الخميس 11 جمادة الأول 1432

(22) الحقوق المادية للطفل : حقوق المولود إثر الولادة

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

المبحث الثاني : حقوق المولود إثر الولادة

   إن حقوق المولود كثيرة منها ما يكون قبل ولادته كما رأينا ، ومنها ما يكون إثر ولادته ، وفي الأيام الأولى منها ، وفي هذا المبحث حديث مختصر عن أهم هذه الحقوق .

المطلب الأول : الدعاء للمولود ورقيته

   من حقوق المولود المشروعة الدعاء له بالبركة والصلاح والحفظ من الشيطان، وكذا رقيته من العين ونحوها، من هذا الباب ما أثر عن عمر بن عبد العزيز أنه كان إذا ولد له مولود أذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى، كما أن لذلك فوائد أخرى بينها ابن القيم رحمه الله حين قال: « وسر التأذين والله أعلم أن يكون أول ما يقرع سمع الإنسان كلماته المتضمنة لكبرياء الرب وعظمته، والشهادة التي أول ما يدخل بها في الإسلام …وغير مستنكر وصول أثر التأذين إلى قلبه وتأثره به وإن لم يشعر، مع ما في ذلك من فائدة أخرى، وهي هروب الشيطان من كلمات الأذان، وهو كان يرصد حتى يولد فيقارنه للمحنة التي قدرها الله وشاءها فيسمع شيطانه ما يضعفه ويغيظه أول أوقات تعلقه به، وفيه معنى آخر وهو أن تكون دعوته إلى الله وإلى دينه الإسلام وإلى عبادته سابقة على دعوة الشيطان، كما كانت فطرة التي فطر الناس عليها سابقة على تغيير الشيطان لها ونقله عنها»([1]). وقد سبق أن رأينا أن الولد يتأثر بالقرآن وغيره وهو في بطن أمه فكيف بعد ولادته؟

  وقد ورد في هذا الباب حديث عن أَبِي رَافِعٍ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَذَّنَ فِي أُذُنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ حِينَ وَلَدَتْهُ فَاطِمَةُ بِالصَّلَاةِ ([2])، ولكنه حديث ضعيف لا يعول عليه.

 

(22) الحقوق المادية للطفل : حقوق المولود إثر الولادة

 

المطلب الثاني : التحنيك

   وبعد الرقية والدعاء يأتي التحنيك، وهو مضغ الشيء ووضعه في فم الصبي ودلك حنكه به (والحنك أعلى الفم وسقفه)، وقد نقل النووي الإجماع على استحبابه، وقد ورد فيه أحاديث منها حديث عَائِشَة:« أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ فَيُبَرِّكُ عَلَيْهِمْ وَيُحَنِّكُهُمْ » ([3])، وحديث أَسْمَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا حَمَلَتْ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَتْ فَخَرَجْتُ وَأَنَا مُتِمٌّ فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَنَزَلْتُ بِقُبَاءٍ فَوَلَدْتُهُ بِقُبَاءٍ ثُمَّ أَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَوَضَعْتُهُ فِي حَجْرِهِ ثُمَّ دَعَا بِتَمْرَةٍ فَمَضَغَهَا ثُمَّ تَفَلَ فِي فِيهِ فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ دَخَلَ جَوْفَهُ رِيقُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ حَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ ثُمَّ دَعَا لَهُ وَبَرَّكَ عَلَيْهِ وَكَانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ([4]).

    ومن مقتضى الإجماع الذي نقل النووي أن التحنيك ليس من خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم، بل يشرع لغيره فعله بلا خلاف، وقد روى أَنَسٍ عن أبي طلحة قال يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ وَلَدَتْ اللَّيْلَةَ فَكَرِهَتْ أَنْ تُحَنِّكَهُ حَتَّى يُحَنِّكَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ أَمَعَكَ شَيْءٌ قُلْتُ تَمَرَاتُ عَجْوَةٍ فَأَخَذَ بَعْضَهُنَّ فَمَضَغَهُنَّ ثُمَّ جَمَعَ بُزَاقَهُ فَأَوْجَرَهُ إِيَّاهُ فَجَعَلَ يَتَلَمَّظُ فَقَالَ حُبُّ الْأَنْصَارِ التَّمْرَ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ سَمِّهِ قَالَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ ([5]). وفي هذا الخبر دلالة على أن التحنيك سنة كان يفعله الصحابة بأولادهم ، إلا أنهم كانوا يختارون تحنيك النبي صلى الله عليه وسلم لبركة ريقه، وأولى من يحك الولد أمه أو أبوه، والأفضل أن يكون التحنيك بالتمر، فإن لم يجد فبأي شيء آخر يكون حلوا كالعسل ونحوه.

المطلب الثالث : التسمية

   ومن حقوق الولد التسمية، ويجوز أن يسميه أبوه أو أمه أو غيرهما، وعند التنازع فالتسمية من حق الأب لأنه ينسب إليه، وفي السنة ما يدل على تسميته يوم ولادته وإلى اليوم الثالث من ولادته وفي يوم سابعه قال الشيخ بكر بن عبد الله:«وهذا اختلاف تنوع يدل على أن في الأمر سعة والحمد لله رب العالمين»([6]).

   ويستحب تحسين الاسم بأن يدل على معنى جميل لا محذور شرعي فيه، فعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم غَيَّرَ اسْمَ عَاصِيَةَ وَقَالَ أَنْتِ جَمِيلَةُ([7])، وعن أُسَامَةَ بْنِ أَخْدَرِيٍّ أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ أَصْرَمُ كَانَ فِي النَّفَرِ الَّذِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا اسْمُكَ قَالَ أَنَا أَصْرَمُ قَالَ بَلْ أَنْتَ زُرْعَةُ([8])، وعن ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَبَاهُ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ مَا اسْمُكَ قَالَ حَزْنٌ قَالَ أَنْتَ سَهْلٌ قَالَ لَا أُغَيِّرُ اسْمًا سَمَّانِيهِ أَبِي قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ فَمَا زَالَتْ الْحُزُونَةُ فِينَا بَعْدُ ([9])، ومعنى الحزونة الصعوبة.

وفي الباب عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مرفوعا:" إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ فَأَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُمْ" وهو حديث ضعيف ([10]).

ويتعلق بالتسمية أحكام كثيرة نفردها في مبحث خاص.

المطلب الرابع : العقيقة

   ومن آداب الإسلام إظهار السرور بالوليد عن طريق العقيقة التي تذبح تكريماً له وشكراً لله -عز وجل- على نعمة الذرية، والعقيقة اسم للذبيحة التي تذبح عن المولود، ومنهم من أطلقها على حلق شعر المولود أيضا، وهي سنة مؤكدة وردت فيها أحاديث كثيرة منها قول النبي صلى الله عليه وسلم :«مَعَ الْغُلَامِ عَقِيقَةٌ فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا وَأَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى»([11])، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم :« الْغُلَامُ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ يُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ السَّابِعِ وَيُسَمَّى وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ»([12]). قال ابن القيم :« وقد جعل الله سبحانه النسيكة عن الولد سببا لفك رهانه من الشيطان الذي يعلق به من حين خروجه إلى الدنيا وطعن في خاصرته فكانت العقيقة فداء وتخليصا له من حبس الشيطان له وسجنه في أسره ومنعه له من سعيه في مصالح آخرته التي إليها معاده فكأنه محبوس لذبح الشيطان له بالسكين التي أعدها لأتباعه وأوليائه وأقسم لربه أنه ليستأصلن ذرية آدم إلا قليلا منهم فهو بالمرصاد للمولود من حين يخرج إلى الدنيا فحين يخرج يبتدره عدوه ويضمه إليه ويحرص على أن يجعله في قبضته وتحت أسره ومن جملة أوليائه وحزبه فهو أحرص شيء على هذا، وأكثر المولودين من أقطاعه وجنده كما قال تعالى: (وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ) (الإسراء:64) وقال: (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ) (سبأ:20) فكان المولود بصدد هذا الارتهان فشرع الله سبحانه للوالدين أن يفكا رهانه بذبح يكون فداه فإذا لم يذبح عنه بقي مرتهنا به»([13]).

  والسنة أن تكون العقيقة يوم السابع من ميلاده كما في حديث سمرة، فإن لم يعق عن الولد في اليوم السابع، لم تفت بفواته وقد استحب كثير من العلماء أن يكون ذلك في اليوم الرابع عشر أو اليوم الحادي والعشرين، وكلما عجلت كان أفضل.

   وتشرع في حق الذكر شاتان وفي حق الأنثى شاة واحدة لحديث عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَهُمْ عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ([14]). والمتكافئتين المتقاربتين في الجنس والسن، وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:« عَقَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بِكَبْشَيْنِ كَبْشَيْنِ »([15])، ومن لم يقدر على الشاتين أجزأته شاة واحدة. ويجزئ منها ما يجزئ للأضحية، فمن الضأن ما لا يقل عمرها عن ستة أشهر ومن المعز ما لا يقل عن سنة، وأن تكون سليمة من العيوب.

  ولا تشرع العقيقة عن النفس إلا على سبيل النيابة عن الأب في هذه العبادة المالية.

المطلب الخامس: حلق شعر المولود

ومن الأحكام حلق شعر المولود وهو أمر ثابت في السنة، والصواب عمومه للذكر والأنثى، واستحبه غير واحد من أهل العلم يوم سابعه، ووردت أحاديث ضعيفة يشد بعضها بعضا في أنه يتصدق بوزنه فضة منها ما روي بسند منقطع عن علي رضي الله عنه قال عَقَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْحَسَنِ بِشَاةٍ وَقَالَ يَا فَاطِمَةُ احْلِقِي رَأْسَهُ وَتَصَدَّقِي بِزِنَةِ شَعْرِهِ فِضَّةً قَالَ فَوَزَنَتْهُ فَكَانَ وَزْنُهُ دِرْهَمًا أَوْ بَعْضَ دِرْهَمٍ([16])، وحديث أَبِي رَافِعٍ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ لَمَّا وُلِدَ أَرَادَتْ أُمُّهُ فَاطِمَةُ أَنْ تَعُقَّ عَنْهُ بِكَبْشَيْنِ فَقَالَ لَا تَعُقِّي عَنْهُ وَلَكِنْ احْلِقِي شَعْرَ رَأْسِهِ ثُمَّ تَصَدَّقِي بِوَزْنِهِ مِنْ الْوَرِقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ وُلِدَ حُسَيْنٌ بَعْدَ ذَلِكَ فَصَنَعَتْ مِثْلَ ذَلِكَ([17])، وبه قال الإمام أحمد([18]).

   ولهذا الأمر فوائد جمة منها أن في إزالة شعر رأس المولود تقوية له، وفتحاً لمسام الرأس وتقوية كذلك لحاسة البصر والشم والسمع.

تنبيه :

   أما حديث :« سبعة من السنة في الصبي يوم السابع يسمى ويختن ويماط عنه الأذى وتثقب أذنه ويعق عنه ويحلق رأسه ويلطخ بدم عقيقته ويتصدق بوزن شعره ذهبا أو فضة» ([19])، فحديث منكر باطل لا يعول عليه في شيء من الأحكام أو الآداب، ووضع الدماء على رأس الصبي من فعل أهل الجاهلية ولأجل ذلك قد كرهه أكثر أهل العلم كمالك والشافعي وأحمد.

 



[1]/ تحفة المودود لابن القيم (48-49)(ت حلاق).

[2]/ رواه أبو داود (5105) والترمذي (1514) وهو حديث ضعيف وله شواهد أضعف منه فلا يتقوى بها.

[3]/ رواه البخاري (6355) ومسلم (286) واللفظ له .

[4]/ رواه البخاري (3909) ومسلم (2146).

[5]/ رواه أحمد (3/105) قال الأرناؤوط :« إسناده صحيح على شرط الشيخين ».

[6]/ تسمية المولود لبكر أبو زيد (28).

[7]/ رواه مسلم (2139).

[8]/ رواه أبو داود (4954) وصححه الألباني.

[9]/ رواه البخاري (6190).

[10]/ رواه أبو داود (4948) وضعفه الألباني.

[11]/ رواه البخاري (5471).

[12]/ رواه أبو داود (2837) والنسائي (4220) وابن ماجة (3165) والترمذي (1522) وصححه واللفظ له .

[13]/ تحفة المودود (51-52) .

[14]/ رواه الترمذي (1513) وصححه واللفظ له، وله شاهد صحيح عند أهل السنن عن أم كرز.

[15]/ رواه النسائي (4219) وصححه الألباني.

[16]/ رواه الترمذي (1519) وقال :« حديث حسن غريب وإسناده ليس بمتصل».

[17]/ رواه أحمد (6/392) وفي إسناده عبد الله بن محمد بن عقيل وهو ضعيف.

[18]/ تحفة المودود لابن القيم (112).

[19]/ .

تم قراءة المقال 3786 مرة