الاثنين 10 ذو الحجة 1434

(29) التربية العقائدية :محاور التربية العفائدية وأهدافها

كتبه 
قيم الموضوع
(2 أصوات)

الفصل الرابع : التربية العقدية

   في هذا الفصل نتطرق إلى أهم موضوع في التربية الإسلامية من حيث مضمونها، وهو التربية العقائدية، لأنه من خلالها يرسم منهاج الولد في الحياة، وبفضلها يقوم سلوكه وأخلاقه، وبحسب تحققها تكون سعادته في الدنيا وفلاحه في الآخرة، وقد حمل النبي صلى الله عليه وسلمالآباء صراحة مسؤولية هذه التربية فقال:« مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»([1])، بل نص القرآن قبل ذلك يشير إلى هذا إذا قال عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) (التحريم:6)، فعلى الآباء أن يقوموا بواجب هذه الوقاية أحسن قيام وأن يورثوا أولادهم الإسلام الصحيح المبني على العقائد التي جاء بها القرآن والسنة، وأن يحذروا من الاكتفاء بما يسمى الإسلام الوراثي الذي لا يحمى الولد من الانحراف ولا يقيه من فقدان هويته.

(29) التربية العقائدية :محاور التربية العفائدية وأهدافها

المبحث الأول : محاور التربية العقائدية وأهدافها

إن مباحث العقيدة الإسلامية كثيرة جدا وواسعة، والواجب على الآباء أن يلقنوا أولادهم أصولها التي بها يثبت إسلامهم ويتقوم سلوكهم ويتعزز شعورهم بالانتماء إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي مقدمة تلك الأصول التي تندرج في هذا المعنى:

1-تلقين الأولاد أركان الإيمان الستة، الإيمان بالله تعالى والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وأقل شيء يمكن الوالدين تقديمه للأولاد قبل سن التمييز هو تحفيظ هذه الأركان مرتبة كما وردت في حديث جبريل عليه السلام، ثم يتدرج في توضيحها على النحو الذي سنشرحه فيما يأتي من مباحث.

2-وكذا تلقين الأولاد منذ نعومة أظفارهم أن الله تعالى هو الذي خلقنا وأسكننا الأرض لنعبده وحده، وأنه لا يرضى أن يشرك به شيء من الأحجار أو الأشجار أو الملائكة والأنبياء.

3-وأيضا تربية الأولاد على تعظيم الدين وشعائره ومظاهره (كالمساجد والصلاة والآذان والصوم والحج والرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة ) وتحذيرهم من ازدرائها واحتقارها وعدم المبالاة بها .

4-ومن تلك الأصول ترسيخ الإيمان باليوم الآخر في نفوسهم وتعظيمه، وربط الجزاء فيه بالأعمال التي يكسبها العبد في الدنيا، فمن كان محسنا فله الجنة ومن كان مسيئا فله النار.

5-والتأكيد على رقابة الله تعالى للعباد وأنه يراهم ويسمعهم ولا يغيب عنه شيء من أحوالهم، وأنه قد سخر ملائكة لكتابة الحسنات والسيئات .

6-وأيضا تربية الأولاد على محبة النبي صلى الله عليه وسلم ومحبة آله وأزواجه وأصحابه أجمعين دون غلو فيهم ولا إجحاف.

7-وتعليمهم أن الإيمان الواجب لا يكمل إلا بالأعمال الصالحة وأنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.

8-وتعليهم أيضا أحكام الدعاء والاستغاثة والاستعاذة والذبح والنذر ليخلصوها لله تعالى، ليتجنبوا مظاهر الشرك المرتبطة بهذه العبادات.

9-ولا بد تحذيرهم من نواقض الإسلام كسب الله تعالى أو دينه أو رسوله والاستهزاء بشيء من ذلك، والسحر والكهانة والتكذيب للقرآن أو لآية منه ، والرد لأحكام الله تعالى أو لواحد منها ونحوها.

   وسنفصل الكلام في أكثر هذه المحاور في مباحث لاحقة بإذن الله تعالى.

   ولتتجلى لنا أهمية التربية العقائدية نذكر أهم الأهداف التي تحققها العقيدة الإسلامية وغاياتها النبيلة .

أولا : إخلاص النية والعبادة لله تعالى وحده، لأنه الحالق لا شريك له، ولأنه مالك يوم الدين يوم يقوم الناس لرب العالمين .

ثانيا : تحرير العقل والفكر من التخبط والفوضى الناشئة عن خلو القلب من هذه العقائد، لأن من انحرف عن العقائد الإسلامية الصحيحة فهو إما ممن يعيش في بحر من الخرافات والأوهام أو ممن يعبد المادة الحسية ويحيى كما يحيى الحيوان .

ثالثا : تحصيل الراحة النفسية والفكرية، وطرد القلق والاضطراب وما يسمى بالفراغ الروحي، لأن هذه العقيدة تربط العبد بخالقه، فيرضى به ربا مدبرا وحاكما مشرعا فيطمئن قلبه بقدره وينشرح صده لشرائع الإسلام ولا يبغى عنها بدلا.

رابعا : سلامة القصد والعمل من الانحراف في عبادة الله تعالى وفي معاملة الناس، لأن من أسس هذه العقيدة الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم المتضمن لاتباع طريقته ذات السلامة في القصد والعمل .

خامسا: ومن آثارها الحزم والجد في الأمور، بحيث لا يفوت فرصة للعمل الصالح إلا استغلها رجاء للثواب، ولا يرى موقع إثم إلا ابتعد عنه خوفا من العقاب، لأن من أسسها الإيمان بالبعث والجزاء على الأعمال، }وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ{ (الأنعام:132) وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الغاية في قوله : «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ»([2]).

سادسا : ومن أهدافها تكوين أمة قوية تبذل كل غال ورخيص في تثبيت دينها وتوحيد دعائمه غير مبالية بما يصيبها في سبيل ذلك، وفي هذا يقول الله تعالى : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحجرات:15) .

سابعا : الوصول إلى سعادة الدنيا والآخرة بإصلاح الأفراد والجماعات ونيل الثواب والمكرمات ، وفي ذلك يقول الله تعالى : (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل:97)([3]).


/ رواه البخاري (1270) ومسلم (4803).

/رواه مسلم (2664).

/ انظر شرح أصول الإيمان للعثيمين (61-63).

تم قراءة المقال 12464 مرة