الأحد 9 شعبان 1432

(24) الحقوق المادية للطفل : حق التغذية

كتبه 
قيم الموضوع
(17 أصوات)

المبحث الرابع : حق التغذية

  من أهم حقوق الطفل المادية حق التغذية والإطعام، وهو من الحقوق الظاهرة البينة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ»([1])، أي كفى المرء إثما تضييعه لمن يلزمه قوته، سواء كان ذلك بأن يترك التسبب في طلب الرزق لهم، أو بأن يكون ذا مال فيشح عليهم ويقتر، أو بأن ينفق ويتصدق على الأبعدين ويترك الأقربين ممن تلزمه النفقة عليهم.

 

(24) الحقوق المادية للطفل : حق التغذية

المطلب الأول : من يجب عليه إطعام الولد

وحق تغذية الولد من الحقوق الواجبة على الأب، لقوله تعالى : (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) وفي حالة وفاة الأب ينتقل الوجوب إلى الأقارب الذين يرثون هذا الولد، لقوله تعالى ( وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ) .

وقد بين الفقهاء أن وجوب النفقة على الأقارب معلق بأربعة شروط:

-قدرة المنفق .

-وحاجة المنفق عليه.

-واتفاق الدين.

-وأن يكون المنفق وارثا للمنفق عليه، لقوله تعالى : (وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ) إلا الأصول والفروع فلا يشترط فيها الشرط الأخير، فتجب النفقة على الجد ولو كنت محجوبا بالأعمام، وتجب النفقة على الأحفاد ولو كانوا محجوبين بالأبناء.

ومما ورد في باب الحث على إطعام الأولاد قول النبي صلى الله عليه وسلم :« مَنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ فَصَبَرَ عَلَيْهِنَّ وَأَطْعَمَهُنَّ وَسَقَاهُنَّ وَكَسَاهُنَّ مِنْ جِدَتِهِ كُنَّ لَهُ حِجَابًا مِنْ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»([2])، وقَوله صلى الله عليه وسلم:« مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ وَضَمَّ أَصَابِعَهُ»([3]). وعال رجل عياله يعولهم إذ قام بما يحتاجون إليه من طعام وكسوة وغيره، وقال النووي:« معنى عالهما قام عليهما بالمؤنة والتربية ونحوهما».

المطلب الثاني : حق الرضاع

ومما يتعلق بحق التغذية أيضا حق الرضاع من الأم أو غيرها، كما قال تعالى: (وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى) (الطلاق:6)، ونفقة الرضاع على والده، قال تعالى : (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ) (البقرة:233)

فدلت الآية الكريمة على عدة أحكام منها:

1-أن تمام الرضاع حولين وذلك حق للولد إذا احتاج إليه ولم يستغن عنه، وأكدهما بكاملين لئلا يحمل اللفظ على حول وأكثر. وقد كشف الطب الحديث أن الطفل الذي أرضعته أمه أقوى بنية وأكثر سلامة من الطفل الذي أُرضع الحليب الصناعي.

2-أن الأبوين إذا أرادا فطامه قبل ذلك بتراضيهما وتشاورهما مع عدم مضرة الطفل فلهما ذلك.

3-أن الأب إذا أراد أن يسترضع لولده مرضعة أخرى غير أمه فله ذلك وإن كرهت الأم، إلا أن يكون مضارا بها أو بولدها فلا يجاب إلى ذلك، ويجوز أن تستمر الأم على رضاعه بعد الحولين إلى نصف الثالث أو أكثر ([4]).

المطلب الثالث : نصائح طبية متعلقة بالتغذية

ولا بد للآباء والأمهات أن يولوا أولادهم عناية خاصة فيما يقدمون لهم من طعام خاصة في الأشهر الأولى من الولادة ، وهذه بعض النصائح الطبية المتعلقة بحق الرضاع وأثره على صحة الولد ننقلها من كلام ابن القيم رحمه الله:

-ينبغي أن يكون رضاع المولود بعد وضعه يومين أو ثلاثة من غير أمه لما في لبنها ذلك الوقت من الغلظ والأخلاط بخلاف لبن غيرها .

-ينبغي أن يقتصر بهم على اللبن وحده إلى نبات أسنانهم لضعف معدتهم وقوتهم الهاضمة عن الطعام، فإذا نبتت أسنانه قويت معدته وتغذى بالطعام، فإن الله سبحانه أخر إنباتها إلى وقت حاجته إلى الطعام لحكمته ولطفه ورحمة منه بالأم وحلمة ثديها فلا يعضه الولد بأسنانه.

-ينبغي تدريجهم في الغذاء، فأول ما يطعمونهم الغذاء اللين كالخبز المنقوع في الماء الحار، ثم بعد ذلك الطبيخ والأمراق الخالية من اللحم، ثم بعد ذلك ما لطف جدا من اللحم بعد إحكام مضغه أو رضه رضا ناعما.

-ينبغي للمرضع إذا أرادت فطامه أن تفطمه على التدريج ولا تفاجئه بالفطام وهلة واحدة، بل تعوده إياه وتمرنه عليه لمضرة الانتقال عن الإلف والعادة مرة واحدة.

-ومن سوء التدبير للأطفال أن يمكنوا من الامتلاء من الطعام وكثرة الأكل والشرب، ومن أنفع التدبير لهم أن يعطوا دون شبعهم ليجود هضمهم، وتعتدل أخلاطهم وتقل الفضول في أبدانهم وتصح أجسادهم وتقل أمراضهم لقلة الفضلات في المواد الغذائية.

المطلب الرابع : تجنب الحرام

إن من حق أن الولد على والده أن يطعمه، ومن حقه عليه أن يطعمه الحلال وأن يجنبه الحرام ، وما فيه شبهة من الطعام ومن المال، ومن واجب الوالد أن يتخير العمل الحلال الذي يدر عليه بالمال الحلال، وقد ورد الوعيد في أكل الحرام: في الحديث :« يا كعب بن عجرة إنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت » ([5]). وفي لفظ:« يَا كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ إِنَّهُ لَا يَرْبُو لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ إِلَّا كَانَتْ النَّارُ أَوْلَى بِهِ» ([6]).

قال ابن تيمية:« وذلك لأن الطعام يخالط البدن ويمازجه وينبت منه فيصير مادة وعنصرا له، فإذا كان خبيثا صار البدن خبيثا فيستوجب النار، ولهذا قال النبي كل جسم نبت من سحت فالنار أولى به، والجنة طيبة لا يدخلها إلا طيب وأما ما يماس البدن ويباشره فيؤثر أيضا في البدن من ظاهر كتأثير الأخباث في أبداننا وفي ثيابنا المتصلة بأبداننا لكن تأثيرها دون تأثير المخالط الممازج »([7]).

فلابد من التحرز من أكل المحرمات كالميتة وكل لحم يشك في تذكيته، ولحم الخنزير وكل مادة مصنعة فيها شيء من لحم الخنزير، ومن الخمر وكل مادة كحولية، ولا نحتاج إلى الحديث عن المال المحرم لذاته؛ كمال القمار والربا والسرقة وأرباح بيع المحرمات كالخمر والدخان وأشرطة الأغاني والمخدرات، وإنما ننبه المسلمين إلى تجنب المعاملات التي فيها إعانة على المنكر؛ لما في ذلك من الإثم المورث لشبهة في المال المكتسب.

وإنَّ نفقة الرجل على أهله وهو يحتسبها تكتب له صدقة إذ كانت من الحلال، أما إذا لم تكن من الحلال فهو يأثم في اكتسابها ولا أجر له في انفاقها، قال صلى الله عليه وسلم :«إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك، ومن جمع مالا حراما ثم تصدق به لم يكن له فيه أجر وإن إصره عليه »([8]).

فعلى المسلم أن يطيب مطعمه ومطعم أولاده ومال صدقته وإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا ، وإن أكل الحرام يقطع العبد عن الله تعالى ويقسي قلبه ويجعل دعاءه غير مستجاب ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَقَالَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ»([9]).

 



[1]/ رواه أبو داود (1692).

[2]/ رواه ابن ماجة (3659) وصححه الألباني .

[3]/ رواه مسلم (4756).

[4]/ انظر تحفة المودود (230-237).

[5]/ رواه ابن حبان (1723).

[6]/ رواه الترمذي (614) صححه الألباني.

[7]/ مجموع الفتاوى (21/541).

[8]/ رواه ابن خزيمة (2471) وابن حبان (3216) وحسنه والألباني في صحيح الترغيب (1719).

[9]/ رواه مسلم (1015).

 


 

[1]/ رواه أبو داود (1692).

[2]/ رواه ابن ماجة (3659) وصححه الألباني .

[3]/ رواه مسلم (4756).

[4]/ انظر تحفة المودود (230-237).

[5]/ رواه ابن حبان (1723).

[6]/ رواه الترمذي (614) صححه الألباني.

[7]/ مجموع الفتاوى (21/541).

[8]/ رواه ابن خزيمة (2471) وابن حبان (3216) وحسنه والألباني في صحيح الترغيب (1719).

[9]/ رواه مسلم (1015).

تم قراءة المقال 6559 مرة