الأربعاء 24 ربيع الثاني 1434

ملخص البحث (منهج البحث ي علم أصول الفقه)

كتبه 
قيم الموضوع
(9 أصوات)

 

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد : فإن علم أصول الفقه هو العلم الذي كان محركا للاجتهاد في العصور الذهبية للدولة الإسلامية، وكان من آثاره ظهور المدارس الكبيرة في تاريخ الفقه الإسلامي ، وقد عرف له أهميته العلماء في كل عصر، فاعتنوا به غاية الاعتناء فتخصصوا فيه وألفوا فيه المؤلفات الوجيزة والمبسوطة، إلا أنه أصاب هذا العلم ما أصاب علم الفقه وغيره من العلوم من الجمود والركود في العصور المتأخرة، حيث قلَّت المصنفات فيه واقتصر الناس على المختصرات والشروح والحواشي التي دخل في مضمونها ما هو خارج عن علم الأصول من مواد كلامية ولغوية ومنطقية وغيرها.

 

ملخص البحث (منهج البحث ي علم أصول الفقه)

 

    وفي عصر النهضة الحديثة لما أراد الناس أن يرجعوا للاجتهاد مكانته وأن يعيدوا للفقه سابق عهده اتجهوا إلى دراسة علم الأصول باعتباره آلة الاجتهاد وميزان الفكر، لكنهم صدموا بما هو مدون في تلك المصنفات من حيث الشكل والمضمون، حيث غلب عليها الغموض وحشو المعاني الكثيرة في الألفاظ اليسيرة وعدم التزام حسن الترتيب، واختلطت مادتها بمواد دخيلة ليست من أصول الفقه في شيء، فاجتهد كثير من المعاصرين في وضع مؤلفات جديدة تكون خالصة من تلك الأدران العالقة بالعلم، ويعاد عرض مادتها بأسلوب منهجي يسهل فهمها وحفظ مسائلها، وبعد مرور عقود ظهر ما يسمى بالاتجاه التجديدي في علم أصول الفقه الذي يرمي إلى إعادة كتابة الأصول في صياغة جديدة متضمنة للمعاني الأصيلة فيه، وهذه الغاية التي يرمي إليها هؤلاء المجددون من المؤلفين في الأصول أو المنظرون لهذا التجديد، غاية مشروعة دل عليها قول النبي e :« إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل سنة من يجدد لها أمر دينها ». ومعنى التجديد هو رد هذا العلم إلى ما كان عليه في سالف عهده قبل أن تدخل فيه تلك الشوائب التي شوهت صورته وعطلت فائدته ، وحتى يكون هذا التجديد منظما ومؤسسا على قواعد تحمي الخائض فيه من الشطط والانحراف وجب النظر في المسائل المنهجية التي تحكم هذا التجديد.

     وفي هذا السياق يأتي هذا البحث الموسوم بـ " منهج البحث في علم أصول الفقه" الذي شرح تلك المسائل مفصلة في أربعة أبواب متعلقة بالمنهجية مباشرة وهي، أولا: طرق تصوير المسائل الأصولية وشرحها وأدرجت فيه المسائل المتعلقة بشكل البحث كقضية الترتيب والاختصار، ثانيا: منهج حكاية المذاهب في المسائل الأصولية، ثالثا : بيان منهج الاستدلال على القضايا الأصولية وتمييز ما يكون دليلا عليها وما لا يكون، ورابعا : مناقشة المسائل المطروقة في المصنفات الأصولية وبيان ما له ارتباط مباشر بالأدلة وطرق الاستنباط لعده من صلب العلم ولبه، وما لا ارتباط له بموضوع الأصول لعده من الدخيل الذي ينبغي الاستغناء عنه وحذفه من المصنفات التي يبتغى فيها الجدة.

    وقبل ذلك قدمت بباب شرحت فيه قضايا نظرية ممهدة للأبواب الأربعة المشار إليها كتحديد مفهوم منهج البحث الذي ستبنى عليه الرسالة كلها، وبيان المصادر المعتمدة في هذا العلم إذ منها ما هو منصوص عليه كعلم الكلام واللسان العربي والأحكام الفقهية ومنها ما لم ينص عليه كالقرآن وعلومه والحديث وعلومه وآثار الصحابة رضي الله عنهم، وشرحت بإسهاب المراحل التي مر بها علم أصول الفقه، بذكر أهم ما صنف في كل مرحلة وخصائص هذه المصنفات، وهي في تقديري أربعة مراحل مرحلة النشأة والتأسيس ومرحلة التطور والاكتمال ثم مرحلة التوسع وأخيرا مرحلة الجمود والانحطاط ، والمتأمل في هذه المراحل لا يجد عسرا في فهم إشكالية البحث، وهو أن الخلل ليس في ذات العلم ولكن في المصنفات التي صنفت في عصور التوسع والانحطاط، وتكميلا لهذا الفصل وتأكيدا لما أردته من خلاله جعلت فصلا آخر لبيان عوامل جمود علم الأصول وآثار هذا الجمود على الأمة الإسلامية، وتكلمت في فصل مفرد عن المتكلمين وأثرهم في علم الأصول، وبينت أن خوضهم في هذا العلم وطغيان منهجهم على منهج الفقهاء كان من أهم الأسباب التي أثرت سلبا على علم أصول الفقه، وحتى لا يتوهم متوهم أن انتقاد المتكلمين ومنهجهم هو ترجيح لطريقة الحنفية المتأخرين التي لا تسلم هي الأخرى من الانتقاد بينت في فصل خاص طرائق التصنيف عند الأصوليين وأبرزت منهج الفقهاء المتقدمين الذي كان سائدا قبل ولوج المتكلمين المتحررين من كل قيد في علم الأصول، وقبل أن يسلك الحنفية المتأخرون طريقة التقليد المحض، ومهم جدا أن يعلم وجود هذا المنهج الذي أسسه الشافعي وسار على وفقه أعلام من الأئمة كالجصاص من الحنفية وأبي يعلى من الحنابلة والشيرازي من الشافعية والباجي من المالكية وابن حزم من الظاهرية، لأننا في القضايا التفصيلية لمنهج البحث ندعو في الجملة إلى الرجوع إلى طريقة هؤلاء الأوائل.

     وحتى لا يلتبس أمر التجديد المنهجي الذي يدعو إليه كثير من الأصوليين المعاصرين بالدعوة إلى تطوير الأصول واستبدالها بغيرها التي قد تسمى دعوة إلى التجديد تلبيسا وتعمية ، تحدثت عن مشروعية التجديد ومفهومه الصحيح وميادينه في علوم الشريعة كلها، وناقشت بعض المقلدين الرافضين له، وأوضحت الخطوط العريضة لهذا التجديد المنهجي المطلوب للنهوض بعلم الأصول، كما شرحت مذهب دعاة التجديد العصراني وكشفت عن فحواه حتى لا يساء الظن بالمسعى والغرض الذي أصبو إليه، وقد اتضح أنه شتان بين دعوة العصرانيين الحداثيين العلمانيين التي مضمونها الطعن في أصول الشرع التي كانت في عهد السلف الصالح من لدن أصحاب النبي e إلى عهد الأئمة المجتهدين ومن بعدهم إلى يومنا واتهامها بالقصور، والدعوة إلى اختراع بدائل عصرية يستفاد منها تشريع وضعي ينسب ظلما وزورا إلى الإسلام. وبين دعوة العلماء الربانيين إلى تصفية العلوم الإسلامية من الشوائب التي علقت بها وردها إلى ما كانت عليه في عصر السلف الصالح وإعادة صياغتها بصياغة جديدة ميسرة للفهم مع الحفاظ على المضمون .

     وقد توصلت من خلال بحثي في القضايا المنهجية المتعلقة بالبحث والتأليف في أصول الفقه إلى جملة من النتائج التي نسوق خلاصتها فيما يأتي :

     أما ما يتعلق بمنهج تصوير المسائل الأصولية وعرضها، فقد خلصت في قضية الحدود والتعاريف أن كل ما أوصل إلى شرح المعنى المراد توضيحه من عبارات طالت أو قصرت فهو تعريف مقبول، ولا يشترط في ذلك التزام الحد المنطقي الذي يبنى على الجنس والفصل ويراد منه تحديد الماهية ولا بد، وقد أدى التزام الحد المنطقي إلى ظهور بحوث لفظية عقيمة ومناقشات منطقية لا فائدة منها، وشغل مساحة كبيرة في عقد المقارنات بين الألفاظ حتى ضاعت المعاني الصحيحة في كثير من الأحيان، وقد أبزرت ذلك جليا في فصل خاص بالأمثلة التي لا تدع مجالا للشك أن بحوث كثير من المؤلفين في الأصول خارجة عن الموضوع، وقد ساعد على ضياع المعاني الصحيحة استغناء المتكلمين عن ضرب المثال الحي النابع من الواقع الفقهي وإيغالهم في النظرية والتجريد، فأكدت على ضرورة ضرب المثال وتجديده وكونه واقعيا حتى إذا ما وجد في عبارات الحدود بعض القصور عن تصوير المعنى الكامل استكمل ذلك بالمثال الذي يقطع كل احتمال، وإلى جانب المثال الموضح للمعنى لا بد أن تذكر نماذج للفروع الفقهية التي تبنى على المسألة الأصولية سواء كانت المسألة خلافية أو إجماعية، ومن شأن ذلك أن يسهم في توضيح المعاني وكذلك يبين الثمرة العملية للبحث في المسائل النظرية، ويساعد أيضا على تحديد المسائل الإضافية التي لا يبنى عليها فقه ولا استنباط، على أن يكون هذا التفريع مقتصدا فيه فلا ينبغي الإطناب في ذكر الفروع ولا في مناقشة الفرع الواحد لأن محل ذلك في غير كتب الأصول.

    ومن القضايا المنهجية المهمة في تصوير المسائل الأصولية الخلافية: تحرير محل النزاع ، لأنه يساعد في التركيز على معاني عبارات المصنفين والتبين من مقاصد أصحابها، ويبعد الباحث عن التعميم في الأحكام، ويعينه في الوصول إلى الحقيقة والاقتراب من الصواب، وقد أكدت على أسباب الغلط في تحرير محل النزاع كعدم التدقيق في نقل المذاهب والتكلف في التوفيق بينها واختلاف اصطلاحات العلماء، وهذا الأخير كان موضوع فصل مستقل لأن التمييز بين الاصطلاحات المختلفة للمؤلفين في الأصول من أهم القضايا المنهجية التي ينبغي الوقوف عندها ولا يخفى أن مشكلة المصطلح لا تزال تشغل بال الباحثين في شتى الفنون، وفي علم الأصول يتجلى اختلاف الاصطلاح في عدة اتجاهات من أبرزها اختلاف اصطلاحات المتقدمين عن اصطلاحات المتأخرين، واختلاف الاصطلاح بين المدارس الفقهية المذهبية ، ثم اختلاف الاصطلاحات بين الفقهاء وبين غيرهم من أهل الفنون التي استمدت منها المادة الأصولية كالمتكلمين والمحدثين والمنطقيين واللغويين، وكل هذا الاختلاف من شأنه التأثير في مجرى البحث الأصولي وقد بينت ذلك بالمثال ودعوت إلى ضرورة بيان المصطلحات دون تخطئة أو إلغاء، لأن الأصل أنه لا مشاحة في الاصطلاح إلا في أحوال استثنائية، ولأن الغاية أن يفهم الباحثون كلام المصنفين على وجهه، والذي يفيد في ذلك هو التنبيه إلى اختلاف الاصطلاحات لا إلغاء بعضها دون بعض.

ومن الأمور التي من شأنها تسهيل التصور والمساعدة على تحرير محل النزاع اعتماد التقسيم للمسائل الأصولية، ولكن الواقع في كتب الأصول هو الغلو في التقسيم بغير فائدة مرجوة في التصوير إلا تعقيد المسائل بذكر أقسام مقدرة في الذهن غير موجودة في الواقع ولا مثال عليها، ولذلك ذكرتُ ضوابط ينبغي التزامها في التقسيم المفيد، ومن ذلك أن يكون نابعا من واقع النصوص والأمثلة الفقهية، وأن يكون لكل تقسيم ضابط يضبطه وأثر في الأحكام.

    ومن القضايا المنهجية المتعلقة بالشكل قضية الاختصار ، إذ المؤلفات الأصولية منها المبسوط ومنها المختصر، ولكن من المتأخرين من أراد أن يختصر المؤلفات المبسوطة في مؤلفات موجزة فضغط المعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة، الأمر الذي أنتج عسرا في الفهم وإخلالا بالبلاغة، بل صارت هذه الكتب أشبه ما يكون بالألغاز، مما دفع بالمعاصرين إلى انتقادها أشد الانتقاد، وهذا لا يعني إلغاء المؤلفات المختصرة، ولكن ينبغي أن يكون الاختصار بتقليل المسائل وعدم التطرق إلى الخلاف مع الإبقاء على الأدلة دون توسع فيها، كما كان شأن المؤلفات المختصرة التي وضع المتقدمون من الأصوليين. ومما يتعلق بالشكل قضية الأسلوب إذ الهدف من الكتابة والتأليف إيصال المعلومات للقارئ بأجمل العبارات، وأفصح الكلمات وأوضح الأساليب، ذلك أن الألفاظ قوالب المعاني، والأسلوب الرصين المشرق يعطي النص المكتوب حيوية، والبحث الأصولي من أكثر البحوث حاجة إلى اختيار العبارات السهلة الفصيحة، والأساليب التي لا عسر فيها، وقد تبين أن كثيرا من المؤلفات قد خرجت عن هذا المنهج إلى اعتماد أساليب معقدة، وكان من أسباب تعقيدها الغلو في الاختصار، واستعمال المصطلحات الغريبة عن لسان الفقهاء، وغلبة الصبغة الكلامية والعقلية على مصنفات كثير منهم. 

    ومن القضايا المندرجة في هذا السياق الحرص على حسن العرض والترتيب المنطقي للمسائل والأبواب، لأن التنظيم الدقيق لخطوات البحث ومادته هو الذي يحقق الثمرة منه، ويدل على هضم مسائله والتحكم فيها، فلا بد من وجود خطة عامة للكتاب يراعى فيها التسلسل المنطقي لعناصره، وكذلك من المستحسن أن يجعل بين يدي كل فصل مقدمات يشرح فيها ما يأتي فيه من مباحث ووجه الربط بينها.

    وأما فيما يتعلق بالبحث المقارن في علم الأصول وهو البحث الأكثر فائدة فيما هو خلافي من جزئيات المسائل، فإنه ثمة قواعد منهجية متعلقة بحكاية الخلاف ونقله لا بد من التزامها حتى يكون البحث مثمرا وخاليا من المعوقات الصادة عن الوصول إلى الحقيقة، ومنها استيعاب الأقوال الواردة في المسألة مع اجتناب التكلف وتوليد الأقوال التي لا يعرف قائل بها، مع التركيز على أقوال أئمة المذاهب المتبوعين؛ فإن كانت لهم أقوال منصوصة فلا بد من ذكرها، وإن لم تكن فلا بأس من تخريجها من فروعهم إذ معرفة مذاهبهم أولى وأنفع من معرفة مذاهب غيرهم من المتأخرين، ولا بد أيضا من التحقق من الأقوال المنقولة عن الأئمة وعن غيرهم بالرجوع إلى المصادر المعتمدة في كل مذهب، وعند حكاية الأقوال لا يلزم استيعاب ذكر جميع أسماء الأصوليين لأنه يكفي أن يذكر أسماء المتقدمين الذين اختاروا ذلك القول .

    ومن الأمور المهمة في هذا الباب أن يعلم أنه ليس كل رأي منقول في مسألة فهو معتد به معول عليه، بل لا بد من إقصاء الآراء التي ينفرد بها من لا عبرة بقوله من الخوارج والمعتزلة والرافضة وغيرهم من الفرق الإسلامية، فضلا عن أقوال أهل الملل من اليهود والنصارى وغيرهم، وأما الظاهرية فالراجح عند المحققين اعتبار أقوالهم، والحَكَم بينهم وبين الجمهور فيما اختلفوا فيه هو الحجة والبرهان .

   وكما ينبغي إقصاء من لا يعتد بقوله ممن ليس من أهل النظر والاجتهاد؛ كذلك لا بد من إقصاء الأقوال المحدثة التي لم يقل بها أحد من المتقدمين ولم يجر عليها عمل في عصور الاجتهاد.

   ومما يلتحق بهذا الباب عدم إهمال مذاهب المحدِّثين في المسائل الحديثية، وإذا نقلت فلا بد من نقلها من مصادرها والتحقق من ثبوتها عن أهلها، وكذلك الأمر في المسائل اللغوية والمسائل الفقهية لأن أهل كل فن أدرى بفنهم من غيرهم وأعلم بحقيقة مسائله.

   ومما ينبغي نفيه من المسائل الخلاف اللفظي، فلا يحكى الخلاف في مسألة إلا بعد التثبت من كونه متحققا وواردا على محل واحد، لأن افتراض الخلاف حيث لا خلاف مضيعة للوقت والجهد، وكذلك ينبغي تجنب مسائل الجواز والمنع العقليين، لأنه لا ينبني عليها عمل والبحث فيها بحث نظري بحت، قد يؤدي في بعض الأحيان إلى أقوال مستحيلة في الشرع وباطلة منكرة غير مرضية.

   وبعد حكاية الأقوال يأتي النظر في الاستدلال على القواعد الأصولية ، واعتماد الاستدلال من آكد القضايا المنهجية في العلوم الشرعية كافة، وهو في أصول الفقه أشد تأكيدا، لأن هذه الأصول ستكون أساسا في الاستنباط وبناء الفروع الفقهية عليها ، وهذا الاستدلال لا بد أن يضبط أيضا بضوابط أهمها تعظيم الدليل النقلي من الكتاب والسنة وآثار السلف، إذ عليه الاعتماد في استخراج القواعد، وأقوى القواعد الأصولية ما دل عليه الاستقراء وتتبع الأدلة النقلية لأنه ينفي عنها الاحتمال ويرتقي بها إلى درجة القطعية.

    وليس القطع مطلوبا في أدلة أصول الفقه كما ظنه بعض الأصوليين؛ فأدى بهم إلى رفض الاحتجاج بأخبار الآحاد والدلالات اللفظية، وإلى التوقف في أمهات المسائل الأصولية، وإلى التكفير والتضليل بغير مسوغ في كثير من الأحيان.

    ومما هو مطلوب في أدلة السنة والروايات على وجه الخصوص: التثبت منها، وذلك  يتضمن التثبت من صحتها وثبوتها عن النبي e، بالرجوع إلى أقوال أهل النقد من المحدثين، ويتضمن التثبت من ألفاظها وصحة نقلها وعدم تحريفها والتصرف فيها، وذلك لا يحصل إلا بنقلها من مصادر الحديث الموثوق بها، وقد تبين في البحث تساهل أغلب الأصوليين المتقدمين والمتأخرين في نقل ألفاظ الروايات وفي الحكم عليها.

    ومن أهم موارد الاستدلال في الأصول دليل الإجماع، أي إجماع السلف والأئمة المتقدمين ، لأن معظم الخلل الموجود في اختيارات المتأخرين ناتج عن عدم معرفة مذاهب السلف ، ولمواضعِ إجماعهم واختلافهم ، وقد تبين في البحث أيضا تساهل الأصوليين في نقل الاتفاقات وفي ردها، لذلك وجب على الباحث في الأصول أن يتحرى فيما ينقله من إجماعات، وأن يتثبت بالرجوع إلى مصادر المتقدمين على وجه الخصوص.

    ومن الأدلة التي اعتمد الأصوليون في مصنفاتهم أدلة المعقول ، وهي أنواع كثيرة اعتمدت في الكلام والمنطق وغيرها من الفنون، وعلى الباحث في عصرنا أن يميز بين ما هو ضعيف مردود منها؛ وبين ما هو صحيح مقبول قد تضمنته الأدلة الشرعية، وأن يتبين أنماط الخلل الموجودة فيها ، وعليه أن يتيقن أن علم الأصول علم شرعي لا يمكن للعقل أن يستقل بإدراك قواعده فضلا عن أن يعارض الأدلةَ النقليةَ ظنية كانت أو قطعية.

    ومن القضايا المنهجية المتعلقة بالاستدلال: ضوابط مناقشة أدلة المخالفين ، لأن من الأصوليين من غلا في الجدل في القواعد بلا فائدة ، بل أدى ذلك إلى آفات كثيرة منها التشكيك في القطعيات والمسلَّمات، وتطويل المسائل بلا طائل، وضعف سلطان الدليل على النفوس، والخروج في بعض الأحيان عن الإنصاف إلى الشدة والفظاظة ، ومن تلك الضوابط المشار إليها -إضافة إلى التزام آداب الجدل عموما-: الابتعاد عن الجدل في القطعيات وكذا في الفرضيات التي لا ينبني عليها عمل، وتجنب تطويل النقاش والإكثار من الشبهات، والحذر من المجادلة بالباطل والاقتصار على الأدلة التي استدل بها الخصوم فعلا دون الأدلة المفترضة التي يستدل لهم بها.

    ومن طرق الاستدلال الواقعة في كثير من المصنفات الأصولية بناء مسائل الأصول على الفروع الفقهية، وقد أدى إلى اعتماد هذه الطريقة شيوع التقليد والتعصب المذهبي، وإقحام مسائل الأحكام والفروع ضمن مباحث الأصول، وهذه طريقة غير مقبولة في إثبات الأصول وإن كانت نافعة في استخراج آراء الأئمة، لأنها تصيِّر الفروع حاكمة على الأصول بدل أن تكون محكومة بها، وتؤدي إلى كثرة الاستثناء في القواعد أو التناقض وغير ذلك من الآفات.

   وكما اعتمد كثير من الفقهاء على الفروع في وضع القواعد الأصولية بناء على ميولهم المذهبية، فكذلك المتكلمون قد اعتمدوا طريقة بناء قواعد أصول الفقه على أصول الكلام، ولا شك أن المؤلفات تنطبع بعقائد مصنفيها، وقد أدى ذلك إلى بث الأقوال المحدثة والعقائد الفاسدة في كتب الأصول، وإلى تضليل أئمة السنة في كثير من الأحيان، وإلى رد النصوص الشرعية والجدل فيها بلا علم بدل جعلها حاكمة على قواعد الأصول.

   وأهم شيء يجب الوصول إليه -باعتماد الاستدلال في أصول الفقه-: الاستقلالية في الترجيح، بمعنى أن يكون الترجيح في المسائل بناء على مقتضى الأدلة المعتبرة دون نظر إلى الانتماء المذهبي أو العقدي، لكن ينبه في هذا الموضع إلى أن الاستقلالية المطلوبة في التجديد الأصولي مقيدة بعدم الخروج عن مذاهب السلف.

   وآخر الأبواب المطروقة في البحث باب مسائل الأصول ما يطرح منها وما يثبت، وفيه البحث في المسائل الضرورية في العلم والتي هي من صلبه والمسائل الإضافية والدخيلة التي يمكن الاستغناء عنها، وأول شيء ينبغي بيانه في هذا السياق تحديد موضوع علم الأصول، وذلك أن معرفة الموضوع ستكون معيارا للتمييز بين الأصيل والدخيل فيه، وقد رجحت أن موضوع الأصول هو الأدلة وطرق الاستدلال دون مباحث الأحكام والاجتهاد، وأنه لا يدخله التجديد بإضافة معاني كلية جديدة كمن دعا إلى إدخال علم المقاصد والقواعد الفقهية وتاريخ التشريع في مسائل الأصول ، وأما إضافة بعض المسائل الجزئية الداخلة في معنى الدليل وطريقة الاستدلال فلا بأس بذلك كحجية الحديث الحسن وتفصيل القول في صوارف الأمر إلى الندب.

    وأهم مباحث علم أصول الفقه مباحث الأدلة الشرعية، وهي منقسمة إلى أدلة أصلية وأدلة تبعية ، فأما الأصلية فهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس ، وأما التبعية فهي نوعان أدلة معتبرة وأدلة غير معتبرة، فأما المعتبرة فهي أدلة متفرعة عن الأدلة الأصلية وداخلة في معناها كعمل أهل المدينة الداخل في معنى السنة المتواترة، وقول الصحابي الذي لا مخالف له الذي تشمله أدلة حجية الإجماع السكوتي، وأما غير المعتبرة فهي الأدلة التي ذكرها بعضهم أو اعتمدها وهي غير موصولة بالأدلة الأصلية، كدليل العقل والاستحسان المجرد والعرف والقياس الأرسطي.

   ومن أهم المباحث الأصولية مباحث الدلالات وهي مباحث لغوية في أساسها المرجع فيها إلى أئمة الأصول المتقدمين كالعموم والخصوص والمنطوق والمفهوم والأمر والنهي ونحو ذلك، وقد يحتاج في توضيحها والتمهيد لها إلى بعض المسائل اللغوية البحتة فتؤخذ مسلمة عن أهل اللغة والسعي في إثبات هذه المقدمات أو نقل الخلاف فيها إلى علم الأصول يعتبر من خلط العلوم بعضها ببعض، لذلك ينبغي الاقتصار في المسائل اللغوية على ما له صلة مباشرة بطرق الاستدلال دون غيرها من المسائل الإضافية كبحث مبدأ اللغات وتقسيم الكلام ومعاني الحروف ونحو ذلك .

    ومن مباحث الأدلة مباحث السنة المتعلقة بالاحتجاج بالحديث وما يثبت منه وما لا يثبت ، كحجية المرسل وزيادات الثقات وما له حكم الرفع من أقوال الصحابة، ومبحث المتواتر ومسائله، ولا ينبغي الخوض في المسائل الحديثية الصرفة التي لا علاقة لها بحجية الخبر بطريق مباشر، كمسائل الجرح والتعديل وقوانين الرواية التي هي في الغالب آداب تتعلق بالتحمل والأداء يحتاجها المحدثون دون الفقهاء.

    ومن المسائل التي نعتقد أنها إضافية ولا بد من تجريد الأصول منها مسائل علم الكلام أو أصول الدين التي أقحمها المتكلمون بحكم اختصاصهم بها وميلهم إليها، كمسألة الكلام النفسي والمسائل المفرعة عليها في العموم والأمر وغيرها ومسألة التحسين والتقبيح العقليين والمسائل المفرعة عليها في مختلف أبواب الأصول، فإنها غير مفيدة في الفقه ولا الاستدلال ولا تدخل في المعنى العام لموضوع أصول الفقه.

   ويلتحق بالمسائل الكلامية المسائل الفرضية أي المسائل التي يفترضها العقل ويقدرها ولا وجود لها في واقع النصوص كمسألة الإجماع في عهد النبي e وإجماع العوام عند خلو العصر من المجتهد والإجماع على خلاف الإجماع ، ونحوها من الفرضيات التي لا تقع ، وكذا المسائل النظرية البحتة التي لا تفيد في النظر والاجتهاد كمسألة تعبد النبي e بشرع مَن قبله قبل البعثة وحكم إجماع الأمم السابقة .

   ومن المسائل التي ناقشها الأصوليون في مؤلفاتهم مسائل فقهية محضة، قد تُفرد بترجمة وقد تناقش تحت ظل مسألة أصولية أخرى، وهذه المسائل لا بد من حذفها من علم الأصول لأنها ليست منه، والمسائل الفقهية إنما تذكر عرضا لضرب المثال والتوضيح أو للتفريع وبيان ثمرة الخلاف دون أن تناقش فضلا عن أن تفرد بالبحث حتى تصبح من مسائل العلم كمسألة البسملة هل هي من القرآن؟ ومسائل الأهلية كتكليف الصبي والسكران ومسألة مس القرآن المنسوخ التلاوة ونحوها مما هو موجود في كتب المتكلمين والحنفية على حد سواء.

   ومن المسائل المقحمة في علم الأصول وليست منه المسائل المنطقية، وإن آثارها بادية في صور منها المقدمات المنطقية التي تجعل في أوائل المصنفات الأصولية، وفي تطبيق قواعد الحد المنطقي على التعاريف الأصولية وفي استعمال تقسيمات المنطق في مباحث الدلالات ومباحث القياس، وكذا تغليب لغة المناطقة واصطلاحاتهم على لغة الفقهاء، ومنهم من أدرج القياس الأرسطي ضمن الأدلة التبعية، وكل هذا مما ينبغي حذفه وتجريد علم الأصول منه.

   ومن المسائل التي أقحمها بعض الأصوليين في مباحث العلم إقحاما وليست منه مسائل الجدل، الذي هو العلم بأساليب وآداب وقواعد دفع حجج الخصم وشبهاته، وهو علم أصول فقه خاص أو علم الخلاف، ومن تلك المسائل مسائل الاعتراضات على القياس وعلى بقية الأدلة الشرعية ومسائل آداب الجدل وغيرها .

   وخاتمة البحث في مسائل علم أصول الفقه بيان أن مسائل الأحكام الشرعية ما هي إلا مقدمات اصطلاحية لعلم أصول الفقه، لا حاجة إلى التوسع في مسائلها وليست من موضوع العلم، ومن وسعها فإنما وسعها بإقحام مسائل كلامية وفرضية لا حاجة إليها ومسائل فقهية محلها كتب الفقه والقواعد الفقهية، وكذلك مسائل الاجتهاد ما هي إلا مسائل محصورة تعتبر خاتمة لعلم الأصول ومن وسعها فإنما وسعها كذلك بالمسائل الكلامية والفرضية والفقهية وموضوع علم أصول الفقه كما سبق هو العلم بالدليل وكيفية الاستدلال به وغير هذا إن تعلق به فهو من المقدمات والتتمات والعلم عند الله تعالى.

 

 

 

 

تم قراءة المقال 14915 مرة