الجمعة 6 ربيع الثاني 1432

أصول الدعوة ( تابع : الدرس الخامس)

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الأصل السادس: طريق الإصلاح هو الدعوة والتعليم

 

    كما أننا ملتزمون بهدف دعوة النبي صلى الله عليه وسلم فنحن ملتزمون بالطريق للوصول إليه، بينا -كما سبق ذكره- أن التوحيد هو هدف دعوة الرسل وأن كل شيء يهون أمامه، وأنه لا سبيل إلى نشره إلا سلوك طريق الأنبياء في تبليغه، وطريقُ نبينا صلى الله عليه وسلم قد علمناه مفصلا في سيرته العطرة، وهو قد بدأ بالتعليم ونشر مبادئ هذا الدين.

   وكما أنَّ أول ما أُمر نبينا صلى الله عليه وسلم بتبليغه هو العقائد المتعلقة بالله والرسول واليوم الآخر وهو الموضوع الغالب على أول ما أنزل من القرآن، فكذلك ينبغي أن يكون سير كل الدعوات التي تريد أن تستمر وتطمح أن تكلل بالنجاح.

 

أصول الدعوة ( تابع : الدرس الخامس)

 

   ولقد اختار أهل السنة هذا الطريق بناء على ما ذكرنا، وهم يعتقدون عدم جدوى كل الطرق الأخرى التي يسعى أصحابها من خلالها إلى إعزاز الدين وتحقيق التمكين، وأصحابها إنما يفرقون المسلمين ويضعفون أهل الإسلام من حيث لا يشعرون.

أدلة الأصل

1-قال تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (يوسف/108).

2-وقال جل جلاله: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل/125).

3-وقال : (وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (المؤمنون/73).

4-وقال جل ثناؤه: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا) (الأحزاب/45، 46).

5-وقال عز وجل: (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) (الشورى/15).

6-وقال جل ذكره وتبارك اسمه: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (الأنعام/153).

7-وقال تعالى : (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران/104).

8-عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ مُسْتَقِيمًا قَالَ ثُمَّ خَطَّ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ ثُمَّ قَالَ هَذِهِ السُّبُلُ وَلَيْسَ مِنْهَا سَبِيلٌ إِلَّا عَلَيْهِ شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ ثُمَّ قَرَأَ وَإِنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ » (رواه أحمد وصححه ابن حبان)

9- وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :« إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا وَلَا مُتَعَنِّتًا وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا»([1]).

تقرير الأصل

    يقول ابن القيم رحمه الله:« فمن دعا إلى الله تعالى فهو على سبيل رسوله، وهو على بصيرة وهو من أتباعه ومن دعا إلى غير ذلك، فليس على سبيله ولا هو على بصيرة ولا هو من أتباعه، فالدعوة إلى الله تعالى هي وظيفة المرسلين وأتباعهم وهم خلفاء الرسل في أممهم والناس تبع لهم، والله سبحانه قد أمر رسوله أن يبلغ ما أنزل إليه، وضمن له حفظه وعصمته من الناس، وهكذا المبلغون عنه من أمته لهم من حفظ الله وعصمته إياهم بحسب قيامهم بدينه وتبليغهم لهم »([2]).

   قال ابن باديس رحمه الله :« فإننا اخترنا الخطة الدينية على غيرها عن علم وبصيرة، وتمسكا بما هو مناسب لفطرتنا وتربيتنا من النصح والإرشاد وبث الخير والثبات على وجه واحد والسير على خط مستقيم، وما كنا لنجد هذا كله إلا فيما تفرغنا له من خدمة العلم والدين، في خدمتهما أعظم خدمة وأنفعها للإنسانية عامة. ولو أردنا أن ندخل الميدان السياسي لدخلناه جهرا ولضربنا فيه المثل الأعلى بما عرف عنا من ثباتنا وتضحيتنا، ولقُدْنا الأمة كلها للمطالبة بحقوقها ولكان أسهل شيء علينا أن نسير بها على وفق ما نرسمه لها وأن نبلغ من أنفسنا إلى أقصى غايات التأثير عليها،  فإن مما نعلمه - ولا يخفى على غيرنا - أن القائد الذي يقول لها إنك مظلومة في حقوقك وإني أريد أن أوصلك إليها يجد منها ما لا يجده من يقول لها: إنك ضالة عن أصول دينك وإنني أريد هدايتك، فذاك تلبيه كلها وهذا يقاومه معظمها أو شطرها، هذا كله نعلمه ولكننا اخترنا ما اخترنا لما ذكرنا، فإنا فيما اخترناه بإذن الله لماضون وعليه متوكلون» ([3]).

   ولقد كان هذا اختيارا من الاختيارات الصعبة التي اختارها العلامة ابن باديس رحمه الله في حركته الإصلاحية، لقد كان هذا الاختيار صعبا في نظرنا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الزمن الذي كان يعيشه والواقع الذي كان محيطا به، إذ لا يجهل ولا ينكِر مقدار تأثير ذلك (الواقع) على اختيارات المفكرين والمصلحين وتوجهاتهم، ولكن العالم الرباني لا يختار شيئا إلا وله فيه مستند شرعي، فهو أخبر أنه ما ترك المعترك السياسي جبنا أو عجزا ولكن ليقينه بعدم جدواه، ولأن فيه اعترافا ضمنيا بشرعية النظام الفرنسي الكافر، وبين للناس أنه كان قادرا على تجميع الجماهير حوله بتلك الأماني والأغاني التي يتغنى بها أهل السياسة في كل زمان، ولكن ليس شيء من ذلك من شأن أهل العلم والإصلاح، وليس ذلك من المنهج الإسلامي القائم على عقيدة التوحيد في شيء، لقد علم الشيخ علم اليقين أن الرجوع إلى الدين الصحيح شرط في التمكين الذي يكون حينها منحة من رب العالمين.

التطبيقات الخاطئة

1-من الناس من يجعل ديدنه تتبع الحكام وزلاتهم وسبهم، وليس ذلك من الطريق الصحيح ولا فائدة ترجى منه، قال الشيخ ابن باز رحمه الله في جواب مسألة وردت إليه من الجزائر:« أما سبهم ولعنهم أو سب الشرطة أو لعنهم أو ضربهم أو ضرب الخطباء كل هذا ليس من الإسلام، الواجب النصيحة والبلاغ والبيان، قال جل وعلا : (هذا بلاغ للناس) فالقرآن بلاغ والسنة بلاغ، قال جل وعلا : (وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ) فالعلماء هم خلفاء الرسل ينذرون الناس ويحذرون من عقاب الله ويرشدونهم إلى طاعة الله، ويأمرونهم بتقوى الله ويحذرونهم من معاصي الله، وينصحون ولاة الأمور من الأمراء وغيرهم وينصحونهم، ويوجهونهم إلى الخير ويدعون لهم بالهداية لأن هذا أقرب إلى النجاح وأقرب إلى الخير».

2-استعمال التعزير وتكوين جماعات الحسبة وجعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منظما، فهذا الأمر لا يقدم عليه إلا من له سلطان، أما عموم الناس فلا يجوز لهم ذلك، لأنه يؤدي إلى مفاسد عظيمة وينفر عن الدعوة وأهلها، وقال ابن باز :« هذا أيضا غلط لا يسوغ لهم هذا والواجب النصيحة للنساء حتى يحتجبن، النصيحة لمن ترك الصلاة حتى يصلى، النصيحة لمن يأكل الربا حتى يدع الربا …أما الضرب والقتل أو غير ذلك من أنواع الأذى فلا يصلح للدعاة هذا ينفر من الدعوة، لكن على الدعاة أن يتحلوا بالحلم والصبر والتحمل والكلام الطيب في المساجد وفي غيرها حتى يكثر أهل الخير، ويقل أهل الشر حتى ينتفع الناس بالدعوة ويستجيبوا ».

3-ومن أهم مخالفات هذا الأصل العظيم دخول المعتركات السياسة من أجل التمكين، ومن يسلك هذا الطريق يعتمد في تبرير موقفه في أكثر الأحيان على الواقع ، وهذا الواقع الذي يعتمدون عليه هؤلاء، قد بيَّن لنا أنَّ كلَّ من دخل السياسة بنظمها الحالية سيتميع منهجه، وسيتنازل عن طلب تحكيم الشريعة، وينقض عرى الإسلام عروة عروة، ومع مرور الأيام سينقلب إلى مواجهٍ من يسير على منهج الدعوة والتعليم، ومستهينٍ بوسائل الدعوة المعروفة كالوعظ والتذكير والتبليغ والإرشاد في المساجد والجوامع، يقول عنها إنها وسائل تقليدية لا تسمن ولا تغني من جوع([4]).

    وكم رأينا الذين كانوا يقولون إن من يقر الشرائع الوضعية كافر، ثم صاروا يتكالبون على المجالس التشريعية، وإذا أتيتهم بكلامهم القديم أو كلام أسلافهم، قالوا ذلك في زمان ونحن في زمان آخر، فصيروا العقيدة تتبدل وتخضع لعامل الزمان والمكان، وإذا صارت العقيدة من المتغيرات أو فيها المتغيرات فمن باب أولى أحكام الشريعة الفقهية!!

من فروع هذا الأصل

الفرع الأول: الطريق الموصل إلى الهدف واحد لا يتعدد ولا يتبدل ولا يتجدد

   فإن الله عز وجل بين لنا أنه طريق واحد وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم وذلك في قوله تعالى : (قل هذه سبيلي) أي أن الطريق معروف وهو في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لأن الخطاب موجه إليه، وقوله : (وأن هذا صراطي مستقيما) فالسبيل معروف وإلا لم يكن فائدة من الإشارة إليه ولا من الأمر بإتباعه، وهو سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وليس بعد بيان الله تعالى الذي قال : (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة) وبيان النبي صلى الله عليه وسلم الذي رسم خطا واحدا طويلا مستمرا وعلى جنبيه خطوطا كثيرة قصيرة منقطعة حاجة إلى مزيد بيان.

   والتحذير من اتباع غيره دليل على أنه سبيل توقيفي، ودليل على بطلان كل ما عداه من الطرائق، وتمنى النصر والفوز لا ينبغي أن ينحرف بنا عن الشرع المنصور، قال الله تعالى : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (الحج/52).

   ومن الناس من يخلط بين الوسائل والمناهج في كلامه واستدلاله؛ فتجدهم يصرحون بأن الدعوة تتخذ من المناهج والوسائل والأنظمة ما تراه أصلح لخدمة دينها والتمكين له في الأرض حسبما يقتضيه الزمان والمكان والحال([5])، وثمة بون شاسع بين الوسائل والمناهج؛ إذ الوسائل قابلة للتطور وتتنوع ولا توقيف فيها، ولها أحكام مقاصدها ما لم تكن منهيا عنها، بخلاف المنهج الذي واحد لا يتعدد وتوقيفي لا اجتهاد فيه.

    وربما تجد فيمن يصرح بهذا الكلام المنتقد من كان يصرح بضده، ولكن مع مرور الزمن رأى أن الطريق طويلا، وبدافع الاستعجال يغير الطريق ويصبح يصف ما كان عليه جمودا وتزمتا وتشددا، وهذا ما حدث فعلا لشريحة واسعة من الإخوان المسلمين، نسأل الله تعالى العصمة والسداد.

الفرع الثاني: ليس الجهاد طريقا أصليا لتبليغ التوحيد

   ليس الجهاد طريقا أصليا لدعوة الناس الكفار إلى التوحيد فضلا عن المسلمين، وهذا أمر واضح من خلال الأدلة التي ذكرنا، وكذلك يدل عليه السيرة العملية للنبي صلى الله عليه وسلم في مكة والمدينة معا، بل حتى في الجهاد كان يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتجديد الدعوة إلى الإسلام لعللهم يرجعون فقال يوم خيبر لعلي : انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم.

  ثم إن قضية التوحيد قضية اقتناع وإيمان وإذعان ولا ينفع فيها السيف ابتداء، وإنما الذي ينفع فيها الحجة والبرهان، يقول شيخ الإسلام: « فالكتاب هو الأصل ولهذا أول ما بعث الله رسوله أنزل عليه الكتاب ومكث بمكة لم يأمره بالسيف حتى هاجر وصار له أعوان على الجهاد»([6])، وقال أيضا: «وقتال هؤلاء واجب ابتداء بعد بلوغ دعوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بما يقاتلون عليه»([7]).

   وأما مجاهدة الكافر لكفره بعد دعوته فلا يكون إلا بعد تحصيل القوة والدولة، وهو أمر واضح في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:« ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة وكذلك سائر ما أوجبه الله تعالى من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصرة المظلوم وإقامة الحدود ولا تتم إلا بالقوة والإمارة»([8]).

    وبعض الناس يعكس القضية تماما فسيد قطب رحمه الله في المعالم يعد الجهاد طريقا إلى إقامة الدولة، فإذا قامت الدولة يعطى للناس حرية الدين على حسب فهمه لقوله تعالى: ( لا إكراه في الدين) ، وفي كتابه لماذا أعدموني رجع عن منهج المواجهة إلى منهج التربية والعمل والدعوة-وهذا حق-؛ ولكن أضاف إلى ذلك فكرة إنشاء الجناح العسكري الخامل الذي يتدخل فقط لحماية العمل الدعوي والتربوي لا من أجل إقامة الدولة([9]). وهذا طريق خاطئ أيضا مخالف لما سار عليه النبي صلى الله عليه وسلم ومفاسده غير خافية على كل عاقل –على أن في الناس من يشكك في صحة نسبة هذا الكتاب إليه -.

 

 

 



[1]/ رواه مسلم (1475).

[2]/ جلاء الأفهام (415).

[3]/ الآثار (5/286).

[4]/ انظر الحل الإسلامي ضرورة وفريضة للقرضاوي (214-216) والمسلمون والعمل السياسي لعبد الرحمن عبد الخالق (21).

[5]/ أولويات الحركة الإسلامية (103-104).

[6]/ مجموع الفتاوى (28/232).

[7]/ مجموع الفتاوى (28/358).

[8]/ مجموع الفتاوى (28/390).

[9]/ لماذا أعدموني (42-43) ثم (54).

تم قراءة المقال 3553 مرة
المزيد في هذه الفئة : أصول الدعوة (الدرس الخامس) »