الأحد 2 جمادة الأول 1441

(35) التربية العقائدية : الإيمان باليوم الآخر

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

المبحث السابع : الإيمان باليوم الآخر

   من أهم أركان العقيدة الإسلامية الإيمان باليوم الآخر، وهو من آكد الأمور التي ينبغي أن يتربى عليها النشء المسلم، لِمَ في مسائل هذا الركن من آثار كبيرة على الأخلاق والسلوك، وسنُبيّن هنا أهم مسائله مع الإرشاد إلى أهم آثارها.
أولا: الموت
   فيُعلّم الطفل أن حياة كل إنسان لها نهاية بالموت الذي كتبه الله على كل أحد، وأنّ هذا الموت حقٌّ ولا مفرَّ منه، وأنّ للموت أجلا معلوما عند الله لا يقبل التأخير، ومن آثار هذا التعليم التي ينبغي أن تصبحه إرشاد في الطفل إلى الدوام على الطاعة والإخلاص؛ لتحصيل الثبات عند الممات والفوز بحسن الخاتمة، ومنها الزهد في الدنيا في متاعها وزخرفها لأن المرء لا يرافقه من الدنيا إلى قبره إلا أعماله.
ثانيا : القبر وأحواله
    فيُعلّم الطّفل أنّه ثمّة حياة أخرى تسمى الحياة البرزخية في القبور، حيث ترجع الروح إلى جسد الميت بعد أن تصعد إلى السماء، ويُلقن محتوى الامتحان الذي يتعرض له الناس كما جاء في حديث البراء :« فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك ؟.. ما دينك ؟.. ما هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟ »(رواه أبو داود)، وبعدها يصير هذا القبر الذي هو أوّل منازل الآخرة إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، ومن آثار العلم بهذه المعاني ترغيب الطفل في تعلُّم معاني الأصول الثلاثة التي يسأل عنها القبر وفي العمل بمقتضى هذا العلم، كما يردف بتحذيره من أسباب عذاب القبر، المعدودة من كبائر الذنوب؛ كعدم الاستنزاه من البول والسعي بالنميمة والاختلاس من المال العام -وهو الغلول-، وهجران القرآن، وأكل الربا ونحوها.
ثالثا : قيام الساعة
  ويعلَّم أيضا أن هذه الدنيا لها نهاية ستكون في يوم يسمى يوم القيامة والساعة، تفنى فيه الدنيا ويقوم فيه الناس من قبورهم، وأن هذه الساعة قريبة، ووقتها غير معلوم، وإذا كبُر الطفل وتقدم في السن يعلّم أيضا علامات اقترابها فإنها من دلائل صدق النبي صلى الله عليه وسلم، خاصة العلامات التي ظهرت بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك العلامات الكبرى التي لم تأت بعد (حكم المهدي وخروج الدجال ونزول عيسى عليه السلام، وخروج يأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة التي تطبع الناس).
    وتحديث الطفل بهذه العلامات له أثر عظيم في إيمان الطفل وسلوكه؛ وتزيد في يقينه باليوم الآخر حتى كأنه يراه، وهو يميل إلى سماعها لأنها من جنس القصص.
رابعا: البعث والحشر
   وبعد البعث الناس من قبورهم يكون حشر الخلائق بما في ذلك البهائم، الذي تشتد أهواله، ويكفي منها تلقين الولد قول النبي صلى الله عليه وسلم :« تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْخَلْقِ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ، فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا» (رواه مسلم).
    ويخبر أنه من الناس من يسلم من ذلك؛ تظليل الله تعالى لهم في ظل عرشه، قال الرسول صلى الله عليه وسلم :« سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ، أَخْفَى حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ»(رواه البخاري ومسلم)، ويؤكد له على الشاب الذي ينشأ في عبادة الله والرجل الذي تعلق قلبه بالمساجد.
خامسا: الحساب
    ويعلم أن في هذا اليوم يكون العرض والحساب، حيث يجد الناس أعمالهم كلها حاضرة مسجلة؛ كبيرها وصغيرها باطنها وظاهرها، فمنهم من يُحاسب حسابا يسيرا ومنهم من يُشدّد عليه.
    ويعلم أن الناس يسألون في اليوم عن النعيم، وأعظم هذا النعيم العمر العلم والمال والصحة، ويسألون عن أعمالهم وأوّل ما يسأل عنه المؤمنون الصلاة، ويكون فيه القصاص بين العباد في المظالم قال:« مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ»(رواه البخاري). وهذه التفاصيل لها أثرها المباشر بإذن الله تعالى على النفس من تعظيم النعمة وعدم اهدارها والمحافظة على الصلاة، والتوقي من جميع أنواع الظلم للعباد.
سادسا: الميزان والحوض والصراط
    من تفصيل الإيمان باليوم الآخر، التصديق بأن الميزان حق والحوض حق وأن المرور على الصراط حق، فأما الميزان فهو يبين عدل الله تعالى وفضل التوحيد والإخلاص، وأما والحوض فهو يبين فضل اتباع سنة النبي  ، وأما الصراط وصفة المرور عليه فهو يبين ضرورة الاستقامة والعمل الصالح والمداومة على التوبة لتحصيل السلامة من الوقوع في نار جهنم .
سابعا : الجنة والنار
    وآخر محطة في الإيمان باليوم الآخر هي الإيمان بدار القرار الجنة والنار، فأما النار فهي مصير الكافرين والمنافقين من الناس والشياطين، إذا دخلوها فهم فيها خالدون لا يموتون ولا يخرجون، ويعلم أن هذه النار دراكات لأن الناس متفاوتون في درجات الكفر والظلم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم :« إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَرَجُلٌ تُوضَعُ فِي أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ جَمْرَةٌ يَغْلِي مِنْهَا دِمَاغُهُ» (رواه البخاري ومسلم). وأن أهل الكبائر يدخلون النار إن لم يغفر لهم حتى يطهروا من ذنوبهم. ويحدث الطفل عن شيء من تفاصيل عذابها العظيم والأليم كقوله تعالى : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ (النساء 56)، وقوله سبحانه : فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ  (الحج20).
     وأما الجنة فهي دار خلود للمؤمنين ولا يدخلها أحدٌ من الكافرين، وهي التي يعمل لها العاملون وبرحمة الله يدخلها الداخلون، وقال تعالى : وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ  (الأعراف43)، وهذا العمل سبب لنيل رحمه الله ودخولها وليس موجبا للجنة وثمنا لها. وأن هذه الجنة درجات بعضها فوق بعض وأعلاها الفردوس، وقال صلى الله عليه وسلم :« إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ» (رواه البخاري).
     ويجد المؤمنون في الجنة ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ونعيم مقيم، ويحدث الطفل بحال آخر الناس دخولا ليبين له عظم فضل الله تعالى وعظيم نعيمها، الذي جاء في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ  قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :« قَالَ اللَّهُ أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ» (البخاري ومسلم).

تم قراءة المقال 36 مرة