لثلاثاء 25 رجب 1431

أصول الدعوة (الدرس الثالث)

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الأصل الثالث: إتباع العلماء الذين بهم يحفظ الدين

    نتحدث اليوم عن أصل آخر من أصول الدعوة وهو إتباع العلماء، وهو في حقيقته متعلق بأحد فروع أصل حفظ الدين الذي سبق أن تطرقنا إليه، وهو حجية اتفاق العلماء ولزوم اتباع السلف، وضرورة الرجوع إلى العلماء في كل زمان، إلا أن هذه المسألة لأهميتها جديرة بأن تفرد ويتوسع في شرحها، فنقول: يجب علينا إتباع العلماء الربانيين، لأن الدين إنما يحفظ بهم، واقتضت حكمة الله تعالى أن يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها أمر دينها، ولا تزال طائفة على الحق إلى قيام الساعة، وهم أهل العلم وأهل الحديث وأهل السنة، فمن أراد الهداية في طريق الدعوة فعليه أن يلتزم بطريق العلماء خاصة في الأمور الكبار التي تهم الأمة ولاسيما في الحوادث النازلة والأمور المصيرية والقضايا الدعوية المنهجية، لأن طلبة العلم أو من يسمى دعاة لهم أن يتكلموا في قضايا التي يقدرون عليها وتأهلوا لها من وعظ وفتوى وتعليم، أما الفتوى في النوازل فليست إلا للعلماء الراسخين، ومن القواعد التي ينبغي أن تحفظ في هذا الباب أن المسائل الكبار للعلماء الكبار.

  

أصول الدعوة (الدرس الثالث)

أدلة الأصل :

1-قال تعالى : (فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (النحل:43) فكل من لا يعلم شيئا وجب عليه أن يسأل أهل العلم والذكر، وإن كان له علم بقضايا الأخرى، فالآية تنطبق على العوام وعلى طلبة العلم، بل استدل بها العلماء على أن العالم إذا لم يعرف حكم مسألة سأل غيره من أهل العلم، لأنه قد لا يتيسر للعالم أن يجتهد في مسألة مستعجلة ويضيق به الوقت، وقد يبذل كل جهده فلا يصل إلى شيء فلا بد أن يرجع إلى من يثق في علمه من المجتهدين.

2- وقال: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً) (النساء:83)

   في هذه الآية بيان لمنهج التعامل مع النوازل وقوله "أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ" المراد به الأخبار والشائعات أو النوازل وغير ذلك "أَذَاعُوا بِهِ" أي تسارعوا إلى الكلام والخوض فيه، هذا الواقع، لكن الواجب هو "وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ" وذلك في زمنه صلى الله عيه وسلم، والرسول صلى الله عيه وسلم قد تبين له حقائق الأمور بالوحي "وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ" وهم العلماء من أصحاب النبي صلى الله عيه وسلم ومن غيرهم ممن يأتي بعدهم لأن العبرة بعموم اللفظ "لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ " إذا تكلم العلماء المستنبطون بينوا للناس الصواب وأغنوهم عن كثرة الكلام وعن الإرجاف وعن الانحراف.

3- وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (النساء:59)

    فبعد أن أمر الله عز وجل بطاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم أمر بطاعة أولي الأمر وهم العلماء –وقيل الآية تشمل الأمراء إذا عملوا بما يأمر به أهل العلم- والذين لا اختلاف فيهم أنهم يدخلون في معنى هذه الآية هم العلماء.

     ثم قال :"فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ" أي إذا اختلف العلماء فيما بينهم فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ (قال بعض أهل العلم في هذه الآية حصر للأدلة المعتبرة في دين الله صلى الله عليه وسلم (أطيعوا الله): القرآن  (وأطيعوا الرسول): السنة (وأولي الأمر) ما اتفق عليه العلماء (فإن تنازعتم في شيء فردوه ): الرد هو القياس والاجتهاد، لأن الطاعة غير الرد فالطاعة للنص مباشرة والرد يكون بالقياس على النص والتأمل في معانيه.

4-وفي الحديث :"العلماء ورثة الأنبياء" كما جاء عند أبي داود وغيره وهو عند أهل الحديث مختلف فيه، ومعناه صحيح فيجب على الإنسان أن يتبع الأنبياء، والعلماء هم الذين يرثون الأنبياء، لأنهم لم يورثوا دينارا ولا درهما، بل ورثوا العلم الذي يهتدي به الناس.

5-والنبي صلى الله عليه وسلم قد أمرنا أن نقتدي بأعلم أهل العلم وقال:" اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر " وقال :" عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي".

     وقد لام النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه أنهم تكلموا بغير علم ولم يسألوا في قضية المشجوج الذي قيل له لا نجد لك رخصة فاغتسل فمات، فقال صلى الله عليه وسلم :" ألا سألوا حين جهلوا فإنما شفاء العي السؤال".

6 -وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :" سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتُ يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ قِيلَ وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ قَالَ الرَّجُلُ التَّافِهُ يتكلم؟ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ" (رواه أحمد وابن ماجة والحاكم ) وفي رواية الفويسق وفي رواية السفيه.

   الرجل التافه أي تافه في العلم وفي المكانة والمنزلة، فهو غير مؤهل في أن يخوض في المسائل التي تهم الإسلام والمسلمين، لكنه مع ذلك يؤتمن ويسأل، وما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة منه ما هو بشائر ومنه ما هو تحذير من فتن حتى لا يقع الناس فيها، لذلك يسميها كثير من العلماء أحاديث الفتن.

    فالدين يحفظ بالعلماء ولا يحفظ بغيرهم ممن يسمون بالمفكرين، لأن هؤلاء منهم من هو مختص في الأدب أو الفيزياء أو الرياضيات أو التجارة أو المحاسبة، فهؤلاء ليس مؤهلين للفتوى ولا يلزم اتباعهم، أما من يسمى في العصر الحاضر بالدعاة ففيهم من ليس من أهل العلم، والدعوة بمعناها العام واجبة على العموم ، وأما الذين يعنيهم معنى الدعوة الخاص فهم العلماء ثم طلبة العلم لا غير، وعلينا أن ننزل كلا في منزلته، فلا نضع الناس جميعا في منزلة العلماء وطلبة العلم، فهؤلاء الذين لم يختصوا بعلوم الشريعة مهما كانت ألقابهم لا ينبغي لهم أن ينازعوا العلماء وطلبة العلم الشرعي، كما أن غيرهم لا ينازعهم في اختصاصهم.

فروع هذا الأصل 

الفرع الأول: من هم العلماء؟

    إن مفهوم العالم من المفاهيم التي تطورت مع الزمن ، فالعالم في عصر الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين له مفهوم ، ثم لا يزال هذا المفهوم يتطور بل ينحرف حتى صار في الأزمنة المتأخرة صار يلقب به دعاة الضلالة، من أهل الشرك والابتداع، ويلقب به كثير من طلاب الدنيا الذين يعلمون الحق لكنهم يداهنون من أجل إرضاء العامة أو الحكام.

    وأول صفة للعالم الذي نتحدث عنه أن علمه يكون مبنيا على أدلة الكتاب والسنة ، فلا يدخل فيه المقلد المحض، وقد قال ابن عبد البر المالكي:" أجمع الناس على أن المقلد ليس معدودا من أهل العلم وأن العلم معرفة الحق بدليله" فليس بعالم من يعرف الحق بالدليل، وكذلك من حفظ الأدلة دون فهم أو قدرة على استخراج الأحكام منها، قال ابن القيم:"وهذا كما قال أبو عمر رحمه الله تعالى فإن الناس لا يختلفون أن العلم هو المعرفة الحاصلة عن الدليل، وأما بدون الدليل فإنما هو تقليد، فقد تضمن هذان الإجماعان إخراج المتعصب بالهوى والمقلد الأعمى عن زمرة العلماء". فمن كان مقلدا خرج من زمرة العلماء شرعا وإن لقب بذلك باعتبار آخر، وهو أعلى منزلة من العامي؛ إلا أنه لا يدخل في أهل الذكر وأولي الأمر الذين يرجع إليهم في النوازل لأنهم لا قدرة لهم عليها.

    وثاني صفات العالم أن يختص بالعلم ويمارسه وقتا طويلا حتى يصبح صفة له، وهيئة راسخة فيه لا شيئا يتكلفه. وأما من لم يمارس العلم طويلا ومن كان فقهه مبنيا على الرأي وقال فلان وقال فلان فهذا ليس بعالم في الشرع ولا في الاصطلاح.

    ومن زاد على ذلك بحيث لم يكن لديه معرفة بالفقه أصلا لا بدليل ولا بغير دليل، فهذا أبعد الناس عن أن يكون عالما موجوعا في النوازل وغيرها.

   فليس العالم من يطلب العلم في أوقات فراغه، بل ذلك شأن العوام المفتونين بأمر الدنيا بل هذا ليس من شأن طالب العلم كذلك.

    وثالث الصفات أن يكون عاملا بعلمه، فالعمل بالعلم ضروري لأن يكون قدوة، لأننا نتكلم هنا عن الاقتداء والإتباع، ولما ذكر الشاطبي مميزات العالم أول ما ذكر العمل بعلمه وإلا لم يتبع ولا وصف بالرسوخ في العلم.

    وقد ذكر الأصوليون شروط العالم التفصيلية في باب الاجتهاد من كتبهم فيراجعها من شاء.

    ثم إن المتأخرين لما رأوا أن شروط المجتهد شديدة عليهم سدوا باب الاجتهاد على أنفسهم بدلا أن يحثوا الناس على طلب العلم ليتأهلوا إلى رتبة الاجتهاد.

   وفي هذا العصر عصر النهضة حيث جهر أهل الإصلاح بالدعوة إلى فتح باب الاجتهاد، حيث رأوا أنه لما صار المتبوعون في الأمة أهل جمود وتقليد تقهقرت الأمة في جميع الميادين.

      لكن الباب لما فتح دخله كل من هب ودب، وأصبح كل واحد يتكلم في دين الله عز وجل بما شاء، وأصبحت كثير من الجماعات والأحزاب تصنع لها علماء بواسطة الدعاية والإشهار وتسليط الأضواء، وهذا أمر أصبح ملاحظا في مجتمعاتنا الصغيرة والكبيرة، أصبح العلماء يُصنعون صنعا بالإشاعة والثناء والتزكية، وصار العلماء يخرجون على الناس فجأة من العدم، وكان من نتيجة ذلك أن أصبحنا نسمع بفتاوى تخالف القرآن وتخالف الإجماع، ونرى التناقض الصارخ في الفتاوى فتجد بعضهم يجيز للإنسان أن يبيع الطير في السماء والسمك في الماء ثم لا يبيح بيع السلم لأنه من بيع الإنسان ما لا يملك، يتجرأون على الفتوى مع أن بعضهم لا يعرف كتب الفقه، بل فيهم من يزدريها ويحتقر أهلها.

    والذي لا نأتمنه في فتاوى الطهارة لا نأتمنه في غيرها، والذي لا يقدر على هذه المسائل الموجودة في كل كتب الفقه لا يجوز له الكلام في النوازل والمسائل الكبار، والمسائل الكبار للعلماء الكبار، وبعضهم يعكس القضية فيقول: في مسائل الوضوء والصلاة والبيع والزواج ارجعوا إلى العلماء لأنه لا اختصاص له بها، وأما القضايا المنهجية فهذه له بها اختصاص. وما ذلك إلا لأنه ليس عالما حقيقة ولم يتدرج في مراتبه بل هو من صناعة التزكيات والإشاعات، وينبغي أن نلاحظ أن العالم الذي نال رتبته بالعلم والعمل لا يستطيع أحد أن يسقطه عن هذه الرتبة بخلاف هؤلاء الذين يصنعون تصنيعا، فإنه ما أسهل أن يقسطوا بالتجريح والإشاعة المضادة إذا ما أعلنوا العصيان أو الاستقلال عن القيادة التي أمرت برفعهم وتزكيتهم لخدمة الجماعة.

الخلاصة

   إنه لابد من إتباع العلماء الذين يحفظ بهم الدين، والعلماء هم العلماء بالكتاب والسنة، (والعلماء الألف واللام فيه للجنس لا العهد كما حال بعض الحزبيين)، واتباع العلماء في المنهج الدعوي لا يعني أن لا يتعلم الطالب العلم إلا عند العلماء، خاصة عندما يندر وجودهم ويتعذر الاتصال لهم.

كيف يعرف العالم؟

   ذكر أهل العلم منذ القديم في علم الحديث لما كان العلم الموروث عن النبي صلى الله عليه وسلم هو الحديث، قالوا هناك طريقتان لمعرفة العالم: الاستفاضة والإجازة ؟

   فأما الإجازة فتكون من العلماء فيما قرأ عليهم وعرض عليهم من علوم، وليست هي الثناء الذي قد يثنى به حتى على العوام، بل التزكية المعتبرة بأن تقول فلان أهل في باب العقيدة أو الفقه بأن يدرسه كما كانت طريقة السلف لا يجلس أحد للتدريس إلا إذا شهد له شيوخه بالأهلية، وفي هذا يقول الإمام مالك:"ليس كل من أحب أن يجلس في المسجد للفتيا والتحديث جلس، حتى يشاور فيه أهل الصلاح والفضل وأهل الجهة في المسجد (أي الوجاهة)، فإن رأوه أهلا جلس، وما جلست حتى شهد لي سبعون شيخا من أهل العلم أني موضع ذلك". أي درس عليهم العلم وعلموا ما عنده، فالإجازة تكون عن خبرة بخلاف الثناء والمدح الذي يكون بحسب الظاهر، ومن الفروق بين الإجازة والتزكية أن الإجازة تكون من العالم، وأما الثناء والتزكية فتكون أيضا من العوام والدهماء.

    وأما الاستفاضة والشهرة بالعلم والتعليم فقد تكون أقوى من الإجازة، وكانت عند أهل الحديث أقوى من قولهم فلان ثقة، فبممارسة العلم والعمل به والاستقامة على الطريق، وبالتأليف في العلم والتدريس وانتشار التلاميذ، يعرف أيضا علم العالم، كالألباني رحمه الله تعالى فهو عالم من العلماء وهو في غنية عن التزكية أو المطالبة بالإجازة، ويذكر في ترجمته من ثناء العلماء عليه واعترافهم بعلمه، فهو من ثناء أقرانه عليه واعترافهم بفضله.

   والاستفاضة أقوى من الإجازة، لأن هذه الأخيرة قد يعتريها الخطأ خاصة إذا كان الشيخ يتساهل فيها على طريقة المتأخرين الذين يجيزون من لم يقرأ عليهم حرفا واحدا من العلم.

قال ابن القيم:" ولا ريب أن من عدله رسول الله لا يسمع فيه جرح فالأئمة الذين اشتهروا عند الأمة بنقل العلم النبوي وميراثه كلهم عدول بتعديل رسول الله ولهذا لا يقبل قدح بعضهم في بعض، وهذا بخلاف من اشتهر عند الأمة جرحه والقدح فيه، كأئمة البدع ومن جرى مجراهم من المتهمين في الدين فإنهم ليسوا عند الأمة من حملة العلم فما حمل علم رسول الله إلا عدل، ولكن قد يغلط في مسمى العدالة فيظن أن المراد بالعدل من لا ذنب له وليس كذلك، بل هو عدل مؤتمن على الدين وإن كان منه ما يتوب إلى الله منه، فإن هذا لا ينافي العدالة كما لا ينافي الإيمان والولاية"([1]).

       وننبه أن الإجازة لا بد يعين موضوعها والفن الذي أجيز فيها الطالب، فمن أجيز في العربية لم يجز له أن يدرس التوحيد مثلا، وأما التزكية المتضمنة الثناء على الأخلاق والاستقامة فلا علاقة لها بالعلم فهي ثناء لا تختص بالعلماء فلابد أن نسمي الأمور بمسمياتها، لأن قلبها قد يتولد عنه انحراف فكان من العيب أن تسأل عن توثيق بعض الرواة خاصة في طبقة التابعين والمشهورين ممن جاؤوا بعدهم كشعبة وابن سيرين وأيوب السختياني ومالك وابن عيينة والثوري وابن المبارك فلا يحتاج هؤلاء إلى البحث عمن وثقهم، لذلك جعلوا في مراتب الجرح والتعديل من لا يسأل عنه بل ثبتت، وينبه أن الاستفاضة تكون بين أهل العلم لا بين العوام.

   والإجازة قد تلاشت أكثر الأقطار في هذا الزمان إلا في بعض العلوم الشرعية كتلاوة القرآن، لكن إذا أردنا أن تقوم للأمة قائمة لابد أن نسعى إلى الرجوع إلى ما كان عليه العلماء المتقدمون، لأن الواقع الذين نعيشه غير مرضي إذ أصبح من لم يدرس كتابا في الفقه ولا في الأصول يفتي في النوازل والمنهج والجهاد والسياسة، وما ذاك إلا لتجاوزنا لجميع الضوابط والمناهج التي سار عليها العلماء المتقدمون والمتأخرون على حد سواء.

الفرع الثاني : لا عبرة بغير العلماء لا في إجماع ولا اختلاف

     إن العلماء الذين حفظ بهم الدين هم العلماء بالكتاب والسنة لا غيرهم من مفكرين ودعاة البدعة فالمفكر يجب عليه أن يسأل العلماء لا أن يقول أرى كذا وأختار كذا والمصلحة كذا، فلا يجوز نصب الخلاف بين العلماء وغيرهم ولو كانوا في عصر واحد، لأن الحق في قول العلماء من غير شك.

     يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:" من المستقر في أذهان المسلمين أن ورثة الرسل وخلفاء الأنبياء ، هم الذين قاموا بالدين علما وعملا ودعوة إلى الله والرسول، فهؤلاء أتباع الرسل حقا وهم بمنزلة الطائفة الطيبة التي من الأرض التي زكت فقبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، فزكت في نفسها وزكى الناس بها، وهؤلاء هم الذين جمعوا بين البصيرة في الدين والقوة على الدعوة، ولذلك كانوا ورثة الأنبياء الذين قال الله تعالى فيهم : (واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار ) فالأيدي القوة في أمر الله والأبصار والبصائر في دين الله ، فالبصائر يدرك الحق ويعرف بالقوة يتمكن من تبليغه وتنفيذه والدعوة إليه ، فهذه الطبقة كانت لها قوة الحفظ والفهم والفقه في الدين والبصر والتأويل ففجرت من النصوص أنهار العلوم واستنبطت منها كنوزها ورزقت فيها رزقا خاصا"([2]).

 تطبيقات خاطئة

    المثال الأول : قضية الخروج على الحاكم الفاسق، ذكر صاحب كتاب الجهاد ميادينه وأساليبه([3]) المسألة على أنها خلافية مع أن المخالفين هم المعتزلة والخوارج، فذكر مذهب أهل السنة ومذهب المعتزلة والخوارج وبعد نظره في الأدلة ومناقشتها خرج بقول ثالث حادث لم يسبق إليه وهو أنه يجوز الخروج على من كان فسقه متعديا إلى غيره دون من كان فسقه خاصا به.

   المثال الثاني: اشتراط القرشية في الخلافة العظمى أمر متفق عليه بين أهل السنة، وكثير من أهل الأحزاب المعاصرة يخالفون في ذلك، لأنهم يرون جماعتهم هي جماعة المسلمين وأميرهم هو الخليفة الذي تجب له البيعة والذي من نزع يده من طاعته مات ميتة الجاهلية، واشتراط القرشية ينقض عليهم أسس أحزابهم، وقد ذكر المسألة صاحب شريعة الإسلام خلودها وصلاحها للتطبيق في كل زمان ومكان، ورد على من ادعى فيها الإجماع وجعلها خلافية بين أهل السنة الخوارج ثم رجح مذهب الخوارج.

   المثال الثالث: كتب كثير من المعاصرين عن المناهج الدعوية في الموجودة في الساحة الإسلامية، فيعمدون إلى استقصاء كل الطوائف، ولا يتعرضون لمنهج أهل السنة الذي يمثله العلماء أصلا، فلا يذكرونه لا بمدح ولا قدح كأنه غير موجود([4])، وهؤلاء ليسوا فقهاء لذلك تكثر الهفوات في كتاباتهم، ومن ذلك أنهم بطريقتهم هذه يضللون الناس عن طريق أهل السنة ويصورون أن هذه القضايا الدعوية لا شأن للعلماء بها.

الفرع الثالث: الطعن في العلماء طعن في الدين

    لا يجوز الطعن في العلماء لأن في ذلك صدا عنهم وطريقا للطعن في الدين، والطعن في العلماء سنة سنها المنافقون الأولون في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأخذها عنهم الشيعة والخوارج الذين كفروا بعض الصحابة أو فسقوهم، ثم سار على دربهم فرق أخرى تطعن في الصحابة والتابعين يقولون عنهم إنهم حشوية ومشبهة وكتبة الحديث، وفي عصرنا عصر التجديد تجددت ألفاظ أفراخ هؤلاء في الطعن في حملة هذا الدين سرا وجهرا تصريحا وتلميحا.

    ما من طائفة تظهر وتجعل شعارها الطعن في العلماء إلا ظهر التفرق بين المسلمين، لأن العلماء الذين يجمعون الأمة نزعت منهم الثقة، ثم يبرز الرويبضة وأهل الأهواء كل واحد في منطقته يصير هو الإمام الثقة الذي يجب أن يتبع.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على من وصف أهل الحديث بالحشوية -ولهذه العبارة معنيان منهم من يطلقها ويقصد أنهم يحشون عقيدتهم بالحديث لا يعرفون إلا قال الله قال الرسول ، ومنهم من يريد بها أنهم عوام ولم يرتقوا في المستوى الفكري لفهم مسائل الكلام-:" فتأمل هذه الحكومة العادلة ليتبين لك أن الذين يعيبون أهل الحديث ويعدلون عن مذهبهم جهلة زنادقة منافقون بلا ريب، ولهذا لما بلغ الإمام أحمد عن ابن أبي قتيلة أنه ذكر عنده أهل الحديث بمكة فقال قوم سوء، فقام الإمام أحمد وهو ينفض ثوبه ويقول: زنديق، زنديق، زنديق، ودخل بيته فإنه عرف مغزاه . وعيب المنافقين للعلماء بما جاء به الرسول قديم من زمن المنافقين الذين كانوا على عهد الرسول e"([5]).

   ولا بد أن ننبه هنا أن مخالفة قول عالم لقول عالم آخر لا حرج فيها، لأن الحكمة ضالة المؤمن والعبد مطالب باتباع الدليل لا بتقليد عالم معين، لكن بعض الناس من أهل التقليد والأهواء يطعنون فيمن خالف قول عالم معين انتسبوا إليه.

    ومن العبارات التي يستعملها البعض فيها تنقيص من شأن العلماء وصد عنهم وعن منهجهم قول بعضهم في إحدى المجلات:" ولكن يغطون قعودهم بتلك الثرثرة الفارغة كقولهم إن الوقت غير مهيأ وأن من السياسة ترك السياسة، وأن رسول الله e مكث ثلاثة عشر عاما يدعو إلى التوحيد". وقوله في موضع آخر إنهم جاهلون جهلا تاما بالحياة، ثم يضرب مثالا بأحد فحول العصر ويقول عنه إنه آية في التفسير لكن هو جاهل جهلا تاما بالحياة، ولو ألقيت عليه أي شبهة لم يجب عنها، إنه مكتبة متنقلة لكن طبعة قديمة تحتاج إلى تنقيح".

    إن قول البعض أن العالم الفلاني لا يفقه الواقع أو لبس عليه، معناه أنه يتكلم بلا علم أو أنه خفيف العقل يلعب به من حوله، وليس هذا من شأن العلماء وإنما هو شأن المتعالمين الذين لا ينكرون المنكر يقرون الباطل خوفا على مناصبهم المعنوية وحرصا على التفاف العامة حولهم، أما العالم فالظن به أحسن من ذلك، وإن كذب عليه السائل فلا ذنب عليه فهو غير معصوم ولم يطلع على الغيب والسؤال معاد في الجواب كما يقولون.

   الطعن في العلماء في هذا الزمان أصبح له طرق كثيرة ملتوية، فبعض المنتسبين للسنة لما ذكر لهم كلام الألباني في بعض القضايا الدعوية، قالوا:" هذا كلام قديم" لأنه ذكره في بداية التسعينات، ومعنى هذا أنه كان مبتدعا في ذلك الوقت لأنهم يحكمون على كل من قال بقوله وعمل برأيه إنه مبتدع، وبعضهم يقول:" هذا الكلام يعرض على العلماء!" وكأن الألباني ليس منهم حتى يعرض عليهم ( لكن هذه الألف واللام العهدية أي علماء الحزب)، وهكذا بدلا من مناقشة القول يناقشون القائل وناقل القول.

الفرع الرابع : تلميع المبتدعة طعن في الدين وتضييع الحق

    يقول الشاطبي رحمه الله تعالى عن المبتدع :" وأما أن الماشي إليه والموقر له فمعين على هدم الإسلام (المبتدع الذي هو مبتدع في شرع الله تعالى لا من بدع ظلما وعدوانا) فإن الإيواء يجامع التوقير ووجه ذلك ظاهر لأن المشي إليه والتوقير له تعظيم له لأجل بدعته، وقد علمنا أن الشرع يأمر بزجره وإهانته وإذلاله بما هو أشد من هذا، كالضرب والقتل، فصار توقيره صدودا عن العمل بشرع الإسلام وإقبالا على ما يضاده وينافيه، والإسلام لا ينهدم إلا بترك العمل به أو العمل بما ينافيه.

    وأيضا فإن توقير صاحب البدعة مظنة لمفسدتين تعودان على الإسلام بالهدم.

أحدهما : التفات الجهال والعامة إلى ذلك التوقير فيعتقدون في المبتدع أنه أفضل الناس  ، وأن ما هو عليه خير مما عليه غيره، فيؤدي ذلك إلى اتباعه على بدعته دون إتباع أهل السنة على سنتهم .

الثانية: أنه إذا وقر من أجل بدعته صار ذلك كالحادي المحرض له على إنشاء الابتداع غي كل شيء، وعلى كل حال فتحيى البدع وتموت السنن وهو هدم الإسلام بعينه «([6]).

    كثير من الناس يقعون في المداهنة أو يبدؤون بالمداراة وسرعان ما ينتقلون إلى المداهنة، لأنهم يريدون أول الأمر السلامة من شر هذا المبتدع ذي الصيت ثم يسعون لنيل رضاه فيمدحونه ويوافقونه على بعض باطله ويسكتون على بعض الحق ، وهكذا يصيرون من أتباعه الذين يزينون بدعته، وهكذا يستدرج الشيطان كثير من الناس.

قصة للعبرة

    يقول أبو ذر الهروي وهو أحد المحدثين أخذ بدعة الأشعرية عن الباقلاني :" كان سبب أخذي عن القاضي أبي بكر (هو الباقلاني) ومعرفتي بقدره أني كنت مرة ماشيا ببغداد مع أبي الحسن الدارقطني إذ لقيت شابا فأقبل الشيخ أبو الحسن عليه وعظمه ودعا له، فقلت للشيخ من هذا الذي تصنع به هذا؟ فقال لي هذا أبو بكر بن الطيب ، نصر السنة وقمع المعتزلة وأثنى عليه". قال أبو ذر :" فاختلفت إليه وأخذت عنه من يومئذ "([7]).

   والباقلاني هو من نشر المذهب الأشعري وقد كان يدعو إلى العقيدة الأشعرية سرا ولا يظهر ذلك، وكان يحمل تحت إبطه الإبانة للأشعري ويقرأ على الناس مقدمتها التي فيها الثناء على الإمام أحمد، وإذا اختلى بطلبته درسهم العقيدة  الأشعرية، لذلك ينقلون عن أبي حامد الإسفراييني أنه كان يتبرأ منه كل يوم جمعة في ساحة المسجد في بغداد، ويقول اشهدوا أني بريء من الباقلاني، فقيل له لماذا تفعل هذا؟ فقال لأن الطلبة يرحلون لطلب الفقه الشافعي من أبي حامد من بقاع العالم فيختلي بهم الباقلاني ويدرسهم علم الكلام، فخشي أن ينسب إليه الضلال الذي سيعودون به إلى بلدانهم.

    وهذه هفوة وقع فيها الدارقطني رحمه الله، ولا عجب أن يغتر بعض أهل الحديث بظاهره، خاصة أنه كان يرد على الصوفية والمعتزلة والخوارج وغيرهم من أهل البدع الظاهرة في ذلك الزمان.

   وأبو ذر الهروي بعد اعتناقه للأشعرية كان سببا لنقل هذه العقيدة إلى أهل المغرب، لأنه كان مالكيا محدثا مقيما في الحجاز مقصودا من المغاربة، ذكر ذلك الذهبي في السير.

 



[1]/ مفتاح السعادة (1/163).

[2]/ مجموع الفتاوى (4/92).

[3]/ الجهاد لمحمد نعيم ياسين (200-203).

[4]/ واقعنا المعاصر (454) مشكلات الدعوة والداعية (217).

[5]/ مجموع الفتاوى (4/96).

[6]/ الاعتصام (1/151).

([7]) ترتيب المدارك للقاضي عياض (2/586) وانظر رواية أخرى لها (2/593).

تم قراءة المقال 3235 مرة