قيم الموضوع
(3 أصوات)

خطبة ألقيت يوم 27 شعبان 1429 الموافق لـ29أوت 2008م في مسجد الفرقان (بالبليدة).

أما بعد : فإنه لم يبق إلا أيام معدودات على انقضاء ذلك الشهر العظيم الذي قَالَ عنه النبي صلى الله عليه وسلم :" ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ"، هذا الشهر شهر شعبان الذي له من الفضيلة والمزية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم فيه ما لا يصوم في غيره، فيسأله أسامة  رضي الله عنه يا رسول الله لماذا تصوم فيه ما لا تصوم في غيره فقال : "ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ" .

الحث على اغتنام رمضان

 

ولا يزال كثير من الناس يغفلون عنه مع وجود حديث النبي صلى الله عليه وسلم يتلى ويذكر به كل عام، فالناس لا يزالون يغفلون عنه، ليست غفلتهم عن صيامه، ولكن غفلة عن تمام هذا الحديث الذي بين فيه النبي صلى الله عليه وسلم سر إكثاره من الصيام في شعبان وأنه شهر ترفع فيه الأعمال، ترفع فيه أعمال السنة كلها، أتعلمون ما معنى ذلك؟... تعرض أعمالكم عباد الله! ماذا عملتم من رمضان الذي ذهب انقضى في السنة الماضية إلى شعبان، ترفع هذه الأعمال وتعرض على رب العالمين، هذا أمر يغفل عنه كثير من الناس، وأكبر دلالة على ذلك أنه يمضون شعبان كسائر الشهور في ميدان الأعمال الصالحة والمسابقة إليها، إذا ما استثنينا صومه، وهو سواء بالنسبة إليهم فيما يقترفونه من معاصي وفيما يجترحونه من سيئات، وفيما يضيعونه من أوقات، وخاصة في هذا العام الذي صادف شهر شعبان فصل الصيف وشهر العطل.

   لماذا نقول هذا الكلام وشهر شعبان أوشك على أن ينتهي؟ نقول هذا الكلام ليحس كل واحد منا بأن عليه أن يتوب ، وأنه قد قصر ، ليعلم الجميع أنهم معنيون بالحديث عن التوبة، والرجوع إلى الله تعالى، في شهر رمضان الذي هو على الأبواب، عباد الله إن من رحمة الله بنا ومن منِّه وكرمه أن جعل في هذه الدنيا نفحات تعرض فيها الرحمات، فعلينا أن نتعرض لنفحات الرحمن سبحانه عسى أن تصيبهم نفحة منها فنرحم رحمة لا نشقى بعدها أبدا.

    عباد الله إننا جميعا معنيون بالحديث عن التوبة، فدعوا الغرور والاستعلاء جانبا، عباد الله إننا نقصر وإننا نعصي، وإن ربنا سبحانه يعفو ويحلم ويوفق عباده للتوبة وأسبابها .

    عباد الله إن من أعظم نعم الله تعالى علينا أن نوفق لإدراك شهر رمضان..، أسلم رجلان من قضاعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في زمن واحد ولعل ذلك كان في يوم واحد، أما أحدهما فاستشهد وأما الآخر فعاش بعد الأول سنة كاملة، فرأى أحد الصحابة الثاني منهما سبق الشهيد إلى الجنة، فجاء يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك لما يعرفه من فضل الشهادة وأنها مكفرة للذنوب وأنها من أسباب مغفرة الله تعالى ودخول الجنة، فكيف يسبقه إلى الجنة هذا الذي مات ميتة عادية؟ فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه عاش بعده سنة صام فيها رمضان وصلى وكذا وكذا من صلاة لم يصلها الأول. فلا نغفل عباد الله عن هذه النعمة التي -إن شاء الله تعالى – وفقنا الله إليها ، نقول إن شاء الله تعالى لأننا لا ندري لعله فينا من تقبض روحه غدا أو بعد غد فلا يدرك هذه النعمة ويحرم منها.

   عباد الله شهر رمضان شهر الخيرات شهر القرآن وشهر الغفران الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم:" إذا كان أو ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن ، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب ، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب وينادي مناد يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة" (رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجة).

    إن كثيرا منا أصبحت أحاديث الترغيب والترهيب لا تعني شيئا بالنسبة إليه، الذي يؤثر فيه أن يرغب بالدرهم والدينار ، الذي يهز كيانه أن يوعد أو توعد بأمر محسوس يصيبه في الدنيا، أما وعد الله تعالى ووعيده الذي هو في الآخرة فإنه يراه بعيدا وهو والله قريب ، إنه قريب منا ما رغبنا فيه وما رهبنا منه، إن من قسوة قلوبنا أنناهور، رمضان الذي نهاره صوم ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول :"من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه"، "غفر ما تقدم من ذنبه" ليس أمرا سهلا أن تغفر جميع الذنوب ولكنَّ فضل الله عظيم، شهر رمضان الذي ليله قيام ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول :"من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه"، قيام رمضان نافلة ليس واجبا ومع ذلك من فضل الله تعالى علينا ومن منه وكرمه ومن سعة رحمته سبحانه وتعالى أن جعله كفارة لجميع الذنوب والخطايا، فأقبلوا على الله عباد الله ولا تكونوا من الغافلين ولا تكونوا من الفاترين.

   إن الصوم من أعظم العبادات التي يتقرب بها إلى الله تعالى وركن ركين من أركان الإسلام وعمود من أعمدته ركيزة من ركائزه، وأجره لا يقدره إلا الله تعالى، قال النبي صلى الله عليه وسلم :" كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف"، هذا في الحسنات جميعها الحد الأدنى الحسنة بعشر أمثالها، والله تعالى قد يضاعف الحسنة إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل :"إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ". لأن الصوم هو الصبر إن شهر الصوم هو شهر الصبر، والله تعالى يقول عن الصابرين :(إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر:10)، ولأنه العمل الذي يمتحن فيه العباد ويظهر إخلاصهم لله تعالى، كل العبادات الظاهرة يراها الناس، قد يكون للعباد فيها حض، لكن الصوم بينك وبين الله تعالى، عبادة ظاهره لكنها خفية، من الذي يطلع عليك من الذي يراك إلا الله تعالى."إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به "جزاء لا يعلمه إلا رب العزة جل جلاله.

    وإن المؤمن ليفرح وليسعد إذا سمع مثل هذه الأحاديث المرغبة في الصيام والمبينة لفضائله، وإنه أيضا حينما يسمع حديثا آخر يتمالكه الخوف والرعب، فقد صعد النبي صلى الله عليه وسلم يوما المنبر فقال "آمين آمين آمين"، فقيل يا رسول فقد فعلت كذا وكذا فما الخبر فقال:" إن جبريل جاءني فقال من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فدخل النار فأبعده الله قل آمين" فقلت آمينمن أدركته كل هذه الفضائل من أدركته هذه المنحة الربانية، ثم بعد ذلك أعرض عنها ولوى عنقه وولاها ظهره ولم يأبه بها ولم يلتفت إليها، المنادي ينادي أقبل إلى الله تب إليه وحاسب نفسك، ها هي أبواب الجنة قد فتحت وهو لا يبالي، إن من كان كذلك يستحق من الله تعالى أن يبعده من رحمته. دعاء دعا به جبريل عليه السلام وأمن عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، عباد الله إن الاستهانة بأمر الجنة والنار إذا ما كان باللسان فهو كفر كالذي يقول لا أبالي بالجنة ولا أخاف دخول النار إنما هي حكايات، وكذلك الذي لا يبالي عمليا بأمر الجنة والنار يعيش في الدنيا حياة البهائم يأكل ويشرب ويتمتع، فهذا على خطر عظيم، فلنعظم شعائر الله ولنعظم دين الله، ولنستجب لله تعالى ولرسوله إذا ما دعانا لما يحيينا، إذا ما دعانا لما فيه خيرنا وصلاحنا في دنيانا وأخرانا.

    عباد الله إن من ضيَّع شهر رمضان فهو لما سواه أضيع، من غفل في رمضان مع أن مردة الشياطين مصفدة ونفسه للطاعة مهيئة، والناس يذكرون الله ، وفي النهار صيام في الليل قيام من غفل مع كل ذلك متى يستيقظ؟ متى يستيقظ من غفلته؟ رمضان شهر الإخلاص ومراقبة الله تعالى، شهر من عاشه كما أراد الله تعالى وصل إلى حقيقة التقوى، قال تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:183). لعلكم تتقون والجنة لا يدخلها إلا المتقون، والله تعالى إنما يتقبل من المتقين . عباد الله فلنقف مع أنفسنا وقفة للمحاسبة بل وقفات،.

    فلنحاسب أنفسنا، وليس فقط لشعبان بل للسنة كلها ، كم صلينا؟ كم صلينا من صلاة في المسجد؟ كم من صلاة ضيعناها وأخرجناها عن وقتها؟ كم من صلاة نمنا عنها؟ نحاسب أنفسنا في الزكاة، هل نحن نؤدي الصدقة الواجبة؟ هل نحن نعين الفقراء؟ كم من صدقة تصدقنا بها؟ كم من بيت من بيوت الله أسهمنا في بنائه؟ في الصيام كم صمنا من النوافل؟ في العلم كم من مجلس علم حضرناه؟ كم من مسألة تعلمناها في هذه السنة؟ وكم من مجلس علم أعرضنا عنه وضيعناه؟ كم من عمل خير قمنا به؟ وكم من عمل خير كان أمامنا وكان بإمكاننا أن نقوم به أو نسهم فيه فضيعناه ؟ فلنحاسب أنفسنا عن كل ذلك وغير ذلك؟ ولنحاسب أنفسنا أيضا عن أشهر رمضان التي مضت، كم من رمضان فات وانقضى من السنوات الماضية وندمنا بعده؟ ندمنا بعد أن تصرمت أيامه وانقضت ساعاته، بعد ذلك قلنا يومها وساعتها يا ليتنا عملنا ويا ليتنا اجتهدنا، ويا ليتنا أطعنا وسارعنا؟ كم قد مر علينا من رمضان، فلم نعرف كيف نستغله؟ وكيف نستثمره؟ فلنحاسب أنفنا لنشحذ الهمة ولنقوي العزيمة، لنستقبل هذا الشهر بنفوس قوية مقبلة على الله وعلى الأعمال الصالحة، تتنافس في الخيرات وتسارع إلى الطاعات، ولنستعد ولننظر أيضا في الأسباب التي جعلتنا نضيع رمضان في السنوات الماضية، لماذا أضعتَ رمضان؟ اسأل نفسك ما هي الأشياء التي شغلتك؟ وما هي الأشياء التي صدتك عن سبيل الله وعن طريق الله؟ ما هي الأشياء التي جعلتك محروما أو مقصرا ؟ وهذا الكلام لجميع الناس، وأنا أولكم، لا يوجد إنسان -فيما أظن- إذا انقضى رمضان يقول بأنه قد قامه إيمانا واحتسابا، وصامه إيمانا واحتسابا، وقام فيه من الطاعات ما كان بإمكانه، لا يقول ذلك إلا مغرور، وإننا لنقرأ كلام العباد الزاهدين والعلماء الصالحين يأسفون على ذهاب هذا الشهر العظيم، ويخافون أن لا تتقبل أعمالهم، فهل نحن خير منهم ؟ ما من إنسان عمل إلا وكان بإمكانه أن يعمل أكثر، فالكلام موجه إلى جميع المؤمنين، إلى جميع من يرجوا الله واليوم الآخر دون استثناء، نسأل الله تعالى أن يبلغنا إلى هذا الشهر العظيم ، وأن يوفقنا لصيامه وقيامه ومعرفة قدره أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم ....

الخطبة الثانية

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، أما بعد فإن من الوقفات التي يجب أن نقفها مع أنفسنا أن ننظر في العوائق التي يجعلها الشيطان وأعوانه في طريق المؤمنين ليصدهم عن استغلال هذا الشهر الكريم، لنسلم منها ونحذرها، وكذلك علينا أن نسطر برنامجا يوميا مكثفا لأعمالنا في هذا الشهر المبارك لأن أيامه ستنقضي بسرعة البرق، فاجعل عبد الله لنفسك برنامجا مكثفا تداوم عليه في هذا الشهر، اصبر شهرا واحد لعل أن تصيبك رحمة الله تعالى.

   ولنبدأ بهذه العوائق وهذه الحفر التي توجد في طريقنا والتي تصدنا، وأولها ظاهرة تضييع الأوقات، شهر رمضان بالنسبة إلى كثير من الناس أصبح مشكلة، يومه طويل وثقيل عليهم، حتى أن منهم من يصرح بلسانه ويقول لأصحابه تعالوا نقتل الوقت، والناس في هذا التضييع متفاوتون منهم من يضيع ساعتين ومنهم من يضيع النهار كله، يضيعونها في النوم وفي اللعب وأمام التلفاز ...، وهنا يظهر لنا معنى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم من صام رمضان إيمانا وإحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، إن الذي يتعمد تضييع الوقت في رمضان وينتظر أذان المغرب على أحر من نار الجمر، هل هذا صام إيمانا واحتسابا؟ هل هذا محتسب للأجر؟ هذا إنما يصومه مجبرا مكرها، وهذا محروم من أجره وليس له إلا الجوع والعطش، هذا ينفض من أجره بحسب ما ضيع من أوقاته، إن من الناس من لا ينال أجر صومه، فكيف يطمع لأن يكون ماحيا للسيئات.

    ومن هذه العوائق المعاصي التي تقسي القلوب، عباد الله شهر رمضان شهر الرقابة، فإنك في كل لحظة تذكر بان الله تعالى يراك، فلماذا لا تغض البصر في الطريق وفي البيت أمام التلفاز؟ لماذا لا تمسك لسانك عن عورات الناس في الطريق وبيت الله تعالى؟ لماذا لا تكف أذاك عن المؤمنين الذين تعرفهم والذين لا تعرفهم؟ إن المعصية في الأشهر الفاضلة والأماكن الفاضلة ليست كغيرها من الأوقات والأماكن، فإن المعصية وإن كانت لا تضاعف فإنها تعظم وتغلظ، فليس من يعصى الله تعالى في بيته كمن يعصيه في المسجد، وليس كمن يعصيه في مكة أمام الكعبة، وليس من يعصيه في سائر الأشهر كمن يعصيه في رمضان، وهذه المعاصي تقسي قلوبنا وتزيدنا غفلة وتحرمنا من أجر الصيام ومن فضائل رمضان، ومن الوصول إلى مقاصد الصيام، فعلينا أن نتقي الله تعالى سرا وظاهرا بقلوبنا وألسنتنا وأعمالنا. ومن هذه العوائق الفتور، الفتور والاسترخاء، كثير من الناس ربما يقضي الأيام الأولى من رمضان على أحسن ما يرام، لكن سرعان ما يفتر ويفشل ويترك ويرجع القهقرى، عباد الله إن الصبر من أعظم الواجبات علينا، والصبر منه صبر على المحرمات ومنه صبر على الواجبات فعلينا أن نصبر، علينا أن نصبر على العمل في هذا الشهر المبارك، من لم يصبر على الطاعة في الدنيا فهل يصبر على نار جهنم وحرها يوم القيامة؟ من لم يصبر على هذه الأعمال اليسيرة هل يصبر على عذاب يوم القيامة؟ من لم يصبر على طاعة في أيام معدودات هل يصبر على عذاب طويل في نار جهنم أو في القبر؟

   ومن هذه العوائق أيضا رفقاء السوء الذين يقودون الإنسان إلى تضييع الأوقات، ويجرونه إلى المعاصي ويسببون له الفتور، فعلى كل واحد منا أن يختار الرفيق فإن المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل، يختار رفيقا يساعده على الطاعة في هذا الشهر المبارك يصحبه إلى صلاة الجماعة، يوقضه إذا لم يستيقظ لصلاة الفجر أو للسحور، يصحبه إلى حلق العلم، يعرض عليه القرآن أو يحفظ معه القرآن، رفيقا يتعاون معه على البر والأعمال الصالحة، ومن أراد التوبة وأن تحسن توبته فعليه أن يفارق رفقاء السوء، فإن كثيرا من الناس يعزم على أن يحافظ على صلاة الجماعة في رمضان أو يكون متهاونا في أمر الصلاة فيعزم على المداومة عليها ابتداء من رمضان، ولكنه في الوقت نفسه لا يفارق أهل السوء، لا يفارق الفساق أهل الفجور والخمور، فسرعان ما يفتر وسرعان ما يرجع القهقري، لأنه يوجد عند هؤلاء من المغريات ومن الملهيات ومن الشهوات، التي تروق للنفس وتستهويها ما لا يوجد في بيت الله تعالى وفي الطاعة والعبادة، حفت النار بالشهوات وحفت الجنة بالمكاره.

    وثمة عوائق أخرى نذكرها ضمن صفحات البرنامج المقترح للصائم القائم في رمضان ، عباد الله لا بد أن يبدأ يومنا قبل الفجر، ابتداء من وقت السحر، ويخطئ كثير من الناس هنا فيزهد في السحور، فإن السحور بركة ، ويخطئ كذلك من يتسحر قبل أن ينام لأن من السنة تأخيره، إذا استيقظتَ عبد الله في وقت السحر تنال بركة السحور وبركة تأخيره، وتقوم في الثلث الآخر من الليل تدعوا الله تعالى حين يزل إلى السماء الدنيا، فيقول هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داع فاستجب له؟ هل من سائل فأعطيه؟ فرصة تستغلها لتناجي فيها ربك وتدعوه.

    وإذا استيقظت للسحور فإنك تحافظ على صلاة الفجر في وقتها وفي الجماعة، وقد قال صلى الله عليه وسلم :"من صلى البردين دخل الجنة " أي الصبح والعصر. ثم تبكر إلى الصلاة فتحتل الصف الأول وتجيب المؤذن وتدعوا الله بين الأذان والإقامة، وإذا صليت في جماعة تبقى في مصلاك تذكر الله تعالى وتدعوا وتستغفر وتستغفر لك الملائكة إلى طلوع الشمس ثم تصلي صلاة الضحى، وتحافظ على أذكار الصباح، وتتلوا ما تيسر من كلام الله تعالى، فتفتتح يومك بالدعاء وبذكر الله تعالى. وفي الحديث : "اللهم بارك لأمتي في بكورها"، فإذا استيقظ الإنسان باكرا، فإنه يكون نشيطا ويبارك له في وقته وفي جهده، وفي ماله أيضا إذا ما خرج للعمل أو للتجارة. وهكذا في سائر اليوم علينا أن نحافظ على الصلاة في جماعة فإنها من سنن الهدي التي لم يكن يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن :"من صلى لله أربعين يوما في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتبت له براءتان براءة من النار وبراءة من النفاق" (رواه الترمذي). من صبر أربعين يوما يصلي الصلاة في جماعة ولا يتأخر، ومعنى يدرك التكبيرة الأولى أن تدركه الإقامة وهو داخل المسجد ويكبر الإمام وهو في الصف ، فتكتب له بذلك براءة أبدية من النار ومن النفاق.

     ومن الأعمال قراءة القرآن، فإن رمضان الشهر الذي أنزل القرآن، وكم هو طويل عن هجر الأمة لكتاب ربها سبحانه وتعالى...، وإن السلف لم يكونوا من الهاجرين للقرآن، كانوا يقرأونه وكانوا يفهمونه وكانوا يعملون به ، ومع ذلك إذا جاء رمضان يعكفون على قراءته الختمة تلو الختمة، الكبير والصغير الغني والفقير العالم والجاهل الحاكم والمحكوم ، يروى عن المأمون الخليفة العباسي أنه يختم في رمضان في كل ثلاث ختمة ، بل روي عنه أنه ختم ثلاثا وثلاثين ختمة، فمع عظيم مسؤوليته في الدولة وكثرة أشغاله، ومع ذلك لم يغفل عن قراءة القرآن، من السلف من كان يختمه في ثلاث وفي سبع ومنهم كان يقرأه مرة في النهار ومرة في الليل كالإمام الشافعي رحمه الله تعالى، فلا نغفل عن كلام رب العلمين والذي به ترق قلوبنا وتصلح أنفسنا وبه نهتدي إلى طريق ربنا .

    وعلينا أن نكثر من الصدقة فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان، فتصدقوا وابحثوا عن مجالات الصدقة الجارية في المساجد وغيرها ، يا عبد الله لا تدع باب يفتح لك من أبواب الصدقة إلا أسهمت فيه ولا تشتكي من قلة ذات اليد، فإن من أنفق أنفق الله تعالى عليه، ومن أوكأ أوكأ الله عليه، فإن من أسباب الرزق النفقة ومن أسبابه الصدقة في سبيل الله تعالى، والصدقة تطفئ غضب الرب سبحانه وتعالى.

    ولكي لا تضيع صلاة المغرب في جماعة بكِّر إليها بعد انتهائك من العمل ليدركك الأذان وأنت في المسجد، ولتعلم أن العبد في صلاة ما دام ينظر الصلاة ، بل حاول أن ترابط في المسجد من العصر إلى المغرب، ولتجعل ذلك وقت ذكر، وقراءة القراءة، وعلينا أن نحرص عند الإفطار أن لا نكثر من الأكل وهذا من العوائق التي تصد الناس عن الخير فإن كثرة الأكل تدعوا إلى الفتور وإلى التقاعس عن صلاة العشاء فضلا عن التكبير إليها، فضلا عن حضور مجالس العلم قبل العشاء، فضلا عن قيام الليل، وإذا حضر يحضر بقلب ساه لاه لا يدري ما يُقرأ ولا ما يقول في سجوده.

    وإن من الاستعداد لرمضان الاستعداد لأعمال البر فنخصص أموالا للصدقة ، ومن كان من الميسورين يبرمج العمرة في رمضان، فإن عمرة في رمضان تعدل حجة أو حجة مع النبي صلى الله عليه وسلم ، اجمع المال لتنفق ولتتصدق، وبعض الناس يجمعون المال ليملأ البطون في رمضان بأنواع المأكولات ويسرفون فيها اسرافا عظيما، وإذا أردنا أن نعرف حال الأمة في رمضان مع الأكل، فلنذهب إلى الصيدليات، ولنسأل ما هو الدواء الذي يباع أكثر من غيره في هذا الشهر، والجواب هو دواء التخمة، -أمة بطون أصبحنا لا أمة جهاد وعبادة- ما الفائدة في أن تجوع في النهار ثم ترهق نفسك بالمأكولات في الليل؟ هل بهذه الطريقة تصل إلى حقيقة التقوى؟ هل بهذه الطريقة تقوم الليل وتتدبر القرآن؟ هل بهذه الطريقة تشعر بحال الفقراء والمساكين وترأف بهم وتحقق مقاصد الصوم الأخرى كلا وألف كلا إذا علينا أن نقتصد في الطعام ونعلم أن الأطباء مجمعون أن الصحة في الحمية وأن الداء كل الداء في كثرة الأكل ، من قديم الزمان إلى يومنل هذا ، فليست قوته الإنسان ونشاطه بكثرة الأكل بل هي سبب الفتور والخمول ، من أراد النشاط حسبه لقيمات يقمن صلبه ، هكذا عاش العلماء وهكذا عاش المجاهدون ، الإمام الشافعي يقول لم أشبع منذ عشرين سنة إلا مرة واحدة ، فلما شبع ماذا صنع قيأ نفسه ، لأنه إذا شبع لم يطلب العلم ، ولا يقوى على قيام الليل .

    ولنحذر من القيام في ليالينا من التلفاز مدمر الأخلاق ، التلفاز الذي أفسد عقائدنا وأذهب رجولتنا ونزع الحياء منا وصدنا عن سبيل ربنا فلنحذر منه خاصة في شهر رمضان ، فإنه يذهب حسنات النهار لما فيه من محرمات، وإن القنوات أصبحت تخصص ميزانيات عالية هذا الشهر ، وتخصص كما هائلا من البرامج قنوات البلدان العربية وكأن شهر رمضان هو شهر التلفاز واللهو لكن الذي لا يعلمونه ولا يشعرون به أن مردة الشياطين قد استخلفتهم في الصد عن سبيل الله وعن ذكر الله وعن الصلاة ، فالمردة صفدت فخلفتها تلك القنوات ومن يسيرها، بأنواع من البرامج الملهية المقسية للقلب المذهبة للحياء والأخلاق تكشف فيها العورات ويستمع فيها على الغناء وغيره من المنكرات والمخازي ومن الأمور التي تعرفونها، إذا التلفاز من أعظم العوائق التي ينبغي أن نحذر منها من ابتلي به فليقاطعه فليقاطعه في شهر رمضان ، لا يفتحه في شهر رمضان على الأقل حتى تسلم له عباده ، ولا يكون من المبعدين ، ولا يكون من المطرودين ، أيها المؤمن قاطعه والزم بيت الله تعالى . وعليك أن تجتنب السهر في الأمور الفارغة وفي الأمور التي لا تنفع ، لا ينبغي السهر إلا فيما فيه نفع في علم أو في مذاكرة وإلا بعد أن يقوم الليل فعليه أن ينام مباشرة بنية القيام للسحور ولصلاة الفجر ، ومن كان هذا حاله فهو مأجور على تلك الساعات التي أغمض فيها عينيه.

   علينا أن نسعى للحفاظ على هذا البرنامج أو أكثر منه وإنه ليسير عسى أن نكون من المرحومين. إن هذا الشهر سيمر وتنقضي أيامه وعلينا أن نشمر على سواعدنا أن نشد مآزرنا وأن نعزم أن لا نضيعه هذه المرة وأن نحاول تسجيل أكبر عدد من الحسنات عسى أن يرحمنا رب الأرض والسماوات. نسأل الله تعالى أن لا يحرم من فضله وأن يوفقنا إلى جنته وأن يسهل لنا طريق طاعته وأن يحفظنا من شر الصادين عن سبليه ، فاللهم اهدنا فيما هديت وعافنا فيمن عافيت وتولنا فيمن توليت وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك

تم قراءة المقال 6200 مرة