الأحد 27 ربيع الأول 1436

(33) التربية العقائدية :محبة الرسول صلى الله عليه وسلم مميز

كتبه 
قيم الموضوع
(6 أصوات)

المبحث الخامس : محبة الرسول 

   ومن آثار محبة الله تعالى ومن لوازمها الآكدة ومن علامات صحتها محبة محمد  واتِّباعه، محبة خاتم الأنبياء والمرسلين وحبيب رب العالمين وخليله  ، قال تعالى :  قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (آل عمران:31)، وهذه المحبة تعتبر من أسس العقيدة الإسلامية لذلك ينبغي أن يربى أولاد المسلمين على عليها منذ نعومة أظفارهم، فلا بد أن تغرس هذه المحبة في النفوس بالطرق الشرعية الآتي ذكرها، وليس ذلك مما يحصل في يوم واحد في الشهر أو السنة، بل لا بد من المداومة على ذكر سيرته وأخباره وشمائله وأقواله ومعجزاته والمداومة على الصلاة عليه كلما ذُكر حتى يستقر في نفوس الناشئة محبته وتعظيمه والتطلع إلى الاقتداء به واقتفاء أثره.
   وإن مما يربي عليه أهلُ الكفر -خاصة قساوسة النصارى- أولادهم وتلامذتهم بغضُ محمد ، وهم يقولون عنه إنه دجال وإنه في الدرك الأسفل من النار، صدًّا عنه وعن سبيله، وقد حكى بعض القساوسة أنه بعد أن شك في النصرانية أخذ يجرب الأديان ويبحث عن الحق فيها، ولم يفكر في الإسلام لأن من رباه قطع له طريق التفكير في ذلك بمثل تلك الكلمات التي لقنه إياها في صغره في حق النبي .
   ونحن مطالبون بغرس هذه المحبة في قلوب أولادنا تثبيتا لهم على الدين، وصيانة لهم من الانحراف عن الصراط المستقيم.
كيف نعلم الصغار محبة النبي 
1-وأول طريق لغرس هذه المحبة في قلوب أولادنا أن نؤكد لهم أن الله تعالى يحب نبيه  وقد اختاره وفضله على الناس أجمعين ، وأنه أوجب علينا محبته وأن نعلمهم أن محبة النبي  من علامات محبة الله تعالى، فمن أحب الرسول  فقد أحب الله حبا صادقا ومن أبغض الرسول  فحبه لله تعالى حب كاذب، ونتلو عليهم أحاديث النبي  التي تحث على محبته وتوجبها كقوله :« ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ»( ). وقوله  :« فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ »( ).
2-ومن طرق غرس هذه المحبة التذكير أن النبي  كان رحمة للعالمين بالهداية وتبليغ هذا الدين، وسيكون رحمة للمؤمنين بالشفاعة لهم يوم القيامة.
3-وكذلك بتلاوة فصول من السيرة النبوية العطرة عليهم، وإن لتتبع أحداث السيرة أثرا عجيبا في النفوس في تزكيتها وفي تثبيتها وتقوية إيمانها وفي غرس محبة النبي  وأتباعه، وهذا من هدي السلف في تربية أولادهم، قال زين العابدين بن الحسين بن علي :« كنا نُعلَّم مغازي رسول الله  كما نعلم السورة من القرآن »( ).
  وفلا بد أن يعلم الطفل سيرة الرسول منذ نعومة أظفاره ويحفظ منها قدرا به يصح إيمانه إذا عقل بأن يعلم أنه مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، وَهَاشِمٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقُرَيْشٌ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلاةِ وَالسَّلامِ، ولد في مكة ونُبِّئَ بـ( اقْرَأ) وله أربعون سنة، بَعَثَهُ اللهُ بِالنِّذَارَةِ عَنِ الشِّرْكِ، وَبالَدْعُوة إِلَى التَّوْحِيدِ، وهاجر إلى المدينة وتوفي بها وَلَهُ مِنَ الِعُمُرِ ثَلاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً.
4-ومن تلك الطرق أن يرى الطفل في والديه ومحيطه تعظيم النبي  وتعظيم سنته وأقواله، من حرصٍ على الاقتداء به واتباعه، وحفاظٍ على الصلاة عليه  كلما ذكر.
5-ومنها تحفيظ الأطفال بعض الأحاديث النبوية الصحيحة التي تدل على كمال الدين ومحاسن الإسلام وشمائل النبي  وفضل أصحابه .
6-ومنها قصص الصحابة في معاملة النبي  وتعظيمهم له وغيرتهم عليه ، وخاصة قصص صغارهم، نحو قصة أنس في شدة الاقتداء بالنبي ، وذلك أن النبي  دُعي لِطَعَامٍ فَذَهَب مَعَه أنس  ، قَالَ أَنَسٌ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَيْ الصَّحْفَةِ قَالَ فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مُنْذُ يَوْمَئِذٍ ( ).
     وقصة (مُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ وَمُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ) قاتلي أبي جهل انتقاما لرسول الله : فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ قَالَ بَيْنَا أَنَا وَاقِفٌ فِي الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ نَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَشِمَالِي فَإِذَا أَنَا بَيْنَ غُلَامَيْنِ مِنْ الْأَنْصَارِ حَدِيثَةٍ أَسْنَانُهُمَا تَمَنَّيْتُ لَوْ كُنْتُ بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُمَا فَغَمَزَنِي أَحَدُهُمَا فَقَالَ يَا عَمِّ هَلْ تَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ قَالَ قُلْتُ نَعَمْ وَمَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ يَا ابْنَ أَخِي قَالَ أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللَّهِ  وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ رَأَيْتُهُ لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ حَتَّى يَمُوتَ الْأَعْجَلُ مِنَّا قَالَ فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ فَغَمَزَنِي الْآخَرُ فَقَالَ مِثْلَهَا قَالَ فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ نَظَرْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ يَزُولُ فِي النَّاسِ فَقُلْتُ أَلَا تَرَيَانِ هَذَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي تَسْأَلَانِ عَنْهُ قَالَ فَابْتَدَرَاهُ فَضَرَبَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا حَتَّى قَتَلَاهُ ثُمَّ انْصَرَفَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ  فَأَخْبَرَاهُ فَقَالَ أَيُّكُمَا قَتَلَهُ فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَا قَتَلْتُ فَقَالَ هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا قَالَا لَا فَنَظَرَ فِي السَّيْفَيْنِ فَقَالَ كِلَاكُمَا قَتَلَهُ ( ).
    ومما يورد في هذا السياق قصة أطفال من التابعين من البحرين كانوا يلعبون الكرة بالصولجان، فوقعت الكرة على صدر قس هو أسقف البحرين، فطلبوها منه فأبى أن يردها، فسألوه وألحوا عليه في السؤال، حتى غضب وسبَّ النبي  وشتمه، فحينها انهال عليه الصبيان بصيالجهم وما تركوه حتى أزهقوا روحه، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب  فوالله ما فرح بفتح ولا غنيمة كفرحته بقتل الغلمان لذلك الأسقف، وقال :« الآن عز الإسلام، إن أطفالا شتم نبيهم فغضبوا له وانتصروا »( )، فاهدر دم الأسقف.
    ومن أعظم الأحاديث التي ينبغي أن يحدث به أولادنا حديث أنس الذي فيه الترغيب في محبة النبي  وفي صحبته يوم القيامة ، عَنْ أَنَسٍ  أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ  عَنْ السَّاعَةِ فَقَالَ مَتَى السَّاعَةُ قَالَ وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا قَالَ لَا شَيْءَ إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ  فَقَالَ أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ قَالَ أَنَسٌ فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ  أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ قَالَ أَنَسٌ فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِيَّ  وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إِيَّاهُمْ وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمِثْلِ أَعْمَالِهِمْ( ).

تم قراءة المقال 2093 مرة