الأربعاء 14 جمادة الثاني 1442

(37) التربية العقدية : التحذير من الشرك والاعتقادات الخرافية

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

المبحث التاسع : التحذير من الشرك والاعتقادات الخرافية

    لا شك أننا في زمان قد تجلت فيه كثير من حقائق الكتاب والسنة، واتضحت فيه معالم دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم المقررة للتوحيد والنافية لمظاهر لشرك، والمبعدة لكل اعتقاد فاسد أو خرافي، وإننا في زمان تطور فيه الفكر الإنساني عموما؛ فلم يعد يتقبل الخرافات والتعلق بالأوهام، وأصبح للعلم مكانة عالية في نفوس العقلاء الذين يبنون صرح حضارات الأمم، وهذا الأمر هو ما جعلنا نجد أكثر علماء الغرب ومثقفيه تحولوا إلى الإلحاد؛ حيث أدركوا أن الديانة النصرانية التي ورثوها عن آبائهم مبنية على أساطير وخرافات لا يقبلها العقل السليم فتخلصوا من أغلال التقاليد تحولوا إلى الإلحاد، ولو عرفوا الإسلام النقي الذي جاء محمد صلى الله عليه وسل لما ألحدوا أبدا. ومن واجبنا نحن المسلمين أن نحمي مجتمعاتنا من الإلحاد ومن الأسباب المؤدية إليه؛ فنحذر أولادنا من المظاهر الخرافية والمنافية للعقل وكل الأمور التي اعتبرها الشرع من وسائل الشرك، فضلا عن مظاهر الشرك ذاته الذي تنكره الفطر السوية والعقول السليمة، وأن نعلمهم حق الله تعالى؛ وهو توحيده كما علمه النبي صلى الله عليه وسل لأصحابه رضي الله عنهم.
التحذير من الاعتقاد في الاحجار والأشجار والقبور
    من مظاهر الاعتقادات الشركية والخرافية الاعتقاد في الأحجار والأشجار والقبور وسكانها، والتصديق بأن لها قدرة على الخلق والرزق والإعطاء والمنع، إذ وجد كثير من الناس في الزمن الغابر –ولا يزالون حيث يعشش الجهل وتجار الدين- يربون أولادهم على تعظيم بعض الحجارة العظيمة؛ التي اتخذت أشكالا معينة بسبب الرياح والأمطار؛ فيطوفون بها ويذبحون لها، ويدعونها من دون الله تعالى، ويربونهم على تعظيم بعض أنواع الأشجار كشجرة البلوط، التي يعتقدون فيها أنها تحفظ العباد والقرى؛ ويسمونها "العساسة" أي الحارسة، ومنهم من يربيهم على دعاء غير الله والاستغاثة بغير الله من الأموات، ومنهم من يعتقد في بعض العباد الأحياء أنهم يعلمون الغيب، وأنهم معهم حيث كانوا يسمعونهم ويرونهم، إلى غير ذلك من الترهات والخزعبلات التي تنكرها الفطرة والعقل السليم .
    فالواجب علينا أن نحذر أولادنا ذكورا وإناثا من كل ذلك اقتداء بنبينا صلى الله عليه وسل وبلقمان الذي قص علينا القرآن وصيته لابنه: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (لقمان:13) فنبين لهم أن لله تعالى صفات وخصائص لا يستحقها إلا هو سبحانه، ولا يجوز أن تنسب إلى شيء من مخلوقاته، ومن فعل ذلك فهو ظالم لنفسه الظلم العظيم، فالله تعالى هو الذي خلق كل شيء ولا أحد يشاركه في الخلق، وهو من يهب الأولاد للعقيم والأزواج للعوانس، ولا أحد حافظ للعباد إلا الله تعالى، ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى، وأنه لا يجوز السجود والركوع والدعاء إلا لله تعالى المعبود بحق جل جلاله، وليعلم المربي أنه إن لم يربي أولاده على هذه العقيدة وعلى نفي ضدها من الخرافات والشركيات لم يؤد حق أولاده عليه، مهما أعطاهم وأغناهم.
   ولا ينبغي أن يستهين المسلم بهذه الأمور؛ فيقول إنها أمور واضحة لا تحتاج إلى تعليم أو وصية، فإنه رغم وضوحها لا يزال الناس يقعون فيها حتى في هذا الزمن، زمن الحضارة والتمدن، ولذلك كانت دعوة الأنبياء جميعا مبنية على هذا الأساس، وهذا أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام، يدعو الله تعالى ويقول: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ) (إبراهيم:35) فدعا الله تعالى أن يجنبه وأن يجنب ذريته عبادة الأصنام، وهو مع دعائه لا شك قد علمهم ذلك، لم يقل إن هذه الأمور لا تحتاج إلى تعليم ووصية وإلى دعاء، وكذلك وصى يعقوب عليه السلام أولاده بالثبات على الإسلام؛ ولم يقل إن ذلك أمر بدهي لا يحتاج إلى وصية، كما قال تعالى : (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (البقرة:132) بل إن هذه الوصية أعظم وصية بوصي بها المربي أولاده؛ لأنها تتعلق بحق الله تعالى.
التحذير من السحر والكهانة وتعليق الخيوط ونحوها
   ومن الأمور التي ينبغي أن يحذر منها الأولاد.
-السحر الذي هو من علامات التخلف والانحطاط الفكري، فلا بد أن يقبح في أنفسهم أشد تقبيح، وأن يعلموا أن ممارسيه هم أهل النفوس الخبيثة والطبائع الشريرة، وإذا عقلوا معنى الكفر علمناهم أن ممارسة السحر من الكفر بالله تعالى، ومن الأعمال المخرجة للعبد من الإسلام والمخلدة له في جهنم لقول الله تعالى : (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) (البقرة:102)، ولا بد أن نمنع أولادنا من مشاهدة الأفلام والرسوم المتحركة التي تصور السحرة محسنين وفاعلين للخير، وكذا ما يسمى بالألعاب السحرية التي تهون في أنفسهم أمر السحر بل تجعلهم يستحسنونه ويتطلعون إليه.
-وكذلك نحذرهم من الكهنة والعرافين الذين يدعون علم الغيب ، فلا بد أن نرسخ في قلوب أولادنا أنه لا يعلم الغيب إلا الله تعالى، قال تعالى : (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) (النمل:65) وأن من زعم خلاف ذلك فقد كفر قَالَ صلى الله عليه وسل :« مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ » (رواه أبو داود). ومن مظاهر الكهانة التي مازالت منتشرة قراءة الحظ في الأبراج، الذي نجده مبثوثا في كثير من الجرائد السيارة والمواقع الإلكترونية.
    ونحن إذا نحذر أولادنا من هذه الخرافات والأوهام نحفظ لهم عقيدتهم من الانحلال وأخلاقهم من الفساد، وكذلك نعلمهم الاعتماد على الأسباب المشروعة في حياتهم مع التوكل على الله تعالى دون غيره.
    وفي سياق ذكر التوكل لا بد أيضا من تحذيرهم من خرافات كثيرة تخدش في توحيد التوكل، وهي شائعة في بلادنا وتدخل فيما يسمى بالتطير أو التشاؤم، ومن ذلك أن بعض الناس إذا هم بعمل فرأى قطا أسودا أو شخصا لا يحبه ترك ذلك العمل، ومنهم من يتشاءم بالهامة أو البومة، ومنهم من يتشاءم ببعض الأيام والشهور، وكل ذلك من الأوهام ، قال نبينا صلى الله عليه وسل:« لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ» (متفق عليه).
     ومن صور التعلق بالأوهام والخرافات ما له ارتباط بالاستشفاء؛ كمن يعلق الخيوط والأوتار والأشواك والخامسات والعجلات؛ ويزعم أنها تحفظه من العين أو من الشر، وهذا انحطاط في التفكير ما بعده انحطاط، فإذا اعتقدها المرء من أسباب حفظ الله تعالى كانت شركا أصغر، وإذا اعتقد أنها تحفظ العبد بذاتها فهذا هو الشرك الأكبر، قال نبينا صلى الله عليه وسل:« مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ » (رواه الترمذي وحسنه الألباني). ومثله الاعتقاد في التمائم (أو الحروز) التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسل: « إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ» (رواه أبو داود وصححه الألباني).
التحذير من الذبح والنذر لغير الله تعالى
     ومن تلك الخرافات والشركيات الذبح لغير الله تعالى كالذبح للقبور -أو للجن- خوفا وطمعا وقد قال النبي صلى الله عليه وسل :« َلَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ» (رواه مسلم)، ومنها الطواف بغير الكعبة المشرفة والتبرك بما لم تثبت له البركة، ومنها أمور متعلقة بمناسبات معلومة كتحريم الكتابة والخياطة وغسل الأواني في ليلة عاشوراء أو ليلة يناير، ومنها اعتقادات فاسدة متعلقة بالجنائز.
    وأكثر هذه الخرافات يتوارثها الناس جيلا بعد جيل وتجد بعضها مؤيدا بقصص شعبي وأساطير لا أساس لها؛ ولقد عرفت طريقها إلى الاندثار لولا أن وجدت ملاحدة سخروا القلم والاعلام لإحيائها وحمايتها، وقد أسندهم باسم الدين مفتين مرتزقة أو مغفلين مع الأسف الشديد.
    ومن الشركيات ما هو حديث غير مورث عن عصور الجهل؛ يبث عبر الأفلام ووسائل الإعلام، من طرف أعداء الإسلام وكثير ما يكون الطفل المسلم هو المستهدف عبر الرسوم المتحركة ؛ حيث تجد فيها تجسيد الإله في صورة شيخ وفي بعضها في صورة قط وتجد فيها تعدد الآلهة ورجعة الأموات إلى الدنيا أو تناسخ الأرواح وغير ذلك ، فالحذر الحذر أيها الآباء فإنه ليس كل ما ألهى الأولاد نافع وأنه ليس شيء أخطر من الشرك بالله تعالى والإلحاد في أسمائه وصفاته.

تم قراءة المقال 47 مرة