الأربعاء 11 ذو القعدة 1441

تحقيق في نسبة "رسالة إلى أهل الثغر بباب الأبواب" إلى الإمام الأشعري مميز

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

نشر في مجلة المدونة الصادرة عن المجمع الفقهي الإسلامي بالهند العدد 23 جمادى الأولى 1441 جانفي 2020 (ص402-446)

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
    أما بعد فإن من أقدم مؤلفات علم الكلام التي وصلت إلينا كتاب:"رسالة إلى أهل الثغر بباب الأبواب(1)" المنسوب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري رحمه الله، الذي يعتبر مرجعا مهما في بيان معتقد الأشاعرة ولا سيما المتقدمين منهم، ولا يزال العلماء ينقلون منه ويعزون إليه كثيرا من الآراء والإجماعات المثبتة فيه، وذلك سواء من الأشاعرة أو المخالفين لهم كالإمام المحقق ابن تيمية رحمه الله، وقد عنَّ لي منذ مدة (كان ذلك سنة 1998)أن أقوم بدراسة مؤلفات الأشعري رحمه الله تعالى للوقوف على آرائه واستدلالاته، التي طالما قيل إنها تختلف عن آراء المتأخرين من المنتمين إلى مذهبه واستدلالاتهم، وللتحقق من قضية التوبة الثانية التي نُقلت عنه بعدما ثبت عنه قطعا أنه تاب من مذهب الاعتزال، لكن سرعان ما وجدت نفسي أدرس أحد تلك الكتب-وهو رسالة إلى أهل الثغر- دراسة نقدية وخاصة بعدما ساورني شك في ثبوت نسبته إلى الإمام.
   لقد ترقى ذلك الشك بعد النظر في بعض الفهارس وكتب التراجم إلى ظن يُغلِّب نسبة هذا الكتاب إلى تلميذ الأشعري؛ أبي عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن يعقوب بن مجاهد الطائي البصري المتوفى نحو سنة سبعين وثلاثمائة (370 هـ) ببغداد، وأحد أئمة المالكية في العراق، وشيخ القاضي أبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني في الكلام.
أهمية البحث:
    يمكن إظهار أهمية هذه الدراسة وأثرها في البحث العلمي في النقط الآتية :
1-إنّ في تحقيق نسبة الكتاب لابن مجاهد إذا ما جلي ذلك ورُجِّح؛ ما يعطي للباحثين صورة عن حلقة تعتبر مفقودة في سلسلة تاريخ العقيدة الأشعرية، وذلك أنَّ الموجود في الساحة العلمية اليوم مؤلفات الأشعري، وبعدها تأتي مباشرة مؤلفات الباقلاني وابن فورك، ولا نجد شيئا مما ألَّفه تلامذة الأشعري المباشرون كالباهلي وابن مجاهد وأبي الحسن الطبري ونحوهم، ولا شك أن وجود كتاب ولو كان واحدا لأهل هذه الطبقة؛ يمكن أن نستكشف من خلاله عدَّةَ حقائق علمية.
2-ولعل من تلك الحقائق التي نستكشفها : التبيُّن من حقيقة العقيدة التي استقر عليها أمر الأشعري في آخر أيامه، إذ من المسائل التي اشتهر فيها الخلاف بين الدارسين من الإسلاميين والمستشرقين الأطوار التي مرَّ بها الأشعري بعد توبته من عقيدة الاعتزال، وكذا الاختلاف في ترتيب كتبه التي قيل إن كل واحد منها يمثل طورا من الأطوار أعني كتابي الإبانة واللمع، إذ منهم من قال بتَقَدُّم كتاب الإبانة الذي مال فيه كثيرا إلى الحنابلة، وأكثر فيه من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة، وتأخُّر كتاب اللمع الذي أكثر فيه من الاستدلالات العقلية، وغاص فيه في كثير من دقائق الكلام، واعتبروا "مرحلة الإبانة" مرحلة ردَّة الفعل، و"مرحلة اللمع" مرحلة النضج، ومنهم من عكس ذلك وجعل كتاب اللمع متقدما، لأنه ألَّفه قبل سنة عشرين وثلاثمائة، وكتاب الإبانة متأخرا لأنه ألَّفه في بغداد بعد سنة عشرين، واعتبروا مرحلة تأليف اللمع مرحلة انتقالية بين الاعتزال والسنة ومرحلة تأليف الإبانة مرحلة الاستقرار والوصول إلى معتقد السلف وأهل الحديث في الجملة.
3-ومن تلك الحقائق التي نستكشفها الوقوف على ما يقرره ابن تيمية كثيرا في بحوثه من التقارب بين متقدمي الأشاعرة وأهل الحديث، وهو يستدل على ذلك بما في مؤلفات الأشعري والباقلاني وهو تلميذ تلاميذه، فإذا ثبت لدينا أن كتاب "رسالة إلى أهل الثغر" من مؤلفات تلميذ الأشعري اكتملت الحجة واندفع التساؤل عن سر ميل الباقلاني في كثير من الأصول إلى عقيدة السلف واتباع النصوص بخلاف المتأخرين من الأشعرية.
4-كما يُبيِّن لنا هذا الكتاب مدى التقارب الذي كان في العصر الأول بين الأشاعرة وأهل الحديث، فهو يكشف أيضا عن بعض نقط الاختلاف التي لم تكن بارزة في كتاب الإبانة، ولا يعني هذا أن ينسب إلى الأشعري كل ما قرره تلميذه، لأن المقصود بالمقارنة المقارنة بين مدرستين مدرسة الأشاعرة المتقدمين ومدرسة أهل الحديث الممثلين لعقيدة السلف، والعلم عند الله تعالى.
منهج البحث:
    وإن طبيعة هذه الدراسة قد اقتضت اتباع عدة مناهج كمل بعضها بعضا؛ من أجل الوصول إلى الحقيقة .
أولها المنهج التوثيقي، حيث كان لزاما على متقصي حقيقة مؤلف هذه الرسالة؛ أن يتتبع كتب التراجم والعقائد، وكتب الإجماع وشُرَّاح رسالة ابن أبي زيد وغيرها من المؤلفات؛ التي قدَّر الباحث أنْ يجد فيها شيئا يخدم بحثه.
والثاني : وهو المنهج التحليلي، وذلك أنَّ التحقيق في نسبة هذا الكتاب اقتضى تحليل كثير من نصوصه ونقدها؛ ومقارنتها بمؤلفات سبقته وأخرى عاصرته أو تأخرت عنه، كما أنَّ الباحث عرض لنقد مفصل للحجج التي اعتمدها من أكَّد نسبة الكتاب إلى أبي الحسن الأشعري.
خطة البحث
     وقد جعلت هذه الدراسة في تمهيد ومبحثين وخاتمة؛ فأما التمهيد فخصصته للتعريف بابن مجاهد الذي يفترض البحث نسبة الكتاب إليه، وأما المبحث الأول فضمنته أدلته نسبة الكتاب لابن مجاهد، والمبحث الثاني تضمن مناقشة حجج من نسب الكتاب للأشعري، وأخيرا ذيلت البحث بخاتمة فيها خلاصة البحث.
تمهيد : ترجمة أبي عبد الله ابن مجاهد
أولا : نسبه ونشأته وطلبه للعلم
    وهو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن يعقوب بن مجاهد الطائي، هكذا نسبه الخطيب البغدادي وهو أقرب من ترجم له زمنا، وتبعه كل من بعده على هذا النسب، وربما اختصره بعضهم(2).
   وكنيته أبو عبد الله كما في جميع مصادر ترجمته، وقد يكنيه بعض العلماء بأبي بكر، وظني أن ذلك سهو منهم(3)، والذي اشتهر بهذه الكنية هو أبو بكر أحمد بن موسى ابن مجاهد المقرئ (ت:324) صاحب كتاب السبعة في القراءات.
   وأصل أبي عبد الله ابن مجاهد من البصرة ثم سكن بغداد واستقر بها إلى وفاته(4)، ولا يعلم سنة ولادته ولا سنة وفادته ورحلته إلى بغداد، وقد دلتنا مصادر ترجمته إلى تتلمذه على أبي الحسن الأشعري والقاضي التستري، وأبي زيد المروزي، فأما الأشعري فالغالب أنه أخذ عنه ببغداد، لأن شهرته كانت بها، ولأنه دخلها سنة 320 هـ في زمن شباب ابن مجاهد(5)، ويؤكد هذا أن ابن السمعاني(ت:562) قال في ترجمته :"قدم بغداد ودرس بها الكلام"، ولم تكن دراسته إلا على أبي الحسن الأشعري، وكذلك أبو زيد المروزي (ت:371 هـ) ذكر في سيرته أنه دخل بغداد، ثم استقر بمكة؛ فالغالب أنه تتلمذ عليه هناك(6). وأما الشيخ الثالث وهو التستري الفقيه؛ فالظاهر أنه أخذ عنه في البصرة؛ لأنّ مدّة مكوث التستري في بغداد لم تكن طويلة، فقد مات في السنة التي دخلها.
    ومن هذا نخلص إلى أن ابن مجاهد قد تلقى تعليمه أولا في البصرة التي ولد بها وأمضى فيها شبابه، ثم واصله في بغداد التي استقر بها حتى مات فيها. 
   ورُغم قلّة أسماء الشيوخ الذين تمكنا من معرفتهم؛ إلا أننا يمكن أن ندلِّل من خلال تتلمذه عليهم أنّ معارف ابن مجاهد كانت متنوعة، فقد أخذ الكلام عن الأشعري، وأخذ الفقه عن التستري، وعن ابن أبي زيد إجازة، وأخذ الحديث عن المروزي.
ثانيا : شيوخ ابن مجاهد
    قد علمنا أن المصادر التاريخية ذكرت لنا ثلاثة شيوخ لقيهم وشيخ رابع أجازه، وبعضهم مشهور لا يحتاج إلى تعريف وبعضهم ليس كذلك، لذلك كان من المناسب أن نخصص مساحة للتعريف بهم؛ وذلك جزء من التعريف بتلميذهم ابن مجاهد.
1-وأول هؤلاء الشيوخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري(7)، الذي ينتسب إليه الأشعرية في الاعتقاد، نشأ في البصرة  وأخذ الاعتزال عن الجبائي ثم تاب منه وتركه في بداية القرن الرابع، وصنف في إبطاله، وانتقل إلى بغداد حوالي سنة (320 هـ) وبها اشتهر، وبقي فيها إلى وفاته سنة (324 هـ).
2-والشيخ الثاني هو القاضي أبو عبد الله محمد بن أحمد التستري، الفقيه المالكي البصري من مؤلفاته: فضائل أهل المدينة ومناقب مالك في نحو عشرين جزءًا. انتقل إلى بغداد سنة (345هـ) وتوفي بها في العام نفسه، وكان له من العمر اثنين وسبعين سنة(8).
3-والثالث من شيوخه أبو زيد محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد المروزي، قال القاضي عياض عن ابن مجاهد:"سمع الصحيح من أبي زيد المروزي، ورأيت سماعه في كتاب الأصيلي بخطه"(9). وهو فقيه شافعي ومحدث من أجلّ من روى صحيح البخاري عن محمد بن يوسف الفربري، قال الخطيب البغدادي :" وكان أحد أئمة المسلمين، حافظا لمذهب الشافعي، حسن النظر، مشهورا بالزهد والورع". أصله من مرو وقدم بغداد وحدث بها، فكان ممن سمع منه الحافظ الدارقطني، ومحمد بن أحمد بن القاسم المحاملي، ثم خرج إلى مكة فجاور بها، ثم عاد إلى مرو وتوفي بها سنة (371 هـ)(10).
4-والشيخ الرابع هو ابن أبي زيد القيرواني، الذي أجازه في بعض كتبه الفقهية؛ "مختصر المدونة" و"النوادر والزيادات". وقد ذكر القاضي عياض نص مراسلة من أبي عبد الله بن مجاهد إلى ابن أبي زيد مؤرخة بسنة ثمان وستين؛ يثني فيها على كتاب "المختصر" الذي وصلته منه قطع؛ فطلب إرسال باقيه مع كتاب "النوادر" الذي بلغه خبره ولم يره، مع إجازته بكل ذلك، فأجابه ابن أبي زيد إلى طلبه وأرسل إليه بنسخة من "المختصر" وبعض "النوادر" لعدم تبييضه كاملا، وأثنى عليه بقوله: "وعندنا من أخبار الشيخ الطيبة، ما تعم مسرته، من نصرته هذا المذهب وذبه عنه، ومحاماته عليه"(11). ومراده بالمذهب المذهب المالكي فيما يظهر، وقد شاعت في زمانهم المناظرات الفقهية بين أئمة المذاهب في بغداد عاصمة الخلافة، وابن أبي زيد القيرواني أشهر من نار على علم، توفي سنة (386 هـ).
ثالثا: منزلة ابن مجاهد العلمية
   من أجل التنوع المعرفي الذي تلقاه ابن مجاهد؛ ومن خلال المؤلفات التي ذُكرت له، وصفه صاحب شجرة النور الزكية بالإمام الفقيه الأصولي العالم النظار المتكلم، فحلاه بما يستحقه من أوصاف، وما جمعه من تخصصات، فقد كان ابن مجاهد فقيها مالكيا، بل كان مقدما في المذهب، وكان أصوليا صنف في أصول مالك كما سيأتي؛ وكان متكلما منتسبا للأشعري؛ إلا أنه اختص بعلم الكلام وعُرف به؛ وقد بين ذلك القاضي عياض حين قال : "وابن مجاهد هذا كان مالكي المذهب، إماما فيه مقدما، غلب عليه علم الكلام والأصول"(12).
    وكان ابن مجاهد أيضا من المفتين المبرزين في بغداد المرجوع إليهم في باب العقائد، ومما يدلنا على ذلك ما حكاه أبو علي محمد بن أحمد بن أبي موسى الهاشمي (ت:428هـ) قال:" حضرت دار شيخنا أبي الحسن عبد العزيز بن الحرث التميمي سنة سبعين وثلاثمائة في دعوة عملها لأصحابه حضرها أبو بكر الأبهري (ت:375)شيخ المالكيين، وأبو القسم الداركي(ت:375) شيخ الشافعيين، وأبو الحسن طاهر بن الحسن شيخ أصحاب الحديث وأبو الحسين ابن سمعون (ت:426) شيخ الوعاظ والزهاد وأبو عبد الله بن مجاهد شيخ المتكلمين وصاحبه أبو بكر بن الباقلاني في دار شيخنا أبي الحسن التميمي شيخ الحنابلة قال أبو علي لو سقط السقف عليهم لم يبق بالعراق من يفتي في حادثة يشبه واحدا منهم"(13). والشاهد من قوله " لم يبق بالعراق من يفتي في حادثة يشبه واحدا منهم"، التي تعني أن كل واحد منهم كان أعلم أهل بغداد في الفن المنسوب إليه، فابن مجاهد رغم كونه مالكيا إلا أنه لم يبلغ رتبة الأبهري في الفقه، ولكن في علم الكلام كان الأعلم والأشهر، والباقلاني في ذلك الوقت كان تلميذا له منسوبا إليه، ولأجل هذا الاختصاص بالكلام والشهرة به في بغداد وغيرها؛ اقتصر الخطيب في التعريف به، وبيان منزلته العلمية بقوله:" المتكلم صاحب أبي الحسن الأشعري".
   ومما يدلنا على تعظيم ابن مجاهد لعلم الكلام واعتزازه به: ما ذكره الخطيب من أنه كان ينشد لبعضهم :
أيها المغتدي ليطلب علماً ... كل علم عبد لعلم الكلام
تطلب الفقه كي تصحح حكماً ... ثم أغفلت مُنزل الأحكام(14).
   وعلى كل فهذه المبالغة غير مقبولة ؛ وخاصة إذا علمنا أن علم الكلام في عصرهم؛ لم يكن مفيدا سوى في مناظرة المعتزلة والطوائف المنحرفة، ولم يكن يدرس هذا العلم إلا نزر يسير من الناس ، وأما التعرف على الخالق سبحانه وصفاته وأفعاله ، فكان يدرسه غالب فقهاء المذاهب من كتب التوحيد المبنية على القرآن والسنة لا على النظر العقلي.
رابعا : سيرة ابن مجاهد وأخلاقه
   إن أقدم من ترجم لابن مجاهد هو بلديه الخطيب البغدادي، وقد أدرك شيوخا عرفوه عن قرب، وكلهم أثنى عليه من جهة السيرة والأخلاق، قال الخطيب البغدادي (ت:463):" وقد ذكر لنا غير واحد من شيوخنا أنه كان ثخين الستر حسن التدين، جميل الطريقة"، ثم خصَّ من هؤلاء أبا بكر البرقاني الحافظ المشهور وقال: "وكان أبو بكر البرقاني يثني عليه ثناء حسنا، وقد أدركه في بغداد فيما أحسب"(15).
   ويمكن أن نلتمس من أخباره تواضعه وحسن تعامله مع أقرانه، فقد استجاز ابن أبي زيد القيرواني الذي هو قريب منه في السن، ولم يكن متعصبا معاديا للمخالفين له في المذهب أو الاعتقاد؛ فقد أجاب دعوة أبي الحسن التميمي الحنبلي (ت:371هـ) في جلسة جمعت أعيان بغداد في الفقه والوعظ، كما سبق، والظاهر أن مثل هذه المجالس كانت متكررة في بيت أبي الحسن التميمي، وإنما يختلف الحضور من مجلس إلى آخر، كما تختلف المواضيع المطروحة، فقد نقل أبو عبد الله الحسين بن محمد الدامغاني(ت:378هـ) أنه اجتمع في بيت أبي الحسن مع الشيخ أبي الحسين محمد بن أحمد بن سمعون(ت:387هـ) وابن مجاهد، وكان حاضرا أيضا تلميذه الباقلاني (ت:403)، قال: "فجرت مسألة الاجتهاد بين القاضي أبي بكر وبين أبي عبد الله ابن مجاهد، وتعلق الكلام بينهما إلى أن انفجر عمود الصبح، وظهر كلام القاضي عليه رحمهما الله"(16)، ولم يعين لنا المسألة ولعلها مسألة التصويب والتخطئة في الاجتهاد؛ لأن الباقلاني كان يرى التصويب وذلك مشهور عنه، وشيخه ابن مجاهد اختار مذهب التخطئة؛ فخالف الأشعري ووافق مالكا رحمه الله(17)، ومما يستفاد من هذا الخبر سعة صدره في المناظرة؛ حتى مع من هو أصغر منه سنا ومن هو معدود من تلامذته رحمه الله.
خامسا: تلاميذ ابن مجاهد
   إن إقامة ابن مجاهد في بغداد، ومنزلته بين فقهاء المالكية، وشهرته في مجال علم الكلام في ذلك العصر؛ أسباب اجتمعت وجعلته قبلة الطلاب، من أهل بغداد ومن الوافدين إليها، ولكن قلة مصادر ترجمته وشح المعلومات الموجودة فيها جعلنا لا نقف إلا على عدد يسير من تلاميذه، نذكرهم فيما يأتي بإيجاز:
1-أولهم أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني (ت: 403هـ) وهو أشهر تلاميذه وأخصهم به، حتى أن الخطيب في تعريفه بابن مجاهد ذكر بأن الباقلاني درس عليه الكلام(18)؛ لأن شهرة التلميذ فاقت شهرة الشيخ.
2-والثاني : أبو بكر إسماعيل بن إسحاق بن عزرة الأزدي القيرواني المالكي(19). وهو ناقل رسالة أهل الثغر إلى المغرب وقد قرأها على تلاميذه بالمنستير، كما أنه هو من حمل بعض كتب ابن أبي زيد إلى ابن مجاهد(20)، وقال القاضي عياض: «فقيه فاضل زاهد قيرواني من أصحاب أبي محمد بن أبي زيد القيرواني وطبقته، ورحل إلى المشرق فلقي ابن مجاهد الطائي المتكلم وأخذ عنه وأبا بكر الأبهري وأبا محمد بن أحمد البغدادي وسمع غيرهم، وكان الغالب عليه الزهد والعبادة، وقد سمع منه الناس روى عنه حاتم الطرابلسي وأبو مروان الطبني، وأثنى عليه ابن أبي زيد»(21).
3-أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد المؤمن المكي المتكلم(22). هو مكي دخل العراق فأخذ عن ابن مجاهد والأبهري، ثم انتقل إلى القيروان فتتلمذ هناك على ابن أبي زيد وغيره واستقر بها، وعرف بالكلام والمناظرات(23).
4- الحسن بن الحسين أبو علي الهمذاني الشافعي، ونقل الخطيب عنه أن ابن مجاهد أنشده بيتين من الشعر، فقيه شافعي تتلمذ على أبي حامد المروروذي نزل بغداد ، وحدث بها عن جمع من البصريين والبغداديين، وتوفي سنة (405 هـ)(24).
سادسا: مؤلفات ابن مجاهد
    لقد ألف ابن مجاهد عددا من المؤلفات منها ما اشتهر وعرف باسمه ومنها ما لم يشتهر وردت في ترتيب القاضي عياض(25)، وتبعه على ذكرها من بعده ، هي كالآتي:
1-رسالة في الاعتقادات أرسلها إلى ثغر باب الأبواب، وهذا الكتاب هو موضوع هذه الدراسة .
2-كتاب في أصول الفقه على مذهب مالك، لم يعرف عنوانه، وذكر الخطيب أن له كتبا حسانا في الأصول(26)، فلعل هذا الوصف يرجع إلى ما صنفه في أصول الفقه، وربما يشمل ما ألفه في أصول الدين؛ لأن مصطلح "الأصول" يحتمل المعنيين.
3-كتاب تهدية المستبصر ومعونة المستنصر(27)، ولا يعلم موضوعه تحديدا، والغالب أنه في علم الخلاف.
4-وله تواليف أخرى غيرها، حسبما ذكره عياض، والله أعلم.
سابعا : وفاة ابن مجاهد
  لم يؤرخ الخطيب والقاضي عياض والذهبي وابن فرحون لوفاته، وقال محمد مخلوف :" لم أقف على وفاته"، ولكننا نجد في تاريخ ابن عساكر ما يدل على أنه كان حيا سنة 370 هـ، ولعل ذلك ما جعل ابن العماد واليافعي وصاحب هدية العارفين يؤرخون وفاته في سنة 370. وأما الصفدي فقال:" توفي في عشر السبعين والثلاث مائة تقريبا"(28).
    وأما ما ذكره المراغي صاحب الفتح المبين من أنه توفي حوالي الأربعمائة(29)، فمستبعد ولم يسبق إليه.
    ودفن ابن مجاهد ببغداد قرب قبر الأشعري ومن قربه قبر أبي بكر ابن فورك(30) رحمهم الله تعالى.

المبحث الأول: أدلة نسبة الكتاب إلى ابن مجاهد

   إن أدلة نسبة الكتاب إلى ابن مجاهد متعدِّدة ومتنوِّعة، وبعضها يكمِّل بعضا، كما أنَّ بعضها أقوى من بعض، وقد رتَّبتها بحسب هذا الاعتبار في المطالب الآتية:
المطلب الأول : إسناد المغاربة للكتاب عن ابن مجاهد
    أوَّل شيء يدل على صحَّة نسبة الكتاب إلى أبي عبد الله ابن مجاهد دون الأشعري؛ وروده مسندا إليه في بعض الفهارس عند أهل المغرب، حيث رووه من طرق عن أبي بكر إسماعيل بن إسحاق بن عزرة الأزدي القيرواني المالكي عن ابن مجاهد.
   فذكره أبو محمد ابن عطية (ت:541) في الفهرست وسماه :« رسالة في عقود أهل السنة»، وقال حدَّثني به حاتم عن أبي بكر بن عزْرة عن مؤلفها(31).
   وذكره أيضا ابن خَير الإشبيلي (ت:575) في الفهرست وقدمه بقوله:«رسالة أبي عبد الله محمد بن أحمد بن يعقوب بن مجاهد الطائي البصري فيما التمسه فقهاء أهل الثغر بباب الأبواب، من شرح أصول مذاهب المتبعين للكتاب والسنة»(32). ثم أسنده من ثلاثة طرق عن أحمد بن محمد بن جهور المرشاني(33)، وأبي القاسم حاتم بن محمد الطرابلسي(34)، وأبي عبد الله محمد بن هبة الله الضرير(35)، جميعهم عن أبي بكر بن عزرة الأزدي.
   ومما هو معلوم أن من أهمَّ طرق إثبات نسبة الكتب: اعتماد الفهارس والأثبات التي دوَّن فيها العلماء سماعاتهم للكتب بأسانيدهم إلى أصحابها، وهذا الطريق من القوَّة حيث لا يقوى على معارضته حتى النسبة المثبتة على ظهر المخطوط؛ مهما كان زمنُ كتابتها ومنزلةُ كاتبها. فإنَّ مُعتمدَ النقل في ديننا هو الصحة؛ كما أن معتمد الادعاء هو الدليل، ولا صحة لنقلٍ دون إسنادٍ.
   ومن نسب هذه الرسالة إلى الأشعري من المتأخرين فقوله ليس بحجة؛ بل هو مفتقر إلى الحجة، ولو لجأنا إلى التقليد في مثل هذا؛ لكان تقليد الأقرب زمانا إلى عصر الإمامين الأشعري وابن مجاهد أولى، وهو تلميذ ابن مجاهد الراوي عنه للكتاب، وكذا تلاميذه الراوون للكتاب عنه.
    وابن عزرة(36) فقيه فاضل كما قال القاضي عياض، وثبت لقاؤه لابن مجاهد وأخذه عنه، وأن ابن أبي زيد أرسل معه إلى ابن مجاهد مختصر المدونة عندما طلب منه مؤلفاته في الفقه(37).
     وقال أبو ذر الهروي (ت:543هـ):« لم أر فيمن رأيت أفضل من ثلاثة أبي بكر بن عزْرة وأبي الفتح القوَّاس وذكر الثالث»(38)، وقال أبو يوسف بن عبد الله الرعيني(39):«اجتمع علماء القيروان: أبو محمد بن أبي زيد وأبو الحسن القابسي، وأبو القاسم بن شبلون، وأبو علي بن خلدون، وأبو محمد الطبيقي، وأبو بكر بن عزْرة؛ أنّ حال بني عبيد حال المرتدين والزنادقة»(40)، واعتمد أبو القاسم ابن عساكر (ت:571هـ) حكايته بأن سبب توبة الأشعري من الاعتزال هو تكافؤ الأدلة عنده(41)، فالرجل معروفٌ بالعلم وثقةٌ في النقل، وإنْ كانت المعلومات التاريخية عنه شحيحة نوعا ما، شأنه شأن أكثر العلماء المغاربة.
المطلب الثاني : شهرة نسبة الكتاب إلى ابن مجاهد
    إنَّ مما يزيدنا ثقة في نسبة هذا الكتاب إلى ابن مجاهد رحمه الله تعالى: أنَّ القاضي عياضا قد عزاه إليه واصفا إياه بالرسالة المشهورة، حيث قال رحمه الله تعالى:« وله كتاب في أصول الفقه على مذهب مالك، ورسالته المشهورة في الاعتقادات على مذهب أهل السنة؛ التي كتب بها إلى باب الأبواب»(42). فالكتاب بعدما أسند إلى مؤلفه انتشر بين العلماء، وأصبح مشهورا ولم يتعرَّض للنقد ولا للتشكيك.
    ومن العلماء الذين صرحوا بنسبة الكتاب إلى ابن مجاهد؛ مع الإشارة إلى شهرته وقربه من الناس في عصره: القاضي أبو بكر ابن العربي رحمه الله تعالى (ت:543) في عارضة الأحوذي حيث قال -وهو يتحدث عن افتراق الأمة وعقيدة الفرقة الناجية -:«وقد مهد علماؤنا تفصيل سبيل الأئمة الماضين وأجلها كتابا على العموم، وأوضحها بيانا وأقربها للكل مكانا رسالة الشيخ أبي بكر ابن مجاهد لأهل باب الأبواب، فليعول عليها، فلم يؤلف أحد من أهل السنة مثلها، وهذا أمر تدركونه بالتجربة إذا رأيتموه والله الموفق للصواب برحمته»(43)، فقوله :« وأقربها للكل مكانا» يدل على انتشار الكتاب وشهرته بين العلماء، في الأندلس على الأقل، وإن كان ابن العربي رحمه الله تعالى مشهورا برحلته المشرقية الطويلة.
المطلب الثالث : نقل العلماء من نصوصه معزوا إلى ابن مجاهد
   لعل مما يتبادر إلى أذهان الباحثين في مثل هذه القضايا: هو دليل تعيين الكتاب المطبوع والموجود بين أيدينا؛ وأنه هو الذي أسنده أصحاب الفهارس، ووصفه القاضي عياض بالشهرة، فيقال: إنَّ تصريحهم بأنَّها رسالة في الاعتقادات موجهة إلى أهل ثغر "باب الأبواب" يكفي لتعيينها، ولكن نُدلِّل على ذلك ونؤيِّده بذكر اقتباسات العلماء المتأخرين من هذا الكتاب الذي بين أيدينا؛ مع نسبته إلى ابن مجاهد، وقد وقفت على اقتباسات متعدِّدة مستفادة من موضعين من هذا الكتاب؛ بيانها فيما يأتي:
الموضع الأول:
    قال مؤلف الكتاب رحمه الله:« وأنه تعالى فوق سماواته على عرشه دون أرضه، وقد دل على ذلك بقوله : (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ) (الملك:16) (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) (فاطر:10) وقال (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طه:5) وليس استواؤه على العرش استيلاء كما قال أهل القدر، لأنه عز و جل لم يزل مستوليا على كل شيء»(ص232).
    فقد نَقل هذا النص كثير من شُرَّاح رسالة ابن أبي زيد القيرواني، منهم محمد بن سلامة التونسي (ت:746) الذي قال في شرح كلام القيرواني في إثبات صفة الاستواء لله تعالى:« اعلم أولا أنَّ هذا الكلام، وهذا الإطلاق ليس من إطلاق المصنف، وإنما هو إطلاق السلف الصالح والصدر الأول، نصَّ على ذلك الإمام أبو عبد الله ابن مجاهد في رسالته إلى أهل باب الأبواب، فقال فيها ما نصه :" ومما أجمعوا على إطلاقه أنه تعالى فوق سماواته على عرشه دون أرضه"يريد إطلاقا شرعيا ولم يَرِدْ في الشرع أنَّه في الأرض؛ فلهذا قال دون أرضه» وعنه نقله القلشاني (ت:863) في تحرير المقالة(44).
   ونقله أيضا ابن ناجي (ت:837) في شرحه(45)، وأيضا أحمد زروق الفاسي (ت:899) الذي قال :«وما ذكره الشيخ هنا نقلَ ابن مجاهد في إجماعاته ما هو أعظم منه؛ فقال :« ومما أجمعوا على إطلاقه أنه تعالى فوق عرشه دون أرضه»(46). وتبعهم غيرهم من الشراح المتأخرين(47).
   والتطابق واضح بين النص المقتبس والنص المثبت في الرسالة، ولا يعكر على هذا أنهم تصرفوا في السياق وأضافوا كلمة أجمعوا؛ لأن المصنف نقلَ جميع فقرات الكتاب على أنها إجماعات أهل السنة، ولأن النقل عند المؤلفين كثيرا ما يكون بالمعنى، ويكون فيه زيادة ونقص، وخاصة عند المتأخرين؛ الذين ينقل بعضهم عن بعض دون الرجوع إلى المصادر، وإنَّك لتجد مثل هذا التصرف حتى مع الأحاديث النبوية فكيف مع غيرها، واعتبر هذا بنُقُول الزركشي مثلا في البحر المحيط عمن سبقه من أهل الأصول، ونُقُول ابن حجر العسقلاني في فتح الباري عمن سبقه من شراح الحديث يتضح المراد إن شاء الله تعالى، والظاهر أن الناقل الأول لكلام ابن مجاهد أراد الاختصار فحذف الأدلة القرآنية التي نص عليها ابن مجاهد، وعبَّر عنها بالإطلاق الشرعي؛ لأن الإطلاق الشرعي إنما يستفاد من لغة القرآن الكريم.
   لقد أفادنا هؤلاء الشراح هذه الفائدة العزيزة بنقل الإجماع عن ابن مجاهد، مع أنَّ نقله عن مصنِّف الرسالة أولى؛ فقد صرح بنحوه في كتابه الجامع، فقال في أوله :« فمما أجمعت عليه الأمة من أمور الديانة، ومن السنن التي خلافها بدعة وضلالة » ثم قال في فقراته :« وأنه فوق سماواته على عرشه دون أرضه، وأنَّه في كل مكان بعلمه»(48).
الموضع الثاني :
    قال المصنف في الإجماع الخامس والأربعين:« وأجمعوا على السمع والطاعة لأئمة المسلمين، وعلى أن كل من ولي شيئا من أمورهم عن رضى أو غلبة وامتدت طاعته من بر وفاجر؛ لا يلزم الخروج عليهم بالسيف جار أو عدل، وعلى أن يغزوا معهم العدو ويحج معهم البيت، وتدفع إليهم الصدقات إذا طلبوها ويصلى خلفهم الجمع والأعياد »(297-298).
   وقد وقف على هذا الإجماع جماعة من العلماء ونقلوا الفقرة المتعلقة بالخروج على الحكام، فمنهم من كان مخالفا ومنكرا على المصنف، وموافقا للمعتزلة في رأيهم في وجوب الخروج على الحكام إذا فسقوا أو جاروا؛ كابن حزم الأندلسي الذي قال في آخر كتابه مراتب الإجماع:«ورأيت لبعض من نَصَبَ نفسه للإمامة والكلام في الدين، فُصولاً ذكر فيها الإجماع، فأتى فيها بكلامٍ لو سكت عنه، لكان أسلم له في أُخراه، بل لعلَّ الخرس كان أسلم له، وهو ابن مجاهد البصري المتكلِّم الطائي، لا المقرئ، فإنَّه ذكر فيما ادعى فيه الإجماع: أنهم أجمعوا على أنَّه لا يُخْرَجُ على أئمة الجَوْرِ»(49).
   ومنهم من نقل هذا الإجماع؛ وهو موافق على مضمونه كالقاضي عياض في شرحه على صحيح مسلم، كما أنه أشار إلى تعقب ابن حزم له(50).
   هذا وإن كانت عبارة ابن مجاهد ليست صريحة في بيان ما استقر عليه مذهب أهل السنة والجماعة وهو عدم جواز الخروج على أئمة الجور، لأن عبارة "لا يلزم" تختلف في مدلولها عن عبارة لا يجوز، فإن ما لا يلزم قد يكون مباحا وقد يكون مستحبا.
المطلب الرابع : تاريخ تأليف الكتاب ومكانه
    من القضايا الجديرة بالتأمل مليا في هذا الكتاب تاريخ تأليفه ومكانه، فقد جاء في مقدمته ما يلي:« فقد وقفت على ما ذكرتموه في كتابكم الوارد علي بمدينة السلام ..ووقفت أيدكم الله على ما ذكرتموه من إحمادكم جوابي عن المسائل التي كنتم أنفذتموها إلي في العام الماضي، وهو سنة سبع وستين ومائتين، ووقوع ما ذكرته لكم فيها الموقع الذي حمدتموه»(51). فهذه الفقرة تفيد أن تأليف الكتاب كان بمدينة السلام وهي بغداد، وأنها ألفت سنة (268هـ) أي سنة بعد التاريخ المذكور، وهذا التاريخ المذكور كان الدافع الأساس لمراجعة نسبة الكتاب، وهو خطأ قطعا واتفاقا، لأن الأشعري نفسه ولد سنة (260 هـ) وتوفي على الأرجح سنة (324هـ)(52)، وقد استشكل هذا التاريخ المستشرق ألار (Allard) ، وقرر في نهاية بحثه احتمال تصحيفه من سنة (297هـ)(53)، وربما يؤيَّد هذا الاحتمال بوجود بعض التشابه بين رسم ستين وتسعين، ولكن هذا التصويب لم تكن له غاية سوى جعل تاريخ التأليف ضمن مدة حياة الأشعري، وقد استشعر ألار انتقادا قد يوجه إلى هذه الفرضية؛ وهي كون الأشعري لم يرجع بعد في ذلك التاريخ عن مذهب المعتزلة؛ إذ المعروف أنه إنما تاب من ذلك سنة 300 هـ، فزعم أنه كتبها في مرحلة كان فيها قريبا من مذهب أهل السنة دون أن يقطع صلته نهائيا بالمعتزلة.
     ولكن فاته وهو يحاول أن يدفع هذا الانتقاد أن الرسالة كتبت ببغداد، والأشعري لم ينتقل من البصرة إلى بغداد إلا في حدود سنة 320(54)، وأصدر في الوقت نفسه حكما جزافيا بأنه كتب الكتاب قبل مفارقة المعتزلة نهائيا، وزاد على ذلك أن زعم أن الكتاب قد تضمن بكل وضوح الأصول الخمسة للمعتزلة(55)، والذي في الكتاب نقض للأصول الخمسة جميعها؛ ومنه يظهر تهافت زعم هذا المستشرق.
    ومما يدفع فرضية تصحيف هذا التاريخ من سنة 297 : أن ورود سؤال إلى الأشعري من بلاد بعيدة يقتضي أنه قد مضى على توبته مدة يمكن فيها اشتهاره بالرجوع إلى السنة وبالدفاع عنها، وهذا ما لا يمكن مع الفرضية المذكورة، وقد قرّر ابن عساكر أن كتبه إنما انتشرت بعد الثلاثمائة(56).
    وزيادة على ذلك فقد ذكر الأشعري في كتابه "العمد" أكثر مؤلفاته التي صنفها إلى غاية سنة عشرين وثلاثمائة، فلو كان صنفه في ذلك التاريخ المفترض لذكره ولما أهمله؛ نظرا لأهمية موضوعه، وخاصة أنَّه ذكر ما هو أخص منه موضوعا وأقل أهمية(57).
    ومحقق الرسالة عبد الله شاكر محمد الجنيدي، كان قد ذهب أولا –في النسخة المقدمة لنيل الماجستير-إلى نحو رأي ألار من تصحيف رقم تسعة إلى ستة، ثم تراجع في النسخة المطبوعة سنة1409-1988 لأنه تبين له أن الأشعري في ذلك التاريخ لم يزل معتزليا، ولم يكن مشهورا بالسنة حتى يرسل إليه أهل باب الأبواب فيسألونه عن أصول اعتقاد أهل السنة. وذكر رأيا جديدا لدفع هذا التاريخ فقال :« إن التاريخ المذكور في هذه الرسالة لعله من وضع أشعري متأخر يخالف عقيدة شيخه التي كان عليها ، أو من وضع معتزلي أراد أن يموه على الناس وينفي هذه العقيدة عن الأشعري » وجزم بتخطئة التاريخ بناء على ما ثبت لديه من صحة نسبة الكتاب إلى الأشعري(58).
    أما ما ذكره من احتمال الإدراج والإقحام فهو وارد؛ لكن لم يأت بشيء يؤيده سوى ما اشتهر عن المتأخرين من مخالفة عقيدة الأشعري، وليس ذلك دليلا علميا مقبولا، وإن كنت أرى أن احتمال الإدراج وارد جدا -بغض النظر عن الدافع- وذلك أن كاتب الرسالة عندما قال: "المسائل التي كنتم أنفذتموها إلي في العام الماضي" لم يكن بحاجة إلى تحديد تلك السنة لأنها معلومة لدى المرسل إليه، بخلاف نساخ الرسالة في العصور الآتية بعده فهم محتاجون إلى تبيين المراد؛ لأن كلمة العام الماضي لم تعد معلومة في زمانهم. وكما يحتمل إدراج التاريخ كاملا يحتمل أن يكون المدرج هو كلمة "مائتين" فحسب؛ وذلك أنه كان من عادة كثير من القدماء في كتابة التاريخ الاكتفاء بالسنين والعقود دون المئات.
     ولا أزعم كما زعم محقق الرسالة أن المدرج قصد نفي العقيدة عن الأشعري، وإن كان بعض المتأخرين لجهلهم بعقيدة الإمام الذي انتسبوا إليه نفوا كتاب الإبانة كما في رسالة أبي القاسم ابن درباس الأشعري (ت:605هـ)(59)، ولكني أرجح أن الصواب في ذلك التاريخ هو سنة (367هـ)، وإن كان رسم مائتين بعيدا عن رسم ثلاثمائة، وذلك أن التصحيف يحتمل أن يكون وقع أولا في الأصل الذي نقلت عنه المخطوطات الموجودة الآن أو أصل أصله، ونحن لا ندري كيف كتب التاريخ في تلك الأصول هل رسم بالحروف أم بالأرقام، وإذا وضعنا احتمال كتابته بالأرقام فإن تصحيف رقم 3 إلى 2 محتمل جدا، وخاصة أن المشارقة اعتادوا كتابتها بالأرقام العربية المشرقية لا المغربية.
    وهذا الاحتمال يتلاءم مع كون المؤلف هو ابن مجاهد (المتوفى سنة 370 هـ تقريبا)، والذي كان مقيما في بغداد، وكان رحمه الله قد اشتهر بالدفاع عن عقيدة أهل السنة والرد على المعتزلة، وذاع صيته حتى بلغ المغرب الإسلامي؛ فكيف بباب الأبواب التي هي أقرب إلى العراق، والعلم عند الله تعالى.
المطلب الخامس : عدم ذكر الأشعري وابن فورك لهذا الكتاب
    مما يستأنس به في هذا الباب أن أبا بكر ابن فُورك لما ذكر كتب الأشعري، واستدرك على قائمة "العمد" للأشعري ما استدرك من مؤلفات لم يذكر هذا الكتاب(60)، وهو العارف بمذهب الأشعري ومؤلفاته وصاحب كتاب مجرد مقالات الأشعري، وحجم الرسالة كبير وموضوعها خطير فلو علمها له لم يسكت عنها.
    فإن قيل: إنه قد أغفل كتبا أخرى استدركها عليه ابن عساكر في التبيين، فالجواب أن سبب الإغفال راجع إلى أحد أمرين اثنين: إما أن يكون من الرسائل والمسائل الصغيرة الحجم وقد أغفلها ابن فورك عمدا، وذلك أنه قال:«هذا هو أسامي كتبه التي ألفها إلى سنة عشرين وثلاثمائة سوى أماليه والجوابات المتفرقة عن المسائل الواردات من الجهات المختلفات»، وإما أن يكون مما لم يقف عليه بسبب تأخر تأليفه كالإبانة مثلا(61)، ورسالة أهل الثغر عند من نسبها للأشعري ليست من هذا القبيل ولا ذاك .
    وقد طالعت كتاب المجرد لابن فورك بحثا عن المسائل المشتركة بين الكتابين؛ فلم أجد ما يوحي باستفادته من موضوع رسالة باب الأبواب شيئا، ذلك أن موضوعها وهو نقل الإجماع في قضايا الاعتقاد منسوبة إلى سلف الأمة، إذ لو صح عنده نسبة هذا الكتاب للأشعري؛ لما أغفله لهذا المعنى إذ هذه الإجماعات هي حكاية مذهب واستدلال عليه في آن واحد، ولاسيما أن ابن فورك قد أوضح في كتابه حرصه على نقل كلام الأشعري بحروفه إذا أمكن، ومما يستأنس به في هذا الباب أن معد الكتاب للطبع قد أحصى مصادر ابن فورك المصرح بها فيه، وأكد عدم اعتماده على كتابي الإبانة ورسالة على أهل الثغر(62).
   ولا يلزم من أنكر نسبة رسالة أهل الثغر إلى الأشعري أن يُنكر نسبة كتاب الإبانة بدعوى أن كلا الكتابين لم يذكرهما ابن فورك واستدركهما عليه ابن عساكر، وذلك لمعنيين اثنين:
الأول : أن ابن عساكر ليس أول من نسب كتاب الإبانة للأشعري واستدرك ذكره على ابن فورك؛ بل هو مذكور في عدة مصادر تاريخية معاصره له ومتقدمة عليه، فقد أثبته الأهوازي (ت:446) في كتابه مثالب الأشعري(63)، وأثنى عليه أبو عثمان الصابوني (ت:449)(64)، ونقل منه البيهقي (ت:458) في كتاب الاعتقاد(65)، كما نقل منه الباقلاني(ت403)  في كتبه دون تسميته، وسيأتي شيء من ذلك في المطلب الثالث من المبحث الثاني.
الثاني: أنه ليس ثمة داع موضوعي للشك في كتاب الإبانة بخلاف رسالة إلى أهل الثغر، فقد سقنا من الأدلة ما يكفي لنفيها عن الأشعري وتحديد كاتبها وهو ابن مجاهد، والمشككون في نسبة الإبانة؛ إنما اعتمدوا عند التحقيق ما تقرر عندهم من عقائد تلقوها من المدارس الأشعرية المتأخرة، التي أسسها أبو المعالي الجويني (ت:478) والفخر الرازي (ت:606) مع عدم اطلاعهم على مذهب الأشعري وأئمة أصحابه المتقدمين.
    على أن بعض المتأخرين قد رجح طريقة الجويني في الصفات على طريقة أبي الحسن الأشعري، من غير أن يطعن في صحة نسبة تلك الطريقة للأشعري، ومنهم محمد بن يوسف السنوسي التلمساني (ت:895)، أحد أعمدة الأشعرية بعد عصر الفخر الرازي(66).
المطلب السادس : استفادة ابن مجاهد من المختصر لابن أبي زيد
    كما أن ابن مجاهد قد استفاد من كتب شيخه الأشعري فيما ذهب إليه من آراء كلامية، -سيأتي في مطلب النقد الداخلي للكتاب-، فقد ثبتت استفادته أيضا من كتاب الجامع من مختصر المدونة لابن أبي زيد القيرواني، وهذا يعتبر من أقوى أدلة نفي الكتاب عن الأشعري، لأن الأشعري متقدم عن ابن أبي زيد؛ إذ توفي الأشعري ولابن أبي زيد بضع وعشرون سنة .
    وقد ثبت –كما سبق-أن ابن مجاهد أرسل كتابا إلى ابن أبي زيد يطلب منه إجازته بكتابه "مختصر المدونة"؛ بعد أن وصله أجزاء منه، كما طلب منه أن يُرسل إليه كتاب "النوادر والزيادات"، وأرَّخ كتابه بسنة ثمان وستين، وهي السنة التي ألَّف فيها رسالته إلى أهل الثغر، فردَّ عليه ابن أبي زيد بكتاب أجازه فيه، وأرسل إليه ببعض كتاب النوادر؛ إذ لم يكن بيضه بعد، وأخبره بأنَّ شابين قيروانيين - أحدهما ابن عزرة راوي رسالة أهل الثغر- قد توجها من مكة إلى بغداد للقائه ولقاء الأبهري، وقد بعث معهما المختصر صحيحا مقابلا(67)، وقد نقل ابن مجاهد بعض المواضع من كتاب ابن أبي زيد تكاد تكون بحروفها؛ إذ الحذف والزيادة فيها لم تُعدّل شيئا من المعنى، وبعض المواضع الأخرى فيها تغيير يحيل المعنى بما يوافق عقيدة الأشعري، وفيما يأتي بيان بعض النماذج من هذه الاستفادة.
الفرع الأول : مواضع فيها تغيير لا يخل بالمعنى
   من المواضع التي لم يتغير فيها المعنى ما يأتي نقله من الإجماع التاسع والثلاثين إلى الإجماع الثاني والأربعين، وكذلك الأمر في الإجماعات السابع ، والثامن والثلاثين ، والثالث والأربعين ، والخامس الأربعين إلى الثامن والأربعين.
1-قال مصنف الرسالة:«وأجمعوا على أن عذاب القبر حق وأن الناس يفتنون في قبورهم بعد أن يحيون فيها ويسألون فيثبت الله من أحب تثبيته، وأنهم لا يذوقون ألم الموت كما قال تعالى: "لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى".
وعلى أنه ينفخ في الصور قبل يوم القيامة ويصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، وعلى أن الله تعالى يعيدهم كما بدأهم حفاة عراة غرلا»(279-281).
قال ابن أبي زيد:« وأن عذاب القبر حق، وأن المؤمنين يفتنون في قبورهم ويضغطون ويبلون، ويثبت الله منطق من أحب تثبيته.
وأنه ينفخ في الصور فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، كما بدأهم يعودون حفاة عراة غرلا»(211-212).
2-قال مصنف الرسالة:«وأن الأجساد التي أطاعت وعصت هي التي تبعث يوم القيامة ، وكذلك الجلود التي كانت في الدنيا والألسنة والأيدي والأرجل هي التي تشهد عليهم يوم القيامة»(ص282).
قال ابن أبي زيد :« وأن الأجساد التي أطاعت وعصت هي التي تبعث يوم القيامة لتجازى، والجلود التي كانت في الدنيا والألسنة والأيدي والأرجل هي التي تشهد عليهم يوم القيامة على من تشهد عليه منهم»(ص212).
3-قال مصنف الرسالة:«وأن الله تعالى ينصب الموازين لوزن أعمال العباد فمن ثقلت موازينه أفلح ومن خفت موازينه خاب وخسر وأن كفة السيئات تهوي إلى جهنم وأن كفة الحسنات تهوي عند زيادتها إلى الجنة، وأن الخلق يؤتون يوم القيامة بصحائف فيها أعمالهم فمن أوتي كتابه بيمينه حوسب حسابا يسيرا ومن أوتي كتابه بشماله فأولئك يصلون سعيرا» (ص283-285).
قال ابن أبي زيد :« وتنصب الموازين لوزن أعمال العباد فأفلح من ثقلت موازينه وخاب وخسر من خفت موازينه، ويؤتون صحائفهم فمن أوتي كتابه بيمينه حوسب حسابا يسيرا، ومن أوتي كتابه بشماله فأولئك يصلون سعيرا»(ص212).
4-قال مصنف الرسالة:« وأجمعوا على أن الصراط جسر ممدود على جهنم يجوز عليه العباد بقدر أعمالهم وأنهم يتفاوتون في السرعة والإبطاء على قدر ذلك»(ص286).
قال ابن أبي زيد :« وأن الصراط جسر مورود يجوزه العباد بقدر أعمالهم، فناجون متفاوتون في سرعة النجاة عليه من نار جهنم ، وقوم أوثقهم فيها أعمالهم»(ص212-213).
5-قال مصنف الرسالة:«وأجمعوا على أن الله تعالى يخرج من النار من في قلبه شيء من الإيمان بعد الانتقام منه»(ص286).
قال ابن أبي زيد :«وأنه يخرج من النار من في قلبه شيء من الإيمان»(ص213).
6-قال مصنف الرسالة:«وأجمعوا على أن شفاعة النبي لأهل الكبائر من أمته، وعلى أنه يخرج من النار قوما من أمته بعدما صاروا حمما فيطرحون في نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل.
وعلى أن لرسول الله حوضا يوم القيامة ترده أمته لا يظمأ من شرب منه ويذاد عنه من بدل وغيّر بعده.
   وعلى أن الإيمان بما جاء من خبر الإسراء بالنبي إلى السماوات واجب، وكذلك ما روي من خبر الدجال ونزول عيسى بن مريم وقتله الدجال.
وغير ذلك من سائر الآيات التي تواترت الرواية بين يدي الساعة من طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة وغير ذلك مما نقله إلينا الثقات عن رسول الله وعرفونا صحته»(ص288-292).
قال ابن أبي زيد:«وأن الشفاعة لأهل الكبائر من المؤمنين، ويخرج من النار بشفاعة الرسول قوم من أمته بعد أن صاروا حمما، فيطرحون في نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة .
والإيمان بحوض رسول الله يوم القيامة ترده أمته لا يظمأ من شرب منه ويذاد عنه من غير وبدل.
والإيمان بما جاء من خبر الإسراء بالنبي إلى السماوات على ما صححته الروايات، وأنه رأى من آيات ربه الكبرى، وبما ثبت من خروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم وقتله إياه.
وبالآيات التي تكون بين يدي الساعة من طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة، وغير ذلك مما صححته الروايات»(ص213-214).
الفرع الثاني : مواضع فيها تغيير يخل بالمعنى
  من المواضع التي فيها نقل واضح عن ابن أبي زيد مع إضافات تغير المعنى: الإجماع الثامن والتاسع وكذلك الخامس والثلاثون والسابع والثلاثون.
1-قال مصنف الرسالة:«وأجمعوا على أنه عز و جل يجيء يوم القيامة والملك صفا صفا لعرض الأمم وحسابها وعقابها وثوابها فيغفر لمن يشاء من المذنبين ويعذب منهم من يشاء كما قال، وليس مجيئه حركة ولا زوالا، وإنما يكون المجيء حركة وزوالا إذا كان الجائي جسما أو جوهرا، فإذا ثبت أنه عز وجل ليس بجسم ولا جوهر لم يجب أن يكون مجيئه نقلة أو حركة ألا ترى أنهم لا يريدون بقولهم جاءت زيدا الحمى أنها تنقلت إليه أو تحركت من مكان كانت فيه إذ لم تكن جسما ولا جوهرا وإنما مجيئها إليه وجودها به، وأنه عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا كما روي عن النبي وليس نزوله نقلة، لأنه ليس بجسم ولا جوهر وقد نزل الوحي على النبي عند من خالفنا»(ص228-229).
قال ابن أبي زيد :« وأنه يجيء يوم القيامة -بعد أن لم يكن جائيا- والملك صفا صفا؛ لعرض الأمم وحسابها وعقوبتها وثوابها، فيغفر لمن يشاء من المذنبين، ويعذب منهم من يشاء »(ص108).
   ويلاحظ هنا الاتفاق في إثبات الصفة دون معناها؛ فابن أبي زيد يؤكد أن المجيء صفة فعلية تكون يوم القيامة، وابن مجاهد يحذف الجملة الدالة على الفعل، ويؤكد نفي الفعل عن الله تعالى بقوله :"وليس مجيئه حركة"، ويستدل على النفي بأن ذلك من خصائص الأجسام، وهذا موضع الخلاف بين عقيدة السلف ومتقدمي الأشعرية في باب الصفات.
2-قال مصنف الرسالة:«وأجمعوا على أنه عز و جل يرضى عن الطائعين له، وأن رضاه عنهم إرادته لنعيمهم، وأنه يحب التوابين ويسخط على الكافرين ويغضب عليهم، وأن غضبه إرادته لعذابهم، وأنه لا يقوم لغضبه شيء، وأنه تعالى فوق سمواته على عرشه دون أرضه .... »(ص213).
   قال ابن أبي زيد :« وأنه يرضى عن الطائعين ويحب التوابين ويسخط على من كفر، ويغضب فلا يقوم شيء لغضبه، وأنه تعالى فوق سمواته على عرشه دون أرضه وأنه في كل مكان بعلمه»(ص108).
  وكذلك هنا يلاحظ أن الأمر لـمّا تعلق بإثبات صفات فعلية أدرج فيها شرحا يعود عليها بالنفي والتعطيل، حيث رد الرضا والغضب إلى صفة الإرادة، ولما تعلقت صفة الفوقية بالذات دون الفعل نقل ابن مجاهد نص ابن أبي زيد دون شرح أو تأويل.
3-قال مصنف الرسالة: « وأجمعوا على أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وليس نقصانه عندنا شك فيما أمرنا بالتصديق به، ولا جهل به لأن ذلك كفر، وإنما هو نقصان في مرتبة العلم وزيادة البيان»(ص272).
  قال ابن أبي زيد: « وأن الإيمان قول باللسان، وإخلاص بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، نقصا عن حقائق الكمال لا محبطا للإيمان»(ص110).
   من أهم مخالفات الأشعرية لأهل السنة تفسيرهم للإيمان بمعان لا تزيد عن التصديق القلبي، وتأويلهم للنصوص الواردة في ذلك سواء نصوص القرآن والسنة أو أقوال السلف رضي الله عنهم، وفي هذا الموضع نرى أنَّ ابن مجاهد حذف عبارة ابن أبي زيد المبينة لحقيقة الإيمان عند أهل السنة، ثم ذكر الزيادة والنقصان مع تأويل معنى الزيادة والنقصان؛ بما لا يتنافى وإخراج العمل من مسمى الإيمان.

المبحث الثاني: مناقشة حجج من نسب الكتاب للأشعري

    لقد استند من نسب الكتاب إلى الأشعري على عدة حجج وجمعها محقق الكتاب-عبد الله شاكر محمد الجنيدي-ورتبها، وزعم أنَّها تؤدي إلى القطع فقال:« هذا الكتاب؛ وهو رسائل الثغر ثابت النسبة قطعا للأشعري، وذلك من عدة طرق»(68)، وذكر خمسة طرق مردُّها إلى ثلاثة، وهي أولا : نسبةُ ابن عساكر لها للأشعري، وكذا ابن تيمية وابن القيم، ثانيا : ذكرُ فؤاد سزكين لها ضمن مؤلفات الأشعري، ونفرده عن الأوَّلين لأنَّه اعتمد على إحدى المخطوطات في هذه النسبة، ثالثا: زعمه أنَّ أسلوب الكتاب يشبه أسلوب الأشعري؛ فيما بين أيدينا من كتب، وخص منها كتاب اللمع بالذِّكر، وفيما يأتي مناقشة هذه الحجج.
المطلب الأول: الاحتجاج بنسبة ابن عساكر له إلى الأشعري
    إننا إذا رجعنا إلى الرأي الآخر وهو نسبة الكتاب إلى أبي الحسن الأشعري وجدنا أن أقدم من نسبها إليه هو الحافظ ابن عساكر (ت:571) في تبيين كذب المفتري، مسميا إياها :« جواب مسائل كتب بها إلى أهل الثغر في تبيين ما سألوه عنه من مذهب أهل الحق »(69). وعصر ابن عساكر  مقارب لعصر ابن عطية وابن خير إلا أنهما أقدم منه سنا ووفاة، ونحن لا ندري هل وقف عليها أم لا، وقد أرسل نسبتها إرسالا، ولم ينقل لنا مقدمتها أو شيئا من مضمونها لنعلم اطلاعه عليها، ولنتبين أنها هي التي بين أيدينا وليست رسالة أخرى.
    في حين علمنا أن الإمامين الأندلسيين قد حصلا عليها وأسنداها من طرق، وليس بين ابن عطية ومؤلفها إلا شيخان اثنان، وأحد أسانيد ابن خير فيه ثلاثة شيوخ فقط.
    ومن نسبها إلى الأشعري من المتأخرين -كابن تيمية(70) وابن القيم(71)- إنما هو تابع لابن عساكر، وهذه النسبة لا تقوى على معارضة الدلائل التي ذكرت آنفا، خاصة روايتها بالإسناد المتصل عن مؤلفها أبي عبد الله ابن مجاهد، والاعتماد على مجرد أن نسبها إليه عالم أو عدد من العلماء ليس من الأساليب اليقينية في نسبة الكتاب إلى مصنفه، وإنما هي مفيدة لظن قد يقوى وقد يضعف بحسب الأحوال، ولا تبلغ بحال مبلغ السماعات المثبتة على المخطوط أو الأسانيد المذكورة في الفهارس والمشيخات أو نسبتها إلى المؤلف من قبل تلاميذه العارفين به، أو أن يذكرها المصنف في كتب أخرى له، أو إحالته منها إلى كتبه أو ذكره لشيوخه فيها، ونحو ذلك مما هو معروف في فن تحقيق المخطوطات، ومن شأن الطريق إذا كان ظنيا أن يسقط إذا وجد المعارض الأقوى منه.
   فالعجب من محقق الكتاب كيف يزعم القطع، وحججه ليس فيها شيء من الطرق القطعية المعتمدة، وإنما هي طرق ظنية أحدها اعتماد نسبة الكتاب إلى المؤلف من بعض الأئمة المتأخرين؛ الذين لم يعاصروه ولم يدركوا حتى تلاميذه.
المطلب الثاني : الاحتجاج بما كتب على المخطوط
     أما مجرد نسبة فؤاد سزكين الكتاب للأشعري(72)، فهي أقل شأنا من نسبة هؤلاء الأئمة، إلا أن مما يرفع من شأنها في نظري هو اعتماده على المخطوطة التركية؛ وهي إحدى المخطوطات الموجودة في العالم للكتاب؛ مما جعلني أفرد هذه الحجة عن سابقتها، وإلا فالمحقق اكتفى بالاحتجاج بذكر فؤاد سزكين لها ضمن مؤلفات الأشعري، وقد سبقه إلى ذلك المستشرق "كارل بروكلمان" في تاريخ الأدب العربي(73).
   وقد وقف المحقق على نسختين مخطوطتين للكتاب إحداهما تركية؛ ناسخها علي بن محمد بن أحمد الحراني الحنبلي عام 1084 هـ، ولم يقف المحقق على ترجمة له. والثانية هندية كتب عليها اسم "كتاب الأصول الكبير للشيخ الأشعري"، وناسخها هو أحمد سعيد ولم يقف له على ترجمة ؛ كما لم يتبين له تاريخ نسخها، وقد جعلها هي الأصل لقلة الأخطاء فيها رغم الجهل بتاريخ نسخها(74). وكلتا المخطوطتين تبتدئ بالعبارة التالية:« قال السيد الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر الأشعري البصري رحمه الله»(75).
   ولا يخفى أن الاحتجاج بما جاء مكتوبا على ظهر المخطوط يعتبر من أهم أدلة إثبات نسبة الكتب، لكنه يبقى دليلا ظنيا يقوى ويضعف أيضا، يقوى إذا كان المخطوط بخط مؤلفه، أو خط تلميذه، أو كان مصحوبا بسماعات تدل على اعتناء العلماء بالكتاب وإسنادهم له إلى مؤلفه، ويضعف إذا كان كاتب المخطوط مجهولا، أو عصره متأخرا، وإذا كان أصل المخطوطة الذي نقلت منه غير مبيَّن، وكذا إذا كانت خالية من السماعات التي تدل على اعتناء العلماء بها.
   وكم من كتاب نُسب خطأ إلى غير مؤلفه بسبب تشابه أسماء المؤلفين، أو تطابق عناوين الكتب أو موضوعاتها.
     فإن قيل: ما وجه تخطئة نُسَّاخ المخطوطتين الموجودتين التركية والهندية، مع أن النسبة لم تكن على الغلاف ولكن داخل الكتاب ؟
     قيل : إن الخطأ في نسبة الكتاب وارد جدا من جهة نسبة كثير من تلاميذ مدرسة الأشعري إلى شيخهم، فقد ينسب الباقلاني إلى الأشعري، فيقال أبو بكر الأشعري فيظن من لا يدري أن المقصود هو أبو الحسن الأشعري(76)، وكذلك أبو عبد الله ابن مجاهد يحتمل أن ناسخا من النساخ نسبه إلى الأشعري؛ فجاء من بعده فظنه أبا الحسن الأشعري ذاته؛ ففصَّل ذكر اسمه ونسبه اجتهادا منه، والعلم عند الله تعالى.
المطلب الثالث : النقد الداخلي للكتاب
    من الأشياء التي اعتمدها المحقق في نسبة الكتاب إلى الأشعري ما اصطلح على تسميته بالنقد الداخلي للكتاب ، بل اعتمد أدق ما في هذا الطريق من المعاني وهو الأسلوب، فقال في الطريق الخامس من طرق نسبة الكتاب:« يلاحظ أن أسلوب الأشعري في كتابه هذا هو نفس أسلوبه في كتبه التي بين أيدينا الآن، وخاصة إذا قورن بكتابه اللمع وقد أشرت إلى ذلك في التحقيق. كما أن الأدلة التي يسوقها لإثبات قضية معينة هي الأدلة نفسها في الغالب التي يسوقها في كتابه الإبانة ومقالات الإسلاميين »(77)، وهو مسبوق إلى اعتماد هذا الطريق من قبل المستشرق ألار الذي اعتبر من مرجحات تثبيت النسبة التناظر بين اللمع والرسالة، والاتفاق عموما في المذهب الوارد في الرسالة مع مذهب الأشعري(78)، وإن كان بين تشابه الأسلوب والتناظر الذي عنى به الاتفاق في المذهب فرق شاسع، سيأتي بيانه في الفرعين الآتيين.
الفرع الأول : أهلية من يقوم بالنقد الداخلي
    ولا شك أن النقد الداخلي شيء مهم في مناقشة إثبات النسبة أو نفيها، وقد اعتمدنا شيئا من ذلك في إثبات نسبة الكتاب إلى ابن مجاهد في المطلب الثالث، وهو نقل العلماء لبعض فقرات الكتاب، وكذا قضية تاريخ تأليف الكتاب الواردة في المقدمة، أما قضية الأسلوب ومقارنته بما في كتب الأشعري الأخرى فأراه شيئا عسرا جدا ، وذلك أنَّ الأشعري لم يكن له أسلوب واحد في كتبه الثابتة عنه، فبين أسلوب الإبانة ومضمونها، وأسلوب اللمع ومضمونه فرق بيِّنٌ؛ جعلت الإسلاميين وغير الإسلاميين يتنازعون في تقدم أحدهما على الآخر، وقد رأوا في الأول تغلُّب الميزة الأثرية النقلية، وفي الثاني تغلُّب الميزة الجدلية العقلية(79)، وإن كان الكتابان مشتركين في أصل ذلك.
   وأنا أقدر أنَّ المحقق لم يكن قادرا من الناحية العلمية على عقد هذه المقارنة، وذلك من خلال تتبع تعليقاته على رسالة أهل الثغر، حيث ذكر في مقدمة دراسته أنَّه سيبين صحة ما ذكره الأشعري عن السلف باعتماد عدة مصادر متقدمة عن الأشعري ومتأخرة عنه، ومنها كتب ابن تيمية وابن القيم وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي، وكان الواجب عليه أن يَعِدَ بعقد مقارنة بين مضمون هذه الكتب ورسالة أهل الثغر؛ ليصل إلى صحة ما نُسب إلى السلف من عدمه، لأنَّ ثمة مواضع كثيرة - وليست بالقليلة- مخالفة لعقيدة السلف، ومباينة لما في المراجع التي وَعَدَ بالإحالة إليها، وهو لم يتنبَّه لذلك إلا في مواضع معدودة، وقد تتبعت فصول الكتاب فوجدت فيه ما يزيد عن العشرين عبارة تحتاج إلى تأمل وتدقيق ونقد، والمحقق لم يفطن من ذلك إلا لمواضع يسيرة كما أسلفت-كمسألتي نفي الحكمة وتعريف الظلم-، وذلك في نظري لعدم إحكامه لمسائل علم الكلام، ودقائق مسائل الاعتقاد وأقاويل الفرق الإسلامية فيها، إذ العلم بالعقيدة فن، والعلم بمقالات الفرق فن آخر، ومن الأمثلة التي تبين عدم إحكام المحقق لمسائل علم الكلام الموضعان الآتيان:
أولا: جاء في الرسالة بعد ذكر الصفات السبع ومنها صفة الكلام:« على أن شيئا من هذه الصفات لا يصح أن يكون محدثا؛ إذ لو كان شيء منها محدثا لكان تعالى قبلها موصوفا بضدها، ولو كان ذلك لخرج عن الإلهية …إذ لا يجوز عليه الانتقال من حال إلى حال »(ص215).
   فصرح المصنف هنا بنفي الصفات الفعلية جملة بالدليل الذي قدمه –وصفة الكلام من ضمنها-؛ إذ كلمة الحدوث يُراد بها الخلق ويراد بها تجدُّد الفعل، والذي نفاه هنا هو الثاني؛ يوضِّح ذلك قوله في موضع آخر:« وأجمعوا على أنَّ أمره عز وجل غير محدث ولا مخلوق »(ص221)، لأن العطف يقتضي المغايرة. والصفات الفعلية الاختيارية عند السلف قديمة النوع متجدِّدة الأفراد، لذلك يقولون في الكلام لم يزل متكلما إذا شاء، وأما الأشعري وأتباعه فيقولون في الكلام إنَّه صفة قديمة أزلية غير متعلقة بالمشيئة، لأنَّ التجدُّد عندهم يستلزم التغير، وهو من علامة المخلوق، وقد صرح بهذا المعنى الأشعري في الإبانة إذ جعل السكوت آفة ينـزه عنها الإله، فالله تعالى عنده لم يزل متكلما، كما لم يزل عالما، والكلام نفسه يقال عن الإرادة والسمع والبصر؛ فإنَّ الأشعري وأتباعه يجعلونها معنى واحدا لا يتجدَّد أيضا.
   وهذا ما لم يدركه المحقق فقال في تعليقه : « ما ذكره الأشعري هنا من أن صفات الله تعالى أزلية قديمة: صرح بها جمهور أهل السنة والجماعة » ونقل نصوصا في نفي الخلق عن صفات الله تعالى وإثبات أزليتها-وهذا من مواضع الاتفاق بين السلف والأشعري- وليس ذلك موضع البحث، ولكن في الصفات الفعلية التي يرى ابن كلاب والأشعري أنَّ إثباتها يقتضي الوصف بضدها، والانتقال من حال على حال كما جاء في نص الرسالة.
ثانيا: وجاء في الرسالة:« وأجمعوا على أن الإنسان لا يستطيع أن يفعل ما علم الله أنه لا يفعله»(ص257). فعلق المحقق هنا بقوله:« سبق نص الأشعري على أن الله سبق في علمه ما يكون في ملكه، وأنَّه كتب ذلك في اللوح المحفوظ ».
وجاء في الرسالة:« وأجمعوا على أن الإنسان لا يقدر بقدرة واحدة على مقدورين ، كما أنه لا يعلم بعلم واحد يكتسبه شيئا من تصرفه إلا بقدرة تخصه في حال وجوده ، لأن التصرف لا يصح وجوده إلا بها »(ص262) فقال المحقق فقال في التعليق على هذه الفقرة:« أما مذهب أهل السنة والجماعة؛ فهو مذكور في كلام الأشعري السابق؟ وفصله ابن تيمية في المنهاج (1/369-373)»
   وهذه العقيدة صرح بنحوها أبو الحسن الأشعري في الإبانة، وهي عقيدة أتباعه؛ وهي أنَّ قدرة الإنسان على الفعل الذي يُكتسب لا تكون إلا معه، أما قبل فعله فالإنسان غير قادر، وبالتالي فإنَّ كلَّ الأفعال التي تركها الإنسان هي غير مقدورة له (أي غير مستطاعة)، وهذا باطل مخالف للعقل، ولمذهب السلف الذين يقسِّمون الاستطاعة إلى قسمين؛ استطاعة بمعنى الصحة والوسع والتمكن وسلامة الآلات؛ التي هي مناط التكليف، وهي موجودة قبل التكليف، واستطاعة مقارنة للفعل؛ وهي التي يوجد الفعل بها.
   وأما المستشرق "ألار" فهو أبعد عن الأهلية لما ظهر منه من إطلاق الأحكام الجزافية(80) والمتناقضة، وخاصة عندما قرَّر أن الأصول الخمسة للمعتزلة مقرَّرة في هذا الكتاب، ثم قرَّر بعد ذلك تناظرا بين اللمع والرسالة، مع علمه بأنَّ في اللمع ردا صريحا على أصول المعتزلة، أما ما ذكَر من اتفاق مضمون الرسالة مع مذهب الأشعري فشيء واضح، ولكن ذلك لا يكفي دليلا لتصحيح النسبة لما يأتي في الفرع التالي.
الفرع الثاني: تشابه المضمون دليل انتساب التلميذ إلى الشيخ
   ثم إني أتساءل ماذا يقصد المحقق بتشابه الأسلوب؟ فكتاب رسالة إلى أهل الثغر كتاب مختصر فيه تقرير للعقيدة بطريق مقتضب؛ دون استطراد في الأدلة عقليةً كانت أو نقلية، ودون إيراد لأقوال الفرق المخالفة من الجهمية والمعتزلة وغيرهم، ودون مناقشة لأقوالهم، وذلك بخلاف كتاب الإبانة الذي ميزته الاستطراد في الأدلة النقلية وإردافها بالأدلة العقلية، مع حكاية أقوال الجهمية والمعتزلة ومناقشة آرائهم وتأويلاتهم، وكذلك الأمر في اللمع الذي يدل تمام عنوانه على مضمونه "اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع"، مع غلبة الأدلة العقلية والمصطلحات الكلامية الدقيقة على أسلوبه، فلا يُدرى ما عناه المحقق من تشابه في الأسلوب بين هذه الرسالة ومؤلفات الأشعري وبالخصوص اللمع.
   على أني لا أنفي التشابه بين مضمون هذه الرسالة وكتب الأشعري، في المسائل المشتركة المطروحة فيها، لكن ليس ذلك دليلا على أن الكتاب من تأليف الأشعري، بل هو دليل على تأثر التلميذ بشيخه وصحة انتسابه إلى مذهبه؛ إذ لولا ذاك لما عُدَّ ابن مجاهد أشعريا، وهذا التشابه يفترض أن يكون موجودا عند جميع من ينسب إلى الأشعري، وعليه فإنَّه لا جدوى من المقارنة المتعلقة بالمضمون أي الترجيحات في المسائل وطرائق الاستدلال، ولكي أبرهن على ذلك نأخذ نصين من الرسالة، ثم نقارن أحدهما بما في الإبانة للأشعري، وبما في تمهيد الدلائل للباقلاني تلميذ ابن مجاهد، ونقارن الثاني بما في اللمع للأشعري وبما في التمهيد للباقلاني أيضا.
أولا : جاء في الرسالة:« وأن له تعالى يدين مبسوطتين، وأن الأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه؛ من غير أن يكون جوارحا، وأن يديه تعالى غير نعمته، وقد دلَّ على ذلك تشريفه لآدم عليه السلام حيث خلقه بيده، وتقريعه لإبليس على الاستكبار عن السجود، مع ما شرفه به بقوله (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) [ص/75]»(ص225-226).
  فهذا النص إذا ما حللنا المعاني المقررة فيه نجدها موافقة لما في الإبانة تمام الموافقة، حيث أثبت الصفة بناء على ظاهر النص، ونفى التشبيه بقوله من غير أن تكون جارحة، وردَّ قول الجهمية في تأويلهم لليد بالنعمة، وأكَّد نفي هذا التأويل بتشريف الله تعالى لآدم إذ خلقه بيده، فهذه المعاني كلها مقرَّرة في الإبانة، لكن بأسلوب مختلف سمته التوسع والإطناب؛ إذ استغرق شرح تلك المعاني عدَّة صفحات، ولا يسعنا نقل كلِّ ذلك لطوله(81). وإذا عقدنا مقارنة أخرى مع كتاب تمهيد الأوائل للباقلاني نجد التشابه مع كتاب الإبانة أعظم؛ لأن الباقلاني لم يسلك سبيل شيخه في رسالة أهل الثغر من تطلب الاختصار، بل ذكر الدلائل وردَّ الشبه معتمدا على الإبانة، إلى حد يجعلنا نَقُول إنَّ ما أورد الباقلاني في هذه المسألة: هو تهذيب أمين لما جاء في الإبانة(82).
ثانيا : جاء في الرسالة:« وأجمعوا على أن النبي دعا جميع الخلق إلى معرفة الله وإلى نبوته ونهاهم عن الجهل بالله عز وجل وعن تكذيبه»(ص271) ثم ذكر حديث جبريل وقال :« ولذلك قد بيَّن لهم قبل ذلك طرق المعارف بحدثهم، ودلَّهم على وجود المحدث لهم، ودلَّهُم على صدقه فيما أنبأهم به عن ربه تعالى»، وقال:« وأجمعوا على أنَّ الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وليس نقصانه عندنا شك فيما أمرنا بالتصديق به ولا جهل به؛ لأن ذلك كفر، وإنما هو نقصان في مرتبة العلم وزيادة البيان»(ص272)، ففي النص الأول تحديد لمفهوم الإيمان والكفر بكل وضوح، حيث قرَّر أنَّ الإيمان هو المعرفة، وأن الكفر هو الجهل والتكذيب، وإنْ كان تحديد الإيمان بالمعرفة يقتضي تخصيص الكفر بالجهل، وفي النص الثاني إدخال معنى التصديق في الإيمان.
     وتحديد الإيمان بالمعرفة التي ضدها الجهل يختلف عن تحديده بالتصديق الذي ضده التكذيب، وفي كلا الحدين إخراج للأعمال من الإيمان، وقد قرَّر المصنف معنى زيادة الإيمان ونقصانه مع التأكيد على عدم دخول الأعمال في الإيمان؛ إذْ فسَّر الزيادة بزيادة البيان، والنقصان بنقصان العلم. والمحقق علَّق على هذا الموضع بما دلَّ على عدم فهمه مراد المصنف، فقال: «أجمع أهل السنة كما ذكر الأشعري على أنَّ الإيمان قول وعمل ويزيد ينقص»!!!
    والذي في اللمع للأشعري التصريح بأن الإيمان هو التصديق بلا تردُّد، والابتعاد عن عبارة المعرفة التي ضدها الجهل؛ حيث قال:« إن قال قائل ما الإيمان عندكم بالله تعالى؟ قيل له:« هو التصديق بالله وعلى ذلك اجتماع أهل اللغة التي نزل بها القرآن ، قال الله تعالى:(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ) (إبراهيم:4) وقال تعالى: (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء:195)، فلما كان الإيمان في اللغة التي نزل بها القرآن هو التصديق قال الله تعالى: (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) (يوسف:17) أي بمصدق لنا، وقالوا جميعا فلان يؤمن بعذاب القبر والشفاعة يريدون يصدق بذلك، فوجب أن يكون الإيمان هو ما كان عند أهل اللغة إيمانا وهو التصديق»(83).
    وفي التمهيد للباقلاني شرح لنص اللمع وتوضيح لدليله، فبيَّن أن الإيمان هو التصديق، وفسَّر التصديق بمجرد العلم وأوضح دليل الأشعري؛ وهو التمسك بالمدلول اللغوي، ونَفْي النقل من الدلالة اللغوية إلى الدلالة الشرعية، وكذلك فيه بيان مقصد الأشعري ومرماه من الحد والاحتجاج؛ وهو إخراج الأعمال من مسمى الإيمان؛ فقال رحمه الله:« فإن قال قائل خبرونا ما الإيمان عندكم قلنا الإيمان هو التصديق بالله تعالى وهو العلم، والتصديق يوجد بالقلب.
    فإنْ قال: وما الدليل على ما قلتم؟ قيل له: إجماع أهل اللغة قاطبة على أن الإيمان في اللغة -قبل نزول القرآن وبعثة النبي التصديق - لا يعرفون في لغتهم إيمانا غير ذلك، ويدل على ذلك قوله تعالى: (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) (يوسف:17) أي ما أنت بمصدق لنا، ومنه قولهم:"فلان لا يؤمن بالشفاعة، وفلان لا يؤمن بعذاب القبر"، أي لا يصدق بذلك؛ فوجب أن يكون الإيمان في الشريعة هو الإيمان المعروف في اللغة، لأنَّ الله عز وجل ما غيَّر لسان العرب ولا قلبه، ولو فعل ذلك لتواترت الأخبار بفعله، وتوفرت دواعي الأمة على نقله، ولغلب إظهاره وإشهاره على طيه وكتمانه، وفي علمنا بأنَّه لم يفعل ذلك، بل أقرَّ أسماء الأشياء والتخاطب بأسره على ما كان فيها دليل على أن الإيمان في الشرع هو الإيمان اللغوي، ومما يدل على ذلك ويبينه قول الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ)(إبراهيم:4) وقوله تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا) (الزخرف:3)، فأخبر أنه أنزل القرآن بلغة القوم وسمى الأشياء بتسمياتهم، فلا وجه للعدول بهذه الآيات عن ظواهرها بغير حجة، ولا سيما مع قولهم بالعموم وحصول التوقيف على أن الخطاب نزل بلغتهم، فدلَّ ما قلناه على أن الإيمان هو ما وصفناه دون ما سواه من سائر الطاعات من النوافل والمفروضات»(84).
    وتجدر الإشارة إلى أنَّ الأشعري في الإبانة قرَّر عكس ما قرره في اللمع، لكن بإجمال ودون استدلال، فقال :«وأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص»(85)، ولذلك نقل عنه المتأخرون في حقيقة الإيمان قولين : أحدهما موافق لمذهب السلف وهو الذي ذكره في الإبانة، والآخر موافق لمذهب الجهمية والمرجئة وهو الذي ذكره في اللمع(86).
    وبعد هذه المقارنة المزدوجة يتأكَّد أنَّ ما زعمه المحقق من تشابه في الأسلوب مع الموجود من مؤلفات الأشعري غير موجود، ولو وُجد لما دلَّ على المطلوب.
   كما يبين هذا المطلب في النقد الداخلي أن قول المحقق في مقدمة الدراسة :«ومن هنا كان الكتاب جامعا لعقيدة السلف متطرقا لمعظم ما كان عليه الصدر الأول، ومرجعا لمن أراد الوقوف على عقيدة السلف، وما أجمعوا عليه مؤيدا بالقرآن والسنة »(87). قولٌ مبالغ فيه، وبعيد كل البعد عن الحقيقة العلمية.
المطلب الرابع : افتراض وجود كتابين أحدهما للشيخ والآخر لتلميذه
    قد قيل ما المانع أن يكون للأشعري رسالة ألَّفها إجابة على سؤال ورد إليه من أهل الثغر بباب الأبواب، ويكون لتلميذه ابن مجاهد رسالة أخرى في الموضوع ذاته؟ وهذا افتراض واعتراض تلقيته مشافهة وكتابة ، وقد رأيت أن أضمه إلى هذا المبحث وأخصه بالمناقشة.
   والجواب عن هذا الافتراض على النحو الآتي :
أولا : إن مثل هذا التواطؤ يمكن أن يحدث لو كان الكتاب تأليفا مبتدأ، في الموضوعات العلمية المختلفة كشروح الكتب ونحوها، أما أن يُفترض ورود السؤال ذاته من المنطقة نفسها إلى إمامين عاشا في عصر متقارب؛ فهذا مما تبعده العادة ويستبعده العقل بداهة.
ثانيا : وعلى تسليم فرض وجود كتابين أحدهما للأشعري والثاني لتلميذه ابن مجاهد ؛ فإن هذا الذي بين أيدينا لابن مجاهد بدلالة نقل من نقل منه ، واستفادته من الجامع لابن أبي زيد، ويكون كتاب الأشعري مفقودا ، ولعل تسليم هذا الافتراض يساعد في تفسير الخطأ في النسبة، حيث نسب الكتاب إلى أشهر الإمامين دون المغمور منهما.

الخاتمة
    في نهاية هذه الدراسة يمكن أن أسجل خلاصة ما توصلت إليه وما طرح فيها من حجج، فإن كتاب"رسالة إلى أهل الثغر" المنسوب للأشعري الصواب أنَّه لتلميذه أبي عبد الله ابن مجاهد؛ فقد رواه غير واحد من أصحاب الفهارس عنه بالسند المتصل، كما أنَّه انتشر في المغرب الإسلامي منسوبا إليه؛ حتى وصفه القاضي عياض بالرسالة المشهورة.
    وقد أفاد منه العلماء في كتبهم، فمنهم من اقتبس منه كشراح رسالة ابن أبي زيد، ومنهم من أشاد به وأحال إليه كابن العربي، ومنهم من ردَّ على بعض فصوله كابن حزم.
    ولا يستغرب انتشاره في المغرب وشهرته فيه مع أنَّ مؤلفه بغدادي، لأنَّ مؤلفه مالكي، وراوي الكتاب عنه ابن عزرة فقيه مالكي مغربي ثبت لقاؤه لابن مجاهد، وثبت أنَّه نقل إليه بقية أجزاء مختصر المدونة لابن أبي زيد التي كانت تنقصه، وقد ظهر لي أنَّ من تلك الأجزاء التي وصلته خاتمة المختصر الموسومة بالجامع، فقد أفاد منها كثيرا في رسالته إلى أهل الثغر، وغير بعض العبارات بما يتوافق مع المعتقد الأشعري، وهذه الإفادة قد ترقى إلى منزلة الدليل القاطع في نفي الكتاب عن الأشعري.
    وهذه الحقائق إذا أُدركت سهل على الباحث الناقد أنْ يجد جوابا لذلك التاريخ المثبت في أول الرسالة وهو سنة سبع وستين ومائتين، وأن صوابه سنة سبع وستين وثلاث مائة، وسبب ذلك إما التصحيف إذا كانت كتبت بالأرقام أولا، وإما زيادة كلمة مائتين؛ لأن عادة المتقدمين الاكتفاء بذكر السنين دون المئات، لأنَّ القرن الذين عاشوا فيه معلوم في عصرهم، وبعد هذه الحجج نستأنس بعدم ذكر الأشعري وابن فورك لهذا الكتاب.
    وبالنسبة للحجج التي تمسَّك بها المخالف في هذه القضية؛ فليس فيها شيء من الطرق اليقينية، فما كتب في صدر المخطوط في عصور متأخرة، ونسبة من نسب الكتاب إلى الأشعري كابن عساكر ومن جاء بعده أمور ظنية، لو سلمت من المعارضة لاحتج بها؛ ولكنها معارضة في هذه القضية بحجج دامغة.
    ومن حجج المخالف زعم التشابه بين الكتاب وبقية كتب الأشعري؛ وقد يبنا أن هذا التشابه لا يفيد في نسبة الكتاب إلى معين، بل أكثر ما يفيده انتساب مؤلفه إلى مدرسة الأشعري، ولا غرابة أن يكون ثمة تشابه بين كتاب الأشعري وتلميذه ابن مجاهد، بل قد أوردت ما يبين تشابه مؤلفات الباقلاني بمؤلفات الأشعري ولا غرو في ذلك؛ فهو منتسب إليه وناصر مذهبه وناشره.
   ولعل إثبات نسبة الكتاب لابن مجاهد فيه حجة قوية تؤكد أن آخر أقوال الأشعري إثبات الصفات الخبرية ، لأن هذا المذهب هو ما تبناه تلميذه المباشر ، وفرضية تأليف الإبانة في مرحلة متقدمة موصوفة بأنها مرحلة "التجسيم" مجرد خيال لا ينبني على أسس علمية.
    وأخيرا هذا ما أمكنني تسطيره في هذه القضية التي شغلتني زمنا لا بأس به، وتبقى آفاق البحث في هذا الكتاب مفتوحة ما دامت كتب التراث تطبع والمخطوطات تكتشف، نسأل الله تعالى التوفيق والسداد والإخلاص في القول والعمل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الهوامش:
 1/ باب الأبواب مدينة تقع شرق القوقاز على الساحل الغربي لبحر قزوين الذي كان يعرف ببحر الخزر أو بحر طبرستان ، سميت بذلك لأن فيها مصب أودية جبال القوقاز، وتسمى أيضا دربند وهي تسمى اليوم باب الحديد أو الباب الحديدي، قال ياقوت :« وهي محكمة البناء موثقة الأساس من بناء أنوشروان، وهي أحد الثغور الجليلة العظيمة لأنها كثيرة الأعداء الذين حفوا بها من أمم شتى وألسنة مختلفة وعدد كثير» انظر معجم البلدان للحموي (1/303)، ومذاهب الإسلاميين لعبد الرحمن بدوي (1/521).
2/ تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (2/200) وترتيب المدارك للقاضي عياض(6/196).
3/ ينظر عارضة الأحوذي لابن العربي (10/112) والبحر المحيط للزركشي (6/243).
4/ تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (2/200) ترتيب المدارك للقاضي عياض (6/196)  الديباج لابن فرحون (353).
5/ ينظر : الإبانة للأشعري تحقيق فوقية حسين قسم الدراسة (40).
6/ الأنساب لابن السمعاني (11/121-122) وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي (2/154).
7/ تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (2/200) ترتيب المدارك للقاضي عياض (6/196) الديباج لابن فرحون (353).
8/ ترتيب المدارك للقاضي عياض(6/196) الديباج لابن فرحون (354) وشجرة النور الزكية (119-120).
9/ ترتيب المدارك للقاضي عياض (6/197) الديباج لابن فرحون (354)
10/ تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (2/154).
11/ ترتيب المدارك للقاضي عياض(6/197-198) الديباج لابن فرحون (354).
12/ ترتيب المدارك للقاضي عياض (6/196) الديباج لابن فرحون (354).
13/ تبيين كذب المفتري لابن عساكر (390).
14/ تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (2/200) ترتيب المدارك للقاضي عياض(6/196) تبيين كذب المفتري (357) الديباج لابن فرحون (353).
15/ تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (2/200) تبيين كذب المفتري لابن عساكر (177) السير للذهبي (16/305) .
16/ تبيين كذب المفتري لابن عساكر (221).
17/ ينظر مذهبه في مسألة التصويب والتخطئة في البحر المحيط للزركشي (6/243).
18/ تاريخ بغداد للخطيب (2/200) ترتيب المدارك للقاضي عياض(6/196) السير للذهبي (16/305) الديباج لابن فرحون (353).
19/ ترتيب المدارك للقاضي عياض(6/197) الديباج لابن فرحون (354) وتصحف في الديباج إلى أبي بكر بن عودة، فعدّهما صاحب شجرة النور اثنان (1/92).
20/ شجرة النور الزكية لمخلوف(1/92) ترتيب المدارك للقاضي عياض (2/131-132).
21/ ترتيب المدارك للقاضي عياض(2/291).
22/ ترتيب المدارك للقاضي عياض(6/197) الديباج لابن فرحون (354).
23/ ترتيب المدارك للقاضي عياض(6/181) طبقات الشافعية الكبرى (3/372) وفي الديباج لابن فرحون (98) اختلطت ترجمته بمن ترجم قبله في ترتيب المدارك.
24/ تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (2/200) (8/254).
25/ ترتيب المدارك للقاضي عياض(6/197) الديباج لابن فرحون (354).
26/ تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (2/200) تبيين كذب المفتري لابن عساكر (177) السير للذهبي (16/305) .
27/ وفي شجرة النور لمخلوف (1/92) وعدة المستنصر.
28/ شجرة النور الزكية لمخلوف (1/92) تبيين كذب المفتري لابن عساكر (390) مرآة الجنان لليافعي (2/396) شذرات الذهب (4/383) هدية العارفين لإسماعيل باشا (2/40) الوافي بالوفيات للصدفي (2/35).
29/ الفتح المبين في طبقات الأصوليين للمراغي (213).
30/ تبيين كذب المفتري لابن عساكر (413).
31 الفهرست لابن عطية (ص:126).
32/ الفهرست لابن خير (ص:223).
33/ أحمد بن محمد بن جهور أبو عمرو المرشاني نسبة إلى مرشانة في الأندلس سكن قرطبة وحج وجاور وسمع الحديث وأجازه الآجري، ومن أشهر تلاميذه ابن عبد البر، توفي عام (430هـ)، انظر تاريخ الإسلام للذهبي (9/472).
34/ حاتم بن محمد الطرابلسي نسبة إلى طرابلس الشام، رحل إلى افريقية والأندلس، فقيه محدث من شيوخه أبو الحسن القابسي، ومن أشهر تلاميذه أبو علي الغساني ، توفي عام (469 هـ)، انظر السير للذهبي (18/336).
35/ حسب رواية ابن خير فإن الراوي عنه هو أبو مروان الطبني وقد سمع منه الكتاب بمنستير إفريقية ، ولم أهتد إلى ترجمته.
36/ كذا ورد في فهرست ابن خير وابن عطية وتبيين كذب المفتري، وفي بعض نسخ ترتيب المدارك المعتمدة في طبعة وزارة الأوقاف المغربية (7/274) (ط2، 1403-1983) وورد في طبعة ترتيب المدارك لدار الكتب العلمية ابن عذرة (2/132).
37/ انظر: ترتيب المدارك (7/274).
38/ معجم السفر للسِّلفي (ص:392).
39/ اعتمد القاضي عياض على قوله ، ولم أهتد إلى ترجمته.
40/ ترتيب المدارك للقاضي عياض(7/277).
41/ انظر: تبيين كذب المفتري لابن عساكر (ص:39).
42/ ترتيب المدارك للقاضي عياض (6/196-197).
43/ عارضة الأحوذي لابن العربي (10/112).
44/ النكت المفيدة في شرح الخطبة والعقيدة لابن سلامة التونسي (ص:83) وتحرير المقالة للقلشاني (ص:102).
45/ شرح ابن ناجي على متن الرسالة (1/28).
46/ حاشية زروق على متن الرسالة (1/29).
47/ انظر: تنوير المقالة في حل ألفاظ الرسالة للتتائي (1/183) والفواكه الدواني للنفزاوي (1/77) وحاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (1/102).
48/ الجامع لابن أبي زيد القيرواني (ص: 107-108).
49/ مراتب الإجماع لابن حزم (ص:199)، وينظر العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم لابن الوزير اليماني (8/76).
50/ إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض (6/247).
51/ رسالة إلى أهل الثغر (128-129).
52/ ينظر: تبيين كذب المفتري لابن عساكر (127و147).
53/ مذاهب الإسلاميين لعبد الرحمن بدوي (1/523).
54/ ينظر كلام فوقية حسين في تقديمها لكتاب الإبانة للأشعري (ص:40).
55/ الإبانة عن أصول الديانة –قسم الدراسة-(ص:72) .
56/ تبيين كذب المفتري لابن عساكر (127).
57/ ينظر: تبيين كذب المفتري لابن عساكر (128-134).
58/ رسالة إلى أهل الثغر –قسم الدراسة- (ص:106).
59/ رسالة في الذب عن أبي الحسن الأشعري لابن درباس (ص:6) وقد وصفهم ابن درباس ببعض جهلة الجهمية المنتمين افتراء إلى أبي الحسن الأشعري.
60/ تبيين كذب المفتري لابن عساكر (ص:135).
61/ بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (1/143).
62/ مجرد مقالات الأشعري لابن فورك (ص: ث) وهذا الكتاب على أهميته قد طبع طبعة رديئة جدا لم يراع فيها شيء من أصول التحقيق، سوى أن المحقق وضع مقدمة من أجل نفي كتابي الإبانة ورسالة إلى أهل الثغر عن الأشعري، بحجة أن الكتابين يمثلان عقيدة المجسمة كما زعم، ولو قرأهما لوجد فيهما نفي عقيدة التجسيم والتشبيه، بل لو قرأ المجرد بعين الإنصاف لوجد فيه إثبات ما يعتبره تجسيما حيث جاء في (ص:40-41) :« فأما ما يثبت عن طريق الخبر، فلا ينكر أن يرد الخبر بإثبات صفات له تعتقد خبرا، وتطلق ألفاظها سمعا، وتحقق معانيها على حسب ما يليق بالموصوف بها كاليدين والوجه والجنب والعين، لأنها فينا جوارح وأدوات وفي وصفه نعوت وصفات ، لما استحال عليه التركيب والتأليف وأن يوصف بالجوارح والأدوات. فأما ما يوصف من ذلك من جهة الفعل كالاستواء والمجيء والنزول الإتيان، فإن ألفاظها لا تطلق إلا سمعا ، ومعانيها لا تثبت إلا عقلا ....».
63/ قال الأهوازي:« وللأشعري كتاب في السنة قد جعله أصحابه وقاية لهم من أهل السنة يتولون به العوام من أصحابنا سماه كتاب "الإبانة " صنفه ببغداد لما دخلها؛ فلم يقبل ذلك منه الحنابلة وهجروه » انظر طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (3/37) والفتاوى الكبرى لابن تيمية (4/341).
64/ تبيين كذب المفتري لابن عساكر (ص:389).
65/ الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد للبيهقي (ص:112).
66/ فقد ذكر في كتابه شرح المقدمات (ص:95-96) لأهل السنة ثلاثة طرائق في الصفات الأولى التفويض ونسبها للسلف، والثانية : طريقة التأويل ونسبها للجويني وجماعة كثيرة من العلماء ، والثالثة قال فيها ما نصه :"حمل تلك المشكلات على إثبات صفات لله تعالى تليق بجلاله وجماله لا نعرف كنهها، وهذا مذهب شيخ أهل السنة الشيخ أبي الحسن الأشعري رحمه الله تعالى ورضي الله عنه"، وذكر نحو هذا في المنهج السديد (206) والعقيدة الوسطى وشرحها (182-183)
67/ ترتيب المدارك للقاضي عياض (6/198).
68/ رسالة إلى أهل الثغر –قسم الدراسة-(ص103).
69/ تبيين كذب المفتري لابن عساكر (ص:136).
70/ ينظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (1/309) ومنهاج السنة النبوية له أيضا (1/303).
71/ ينظر: الصواعق المرسلة لابن القيم (3/1190).
72/ تاريخ التراث العربي لفؤاد سزكين (2/376).
73/ تاريخ الأدب العربي لبروكلمان (4/431).
74/ رسالة إلى أهل الثغر -قسم الدراسة- (113-114، 117).
75/ انظر المخطوطتين الهندية والتركية في رسالة إلى أهل الثغر -قسم الدراسة- (123و124).
76/ انظر مثالا لمن خلط بين الأشعري والباقلاني لهذا السبب في طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (3/366).
77/ رسالة إلى أهل الثغر -قسم الدراسة- (104).
78/ مذاهب الإسلاميين لعبد الرحمن بدوي (1/523).
79/ انظر مقارنة حمودة غرابة وموقفه من الكتابين في مقدمته لكتاب اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع (ص:3-7).
80/ ينظر تعقب فوقية حسين محمود على "ألار" في نقده لـ"رسالة إلى أهل الثغر" (ص:71-72) من الإبانة للأشعري -قسم الدراسة-.
81/ الإبانة عن أصول الديانة للأشعري (ص:125-140).
82/ تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل للباقلاني (ص:295-298).
83/ اللمع للأشعري (ص:123).
84/ تمهيد الأوائل للباقلاني (ص:388-390).
85/ الإبانة عن أصول الديانة للأشعري (ص:27).
86/ انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (7/509، 550) و(13/47).
87/ رسالة إلى أهل الثغر –قسم الدراسة-(ص:110).

معلومات إضافية

  • الكاتب: مثال
تم قراءة المقال 288 مرة