قيم الموضوع
(3 أصوات)

إنها قضية واحدة

بعد الحمد والثناء، أما بعد :

   فإنها قضية واحدة لابد أن يعيش لها المسلم.

   إنها القضية التي لا بد أن تشغل بال كل مسلم في كل وقت وفي كل الأيام المتبقية من عمره، إنها القضية التي شغلت قلوب الصالحين وأسهرت لياليهم واستنفذت أموالهم وأوقاتهم، إنها القضية التي جعلتهم يسارعون إلى الخيرات ويتنافسون في أبواب الطاعات، وجعلتهم يتسابقون مع الزمن لكسب أسباب النجاة.

 

إنها قضية واحدة

 

   إنها قضية مغفرة الذنوب ودخول الجنة والنجاة من النار.

   إنها القضية التي كان يدندن حولها محمد صلى الله عليه وعليه وسلم وكان يدندن حولها أصحابه الكرام رضي الله عنهم، قال النبي صلى الله عليه وعليه وسلم لرجل كيف تقول في الصلاة؟ فقال ذلك الرجل :"أتشهد وأقول اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار، أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ"، فقال النبي صلى الله عليه وعليه وسلم:« حولها ندندن». والدندنة الكلام الذي يسمع صوته ولا يدرى معناه. ويقال أيضا دندن الرجل إذا اختلف في مكان واحد ذهابا ومجيئا.

   أيها المؤمنون إننا نحتاج إلى عمل لا إلى كثرة كلام، إننا نحتاج إلى عمل صالح ونافع لا إلى كثرة كلام فارغ لا يسمن ولا يغني من جوع.

   إننا قد آمنا بأن الدنيا قنطرة إلى الآخرة، وأنها دار زائلة وأن الآخرة هي الدار الباقية إما جنة لا ينقطع نعيمها، وإما نار يدوم سعيرها، إننا قد سمعنا قول النبي صلى الله عليه وعليه وسلم:« كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» فلم لا نطيع أمره ونحن قد صدقناه في خبره، لم تتعدد قضايانا في هذه الدنيا، ونغفل عن قضيتنا الأساسية وهي قضية النجاة من النار ودخول الجنة .

   إن أصحاب النبي صلى الله عليه وعليه وسلم الذين عاينوا الجاهلية والإسلام قد أدركوا عظم نعمة الإسلام، وأنها نعمة أنقذتهم من النار بعد أن كانوا على شفا حفرة منها، ولذلك كانوا حريصين على معرفة الطريق المنجي والأعمال الموجبة لرحمة الله وكانت فعلا قضيتهم قضية الجنة والنار، فكانت كثير من أسئلتهم للنبي صلى الله عليه وعليه وسلم تصب في هذا المعنى ما هي أسباب المغفرة؟ وما الأعمال الموجبة لدخول الجنة ؟

   لقد كان أحدهم إذا أسلم أدرك خطورة الأمر فيأتي ويسأل النبي صلى الله عليه وعليه وسلم هذا السؤال الخطير، ولأجل ذلك تكرر هذا السؤال مرارا على النبي صلى الله عليه وعليه وسلم، وكما تعدَّد السائلون تعدَّدت أجوبة النبي صلى الله عليه وعليه وسلم بحسب ما يناسب السائل من الأعمال التي يقدر عليها أو التي يظن النبي صلى الله عليه وعليه وسلم أنه مقصر فيها .

ومن الوقائع التي رصدت لنا في السنة الصحيحة ، حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه المشهور الذي قال فيه : يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار، فقال صلى الله عليه وعليه وسلم:" لقد سألتني عن عظيم وأنه ليسير على من يسره الله عليه" ثم قال:" تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت" فبين له ضرورة المحافظة على أركان الإسلام الخمس ثم أرشده إلى الاستكثار من النوافل التي من جنسها فقال:" ألا أدلك على أبواب الخير ؟ الصوم جنة والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار وصلاة الرجل في جوف الليل" الحديث رواه الترمذي.

   وعن أبي أيوب رضي الله عنه أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وعليه وسلم أخبرني بعمل يدخلني الجنة –وهو سؤال معاذ بعينه-فقال :"تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم" (متفق عليه) فأرشده إلى أركان الإسلام التي كانت فرضت حينما طرح السؤال وزاد عليها صلة الرحم التي هي من الواجبات.

   وقال رجل آخر: اثنتان أسألك عنهما: ما يُنَجِّيني من النار؟ وما يدخلني الجنة؟ فنظر رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم إلى السماء، ثم نكس رأسه، ثم أقبل عليه بوجهه وقال: "لئن كنت أوجزت في المسألة؛ لقد أعظمت وأطولت، فاعقل عني إذاً: اعبد الله لا تشرك به شيئاً. وأقم الصلاة المكتوبة، وأد الزكاة المفروضة، وصم رمضان، وما تحب أن يفعله بك الناس؛ فافعله بهم، وما تكره أن يأتي إليك الناس؛ فذر الناس منه"(رواه الطبراني وصححه الألباني).

   فذكر له أركان الإسلام وذيل ذلك بنصيحة تصب في معنى الحديث الصحيح المشهور :"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" والذي مفهومه أن يكره لإخوانه كل ما يكرهه لنفسه.

   وفي وقائع أخرى يطرح فيها السؤال عينه مما يؤكد على اهتمام الصحابة بالأمر، فيجيبهم النبي صلى الله عليه وعليه وسلم بأجوبة أخرى لا يذكر فيها شيئا من أركان الإسلام ، الأمر الذي يبين أن أسباب النجاة ودخول الجنة قد تكون من فضائل الأعمال وأعمال يراها الإنسان يسيرة وهي عند الله تعالى عظيمة كما أخبر النبي صلى الله عليه وعليه وسلم عن مغفرة الرب سبحانه للرجل الذي نزع غصنا من طريق المسلمين وللمرأة البغي التي سقت كلبا .

   ومن الأحاديث الواردة في هذا المعنى ما رواه الإمام أحمد أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم، فقال:" يا رسول الله علمني عملا يدخلني الجنة"، فقال له النبي صلى الله عليه وعليه وسلم :«إن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة، أعتق النسمة وفك الرقبة، فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع واسق الظمآن وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا عن خير». فعد من أسباب النجاة كف اللسان إلا عن الخير ومعناه في قوله صلى الله عليه وعليه وسلم:« من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت».

   ومن الأحاديث أيضا حديث أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله! دلني على عمل يدخلني الجنة، قال: «أمطِ الأذى عن طريق الناس» (رواه البخاري في الأدب المفرد وصححه الالباني).

    وحديث أبي الدرداء رضي الله عنه أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم دلني على عمل يدخلني الجنة فقال رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم:« لا تغضب ولك الجنة» (رواه الطبراني)

   وقال رجل آخر للنبي صلى الله عليه وعليه وسلم علمني عملا يدخلني الجنة فقال:« أطعم الطعام وأفش السلام وأطب الكلام وصل بالليل والناس نيام تدخل الجنة بسلام» (رواه البزار)

   وقال صحابي آخر: يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة . فقال : إن من موجبات المغفرة بذل السلام وحسن الكلام ". وفي رواية : " قلت : يا رسول الله حدثني بشيء يوجب لي الجنة ، قال : يوجب الجنة إطعام الطعام ، و إفشاء السلام ".

   ولم يكن هذا شأن الرجال من الصحابة فحسب بل كان أيضا شأن النساء منهم وهمهم ومما ورد إلينا في السنة، خبر أم هاني بنت أبي طالب التي قالت:" يا رسول الله ! إن قد كبرت و ضعفت فمرني بعمل أعمله وأنا جالسة". تطلب الدلالة إلى عمل يوجب لها النجاة ودخول الجنة ويكون متناسبا مع ضعفها وكبر سنها الذي أعجزها عن أعمال كثيرة، فدلها النبي صلى الله عليه وعليه وسلم إلى الذكر ، وقال:«سبحي الله مائة تسبيحة، فإنها تعدل لك مائة رقبة تعتقينها من ولد إسماعيل، واحمدي الله مائة تحميدة؛ تعدل لك مائة فرس مسرجة ملجمة تحملين عليها في سبيل الله، وكَبِّري الله مائة تكبيرة، فإنها تعدل لك مائة بدنة مقلدة متقبلة، وهللي الله مائة تهليلة تملأ ما بين السماء والأرض" (رواه أحمد وحسنه الألباني).

   ولم يكن هذا شأن الصحابة فحسب بل كان أيضا شأن تابعيهم والسلف الصالح رضي الله عنهم، قبل أن يغلب حب الدنيا وشهواتها على الناس ، ومما روي عن التابعين في هذا ما صح عن معدان بن طلحة اليعمري أنه قال لقيت ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم فقلت دلني على عمل ينفعني أو يدخلني الجنة فسكت عني مليا ثم التفت إلي فقال عليك بالسجود فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم يقول ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله عز وجل بها درجة وحط عنه بها خطيئة قال معدان ثم لقيت أبا الدرداء فسألته عما سألت عنه ثوبان فقال لي عليك بالسجود فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم يقول ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة (رواه ابن ماجة وصححه الألباني).

    أيها المؤمنون ما هي قضيتنا اليوم ؟ ما الشيء الذي يشغل بالنا؟ بحيث تكون أعمالنا كلها في سبيل تحصيله؟ علينا أن نراجع هدفنا وأن نصحح غايتنا حتى تستقيم أعمالنا.

   أيها المؤمن إن الداء الذي جعلنا نشتغل عن قضيتنا الأساسية هي الدنيا الحلوة الخضرة التي افتتنا بها، ونبينا صلى الله عليه وعليه وسلم قد بين لنا علاج هذا الأمر فقال:«من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة» فكأنه يقول لنا إذا أردتم الآخرة فاطلبوها وإذا أردتم الدنيا فاطلبوا الآخرة تنالوها ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

الخطبة الثانية

 

  الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين والعاقبة للمتقين أما بعد : فإن المؤمن الذي يوقن بأن هذه الدنيا مهما طالت قصيرة، وجعل همه الآخرة ومصيره فيها، لا يمكن أن يضل غافلا عن التزود لها والعمل من أجلها، بل إنه يكون عالي الهمة في طلب النجاة والمغفرة .

   إن من جعل قضيته الآخرة سارع إلى الطاعات وإلى فعل الخيرات، كما قال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران/133) وقال سبحانه : (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (الحديد/21). ومقتضى هذه المسارعة عدم تضييع الأوقات وترك التسويف الذي يخذل به العباد عن أعمال الخير .

   ومن جعل قضيته الآخرة استكثر من الأعمال ولم يقتصر على القليل منها، لأنه لا يدري ما هو العمل الذي ينجيه والعمل الذي يتقبله منه ربع عز وجل، وقد أرشدنا النبي صلى الله عليه وعليه وسلم على علو الهمة في طلب الجنة فقال :" إذا سألتم الله عز وجل فاسألوه الفردوس فإنها أعلى الجنة ووسط الجنة".

   وقال صلى الله عليه وعليه وسلم :« من أنفق زوجين في سبيل الله نودي في الجنة يا عبد الله هذا خير فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان» فقال أبو بكر بأبي أنت وأمي ما على من دعي من هذه الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال:« نعم وأرجو أن تكون منهم».

   لقد كان ابو بكر رضي الله عنه عالي الهمة يكثر من الأعمال الصالحة ولا يرضى بالقليل منها جنسا وكما،  فلا أحد يدركه في كثرة الأعمال وتنوعها ولا في مقدار العمل الواحد من الصلاة أو الصدقة ونحو ذلك.

   وقد قال رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم يوما:« من أصبح منكم اليوم صائما؟ قال أبو بكر: أنا، قال: من عاد منكم اليوم مريضا؟ قال أبو بكر: أنا، قال: من شهد منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا قال: من أطعم اليوم مسكينا؟ قال أبو بكر: أنا، قال صلى الله عليه وسلم: ما اجتمعت هذه الخصال في رجل في يوم إلا دخل الجنة ». (رواه مسلم). فاستحق رضي الله عنه هذه البشارة مع بشارات أخرى له لأجل هذه الأعمال التي اجتمعت له في يوم واحد .

   أيها المؤمنون يقول رب العزة جل جلاله : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) (البقرة/207) ويقول النبي صلى الله عليه وعليه وسلم:« كل الناس يغدوا فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها ».

   نسأل الله تعالى أن يصلح أعمالنا وأن يقوم آمالنا ، وأن يهدينا ويرحمنا وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

 


تم قراءة المقال 6535 مرة
المزيد في هذه الفئة : الطريق إلى النجاة »