الاثنين 25 ذو الحجة 1432

(26) الحقوق المادية للطفل : حق الكسوة

كتبه 
قيم الموضوع
(1 تصويت)

المبحث السادس : حق الكسوة

    من حقوق الطفل الواجبة على الآباء حق الكسوة، وقد قال تعالى : (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) (البقرة:233)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:« مَنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ فَصَبَرَ عَلَيْهِنَّ وَأَطْعَمَهُنَّ وَسَقَاهُنَّ وَكَسَاهُنَّ مِنْ جِدَتِهِ كُنَّ لَهُ حِجَابًا مِنْ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»([1]). وللباس الأثر البالغ في تكوين شخصية الطفل ونفسيته، بل وفي توجيه أخلاقه وعقيدته، لذلك ينبغي يُولى من المربين عناية خاصة وأن تراعى فيه الضوابط الشرعية.

 

(26) الحقوق المادية للطفل : حق الكسوة

 

    ولا ينبغي أن يُنكر تأثير اللباس على الأخلاق فإن هذا أمر دلت عليه التجربة والمشاهدة، فالإنسان يتأثر بنوع لباسه كما يتأثر بمحيطه والناس الذين يصاحبهم، وكما يتأثر بالحيوانات التي يكثر من مخالطتها، وقد نبَّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا التأثير في قوله :« أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً وَأَلْيَنُ قُلُوبًا الْإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَصْحَابِ الْإِبِلِ وَالسَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ»([2])، وإذا كان الإنسان يتأثر بالحيوانات فمن باب أولى أن يتأثر بالإنسان وبكل ما يحيطه به من آلات وجمادات ، خاصة إذا كان ميالا إليها ومعجبا بها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية:« إن المشاركة في الهدى الظاهر تورث تناسبا وتشاكلا بين المتشابهين، يقود إلى الموافقة في الأخلاق والأعمال، وهذا أمر محسوس، فإن اللابس لثياب أهل العلم مثلا يجد من نفسه نوع انضمام إليهم، واللابس لثياب الجند المقاتلة مثلا يجد في نفسه نوع تخلق بأخلاقهم، ويصير طبعه مقتضيا لذلك، إلا أن يمنعه من ذلك مانع»([3]).

وفيما يأتي شرح لأهم الضوابط الشرعية التي ينبغي أن نراعيها فيما نلبسه أولادنا .

المطلب الأول : ستر العورة

    أوَّل الضوابط الشرعية للباس أن يكون ساترا لكل العورة، وينبغي أن نعلم أن ستر عورة الأولاد واجب قبل سن البلوغ، وللفقهاء في تحديد عورة الصبيان تفاصيل واختلافات كثيرة، متى تكون الفرجان؟ ومتى تكون ما بين السرة والركبة؟ ومتى تصبح كعورة البالغين؟ ومن أسباب اختلافهم أن منهم من علقها بالتمييز، ومنهم من علقها بالاشتهاء والافتتان، ومنهم من حدد على ضوء ذلك أسنانا محددة ومنهم من أطلق ، والأرجح في التعليل تعليقها بالاشتهاء من غير تحديد لسن معين لأن نمو أجسام الأطفال وكمالهم مختلف .

   ولهذا قال الحنفية والشافعية عورة الصبية كعورة البالغة إذا صارت يشتهى مثلها من غير تحديد لسن معين أو اشتراط للبلوغ، بينما قال الحنابلة إذا بلغت سن السابعة تصبح عورتها مع محارمها من السرة إلى الركبة ومع الأجانب كعورة البالغة مع المحارم.

   وكذلك عورة الصبي عند بعض الحنفية تصبح كعورة البالغ في سن السابعة وعند الحنابلة في سن العاشرة، ومن الحنفية من سوى بين الجنسين وقال: عورة الصبي والصبية ما داما لم يشتهيا القبل والدبر، ثم تتغلظ بعد ذلك إلى أن تكون تكون كعورة البالغين على أن لا يتجاوزا سن العاشرة لأنه سن يمكن فيه البلوغ([4]).

   وإنَّ من واجب الآباء أن يربوا أولادهم على الحياء، الذي هو أصل كل خير ومعدنه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: « وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ »([5])، وقال صلى الله عليه وسلم:« إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» ([6]). ومن أظهر الأشياء المورثة لهذا الخلق تربيتهم على التستر، ستر العورة وغيرها. وقد قال صلى الله عليه وسلم:« احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ فَقَالَ الرَّجُلُ يَكُونُ مَعَ الرَّجُلِ قَالَ إِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَرَاهَا أَحَدٌ فَافْعَلْ فقيل له: وَالرَّجُلُ يَكُونُ خَالِيًا قَالَ :«فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ»([7]).

  وإن هذا الستر المأمور به من مقاصد خلق المولى عز وجل للباس، قال تعالى : (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) (الأعراف:26).

   وإن التربية على الحياء من الأمور التي تحصل بالإلف والعادة ولا تحصل دفعة واحدة، فعلينا أن نُعوِّد أولادنا على الستر، وأن نُجنبهم التعري ولو كانوا صبيانا لا يعقلون، ذكورا كانوا أو إناثا، ولقد رأينا كثيرا من الشباب المتعري في الطرقات قد ألف ذلك منذ صغره؛ فصار لا يرى حرجا أن يكشف عن صدره وظهره، وربما عن فخذه أيضا، وكذلك كثير من البنات لا يعرفن الحجاب ولا اللباس المُحتشم؛ لأنَّهن اعتدن ذلك منذ صغرهن، فعسر على آبائهن إقامتهن بعد طول اعوجاجهن.

   وعورة الأنثى كل جسمها عدا الوجه والكفين، قال تعالى: (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) (النور:31)، والذي ظهر هو ما في الوجه والكفين على أظهر قولي العلماء وهو قول ابن عباس وغيره وهو مستثنى من حديث:« المرأة عورة »([8])، ومن كمال السترة أن تستر كل جسمها فلا تظهر وجهها أيضا للأجانب.

   وعورة الذكر من السرة والركبة، وقد جاء في الحديث :« إن الفخذ عورة»([9])، ومن كمال السترة أن يستر أعلى جسمه أيضا ظهره وصدره ورجليه إلى أنصاف الساقين، لأن كشف ذلك مخالف للأدب ومكارم الأخلاق، وقد جعل العلماء هذا الصنيع من خوارم المروءة، أي أن فاعله في حكم الفاسق لا تقبل شهادته في القضاء. وكذلك في الصلاة يعد كشف الصدر والظهر مكروها، وقد قال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) (الأعراف: 31) ومن مقتضى التزين أن لا يكشف أعلى بدنه، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم قال :« لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ»([10])، وتغطية الرأس زيادة في الكمال، وقد عدَّ كثير من العلماء كشف الرأس أيضا من خوارم المروءة.

المطلب الثاني: الوقاية من الحر والبرد

   إن من مقاصد اللباس حماية الجسم ووقايته من الحر والبرد، قال تعالى : (وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) (النحل:81) وعَنْ جَابِرٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ فِي غَزْوَةٍ غَزَوْنَاهَا:« اسْتَكْثِرُوا مِنْ النِّعَالِ فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ رَاكِبًا مَا انْتَعَلَ»([11]). وسأل وهيب بن الورد عالما: ما الطعام الذي لا سرف فيه؟ قال: ما سد جوعتك، فقال له في اللباس، قال:« ما ستر عورتك ووقاك من البرد».

   وهذا يدخل أيضا في معنى الرعاية الصحية الواجبة، لأن إهمال هذا الضابط يؤدي إلى إصابة الولد بالأمراض المهلكة، بسبب لفحات الشمس أو البرد القارس أو ترك الانتعال على الدوام.

المطلب الثالث : تخصيص كل جنس بلباسه

   ومما هو واجب على الآباء مراعاته في باب اللباس تخصيص كل جنس بلباسه، فلا تكسى البنت لباس الذكور ولا الذكر لباس الإناث، وعليهم أن يَمنعوا تبادل الثياب بينهم، وهذا كثيرا ما يقع في حال الصغر، بسبب الحاجة الطارئة أو على سبيل التهاون بالأمر، أو على سبيل السخرية حيث يُلبَس الابن لباس البنات والبنت لباس الابن ليضحك منهم ولا هذا أمر لا يجوز، قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم :« لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الرَّجُلَ يَلْبَسُ لِبْسَةَ الْمَرْأَةِ وَالْمَرْأَةَ تَلْبَسُ لِبْسَةَ الرَّجُلِ»([12])، وإن مِن عِلل هذا النهي الشديد أن للباس تأثيرا واضحا في الطباع فهو يؤدي إلى تخنث الرجل وترجل المرأة وكلا الأمرين معدود من الكبائر، وقد لَعَنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمُخَنَّثِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالْمُتَرَجِّلَاتِ مِنْ النِّسَاءِ([13]). ولا يختص هذا التشبه بأمر اللباس ما دام قد علم سببه بل هو عام لكل تشبه سواء كان في اللباس أو الكلام أو الحركة أو المظهر وكل ما يعتبر مخالفًا لما طبع الله تعالى عليه كلاً منهما، ومعنى التخنث في الحديث التشبه بالنساء، ومعناه في اللغة التكسر والتثني. 

  ومن واجب المربي أن يحفظ للولد الذكر رجولته وللأنثى أنوثتها، وهذا من الحفاظ على الفطرة التي فطر الناس عليها، وكل تغير يطرأ على هذه الفطرة فالأبوان هما المسؤولان عنه، قال صلى الله عليه وسلم:« مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»([14]).

المطلب الرابع: اجتناب الحرير ونحوه بالنسبة للذكور

   ومما يدخل في المعنى الأخير، إلباس الذكور اللباس الخشن، وتجنيهم الحرير والألبسة الرخوة، قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم:« حُرِّمَ لِبَاسُ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي وَأُحِلَّ لِإِنَاثِهِمْ » ([15])، قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم :« مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا فَلَنْ يَلْبَسَهُ فِي الْآخِرَةِ » ([16]). ومن العلل التي ذكر العلماء لهذا النهي تأنيث طباع الرجال وأخلاقهم، ولم يحرم الحرير على النساء لأنه يناسبهن.

   وعن أبي عثمان النهدي قال أتانا كتاب عمر بن الخطاب ونحن بأذربيجان مع عتبة بن فرقد:« أما بعد فائتزوا وارتدوا وانتعلوا، وألقوا الخفاف وألقوا السراويلات، وعليكم بالشمس فإنها حمام العرب، وعليكم بلباس أبيكم إسماعيل، وإياكم والتنعم وزي العجم وتمعددوا واخشوشنوا واخلولقوا واقطعوا الركب وانزوا نزوا وارموا الأغراض وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الحرير إلا هكذا وهكذا وأشار بإصبعه السبابة والوسطى قال فما علمنا أنه يعني الأعلام» ([17]).

   ومحل الشاهد من هذا الأثر :« وإياكم والتنعم وزيَّ العجم وتَمعددوا واخشوشنوا » وفي رواية « فإن النعم لا تدوم » فمن تعود على شيء من الخشونة في عيشه كان في ذلك إعداد له لما تُخبئه له الأيام من محن وشدائد، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم :« إِنَّ الْبَذَاذَةَ مِنْ الْإِيمَانِ»([18])، وليس المقصود بالحديث ترك النظافة وإنما المقصود عدم المبالغة في تحسين المظهر إلى درجة الترف أو مشابهة النساء، وقد قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً فقَالَ:« إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ»([19]).

   ومن المعاني الواردة في هذا المعنى نهي الرجال عن التمشط كل يوم، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ:« نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ التَّرَجُّلِ إِلَّا غِبًّا»([20]).

المطلب الخامس : اجتناب لباس الفخر والشهرة

   ومن الضوابط التي ينبغي على الآباء مراعاتها تجنيب الأولاد لباس الفخر والخيلاء، لما له من أثر على أخلاقهم، وكذا لغلاء ثمنه ودخول اقتنائه في معنى الإسراف والتبذير، وينبغي أن يجنبهم لباس الشهرة وهو كل لباس يتميزون به عن غيرهم من الأولاد، وقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:« مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ فِي الدُّنْيَا أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ أَلْهَبَ فِيهِ نَارًا»([21])، وقد قَالَ صلى الله عليه وسلم:« لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا»([22]).

   وإن اللباس المتواضع يورث لابسه التواضع، واللباس الفاخر يورث صاحبه الفخر والخيلاء، كما أن اللباس المتواضع دليل على تواضع لابسه، واللباس الفاخر دليل على تفاخر لابسه.

   ومما يدخل في هذا المعنى أيضا نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسبال وهو إطالة أطراف الثياب، فعن جَابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ صلى الله عليه وسلم :« ارْفَعْ إِزَارَكَ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ فَإِنْ أَبَيْتَ فَإِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الْإِزَارِ فَإِنَّهَا مِنْ الْمَخِيلَةِ وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمَخِيلَةَ»([23])، قَالَ صلى الله عليه وسلم :« مَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ مِنْ الْإِزَارِ فَفِي النَّارِ»([24]). وهذا أمر جهله كثير من الناس في زماننا وتساهل فيه آخرون، وربما استحيى منه الكثيرون واستغربوه وعيروا فاعله وزجروه، وإننا لنعجب ممن ينكر على الرجل أن يرفع ثوبه فوق الكعبين ولا ينكر على المرأة أن ترفع ثوبها إلى فوق الركبتين، ومِمن يرفض الأمر ويهزأ به مع أن الذي جاء به هو سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، ثم هو يقبل ما ورد إلينا من ألسبة وعوائد أهل الكفر ويسميه "موضة" أو غير ذلك من التسميات، ولا عجب أن يصدر هذا من المرتدين عن الإسلام من شيوعيين وعلمانيين، ولكن العجب أن يصدر من المسلمين وممن يحسبون من الدعاة إلى الإسلام!!

المطلب السادس : اجتناب لباس الكفار

   ومن المقاصد المعتبرة في اللباس مخالفة اللباس الخاص بالكفار (وهو اللباس الذي يدل عليهم) لأن ذلك يدعو إلى محبتهم واتباعهم، وفي وهذا المضمار جاء كلام ابن تيمية السابق:« إن المشاركة في الهدى الظاهر تورث تناسبا وتشاكلا بين المتشابهين، يقود إلى الموافقة في الأخلاق والأعمال، وهذا أمر محسوس»([25])، وقال عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرِو رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ فَقَالَ إِنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ فَلَا تَلْبَسْهَا ([26]).

   وعن أبي أُمَامَةَ قال خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى مَشْيَخَةٍ مِنْ الْأَنْصَارٍ بِيضٌ لِحَاهُمْ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ حَمِّرُوا وَصَفِّرُوا وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَتَسَرْوَلَونَ وَلَا يَأْتَزِرُونَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَسَرْوَلُوا وَائْتَزِرُوا وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَتَخَفَّفُونَ وَلَا يَنْتَعِلُونَ قَالَ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَتَخَفَّفُوا وَانْتَعِلُوا وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ، (فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَقُصُّونَ عَثَانِينَهُمْ وَيُوَفِّرُونَ سِبَالَهُمْ قَالَ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قُصُّوا سِبَالَكُمْ وَوَفِّرُوا عَثَانِينَكُمْ وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ) ([27]).

   ويشتد التحريم هنا إذا كان اللباس ضيقا أو غير ساتر للعورة، وإذا كان فيه أعلام الدول الكافرة أو الصلبان، وإن كثيرا من أعلام الدول الغربية والأندية الرياضية تحمل الصليب الذي هو رمز الكفر وعنوانه ، فلا ينبغي التغافل عن ذلك سواء كان اللابس لهذه الألبسة كبيرا أو صغيرا.

المطلب السابع : اجتناب اللباس الذي فيه تصاوير

   ومما ينبغي أن يتنبه له الآباء تجنيب الأولاد اللباس الذي فيه التصاوير من ذات الأرواح، قالت عائشة قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ سَفَرٍ وَقَدْ سَتَرْتُ بِقِرَامٍ لِي عَلَى سَهْوَةٍ لِي فِيهَا تَمَاثِيلُ فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هَتَكَهُ وَقَالَ أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ قَالَتْ فَجَعَلْنَاهُ وِسَادَةً أَوْ وِسَادَتَيْنِ([28]). وقد ورد في معنى هذا الحديث أحاديث كثيرة.

   أما حديث :« إِلَّا رَقْمًا فِي ثَوْبٍ »([29])، فمحمول عند بعض أهل العلم على غير ذات الأرواح، كما قال النووي :« يجمع بين الأحاديث بأن المراد باستثناء الرقم في الثوب ما كانت الصورة فيه من غير ذوات الأرواح كصورة الشجر ونحوها. وقال ابن العربي: حاصل ما في اتخاذ الصور أنها إن كانت ذات أجسام حرم بالإجماع, وإن كانت رقما فأربعة أقوال، الأول : يجوز مطلقا على ظاهر قوله في حديث الباب إلا رقما في ثوب, الثاني: المنع مطلقا حتى الرقم, الثالث : إن كانت الصورة باقية الهيئة قائمة الشكل حرم وإن قطعت الرأس أو تفرقت الأجزاء جاز, قال وهذا هو الأصح, الرابع: إن كان مما يمتهن جاز وإن كان معلقا لم يجز»([30]). والأحوط اجتناب ذلك كله والعلم عند الله تعالى.

 

 



[1]/ رواه ابن ماجة (3659) وصححه الألباني .

[2]/ رواه البخاري (4388) واللفظ له ومسلم (52).

[3]/ اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية (11).

[4]/ ().

[5]/ رواه البخاري (9) ومسلم (35).

[6]/ رواه البخاري (3484).

[7]/ رواه أبو داود (4017) والترمذي (2769) وابن ماجة (1920) وحسنه الألباني.

[8]/ رواه الترمذي (1173) وصححه ابن حبان (5599) وجاء في الحديث :« إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا بَلَغَتْ الْمَحِيضَ لَمْ تَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إِلَّا هَذَا وَهَذَا وَأَشَارَ إِلَى وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ » رواه أبو داود (4104) وصححه الألباني وضعفه غيره.

[9]/ رواه أبو داود (4014) والترمذي (2795) وصححه الألباني بشواهده.

[10]/ رواه البخاري (359) ومسلم (516).

[11]/ رواه مسلم (2096).

[12]/ رواه أبو داود (4098) وصححه الألباني.

[13]/ رواه البخاري (5886).

[14]/ رواه البخاري (1270) ومسلم (4803).

[15]/ رواه الترمذي (1720) وصححه.

[16]/ رواه البخاري (5832) ومسلم (2073).

[17]/ رواه أحمد (1/43) وابن الجعد (995) واللفظ له وصححه ابن حبان (5454).

[18]/ رواه أبو داود (4161) وابن ماجة (4118) وصححه الألباني.

[19]/ رواه مسلم (91).

[20]/ رواه أبو داود (4159) والنسائي (5055) والترمذي (1756) وصححه.

[21]/ رواه أبو داود (4029) وابن ماجة (3606) وحسنه الألباني.

[22]/ رواه البخاري (5788) ومسلم (2087).

[23]/ رواه أبو داود (4084) وصححه ابن حبان (521).

[24]/ رواه البخاري (5787).

[25]/ اقتضاء الصراط المستقيم (11).

[26]/ رواه مسلم (2077).

[27]/ رواه أحمد (5/264) وحسنه الألباني في الصحيحة (1245).

[28]/ رواه البخاري (5954) ومسلم (2107).

[29]/ رواه البخاري (5958) ومسلم (2106).

[30]/ ().

تم قراءة المقال 3802 مرة