قيم الموضوع
(1 تصويت)

  إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده رسوله.

   أما بعد : فإن الله تعالى خلق الإنسان وكرمه وأنعم عليه بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ومن نعم الله تعالى العامة التي أنعم بها على العباد نعمة الأولاد، فالله تعالى هو الخالق البارئ الذي يهب الأولاد (يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ) (الشورى:49) نعمة الأولاد نعمة بها تقر أعين الوالدين وتفرح بها القلوب وتبتهج النفوس، وبها تواصل وجود الإنسان على هذه المعمورة، وإن من حق نعم الله تعالى على العباد أن تشكر ولا تكفر، شكرا باللسان حمدا وثناء على الباري سبحانه وشكرا بالأعمال حفظا لهذه النعمة وتوجيهها الوجهة التي يحبها الله تعالى ويرضاها.

(1) حقيقة التربية ووجوبها

 

   ولما خلق الله تعالى العباد ليعبدوه كان لزاما علينا أن نوجه أولادنا إلى هذه الغاية حتى نكون من الشاكرين، وقد حثنا النبي صلى الله عليه وسلم على الإنجاب والتكاثر وقال:"فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ"([1])، ومقصوده تكثير أهل ملته الذين يوحدون الله تعالى ويسلكون طريقه ويهتدون بهديه لأن هؤلاء هم الذين يباهي النبي صلى الله عليه وسلم بقية الأمم، ومنه وجب علينا أن نهتم بتربية أولادنا تربية إسلامية صحيحة تحقيقا أمنية نبينا صلى الله عليه وسلم وشكرا لله تعالى، وكذلك تحقيقا لأعظم سبب من أسباب العزة والتمكين، فإن الأمم جميعا تهتم بهذا الجانب اهتماما بالغا لأنه يعد عاملا من عوامل قوتها وبقائها وبناء مجدها وحضارتها، وإذا فسدت التربية في أمة ما لم تنفعها أي قوة أخرى من القوى المادية، لأن أساس القوى هو القوة البشرية، بتكوينها العقائدي والأخلاقي والفكري.

   وقد اهتم علماء الإسلام بهذا الجانب عمليا ونظريا منذ العصور الأولى، فجمعوا كتبا في الأدب والأخلاق وتأديب الصبيان وآداب المعلمين، استندوا فيها إلى كتاب الله تعالى الذي يهدي للتي هي أقوم، وإلى سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وإننا من هذا المنطلق جمعت هذه المادة التي أصلها سلسلة من الدروس المسجدية([2]) وقد حاولت أن أقرب فيه أصول تربية الأولاد من خلال القرآن الكريم والسنة الشريفة وكلام علماء الأمة، بأسلوب ميسر ومنهجية علمية منظمة، نسأل الله تعالى أن ينفع بها، وأول شيء نبتدئ به بيان حقيقة التربية وعظم أهميتها.

 

حقيقة التربية وأهميتها

حقيقة التربية

   التربية في اللغة العربية تتضمن عدة معاني منها الزيادة والنمو من ربا يربوا، ومنها النشوء والترعرع، ومنها القيام على الشيء أي إصلاحه وتولي أمره، ويقال رباه أي أحسن القيام عليه حتى أدرك وكَبُر ووصل إلى كماله . (ومنه تربية المواشي والنباتات والشعر والأولاد )

  وأما التربية في الاصطلاح فهي تنمية جميع جوانب شخصية الطفل العقائدية والأخلاقية والجسدية والاجتماعية، وتنظيم سلوكها على أساس من مبادئ الإسلام وتعاليمه.

ومن هذا التعريف يظهر :

1-أن موضوع التربية هم الأطفال الصغار الناشئون-وإن كان غيرهم قد يكون محلا لها أيضا-، والله تعالى لما ذكَّر بفضل الوالدين على الولد قال: (وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً) (الإسراء:24)، لأنها مرحلة بناء الشخصية وتكوينها، فإن من نشأ معوجا قد تعسر عليه الاستقامة إذا ما كبر.

2-وأن أهم شيء في علم التربية التكوين الاعتقادي والأخلاقي لا التنشئة الجسدية الحاصلة بالجبلة والعادة، وهذا أمر مهم يغفل عنه كثير من الآباء اليوم، إذ يحسبون أن التربية هي ضمان الغذاء والكسوة والعلاج، ويظنون أنهم إن فعلوا ذلك فقد أدوا واجبهم الشرعي تجاه أولادهم، في حين أن معنى التربية الواجبة عليهم أعم من ذلك، بل لا تعلق لها بهذه القضايا إلا من جهة بعض الضوابط الشرعية التي لا تخرج عن معنى العقيدة والأخلاق.

3-أن معيار التربية الصحيحة هو الأسس الإسلامية وتعاليم الإسلام المستمدة من الكتاب والسنة، لا نظريات البشر وتجاربهم التي إن أصابت في جانب أخطأت في جوانب.

من هم المربون؟

   والأصل في واجب التربية أن يكون مخاطبا به الآباء، لأنهم هم الذين يصحبون الطفل منذ ولادته وفي جميع مراحل نموه، فهو بين أيديهم كالصفحة البيضاء يكتبون فيها ما يشاءون، ولأن الطفل لا يسمع من أحد مثل ما يسمع من والديه، ولا يقتدي بأحد مثلما يقتدي بهما.

   وبعدهما يأتي المعلمون الذين تقلدوا هذه المهمة وتحملوا هذه المسؤولية، فهم جميعا مسؤولون عن التربية التي لا يمكن فصلها عن التعليم، وذلك مهما كان اختصاصهم ومستوى تلاميذهم.

   ويلي هؤلاء المجتمع كله بجميع أفراده، (ابتداء من أقارب الطفل وجيرانه)، فإننا إذا نظرنا إلى أن من أساليب التربية القدوة التي مبناها على التعظيم، فإن الناس جميعا يعدون من المربين، لأن الصغار يعظم في أعينهم كل كبير، فيقتدون بأخلاقهم ويقتبسون من كلامهم ويقلدون أعمالهم.

ومن هذا التقرير يصح أن نقول إن كل فرد من أفراد المجتمع يعتبر مربيا ومسؤولا عن التربية، وإن المخاطب مباشرة هم الآباء.

أهمية تربية الأولاد

    ويمكن إظهار أهمية التربية من خلال نقط أربعة هي : إيجاب تربية الأولاد ، وفضائل تربية الأولاد، وأثر إهمال التربية وأصولها على المجتمع، ثم كيد أعداء الأمة في هذا الميدان.

أولا : إيجاب تربية الأولاد

   إن تربية الأولاد على الصلاح بجميع معانيه، وحفظهم من سبل الفساد والانحراف بجميع أشكاله أمر واجب شرعا على الآباء ومن أدلة ذلك:

1-الأمر بوقاية الأهل من النار

   قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) (التحريم:6). فأمرنا ربنا عز وجل أن نقي أهلنا أزواجا وذرية من نار اليوم الآخر وأن نجعل بينهم وبينها حاجزا واقيا، وإنما تكون هذه الوقاية بالتربية على العقائد الصحيحة والأخلاق الفاضلة، قال مجاهد في تفسير الآية:"اتقوا الله وأوصوا أهليكم بتقوى الله"، وقال قتادة :"تأمرهم بطاعة الله وتنهاهم عن معصية الله وأن تقوم عليهم بأمر الله وتأمرهم به وتساعدهم عليه فإذا رأيت لله معصية قذعتهم عنها وزجرتهم عنها"([3]).

2-تحميل الآباء مسؤولية التربية

  وقد حمل النبي صلى الله عليه وسلم مسؤولية الرعاية للآباء، فقال:" وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا"([4]). فيا أيها الآباء إنكم مسؤولون يوم الحساب فعليكم أن تعدوا الجواب، وكذلك المعلمون مسؤولون عمن في أيديهم من التلاميذ فليتقوا الله تعالى وليؤدوا الرسالة وليصونوا الأمانة.

3-انحراف الأولاد سببه الآباء

   إن النبي صلى الله عليه وسلم قد حمل الأبوين مسؤولية انحراف الأولاد عن الدين والأخلاق فقَالَ:" مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ"([5]). الفطرة هي الدين (الإسلام) أو الميل إلى الدين الحق، لذلك لم يقل أو يسلمانه فإنه يولد مسلما أو مائلا إلى الإسلام بفعل الخلقة التي خلق عليها، وقد قال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) (الروم:30).

   وقال ابن القيم: "وكم ممن أشقى ولده وفلذة كبده في الدنيا والآخرة بإهماله وترك تأديبه، وإعانته له على شهواته ويزعم أنه يكرمه وقد أهانه، وأنه يرحمه وقد ظلمه وحرمه، ففاته انتفاعه بولده وفوت عليه حظه في الدنيا والآخرة، وإذا اعتبرت الفساد في الأولاد رأيت عامته من قبل الآباء"([6]).

4-الأمر بأمر الأولاد بالصلاة

   ومن أهم الأشياء التي يجب على الآباء أن يربوا عليها أولادهم الصلاة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ"([7])، وقال تعالى آمرا نبيه صلى الله عليه وسلم : (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) (طـه:132). والآباء الذين لا يفعلون ذلك محاسبون على ترك أولادهم الصلاة ويتحملون مسؤولية انحرافهم ولده في أخلاقهم وعقيدتهم، أما كونهم محاسبون على ترك الولد للصلاة فلأمر النبي صلى الله عليه وسلم المذكور، وأما كونهم يتحملون مسؤولية انحراف الأولاد فلأن هذه الصلاة هي عمود الدين ولأنها من أسباب الوقاية من جميع الآفات الاجتماعية والأمراض الأخلاقية، قال تعالى : (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) (العنكبوت:45).

5-التهديد والوعيد لمن ضيع أولاده

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :"كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ"([8])، وهذا التهديد ينصب على من ضيع أولاده من ناحية قوت الأبدان بحيث يهملهم أو يشح عليهم، ويشمل من باب أولى من ضيعهم من ناحية قوت الروح من العقائد والأخلاق، والمرء قد يعذر في الأول لكونه فقيرا ليس من أهل الكفاية، ولكن لا عذر له في الثاني بتاتا.

وقد قال صلى الله عليه وسلم :"مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ"([9]). وقد علمتم أن الأب راع في أهله والأم راعية في بيت زوجها، فمن أهمل منهما رعيته دخل تحت هذا الوعيد.

6-تضييع الأولاد تضييع للأمانة

إن الأولاد عند آبائهم أمانة، كما قالت أم سليم لزوجها لما توفي ابنها:"فإن الله قد أعارك ابنا ومتعك به ما شاء ثم قبضه إليه فاصبر واحتسب"([10])، ومنه فإن المربي مستأمن على عقيدة ولده وعلى أخلاقه قبل أي شيء آخر، وقد نهانا الله تعالى عن تضييع الأمانة وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (الأنفال:27).

7-التربية من النصيحة الواجبة

    ومما يدل على وجوب تربية الأولاد أدلة إيجاب النصيحة كقوله صلى الله عليه وسلم:"الدين النصيحة"([11])، فأولى الناس بهذه النصيحة هم الأولاد والأهل والأقربون، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ"([12])، يدل على وجوب تربية الأولاد، لأن أول المنكرات يجب علينا تغييرها ما كان في أهلنا وبيوتنا، ولا يعقل أن يترك الإنسان نفسه وأولاده ويذهب إلى الإنكار على جاره أو غيره، وفي هذا الحديث بين النبي صلى الله عليه وسلم مراتب تغيير المنكر وجعل أعلاها التغيير باليد التي لا يقدر عليه إلا ذو سلطان، والرجل له سلطان على أهله، والمرأة لها سلطان في بيت زوجها، فهما قادران على التغيير والإصلاح باليد واللسان ولا يكفيهما التغيير بالقلب.

 



[1]/ رواه أبو داود (1754).

[2]/ ثم ألقيت في إذاعة لقرآن الكريم بالجزائر ابتداء من أفريل 2009.

[3]/ تفسير ابن كثير (4/392).

[4]/ رواه البخاري (844) ومسلم (3408).

[5]/ رواه البخاري (1270) ومسلم (4803).

[6]/ تحفة المودود بأحكام المولود لابن القيم (242).

[7]/ رواه أبو داود (418).

[8]/ رواه أبو داود (1442) وصححه ابن حبان ( 4240 ) وحسنه الألباني .

[9]/ رواه البخاري (6617) ومسلم (203) واللفظ له.

[10]/ رواه ابن حبان في صحيحه (7187).

[11]/ رواه مسلم (82).

[12]/ رواه مسلم (70).

تم قراءة المقال 3446 مرة