8-9).

[8]/ الحاوي (4/8) المغني (3/177) بداية المجتهد (2/624-625) التمهيد (9/125) المحلى (7/53، 61).

[9]/ البخاري (1854) مسلم (1334) واللفظ للبخاري.

[10]/ المغني (3/179) بدائع الصنائع (3/272) شرح المهذب (7/116).

[11]/ الحاوي (4/14) المغني (3/180) التمهيد (9/137) بداية المجتهد (2/626) مجموع الفتاوى (26/18) شرح المهذب (7/100،139).

[12]/ البخاري (5737).

[13]/ التمهيد (9/137) بداية المجتهد (2/626).

[14]/ الحاوي (4/21) المغني (3/198) بداية المجتهد (2/625) شرح المهذب (7/119) القوانين الفقهية (128).

[15]/ الحاوي (4/21) المغني (3/198) بداية المجتهد (2/625) شرح المهذب (7/119).

[16]/ أبو داود (1811) ابن ماجة (2903) وصححه ابن خزيمة (3039) ابن حبان (3988) وابن عبد البر (9/138) والنووي على شرط مسلم (7/117) والألباني في الإرواء (994).

[17]/ ممن أعله بذلك أحمد وابن المنذر والطحاوي، انظر التلخيص الحبير (2/223) ونصب الراية (3/154-155).

تم قراءة المقال 3348 مرة