الأحد 24 صفر 1432

(17) الوسائل المعينة على التربية: الصحبة وأثرها في التربية

كتبه 
قيم الموضوع
(1 تصويت)

المبحث الخامس : الصحبة وأثرها في التربية

    اقتضت حكمة الله تعالى في خلقه أن جعل الإنسان ميالاً بطبعه إلى مخالطة الآخرين ومجالستهم والاجتماع بهم، ولهذه والمخالطة والمجالسة أثرها الواضح في فكر الإنسان ومنهجه وسلوكه، وربما كانت سبباً رئيسا في تحديد توجه الإنسان في الدنيا ومصيره في الآخرة، وقد دلَّ على هذا الشرع والعقل والتجربة.

    وقد أخبرنا ربنا عز وجل عن الظالم لنفسه أنه يندم يوم القيامة ويأسف أشد الأسف لمصاحبته من ضل وانحرف فكان سبباً في ضلاله وانحرافه، فقال سبحانه: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً) (الفرقان:27-29).

 

(17) الوسائل المعينة على التربية: الصحبة وأثرها في التربية

 

   ولما كان الأولاد الصغار قاصرون في تفكيرهم وعاجزون عن معرفة ما فيه مصلحتهم ومضرتهم كان من واجب الآباء أن يبينوا لهم الصحبة الصالحة، وأن يحذروهم من الصحبة السيئة، ولقد كان السلف الصالح حريصين أشد الحرص على قضية الصحبة واختيار القرناء لأولادهم، فأثرت عنهم في ذلك عدة وصايا مكتوبة ومروية اعتنى الأدباء بنقلها وروايتها، منها وصية جعفر الصادق:« لا تصحب الكذاب والأحمق والبخيل والفاسق »([1]). وكقول بعضهم لابنه في وصية طويلة: «اصحب من إذا مددت يدك بخير مدها، وإذا رأى منك حسنة عدها، وإن رأى سيئة سدها، اصحب من إذا سألته أعطاك وإن سكت ابتداك، وإن نزلت بك نازلة واساك»([2]).

وقال عليّ رضي الله عنه:

وصاحب تقيا عالما تنتفع به **** فصحبة أهل الخير ترجى وتطلب

وإياك والفساد لا تصحبنّهم ***** فصحبتهم تعدي وذاك مجرب

واحذر مؤاخاة الدنيء فإنه **** يعدي كما يعدي الصحيح الأجرب

واختر صديقك واصطفيه تفاخرا **** إن القرين إلى المقارن ينسب

    ومما ينفع في هذا الباب بعض القصص التربوي في آثار الصحبة، ولا ضير من حكاية قصص واقعي مما يراه الطفل ليتعظ "إذ السعيد من وُعِظَ بغيره، والشقي من وُعِظَ بنفسه".

   وهذه مجموعة من أصناف الناس التي يبغي أن يحذر الولد من مخالطتهم:

1-تحذير الولد من مصاحبة أولاد الكفار والمبتدعة، إذ الأولاد على دين آبائهم، وذلك حفاظا على عقيدة الولد من الانحراف.

2-تحذيره من مصاحبة الفساق التاركين للصلاة وأهل السرقة وأهل التدخين، لأنه بمخالطتهم يتعلم الفسق والخروج عن الطاعة، وكم من مدخن كانت السجارة الأولى التي تناولها في حياته من يد صديق، وكم ممن وقعت في شراك اتخاذ الأخذان ومصاحبة الذكران بسبب الصديقة الفاسقة.

3-تحذيره من مخالطة البطالين الذين تركوا المدرسة، لأنه بمخالطتهم يتأثر بهم ويؤدي به ذلك إلى ترك الدراسة . قال ابن الجوزي:«ما رأيت أكثر أذى للمؤمن من مخالطة من لا يصلح، فإن الطبع يسرق فإن لم يَتشبَّه بهم ولم يسرق منهم: فَتَرَ عن عمله»([3]).

4-تحذيره من مخالطة من يكبره في السن بفارق كبير، فالسلف كانوا ينهون عن ذلك لما فيها من فساد وإفساد، بل كانوا يتهمون من يكثر من مخالطة المردان.

5-تحذيره من مخالطة الجنس الآخر، لما في ذلك من فساد للأخلاق وإفساد للطبائع وللشخصية كترجل بالبنت وتخنث الابن وميوعته.

   كما نُحذر الولد من مخالطة  أهل الأوصاف السيئة نَحثه على مخالطة أهل الخير الذين من صفاتهم الإيمان بالله والاستقامة على شرعه، وبر الوالدين، والعقل والصدق والوفاء والحياء والنصيحة والأمانة وكتمان للأسرار، حسن الخلق، والجد وعلو الهمة، وقد أمرنا الله تعالى بصحبة أهل الصدق والتقوى والحرص على مجالستهم، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة:119)، وقال: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) (الكهف: 28).

   وقد لا يكفي الآباء في هذا الزمن الاكتفاء بذكر الأوصاف والأصناف في الوصية والتحذير، بل الواجب عليهم في تعيين أعيان الأشخاص فيقال اصحب فلانا واجتنب علانا، ذلك أن الابن قد لا يقدر على اختيار الصاحب بنفسه وقد يعجز عن إيقاع معاني الوصية على واقعه، فلا بد للوالد أن يعيِّن لابنه الأصحاب الذين يصاحبهم ويخالطهم فيقول له مثلا إياك من الجلوس إلى ابن الجار الفلاني، وإذا أردت اللعب فلعب مع ابن الجار الفلاني.

كيف تؤثر الصحبة في السلوك

    ونبينا صلى الله عليه وسلم كما حذر من جليس السوء حثنا على الجليس الصالح فقال صلى الله عليه وسلم : «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً»([4])، فشبّه الجليس الصالح بحامل المسك، فإنك إذا جالسته يحصل لك منه واحدة من ثلاث إما أن يعطيك ويُهديَك أو تشترىَ منه، أو تشمَ منه رائحة طيبة تؤثر على نفسك وبدنك وثوبك.

    وشبّه صلى الله عليه وسلم الجليس السوء بنافخ الكير، وهو القائم بمهنة الحدّاد، فإما أن يتطاير عليك من شرر ناره فيُحرق ثيابك، أو تجدَ رائحة كريهة تصيبُ بدنك وثوبك، فجليس السوء يُلحق الضررَ بمن يجالسه لا محالة.

ولمجالسة الأشرار وجلساء السوء أضرار منها:

1-أنه قد يشكك جليسه في معتقداته الصحيحة ويصرفُه عنها، وهذا أبو طالب عم النبي e مات على الكفر بسبب جلسائه حين قالوا له: أترغب عن ملة عبد المطلب، فمات عليها.

2-وجليس السوء يدعو جليسه إلى مماثلته في اقتراف المحرمات والمنكرات يدعوه بلسان المقال ، أو بلسان الحال بالتأثر بالعادات السيئة والأخلاق الرديئة، لأن الصاحبُ ساحب، والمجالِسُ مُجانس .

3-ومخالطة جليس السوء تذكّر بالمعصية وتحمل عليها، وتجعل الولد يتعرف على من هو أكثر سوء منه من الأشرار

4-وجليس السوء لا ينصح صاحبه بما يصلحه ، بل ربما يضره بالاعتداء عليه وأخذ ماله.

وأما مجالسة الصالحين فلها ثمار طيبة، منها:

1- أن من يجالسهم تشمله بركة مَجالِسِهم، ويعمُّه الخيُر الحاصلُ لهم وإن لم يكن عمله بالغاً مبلغَهم، فهم القوم لا يشقى بهم جليسُهم.

2-ومنها التأثر بهم، لأن الإنسان إذا رأى قرينًا له يفوقه في عبادته أو زهده أو ثقافته أو سلوكه فإنه يتأثر به غالبًا ويتطلع إلى مشابهته وهذه طبيعة النفس البشرية.

3-ومنها تبصرته بعيوبه لإصلاحها، فالمؤمن مرآة أخيه، إن الجليس الصالح إذا رأى فيه ما لا يعجبه سدّده وقوّمه، وحاطه وحفظه في السر والعلانية، ربما يقوم الطفل نفسه بمجرد المقارنة بينه وبين زميله.

4-ومنها أن أهل الخير يدلونه على أمثالهم فينتفع بمعرفتهم.

5-والصالحون الذين صفتهم الوفاء أُنس في الرخاء، وعُدّة في الشدة والبلاء.

6- ومن ثمار مجالسة الصالحين تحقيق المحبة في الله تعالى الموجبة لمحبة الله تعالى، وقد قال عز وجل: «وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ»([5]).

ونختم هذا الموضوع بقول الشاعر :

لا تصحب أخا الجهل، ... وإياك وإياه

فكم من جاهل أردى ... حليماً، حين آخاه

وللشيء من الشيء ... مقاييس وأشباه

يقاس المرء بالمرء، ... إذا ما المرء ماشاه

والقلب على القلب ... دليلٌ، حين يلقاه

وذو العقل إذا أبصَر ...ما يخشى توقّاه

 



[1]/ .

[2]/ إحياء علوم الدين للغزالي (2/171).

[3]/ صيد الخاطر ().

[4]/ رواه البخاري (2101) ومسلم (2628).

[5]/ رواه مالك في الموطأ (1779).

تم قراءة المقال 3641 مرة