لثلاثاء 27 ربيع الثاني 1441

العولمة الاقتصادية وسبل مواجهتها

كتبه 
قيم الموضوع
(1 تصويت)

بحث قدم ليوم دراسي عنوانه "الإسلام وتحديات العولمة" نظمه "قسم العلوم الإسلامية" بحامعة تلمسان في تاريخ 25 أفريل 2013)
ونشر في مجلة المقدمة العدد 2 ، نوفمبر 2019 (مجلة علمية محكمة تصدرها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين )
   الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد : فإن من القضايا التي شغلت الفكر الإنساني على نطاق واسع نهاية القرن الميلادي الماضي ومطلع هذا القرن؛ قضية العولمة أو النظام العالمي الجديد، ولم تغشل هذه القضية مجال الفكر والتنظير فحسب، بل بطريقة متسارعة أصبحت واقعا ملموسا على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إلا أن المجال الذي حققت فيها رواجا أكثر وانتشارا على أرض الواقع أعظم، هو المجال الاقتصادي بخلاف المجال السياسي والثقافي(1)، فإن العولمة وجدت عقبات كثيرة في طريق من يريد نشرها.
   لأجل هذا؛ ولكون الموضوع محوريا في مفهوم العولمة، ولكونه ذا أهمية كبرى وآثار عظيمة على أمتنا رأيت أن أكتب مقالا عن "العولمة الاقتصادية وسبل مواجهتها" إشكاليته الأساسية في تحديد الآثار الحضارية والاقتصادية للعولمة وكيف يمكننا تلافي تأثيرها السلبي على أمتنا، وقد انتهجت للإجابة عنها المنهج التحليلي بما يحويه من جمع وتصنيف للمادة المتعلقة بالموضوع وشرحها وتعليلها ونقدها؛ عسى أن نصل إلى نتائج تقدم الإضافة العلمية في هذا المجال .
    وقد قسمت البحث إلى خمس مطالب، الأول: لتحديد مفهوم العولمة وعلاقته بالاقتصاد، والثاني: لتوضيح الأبعاد الحضارية للعولمة الاقتصادية، الثالث : لبيان وسائل فرض العولمة الاقتصادية، والرابع : لشرح آثار العولمة الاقتصادية، والخامس: لاقتراح سبل مواجهة العولمة الاقتصادية في البلاد الإسلامية.
    وسجلت في الخاتمة فيها خلاصة النتائج المتوصل إليها والتوصيات.
المطلب الأول: مفهوم العولمة وعلاقتها بالاقتصاد
    تعددت تعريفات الباحثين لمفهوم العولمة، ومن أسباب هذا التعدد اختلاف تخصصات هؤلاء الباحثين، واختلاف نظراتهم في تحديد ما هو أصل وجوهر في حقيقة العولمة وما هو فرع ومظهر فيها، وليس غرضي هنا تحقيق مفهوم العولمة؛ ولكن بيان علاقة مفهوم العولمة بالجانب الاقتصادي، والتأكيد على أن هذا الجانب محوري وأصيل في معناها إن لم يكن هو الأصل، وفيما يأتي ذكر لبعض التعريفات المذكورة للعولمة مع بيان ارتباطها بالجانب الاقتصادي:
    من التعاريف التي حددت بها العولمة تعاريف جامعة ضمنتها جميع مناحي الحياة، كمن قال :« هي عالمية القيم والعادات والثقافات لصالح العالم المتقدم اقتصاديا» أو هي :« محاولة سيطرة قيم وعادات وثقافات العالم الغربي على بقية دول العالم وخاصة الدول النامية منها»(2)، أو من قال :« نظام يمكّن الأقوياء من فرض الدكتاتوريات الإنسانية التي تسمح بافتراس المستضعفين بذريعة التبادل الحر وحرية السوق»(3)، وهذه التعاريف مع شمولها إلا أننا نلاحظ فيها الربط بالجانب الاقتصادي وجعله محوريا فيها.
    ومن التعريفات الخاصة التعاريف التي تربط العولمة بالجانب الاقتصادي مباشرة، وتجعل بقية المجالات تابعة وخادمة لها، ومن تلك التعريفات تعريف من قال إنها: "العملية التي تملي على المنتجين والمستثمرين التصرف وكأن الاقتصاد العالمي يتكون من سوق واحدة، ومنطقة إنتاج واحدة مقسمة إلى مناطق اقتصادية، وليس إلى اقتصاديات وطنية مرتبطة بعلاقات تجارية واستثمارية"(4).
   ومن هذا المنطلق يقرر كثير من الباحثين أن العولمة عبارة عن مرحلة من مراحل تطور الرأسمالية حتى تصبح السلطة الكلية للمال، وتتحكم هذه الصيغة في كل قطر على حدة، ثم في العالم باعتباره وحدة واحدة، ولذلك سماها بعضهم Monetarism  أي سلطة المال، ويعبر عنها آخرون بالرأسمالية المتوحشة(5).
   وقد فسر كثير من الباحثين المتأملين في واقع العولمة وآلياتها ونتائجها -لا في النصوص الأدبية عنها-أنها ليست فرض النموذج الغربي على الدول النامية فحسب، بل هي أخص من ذلك وهي فرض النموذج الأمريكي، ولعل من أبرز المفكرين الذين فسروا العولمة على أنها أمركة "فرانسيس فوكوياما" صاحب كتاب" نهاية التاريخ" الذي جعل من نهاية الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي بداية للعهد الجديد الذي تهمين فيه الولايات المتحدة الأمريكية بفضل اقتصادها وتكنولوجيتها. وهذا التفسير أيضا لا يخفى ارتباطه بالجانب الاقتصادي، وهو يلتقي مع تفسير الاشتراكيين للعولمة إذ هم يرونها بلا خلاف بينهم أمركة ولا عولمة.
   ومما يدلنا على كون الجانب الاقتصادي جانبا محوريا في هذه العولمة التي يُتحدَّث عنها، وأصبحت اليوم واقعا ملموسا؛ أن بداية الشروع في تنفيذها العلني كان ابتداء من تاريخ انهيار الاتحاد السوفياتي؛ رمز الشيوعية المنافسة للمنهج الرأسمالي الذي تتزعمه الولايات المتحدة الأمريكية(6).
    ويدلنا على ذلك أيضا ارتباط هذا المصطلح أساسا بالمؤتمرات والمنظمات الاقتصادية، كالاتفاقية العامة للتعرفة الجمركية والتجارة GATT سنة 1948، التي تطورت إلى منظمة التجارة العالمية (WTO) سنة 1995، وأن الدول الداعمة للعولمة والمدافعة عنها هي الدول المالكة للقوة الاقتصادية(7).
المطلب الثاني: الأبعاد الحضارية للعولمة الاقتصادية
   وإذا ربطنا مفهوم العولمة بالجانب الاقتصادي فهذا لا يعني قطعه عن الجوانب الأخرى، لأنها كلها مرتبطة بعضها ببعض؛ فكما لا يخفى أن الدول الاشتراكية والشيوعية لها وحدة إيديولوجية وعقائدية تنطلق منها، كما أن الدول الرأسمالية تجتمع على مبادئ إيديولوجية متحدة وعقائد متقاربة، وبناء على ذلك اختلفت النظم السياسية والتعليمية، وكذلك النظام الإسلامي نظام كامل ومتكامل عقيدة وشريعة وأخلاقا وثقافة وسياسة واقتصادا. ومن هذا المنطلق فإنه لا يمكن للعولمة الاقتصادية أن تنفصل عن جوانب الحياة الأخرى، والعلاقة بينها علاقة تأثير متبادل في كثير من الأحيان.
أولا : المجال الثقافي والاجتماعي
   إن العولمة الاقتصادية مرتبطة ارتباطا وثيقا بثقافات الأمم، وذلك أن كثيرا من السلع التي تريد الدول الكبرى ترويجها في أسواق الدول النامية لن تلقى رواجا كبيرا ما لم  يتغير النمط الثقافي فيها؛ لذلك نجد هذه الدول تسعى جاهدة لفرض ثقافتها على ثقافة الدول النامية، وإذا تحدثنا عن الثقافة فالمقصود الثقافة بجميع أبعادها من نمط العيش في الأكل والشرب واللباس إلى اللغة والدين.
   فمن السلع التي تنفرد الدول الكبرى بإنتاجها وتسويقها؛ السلع الإلكترونية كالهواتف المحمولة التي أصبحت في أكثر المجتمعات شيئا ملازما لوجود الإنسان وجزءا من هويته، وقد تقبل الناس هذا التحول في نمط الحياة باعتبار ما يحمله من إيجابيات –وهي كثيرة-، ولكن وراء ذلك بالنسبة للدول الكبرى أغراضا اقتصادية بحتة، وهو جعل كل الدول الأخرى تابعة لها في هذا الجانب الذي تنفرد بتقنياته، وبه يتم تحويل رؤوس أموال كبيرة إلى بنوكها.
   وإذا كانت الدول الكبرى لها شركات عالمية لإنتاج الألبسة والمأكولات والمشروبات، وكانت عادات وتقاليد وعقائد الدول النامية الإسلامية وغير الإسلامية لا تقبل بمنتوجات تلك الشركات؛ فلابد من السعي إلى تغيير هذه العادات والتقاليد والعقائد بكل الوسائل حتى تروج تلك السلع، ومن الوسائل المعتمدة التدخل في المناهج التربوية والإعلام، وكذلك تسويق الألبسة المستعملة -النفايات- لتباع بأثمان بخسة فتغري الفقراء وغيرهم بشرائهم فتتغير ثقافة اللباس في تلك المجتمعات، وبعد أن يألف الناس تلك الأنواع من الألبسة يمنع استيرادها أو توريدها ليلجأوا إلى منتجات تلك الشركات.
   ويربط الأستاذ محمد قطب نجاح العولمة بجميع أبعادها بما سماه استحمارا للبشر(8) أي نزولا بهم من منزلة التكريم إلى منزلة الأنعام التي لا تعقل ولا تفهم ما يجري حولها وتسعى فقط إلى نيل شهواتها. ويؤكد "أن الإنسان لا يستحمر وهو صاحب عقيدة، وصاحب أخلاق إيمانية نابعة من العقيدة". ومن أجل الوصول إلى تلك الغاية تعقد المؤتمرات الدولية التي تريد إعطاء الشرعية للفوضى الخلقية والعقائدية فتدعو إلى حرية الاعتقاد والإلحاد ، ورفع أيدي الآباء عن التدخل في سلوكيات الأبناء، وتغير مفهوم الأسرة وحرية الشذوذ الجنسي، والزواج الطبيعي ونحو ذلك من أنواع الفساد(9).
ثانيا : المجال التعليمي
   ومن المجالات التي ترتبط بالعولمة الاقتصادية المجال التعليمي والتعليم العالي على وجه الخصوص ، حيث جاء التغيير لأنظمة التعليم بقرارات فوقية من الدول الكبرى من أجل فرض مزيد من الثقافات الغربية في هذا الجانب، ومن المبررات التي تقدم من أجل فرض هذا التغيير في النظام والمناهج الدراسية المبررات الاقتصادية، فيقال إن التعليم لا بد أن يستجيب لمتطلبات السوق الإنتاجية، والسوق الإنتاجية في عصر العولمة تحتاج إلى تخصصات دقيقة لا تخصصات عامة كما كانت عليه في الزمن الماضي .
   وأصبح في كثير من الدول يطرح تساؤل عن الجدوى الاقتصادية للتعليم، وبحكم أن التعليم لا يمكن فصله عن أحوال المجتمع وتطوراته؛ فلابد من الحرص على تكييفه ومتطلبات الأمة في سوق العمل والإنتاج، ولكن العالم الغربي يريد تكييفه ومتطلبات أفكاره ومؤسساته.
   "فمن أبرز التحديات التي تواجه الأنظمة التعليمية في علاقتها بالواقع الاقتصادي، أنها تعاني من ضعف تطابق مخرجاتها مع متطلبات سوق العمل"(10). لكن يبقى التساؤل بعد ذلك هل نُكوِّن طلبة مقتنعين بالرأسمالية نظاما فريدا ووحيدا؟ أم نكونهم مقنعين بالنظم الإسلامية –التي تحقق العدالة الاجتماعية-وضرورة تفعليها في الميدان.
   ومن جهة أخرى فإن منظمة التجارة العالمية قد تفرض على بعض الدول فتح مجال الاستثمار في قطاع الخدمات بما في ذلك التعليم بجميع مراحله، وقد وقعت المملكة السعودية في خطأ فادح حين أقرت ذلك ووقعت عليه دون استثناء أو قيود، وكان بإمكانها تجنبه على غرار كثير من الدول المتقدمة والنامية، ولا شك أن فتح هذا المجال في جميع المستويات التعليمية؛ بما في ذلك ما قبل الجامعي سيؤثر على مرتكزات التعليم في هذا البلد الإسلامي، وسيسهم في زعزعة الهوية الإسلامية لأفراده لغة وثقافة وعقيدة وسلوكا ومنهجا(11).
ثالثا : المجال السياسي
   لا شك أن الإرادة السياسية لحكام البلدان هي مفتاح الدخول في عولمة الاقتصاد، فإن الدخول في الاتفاقيات العالمية والإقليمية، والقبول بالشروط التي يفرضها صندوق النقد الدولي أو الاتحاد الأروبي أو منظمة التجارة العالمية هو بيد الساسة وأصحاب السلطة الفعلية في البلاد، وإذا كانت بعض الأنظمة تصر على النهج الإشتراكي، وأنظمة أخرى تصر على الانغلاق الإعلامي والثقافي والاقتصادي، فإن ذلك يعتبر عائقا كبيرا في طريق العولمة الأمريكية، ويصبح إزالة هذه الأنظمة واستبدالها بأنظمة ليبرالية مطلبا ملحا لدى الولايات المتحدة، وإذا أرادت تنفيذ ذلك كان لها أكثر من حجة ظاهرة غير حجة الأطماع الاقتصادية، وما حدث في العراق أكبر دليل على ذلك.
   ومن وسائل قلب الأنظمة أو زعزعتها والتأثير على قراراتها السيادية على الأقل؛ دعم العلمانيين الذين يسمون أنفسهم في كثير من البلاد الإسلامية المحافظة بالليبراليين أو الديمقراطيين، ويشمل هذا الدعم النواحي المالية والإعلامية وكذا السياسية بدعوى الدفاع عن الحريات ونحو ذلك.
   في هذا السياق يتحدث البعض عن نحو مائتي شركة متعددة الجنسيات أو عبارة للقوميات هي التي تصنع القرار السياسي في أكثر البلدان(12).
   ومن الأمور الحساسة في الشأن السياسي للدول الإسلامية قضية مقاطعة الدولة اليهودية ومنتجاتها، وكذا الشركات الداعمة لها وللصهيونية في العالم، ولا شك أن هذا المبدأ والموقف سيتعرض للمساومات وللضغوط من الدول الكبرى ومنظمة التجارة العالمية، لأن الانخراط في المنظمة يفرض على المنخرط التعامل مع كل الأعضاء دون استثناء(13).
رابعا : مجال الإعلام والاتصال
    المجال الإعلامي هو الذي جعل كثيرا من الدول تتسارع لطلب الانضمام إلى الإتحادات والمنظمات الاقتصادية العالمية؛ رغم المخاطر المحدقة بها ورغم التجارب المريرة التي عصفت بدول سبقتها إلى التجربة ذاتها- المسكيك سنة 1995 وماليزيا وأندونيسيا سنة 1997-، كما أن الإعلام هو الذي يسهم في تغيير ذهنيات الناس وثقافاتهم، وفيما يتعلق بالجانب الاقتصادي فإن الإعلام يسهم بقوة في نشر الثقافة الاستهلاكية؛ فضلا عن كونه من أعظم وسائل التعريف بالسلع والمنتجات والإشهار لها والإغراء باقتنائها.
  وقد ظهر على السطح مصطلح التجارة الالكترونية (عبر الانترنت) وهو عالمي منذ انطلاقه، بحيث جعل السوق المحلية جزءا لا يتجزأ من السوق العالمية، وبه تتجاوز كل شركة تضع لنفسها موقعا على الأنترنت كثيرا من العوائق التجارية(14).
المطلب الثالث : وسائل فرض العولمة الاقتصادية(15)
   وقد اتخذت الدول الصناعية الكبرى عدة وسائل ومؤسسات ومنظمات دولية من أجل فرض أطروحاتها الاقتصادية في الواقع ومن أهم ذلك:
أولا : المؤسسات الاقتصادية الدولية
   من المؤسسات التي أنشأت الدول الغربية لتنظيم العلاقات الاقتصادية في أعقاب الحرب العالمية الثانية : صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وبعد ذلك بنصف قرن تقريبا تم إنشاء منظمة التجارة العالمية ليستكمل بها إطار المؤسسات الدولية على الصعيد الاقتصادي وهذه المنظمات تسيطر عليها الدول الصناعية الكبرى وتوجهها لتحقيق مصالحها وأهدافها وعلى رأس هذه الأهداف عولمة الاقتصاد الدولي وإضعاف قيمة نقود الدول النامية لتصبح ضعيفة في مواقفها وعاجزة دائما أمام قرارات الدول الكبرى.
    وقد بلغ عدد أعضاء منظمة التجارة العالمية أكثر من 140 دولة يمثلون أكثر من90  % من التجارة العالمية.
ثانيا : الإتحادات الاقتصادية الدولية
   تتشكل هذه الإتحادات من دول رأسمالية متطورة أو تكون هي ذات الكلمة النفوذ فيها كالاتحاد الأوروبي واتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية، وكل دولة من الدول النامية تريد أن تتعامل معها تفرض عليها انتهاج الاتجاه الرأسمالي بالمفهوم الذي تراه تلك الإتحادات، فتفرض شروطها على تلك الدول بحيث يكون الغنم للاتحاد والغرم على الدولة المتعاملة معها، كإلغاء الحواجز الجمركية أمام السلع ، وتخفيض سعر المواد الأولية ونحو ذلك.
   والدول النامية تجد في عروض هذه الإتحادات ما يغريها بعقد اتفاقيات معها منها الحاجة إلى رؤوس الأموال أو توهم التخفيف من البطالة أو غيرها من الأوهام، ولتتجنب مخاطر تلك الاتفاقيات تحاول مناقشة بعض الشروط أو تعديلها، وربما تحاول بعض الدول أن تعقد اتفاقيات جماعية إقليمية.
ثالثا : الشركات متعددة الجنسيات
  ومن الوسائل التي تستغلها الدول الرأسمالية في فرض عولمتها على الدول النامية: الشركات العالمية متعددة الجنسية، وذلك من خلال التجارة الدولية والتسويق والاستثمار المباشر في تلك الدول.
   وكثير ما تستغل المؤسسات الدولية كصندوق النقد الدولي لتحقيق نفوذ هذه الشركات عن طريق فرض الخصخصة والسوق الحرة على الدول النامية التي تلجأ إليه، مما يؤدي حتما إلى سيطرة الشركات العملاقة الأمريكية والأوروبية واليابانية على رؤوس أموال الشركات في الدول الفقيرة؛ فتنتقل هذه الشركات إلى هذه الدول النامية حيث اليد العاملة الرخيصة وحيث السوق الاستهلاكي، وذلك يعنى أن النفع الأكبر والدائم يرجع إلى تلك الشركات لا إلى شعوب الدول النامية.
رابعا: العقوبات الاقتصادية
   ومن وسائل الضغط على الدول التي تأبى الانصياع لمخطط العولمة الاقتصادية ؛ أن تفرض عليها عقوبات اقتصادية من طرف الدول الغربية الكبرى، تحت غطاء أممي تارة أو من الإتحادات الإقليمية تارة أخرى، وتصل أحيانا تلك العقوبات إلى حد التدخل العسكري ومن حجج تلك العقوبات: حماية حقوق الإنسان أو مكافحة الإرهاب أو منع انتشار أسلحة الدمار الشامل أو غيرها من المبررات التي تخفي وراءها الأطماع الاقتصادية.
خامسا : تداول الأسهم والسندات
   ومن وسائل العولمة الاقتصادية تداول أدوات استثمار جديدة كالأسهم والسندات، وغيرها من أدوات التدخل الأجنبي غير المباشر، حيث ينتقل رأس المال من دولة إلى أخرى في العالم؛ ببيع تلك الأوراق أو شرائها بقرار من مديري الشركات المتعددة الجنسيات، وقد يتم سحب تلك الأموال لمعاقبة الدول التي لا تلتزم بمعايير العولمة وشروطها الاقتصادية ومتطلباتها.
سادسا : وسائل الاتصال الحديثة والأنترنت
   ومن وسائل فرض العولمة في الواقع الاقتصادي استخدام تكنولوجيا الاتصال الحديثة والأنترنت؛ التي تُمكن من سرعة التعريف بالسلع وإبرام العقود وتجاوز كثير من العقبات التجارية والإجراءات القانونية التنظيمية، كما أن الأنترنت قد لعب دورا مهما في الترويج لأفكار العولمة وللسلع الغربية، وخاصة أن هذه الوسائل تعتبر حكرا على الدول الصناعية المستفيدة من العولمة.
  ومن الاتفاقيات التي ينبغي لفت النظر إليها: الاتفاقية الدولية المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية (trips) التي تضمن الحماية المطلقة للتكنولوجيا الجديدة، تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات وبرامج الكومبيوتر والأنترنت والتكنولوجيا البيولوجية ونحوها، ومعنى الحماية المطلقة يتعدى مفهوم تحريم التزوير والتقليد إلى تحريم التصنيع والامتلاك والتطوير(16).
المطلب الرابع : آثار العولمة الاقتصادية
أولا : سلبيات العولمة الاقتصادية وإيجابياتها
    اختلفت مواقف المفكرين والاقتصاديين في البلاد الإسلامية من العولمة عموما ومن العولمة الاقتصادية على وجه الخصوص، من مرحب بها ومتحفظ ورافض لها جملة وتفصيلا، وفي خضم هذا الجدل العلمي يذكر المؤيدون لها عدة أهداف جذابة لها ونتائج يتوقع أن تكون إيجابية على الدول النامية، وهذه الأهداف كثيرا ما يكون مصدرها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية، كقولهم : إنّ العولمة تهيئ الفرص للنمو الاقتصادي وتنعش الاقتصاد، حيث إنها تزيد من حجم التجارة العالمية ويكون للدول النامية فرصة إيصال صادراتها إلى مختلف الدول، وأنها تحرر أسواق التجارة، وتجعل هذه الدول تستفيد من رؤوس الأموال الأجنبية، مما يؤدي إلى تحسين مستوى المعيشة، ورفع كفاءة التوظيف، وزيادة فرص العمل المتاحة، وتعميق الاستفادة من التطور التقني، وكذا تؤدي إلى تنويع المنتجات من السلع والخدمات وتحسين جودتها وتخفيض تكاليفها، ويقولون إن العولمة ستحل المشكلات الإنسانية المشتركة مثل: انتشار أسلحة الدمار الشامل، وانتشار المخدرات وقضايا البيئة، وانتقال الأيدي العاملة من دولة لأخرى(17) .
   والملاحظ على هذه الإيجابيات أنها نقلت ولا تزال تنقل بصيغة المضارع، أو بعبارة "إمكانية الاستفادة"، بما يوحي أنها لم تتحقق في أرض الواقع بعد، وهي لن تتحقق لأنّ سياسات هذه المنظمات تتعارض مع هذه الأهداف تعارضا واضحا، فرفع مستوى المعيشة وزيادة الدخل يعارض سياسة إزالة دعم السلع المعيشية وزيادة الضرائب والخصخصة وما يترتب عليها من بطالة(18) .
   أما الآثار السلبية التي برزت آثارها على كثير من دول العالم؛ فهي أكثر من تحصر على حد تعبير بعض الباحثين، ويمكن لي أن ألخص أهمها على النحو التالي:
-ارتفاع أسعار الواردات من المواد الغذائية، وخفض المداخيل الجمركية؛ وكلاهما يؤدي إلى التأثير على الميزانية.
-إضعاف كثير من مجالات الصناعات لعدم قدرتها على منافسة منتجات الدول الكبرى، ومن ذلك خفض أسعار المواد الخام كالورق والبلاستيك والأخشاب لعدم قدرتها على المنافسة.
-التبعية الكاملة في قطاع الخدمات المتمثل في قطاع البنوك والتأمين والنقل والسياحة والاتصالات، وهذا كله يعني إضعاف الأمن الاقتصادي القومي وتفشي البطالة.
-إلغاء الدعم للمواد الأساسية، وإلغاء الدعم الزراعي المؤدي إلى رفع أسعار المواد الغذائية، ورفع تكاليف المنتجات الصناعية بسبب حماية حقوق الملكية، وبالتالي غلاء المعيشة وزيادة حدة الفقر وتفشي الجريمة.
-كل ما سبق ينتج عنه ضعف الدولة اقتصاديا وماليا، مما يفقدها حرية اتخاذ القرارات الاقتصادية، فلا تتخذ من القرارات إلا ما كان منسجما مع أهداف منظمة التجارة العالمية، وقد يتعدى الأمر إلى مجالات سيادية أخرى تتعلق بالتعليم والمجتمع(19).
    وبعد الإطلاع على المزايا الموهومة والسلبيات المتحققة؛ يبقى المرء متعجبا من حال الدول التي تبقى سنوات تتسول عن باب المنظمة العالمية للتجارة بغية الانضمام إليها.
   ويزداد العجب عندما نرى دولا كبرى كفرنسا وروسيا تصرح بخطر العولمة، وتسارع إلى اتخاذ إجراءات تحمي بها مجتمعاتها منه، في حين تسير كثير من دول العالم وراء السراب، وتلهث وراء وهم الاستفادة من هذا الانفتاح، "إن الإنسان ليحار في معرفة الطريقة التي تفكر بها هذه الدول المستكينة والراضية بالتبعية، بل والساعية إليها طواعية كالذي يحمل موته بيده"(20).
ثانيا : عبرة من التجربة المكسيكية
   وحتى نخرج من الجانب التنظيري إلى الجانب الواقعي نذكر ما حدث في إحدى الدول التي تعتبر أول ضحايا العولمة الاقتصادية، وهي دولة المكسيك التي مرت في نهاية التسعينيات ببعض الاضطرابات الاقتصادية؛ فلما لجأت إلى البنك الدولي فرض عليها خصخصت جزءا كبيرا من مؤسساتها الصناعية، وإلغاء الضرائب الجمركية على الواردات، وفي سنة 1993 أسست مع الولايات المتحدة وكندا منطقة للتجارة الحرة، فأدى ذلك إلى انفتاح هذه الدولة على رؤوس أموال الشركات المتعددة الجنسيات؛ فشيدت عدة مصانع ووسعت بعض المصانع المخصخصة، فشهدت البلاد نسبة نمو لم تشهد لها مثيلا من قبل وتراجعت المديونية الخارجية، وتعززت القدرة الشرائية لدى طبقة واسعة من المكسيكيين؛ فمكنهم ذلك من تأسيس مشاريع تنموية وقدرةٍ على دفع الضرائب للحكومة، إلا أن تلك الشركات التي صنعت ازدهار المكسيك كانت مرتبطة ارتباطا وثيقا بالاستيراد، لذلك لم تخلق فرصا كثيرة للشغل، كما أن ما بقي من مؤسسات كبيرة ومتوسطة لم يخصخص لم يصمد أمام منافسة الشركات الأمريكية فتوقف الإنتاج في نصف المصانع، ثم امتدت الرسملة إلى القطاع الزراعي مما أدى فقدان ملايين الفلاحين لفرص العمل، وتوسعت الهجرة نحو المدن، لم تمض مدة كبيرة حتى بدأت النتائج الوخيمة للوقوع في شراك العولمة تظهر، ففي ديسمبر 1994 انهار ذاك الازدهار المبني على الأوهام (على المديونية) إلا أنه لم يكن بمقدور المسؤولين التراجع، فرفعت أسعار الفائدة على القروض من أجل تدارك الأمر، لكن ذلك أدى إلى خنق الاقتصاد الداخلي، واستغناء الشركات الأجنبية عن التمويل المحلي، ولما صار تخفيض قيمة العملة المكسيكية "البيسو" أمرا لا مناص منه، تدخل صندوق النقد الدولي بدعم من الولايات المتحدة ليجنب المستثمرين الخسائر الفادحة؛ فمنح المكسيك أكبر قرض دعم في التاريخ، فأنقد هذا القرض المستثمرين الأجانب ودفع المكسيك إلى الكارثة الاقتصادية، حيث أن رفع سعر الفائدة وانخفاض الإنفاق الحكومي أدى إلى حدوث أقوى ركود في تاريخ البلد، وفي شهور معدودة أعلن عن إفلاس خمسة عشر ألف مشروع، وفقد ما يقرب من ثلاثة ملايين مواطن لمناصب عملهم، وانخفضت القدرة الشرائية للمواطنين بما لا يقل عن الثلث.
   وبعد مرور عشر سنوات من الإصلاحات ذات الطابع الليبرالي؛ أضحى الشعب المكسيكي في وضع أسوأ مما كان عليه من قبل، بل أدى ذلك إلى تمرد الفلاحين في الجنوب، وتشدد لهجة حركات المعارضة حتى أصبحت البلاد في نظر بعض علماء الاجتماع على عتبة الفوضى والحرب الأهلية(21).
المطلب الخامس : سبل مواجهة العولمة الاقتصادية في البلاد الإسلامية
   أول شيء ينبغي أن يوضع في الحسبان أن هذه العولمة ليست قدرا محتوما ينبغي الاستسلام له، بل إذا قدرنا مفاسدها غالبة وجب على المسلمين مقاومتها؛ ويصحب ذلك البحث في البدائل الإسلامية التي باعتمادها نتجنب الانخراط في مؤسسات واتفاقيات فرض العولمة، وإذا أمكن الانسحاب منها بعد التورط فيها.
   وإذا اعتبرنا البعد الاقتصادي للعولمة محوريا فيها وأساسيا، ثم فسرنا هذه العولمة بفرض الرأسمالية الغربية المتوحشة من خلال هيمنة الشركات الأمريكية الكبرى على اقتصاد الدول الأخرى، فلا مناص من بحث سبل صد هذا العدوان.
   وإننا من منطلق إيماننا الراسخ بكمال شريعتنا الغراء وصلاحيتها لكل الأزمنة والأمكنة والأحوال؛ نحاول أن نبرز بعض الحلول الشرعية لمقاومة العولمة ووسائلها ودفع ضغوط الدول الكبرى، بل إن المتفقه في كتاب الله تعالى وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم لا بد أن يجد ما هو أعظم من ذلك؛ وهو اقتراح آليات تطبيق النظام الإسلامي في الجانب الاقتصادي وجعله عالميا، لأن الإسلام هو الشريعة العالمية القائمة على الحق والعدل، وهو المنقذ للعالم من ظلام المبادئ الفاسدة وظلم الأنظمة المستغلة.
أولا : ترسيخ العقائد الإسلامية والحفاظ على القيم الأخلاقية
   إن الاقتصاد الإسلامي مرتبط بالعقيدة والقيم الأخلاقية ارتباطا وثيقا(22)؛ فهو مبني على مبدأ التسخير وتسوقه روح التقوى والمحبة والتعاون، وتصونه شريعة تحرم الظلم والاستغلال والاحتكار والغش؛ وتظله عقيدة الرازقية ومراقبة الإله سبحانه وتعالى، ولا يمكن لهذا النظام أن يستقل عن غيره من الأنظمة ولا أن يواجهها ويعرض كبديل لها إلا إذا قام به مؤمنون ترسخت فيهم هذه المبادئ والعقائد والقيم.
ثانيا : ترشيد الاستهلاك
   من أهم وسائل مكافحة مخاطر العولمة على المستوى الحكومي والمجتمع المدني وكذا الفردي ترشيد الاستهلاك، وتوعية المجتمع المسلم بالقيم الإسلامية في هذا المجال، وذلك من خلال تجنب ظاهرة الإسراف والتبذير والشراء فوق الحاجة أو ما يسمى الاستهلاك الترفي، وهذا المعنى مندرج في التمسك بالقيم الإسلامية المبنية على التوسط والاعتدال في قضية الإنفاق، كما قال تعالى : (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا  [الإسراء/29]
   وهذا إذا كان على مستوى الأفراد فإنه من غير شك يسهم في الحد من تغول الشركات العالمية في البلاد الإسلامية؛ ومن سيطرتها على رؤوس الأموال، فكيف إذا كان على مستوى الحكومات؛ فإنه يُجنب الأمة تبذير مداخيلها في المشاريع الترفيهية المحضة والتي لا تصب في مصب الإنتاج والتنمية.
   حتى نعلم مقدار ما يبذر من أموال على الكماليات والتوافه يذكر البعض أن هناك مئات المليارات التي ينفقها العرب، بحثًا عن الجمال في الشكل والهيئة من خلال جراحات التجميل، وتجدر الإشارة إلى أن بعض النظريات الاقتصادية تعزو ظاهرة التضخم إلى زيادة الطلب، أو ما يسمى الإنفاق الكلي الناتج عن فوضوية الاستهلاك وعدم ترشيده(23).
    ومعنى ترشيد الاستهلاك حسب بعض علماء الاجتماع هو أوسع من أن يحصر في التوسط في النفقة بل هو "نمط يتوجه إلى إنماء النعم والثروات، عن طريق العمل على تحويل هذه النعم إلى مصادر دخل دائمة لصالح المواطن المستهلك، إنه نقل هذه الثروات من دائرة الاستهلاك إلى دائرة الإنتاج"(24).
ثالثا : إصلاح البنوك الإسلامية
   من الآليات التي يمكن للأمة الإسلامية أن تتحدى العولمة الاقتصادية وتتجنب آثارها السيئة عليها؛ أن تنشئ المصارف الإسلامية أو تصلح ما هو موجود منها، بحيث يكون مستقلا في هويته وصيغ تعامله كل الاستقلال عن المصارف الكلاسيكية، التي بنيت على أسس غير إسلامية وعلى مبدأ التجارة بالمال، وإن وضع المصارف الحالي غير مجدي ولا يمثل الشريعة الإسلامية، ولا تتطابق معاملته مع الأحكام التي قرر الفقهاء، ولا يحقق العدل التي رمت الشريعة إلى إرساء قواعده.
   وهذا التغيير المطلوب في صيغ تعامل المصارف الإسلامية يفرض تغيير اسمها إلى شركات مساهمة أو وكالات تفويض، لأنه يفترض في هذه المؤسسات المالية أن تكون موجهة نحو الإنتاج لا إلى اكتناز الأموال أو التجارة بالديون، ويرى بعض الباحثين أن هذا التقليد في التسمية (أي تسميتها بنوكا) اتبعه تقليد في الفكر المالي والاقتصادي أدى إلى طمس هوية المؤسسات الإسلامية.
   وإذا وجدت المصارف الإسلامية المستقلة في آليات عملها وفي تشريعاتها؛ فإنها تكون في منأى عن خطر تحويل الأصول إلى ديون تخلق ديونا وتنتهي بزوال الثروة، وخطر الاستعانة بالبنوك التقليدية المحلية والعالمية لإدارة السيولة المالية(25). 
رابعا : تنمية البحوث الاقتصادية الإسلامية
   مما يخدم المصارف الإسلامية ويخدم التوجه العام للاقتصاد الإسلامي المحقق للعدالة والسالم من مخاطر العولمة الاقتصادية والمالية؛ توجيه الطاقات الفكرية لإنجاز البحوث الفقهية العملية التي تسهم في تنمية المعاملات الاقتصادية الإسلامية، وتضع لها الأحكام التي تضبطها من الانحراف، وتقترح الصيغ العملية للتعاقد وتقدم الحلول الشرعية للمشكلات المعترضة والنوازل الحادثة .
    إن إبراز الفكر الاقتصادي الإسلامي بنظرياته العلمية وآلياته العملية ليس فقط يواجه العولمة الرأسمالية، بل يبشر بالعالمية الإسلامية، وإن تقبل الغربيين لهذا الفقه الإسلامي يعتبر انتصارا للإسلام وكسرا للرأسمالية المتوحشة التي يراد فرضها على العالم .
   ولقد أدت الصدمات المتوالية التي صدم بها الاقتصاد الرأسمالي –بما سمي بالأزمات المالية العالمية- كثيرا من المفكرين والكتاب والساسة إلى الالتفات إلى الاقتصاد الإسلامي، وعلى رأس هؤلاء "موريس آلي" الاقتصادي الفرنسي الحائز على جائز نوبل في الاقتصاد الذي كتب كتابا بعنوان "الشروط النقدية لاقتصاد الأسواق" قرر فيه أن من شرط إعادة التوازن إلى الأسواق والاقتصاد أن يكون سعر الفائدة صفر، وكتب رؤساء تحرير بعض المجلات إبان أزمة 2008 عدة مقالات تدعو إلى تبني الاقتصاد الإسلامي؛ ومن ذلك ما جاء في بعض المجلات الفرنسية "البابا أو القرآن"، و"هل تأهلت وول ستريت لاعتناق مبادئ الشريعة الإسلامية".
   بل أكثر من ذلك جاء في مقال مطول في مجلة إيطالية تعتبر شبه رسمية تمثل البابا الإشادة بالنظام الإسلامي، اسم هذه المجلة "لو أوبسيرفاتوري رومانو" وتاريخ صدورها 4 مارس 2009 وترجمة أخطر عبارة في المقال :« نحن نعتقد أن النظام المالي الإسلامي قادر على المساهمة في إعادة تشكيل قواعد النظام المالي الغربي، ونحن نرى أننا نواجه أزمة مالية لا تقتصر على مسألة شح السيولة؛ لكنها تعاني من أزمة انهيار الثقة في النظام ذاته »(26).
   فعلى المسلمين حاملي مشروع عالمية الإسلام أن يكونوا في مستوى التحدي بترقية المعارف الإسلامية وترجمتها؛ وتأهيل الإطارات التي تسهر على تنفيذ المشروع الإسلامي في الجانب الاقتصادي لتكون أمتنا رائدة ومتبوعة لا متخلفة تابعة.
خامسا : تفعيل دور الترجمة في مجال الدراسات الإسلامية 
   وحتى يكون المسلمون في مستوى تحديات العولمة لابد أن يكون على وعي تام بما يفكر فيه الغرب ويخطط له وما يحدث فيه من أحداث، وذلك يكون تفعيل حركة الترجمة وتسريع إنتاجها وتشجيع القائمين عليها على أن تكون من أناس متشبعين بالعقيدة والثقافة الإسلامية.
   ويقرر بعض الباحثين أنه من منطلق عقيدة عالمية الإسلام لابد أن نعلم أننا لسنا وحدنا في الميدان، بل هناك عدة أطراف لها أهدافها وأعمالها، ولا مناص من التعامل معها سلبا أو إيجابا، والخطوة الأولى في هذا الاتجاه هي معرفة حقيقة هذه الأطراف التي سنتعامل معها ونقاط التقارب والتباعد بيننا وبينهم(27). وهذا يفرض علينا تنشيط حركة الترجمة لتقدم المادة الأولية جاهزة لعلمائنا في مختلف التخصصات.
    وذلك من شأنه أن يدفع عنا الانحصار في الجانب الدفاعي وعلاج الآفات بعد حدوثها، وهو الأمر الذي نعاه الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله على الأمة الإسلامية، وذلك في قوله:« في الواقع عند الاستعمار معلومات عنا، أكثر بكثير مما عندنا، إنه يكيف بكل بساطة موسيقاه وفقاً لانفعالاتنا، ولعقدنا، ولنفسيتنا، إنه يعرف مثلاً أننا تجاهه لا نفعل، وإنما ننفعل، وهو عندما يكون قد دخل مرحلة التفكير في مشاكل الغد، في الحفر الموحلة، التي يريد أن يوقعنا فيها، نكون نحن لا نزال نفكر في مشاكل الأمس، في التخلص، من الحفر الموحلة التي أوقعنا فيها فعلاً»(28).
   وإذا تحدثنا عن عالمية الإسلامية وضرورة عرض البديل الإسلامي الصالح والمصلح لكل زمان ومكان فعلينا اعتماد الترجمة أيضا فتترجم البحوث العلمية المتخصصة إلى ما أمكن من لغات العالم الغربي والشرقي؛ عسى أن تجد سبيلها إلى قلوب بعضهم بطريق سهل لا كلفة فيه.
     وإننا إذا ترجمنا علومنا إلى اللغات الأخرى العالمية نكون قد اجتهدنا في تحويل عولمة النقمة إلى عالمية الرحمة، ولا يعتبر هذا الصنيع وقوعا في فخ العولمة الثقافية، فإن حركة الترجمة القديمة التي بدأت في عصر العباسيين كان لها إيجابياتها وسلبياتها ولم تكن شرا محضا؛ وبقليل من الحيطة والدقة يستطيع المسلمون تحجيم السلبيات، أما ترجمة علوم الإسلام إلى اللغات الأخرى فقلب لمفهوم العولمة الثقافية لأننا سننقل علومنا بمصطلحاتنا العربية والشرعية التي لا تقبل الترجمة.
سادسا : إقامة التكتلات الإسلامية والإقليمية
   من الأمور المهمة للأمة الإسلامية لمواجهة التحديات الاقتصادية الجديدة إقامة تحالفات ومعاهدات اقتصادية إسلامية في إطار واسع أو إقليمي محدود، ولا حرج من تحالفات أخرى مع بقية الدول النامية بدافع المصالح المشتركة في مواجهة التوحش الرأسمالي الغربي.
   وفي الواقع اليوم عدة جمعيات وتحالفات ينبغي تفعليها مثل منظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية واتحاد المغرب العربي، ومجلس التعاون الخليجي، وذلك بإنشاء منظمات متخصصة في مجالات الاقتصاد المتعددة لدعم التعاون والحد ومن اللجوء إلى الاستثمار الغربي والحاجة إلى رؤوس الأموال الغربية.
   وقديما دعا الأستاذ مالك بن نبي في كتابه الفكرة الأفروآسياوية إلى تأسيس مثل هذه التكتلات الإقليمية لمواجهة التحديات القائمة والمستقبلية آنذاك، ودعا إلى ما سماه كومنويلث إسلامي.
سابعا : تطبيق أصول النظام الاقتصادي الإسلامي لو جزئيا
     هناك من يتحدث عن بعض آليات المواجهة التي تتوجب على الدول المسلمة كضمان الحاجيات الأساسية لكل فرد من أفراد الرعية من المأكل والملبس والمسكن، وضمان والحاجيات الجماعية كالأمن والرعاية الصحية والتعليم، وأشياء أخرى هي من صميم مبادئ الاقتصاد الإسلامي كتحريم الربا وأخذ المكوس وربط العملة بالذهب والفضة وإقطاع الأراضي من أجل استصلاحها(29). وهي أمور من غير شك من شأنها أن تحد من آثار العولمة السلبية على الدولة سواء وقعت على اتفاقيات منظمة التجارة العالمية أو لم توقع.
   وإن كان تجسيد هذه الأمور في الواقع يحتاج إلى إرادة قوية وحرية اتخاذ القرار، وذلك يتعسر على كثير من البلاد التي وقعت على اتفاقيات مع الاتحاد الأروبي أو منظمة التجارة العالمية، لأن هذه المنظمات ستعيق كل وسائل الاستقلال الاقتصادي للدول وتعمل على إفشال محاولات النمو(30)، وذلك سواء كان منبعها إسلاميا أو اشتراكيا.
   وقد رأيت كثيرا من الباحثين يذكر في سياق مواجهة العولمة إلغاء المكوس بإطلاق، ومنهم من خص الضريبة الجمركية بالذكر وقال إنها تخالف الشرع(31)، والذي يخالف الشرع هو أخذ المكوس من المسلمين، أما فرض الضريبة الجمركية على الأجانب (غير المسلمين) من باب المعاملة بالمثل؛ فهذا مما يحقق المقاصد الشرعية، وقد سنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه في صدر الإسلام، وإلغاء الضريبة الجمركية على الواردات هو عين الرضوخ لمطالب المنظمة العالمية للتجارة.
الخاتمة :
   إن تاريخ الإنسانية لم يخل من الظلم ومن الحركات الاستعمارية التي اتخذت الطابع الشمولي لجميع ميادين الحياة، بما في ذلك فرض ثقافات وديانات الدول الغالبة على الدول المغلوبة، وما سمي اليوم بالعولمة هو استعمار جديد بوسائل جديدة، وإذا كانت غايات الاستعمار قديما غايات اقتصادية تؤازرها الغايات السياسية والدينية وغيرها، فكذلك العولمة اليوم فهي ذات طابع اقتصادي، وتحمل في طياتها مظاهر الغزو الثقافي والديني والتعليمي والسياسي والتشريعي والاجتماعي.
    وخلاصة ما يجب على المسلمين في مثل هذه الظروف أن يأخذوا حذرهم كما قال تعالى: (وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا) [النساء/102] ومن أسلحتنا عقيدتنا وهويتنا ولغتنا، ومن أسلحتنا سلاح البحث العلمي، ومن أسلحتنا وأسباب قوتنا الوحدة والتماسك والتعاون والتآزر، ومن أسلحتنا تمسكنا بشريعتنا الغراء في جميع مجالات الحياة، وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
الهوامش
1/ انظر مقال العولمة الاقتصادية وآثارها وتأثيراتها على الدول العربية، د/ أحمد عبد العزيز ود/ جاسم زكريا وفراس عبد الجليل الطحان (ص66) مجلة الإدارة والاقتصاد ، العدد 86، سنة 2011 ، سوريا.
2/ العولمة لسليمان الخراشي (7) دار بلنسية الرياض ط1-1420.
3/ العولمة الاقتصادية وآثارها وتأثيراتها على الدول العربية (ص64).
4 / العولمة بوابة للرفاه أم الفقر ؟" ، عبد اللطيف جابر ، الشرق الأوسط العدد (7460) نقلا عن مقال مفهوم العولمة ونشأتها لمبارك عامر بقنه ، موقع (صيد الفوائد).
5 / انظر : مقاومة العولمة للدكتور نافز أيوب علي (ص:4) موقع جامعة القدس المفتوحة، والجدوى الاقتصادية للتعليم في عصر العولمة للدكتور أحمد زكي (ص:5) http://makkyeducation.jeeran.com/resdoct.htm ..
6 / انظر: العولمة لسليمان الخراشي (ص:7) والعولمة الغربية والصحوة الإسلامية للدكتور عبد الرحمن بن زيد الزنيدي، دار إشبيليا الرياض ط1-1421.
7 / العولمة الغربية والصحوة الإسلامية للدكتور عبد الرحمن بن زيد الزنيدي (ص24).
8 / وهو مصطلح استوحاه من عبارات التلمود التي تعتبر الأمم كلها حميرا خلقها الله على صورة البشر لخدمة الشعب المختار.
9 / المسلمون والعولمة لمحمد قطب - (ص 5).
10 / الجدوى الاقتصادية للتعليم في عصر العولمة للدكتور أحمد زكي (ص12).
11 / منظمة التجارة العالمية وآثارها الثقافية للدكتور إبراهيم الناصر (ص20) www.pdffactory.com
12/ العولمة لسليمان الخراشي (16).
13 / منظمة التجارة العالمية وآثارها الثقافية للدكتور إبراهيم الناصر (ص20-21)
14 / انظر : التجارة الإلكترونية والعولمة للدكتور السيد أحمد عبد الخالق ، منشورات المنظمة العربية للتنمية الإدارية ، ط2-2008.
15/ انظر: العولمة الاقتصادية وآثارها وتأثيراتها على الدول العربية، (ص70-72).
16/ آثار العولمة على التنمية في الدول الأقل نموا –مخاطر حرية الاستثمار- للدكتور محمد أحمد المخلافي (39-40)  موقع الاشتراكي نت.
17/ انظر : العولمة الاقتصادية وآثارها وتأثيراتها على الدول العربية، (ص:67، 75)، والعولمة وتأثيرها على الإقتصاد العربي د/مقدم عبيرات ود/عبد اﻟﻤﺠيد قدي (ص40) مقال منشور في مجلة الباحث / عدد1/2002 جامعة الأغواط.
18/ انظر: العولمة الاقتصادية وآثارها وتأثيراتها على الدول العربية، (ص:67).
19/ انظر: العولمة الاقتصادية وآثارها وتأثيراتها على الدول العربية، (ص:75-77)، والعولمة وتأثيرها على الإقتصاد العربي (ص:40).
20/ مقاومة العولمة للدكتور نافز أيوب علي (ص:8) موقع جامعة القدس المفتوحة.
21/ فخ العولمة لهانس مارتين وهارولد شومان ، ترجمة عدنان عباس (ص:222-224) سلسلة علم المعرفة الكويت، إصدار أكتوبر 1998.
22/ انظر: دور القيم والأخلاق الاقتصاد الإسلامي للدكتور يوسف القرضاوي، فقد توسع في ذلك النفس وبين أثر القيم في الإنتاج والاستهلاك والتوزيع.
23 / مجلة مجمع الفقه الإسلامي - (ج 8 / ص 1569) -الشاملة-.
24 / الحضارة الإسلامية بين أصالة الماضي وآمال المستقبل لعلي بن نايف الشحود (ج 7 / ص 301)-الشاملة-.
25/ انظر: إدارة البنوك الإسلامية بعد عولمة الأسواق المالية للدكتور محمد بن مسلم الردادي (ص:5-11)و(ص:147) و(ص:153) منشورات المنظمة العربية للتنمية الإدارية ، القاهرة ط-2005.
26/ انظر الأزمة المالية العالمية لعلي محيي الدين القره داغي (ص:110-113) دار البشائر الإسلامية ط1-1430-2009.
27/ العولمة الغربية والصحوة الإسلامية لعبد الرحمن بن زيد الزنيدي (ص:97).
28/ من أجل التغيير لمالك بن نبي (ص:105) دار الفكر المعاصر بيروت لبنان، ودار الفكر دمشق، ط4-1426-2005.
29/ مقاومة العولمة للدكتور نافز أيوب علي (ص:13-15).
30 / انظر آثار العولمة على التنمية في الدول الأقل نموا –مخاطر حرية الاستثمار- للدكتور محمد أحمد المخلافي (ص:9).
31 / منظمة التجارة العالمية وآثارها الثقافية للدكتور إبراهيم الناصر (ص:25).

معلومات إضافية

  • الكاتب: مثال
تم قراءة المقال 996 مرة