الاثنين 6 صفر 1443

(56) التربية الفكرية : تعليم اللغة العربية والاعتزاز بها

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

المبحث الخامس: تعليم اللغة العربية والاعتزاز بها

    ينشأ أطفالنا في وسط يتكلم لهجات عامية محلية يتواصلون بها في محيطهم الضيق، وهي لهجات غالبها هجين محدودة في مفرداتها وفي تأثيرها على نمو عقول الأطفال وثقافتهم، وإن الذي يدعم الشخصية الإسلامية المنشودة؛ ويبني التفكير الإسلامي السليم ويوجهه؛ هو تعليم العربية للطفل لغة وأدبا؛ فيتسع عقله باتساعها ويتأدب بمطالعة آدابها، وبها سيفهم دينه وعقيدته من مصادرها، ويحصل الشعور بالانتماء إلى الأمة التي أرادها الله أن تكون خير أمة أخرجت للناس.
    وإن من واجب المربين في المجتمع المسلم-آباء ومعلمين- أن يربوا الناشئة على اللسان العربي الفصيح منذ نعومة أظفارهم، أسوة بسلفنا الذين كانوا يعتنون بذلك اعتناء بالغا، وكانوا ينتدبون لأولادهم المؤدبين يعلمونهم الشعر والخط وفنون الأدب والبلاغة، وحرص سلف الأمة على تعليم الأولاد الأدب العربي واللغة العربية أمر معروف، وتحذيرهم من اللحن فيها أمر مشهور، ولعل مما يزيد من تأكيدنا على تعليم اللغة العربية في مبكر أن اللحن الذي كان يُخاف منه قد توسّع تحوّل إلى لهجات محلية؛ امتزج فيها العربي بالدخيل من اللغات الأعجمية، حتى صارت بعض اللهجات غريبة تماما عن اللغة العربية، وتعظم المسؤولية إذا رأينا المدارس الرسمية شرعت فعلا في تدريس العامية بدل الفصحى بطرق خبيثة وغير معلنة.
    ولقد كان السلف يعظمون أمر اللغة وينظرون إلى استقامة اللسان نظرة عميقة، فيستدلون بمنطق الإنسان على مقدار عقله وحكمته، حتى قيل:" المرء مخبوء تحت لسانه"، وقيل:" المرء بأصغريه: قلبه ولسانه"، وكما قال زهير بن أبي سلمى:
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده   فلم يبق إلا صورة اللحم والدم.
    نعم لابد أن ننتبه إلى أن اللغة المستخدمة من الطفل تؤثر على فكره وخلقه ونموه العقلي، بما تحمله من مفردات ومعان وثقافة وأدب، واللغة العربية بالنسبة إلينا هي لغة ديننا وحضارتنا وهي أيضا من أسباب وحدتنا، وهي مفتاح العلوم كلها، وكلما تمكن الطفل منها؛ كان سببا لتمكنه في أي علم يريد تعلمه ويحب أن يكتسبه.
    وإن للغة العربية خصوصية في ذاتها دون سائر اللغات، فهي لغة غنية وكاملة ومعجزة وخالدة، وقد اعترف لها بذلك حتى أعداؤها الذين اجتهدوا في حربها، ومنهم المستشرق الفرنسي إرنست رينان (ت:1892) الذي يقول:" إن من أغرب ما وقع في تاريخ البشر، وصعب حل سره: انتشار اللغة العربية...حيث بدت فجأة في غاية السلامة والغنى والكمال، فليس لها طفولة ولا شيخوخة"، نعم ليست لها شيخوخة بمعنى أنها لغة حية إلى الإبد بإذن الله تعالى .
أهمية اللغة العربية
   ولعله من المناسب في هذا المقام أن نفصل القول في المناحي التي تبين أهمية اللغة العربية في تكوين شخصية الطفل، وثلاثة مناحي :
1-ارتباط اللغة العربية بالعقيدة والعبادة
    إن اللغة العربية هي اللغة اصطفاها الله تعالى لتكون لغة كتابه ورسالته الخاتمة فقال: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (يوسف: 2)، فلا يتم الفهم السديد للقرآن كتاب الإسلام ودستوره الخالد إلا بها، وكذلك هي لغة السنة النبوية، وتوقف فهم الأصلين عليها يجعل فهم عقائد الإسلام متوقفا عليها أيضا، فكلمة التوحيد ( لا إله إلا الله ) مثلا لا تفيد صاحبها إلا إذا فهم معناها فهما يجعله يلتزم بمقتضياتها، والجاهل بمعناها لا يمكنه التزام مقتضياتها ولا اجتناب نواقصها وإن نطق بها.
    وإن من أسباب الانحراف عن العقيدة الإسلامية الصحيحة الجهل بها والبعد عن فقهها، فروي عن الشافعي أنه قال:" ما جهل الناس ولا اختلفوا، إلا لتركهم لسان العرب "، وقال الحسن البصري قبله :" أهلكتهم العجمة، يتأولون القرآن على غير تأويله".
    وتظهر أهمية اللغة العربية أيضا من جهة كونها لغة العبادة، فالمسلم أيا كان جنسه يجب عليه أن يصلي باللغة العربية تكبيرا وتشهدا تسليما وذكرا وقراءة للقرآن، فضلا عن أن المرء لا يمكنه تذوق القرآن والتأثر بمواعظه، ولا أن يصل إلى فقه أحكامه من دون إلمام بهذه اللغة ومعرفة بقواعدها وتعوّد على أساليبها. ولهذا قال ابن تيمية: «فإن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ثم منها ما هو واجب على الأعيان، ومنها ما هو واجب على الكفاية" اقتضاء الصراط المستقيم - (1/527).
2--اللغة العربية والآداب
    إن علاقة اللغة العربية بالأدب علاقة متينة فالدواوين التي تحوي مادتها سميت كتب الأدب، ودارس هذه الدواوين يتعلم آداب العرب وأخلاقهم، مما سيؤثر حتما في تكوين شخصيته وفي تقويم تفكيره فيكون عربيا لا غربيا، وقد قال عبد الملك بن مروان لمؤدب ولده :" واحملهم على الأخلاق الجميلة، وروِّهم الشعر يشجعوا وينجدوا". فبحفظ أشعار العرب يتعلم الطفل الكرم والوفاء والشجاعة والنجدة وإغاثة الملهوف ونصرة المظلوم، وقال شعبة:"تعلموا العربية فإنها تزيد في العقل".
    إذن علينا أن نعلم أولادنا اللغة العربية لأنها زيادة في عقله وتفكيره، ولأنها طريق لصناعة قوالب التفكير. قال ابن تيمية :« واعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل، والخلق، والدين تأثيراً قوياً بينا، ويؤثر أيضاً في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق» اقتضاء الصراط المستقيم - (1/527).
3-ارتباط اللغة العربية بالحضارة الإسلامية
    لقد انتشرت اللغة العربية مع انتشار الإسلام منذ العصور الأولى للإسلام الأولى في معظم أرجاء المعمورة، فأصبحت لغة الأدب والسياسة والعلوم الكونية والحضارة فضلاً عن كونها لغة العبادة والعلوم الشرعية، واستوعبت حضارات الأمم التي دخلت الإسلام وجعلت منها حضارة واحدة، وكان جل انتاجها في مختلف مناحي الحياة في ظل دولة الإسلام باللغة العربية.
    ومنه فإن اللغة العربية تعتبر الآن مفتاحا للثقافة الإسلامية، ورابطا للأجيال بتراثهم الحضاري المنتج خلال قرون متعاقبة، والجهل بها هو قطع للأجيال عن تراثهم وإبعاد لهم عن أسباب وحدتهم مع الشعوب التي تتكون منها الأمة الإسلامية.
    يقول مصطفى صادق الرافعي :"أما اللغة فهي صورة وجود الأمة بأفكارها ومعانيها وحقائق نفوسها، وجودًا متميزًا قائمًا بخصائصه؛ فهي قومية الفكر، تتحد بها الأمة في صور التفكير وأساليب أخذ المعنى من المادة.
    والدقة في تركيب اللغة دليل على دقة الملكات في أهلها، وعمقها هو عمق الروح ودليل الحسن على ميل الأمة إلى التفكير والبحث في الأسباب والعلل، وكثرة مشتقاتها برهان على نزعة الحرية وطماحها؛ فإن روح الاستعباد ضيق لا يتسع، ودأبه لزوم الكلمة والكلمات القليلة" وحي القلم (3/ 26-27).

كيف نعلم الأولاد اللغة العربية ونحببها إليهم
أولا : الترغيب فيها وغرس محبتها في قلوب الناشئة
    من طرق تعليم الأولاد اللغة العربية ترغيبهم فيها وغرس محبتها في قلوبهم، وذلك:
1-بتحديثهم عما سبق مما يبين علاقتها بالعقيدة والعبادة والحضارة والأخلاق، وبكونها لغة اختارها رب العالمين وأنزل بها الكتاب الذي جعله هداية للعالمين.
2-برواية آثار السلف في الأمر بتعلمها وذم اللحن فيها وتعظيم شأنها وإكرام أهلها نحو ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: "سُوءُ اللَّحْنِ أَشَدُّ مِنْ سُوءِ الرَّمْيِ"، وما صح عن ابن عمر أنه :"كان يضرب ولده على اللحن". وقول مسلمة بن عبدِ الملك:" اللّحنُ في الكلام أقبحُ من الجُدَري في الوجه". وما روي عن عبد العزيز بن مروان أنّه كان يُعطِي على العربيّة ويحرُم على اللّحن.
3-وبذكر قصص النابغين في العربية، كسيبويه الذي أخطأ يوما في لفظة في حديث رسول الله  ، حيث قال له حماد بن سلمة:" لحنت يا سيبويه" فعزم على تعلم العربية فتعلمها حتى صار إماما يقتدى به فيها، وألف كتابه الذي هذب فيه علم النحو واستوفى قواعده وضوابطه وكل من جاء بعده فهم عيال عليه. ومما هو مأثور أن الشافعي صاحب المذهب المشهور لم يشتغل بدراسة العلم الشرعي حتى جلس في قبيلة بني هذيل يحفظ أشعارهم ودواوينهم وقد وفق لحفظ أكثر من عشرين ألف بيت من أشعارهم؛ ويعد ذلك من أسباب تفوقه وتوفيقه لتدوين علم أصول الفقه.
ثانيا : التعويد والاستعمال
     من طرق تعليم الولد اللغة العربية التعويد عليها والاستعمال لها الذي قد يسمى التعليم بالفطرة والممارسة، ذلك بأن يكلم الولد بالفصحى قبل السادسة من عمره وكلما كان الطفل أصغر فهو أفضل، وذلك ابتداء من السنة الأولى من عمره إن أمكن، ويكفي في ذلك أن يكلمه شخص واحد من أفراد الأسرة، وقد أكّد الباحثون في علم النفس أن سنوات الطفولة الست الأولى تمثل مرحلة تأسيسية تبني عليها مراحل النمو اللاحقة، وبناء عليها تتشكل شخصية الإنسان، ومن أعظم ما له أثر في تشكيل هذه الشخصية اللغة التي يفكر بها ويتحدث بها.
ثالثا : حفظ القرآن والأناشيد
    من أهم طرق تعليم اللغة العربية بحروفها وأصواتها ومفرداتها ومعانيها وتراكيبها ونحوها وبلاغتها تحفيظ القرآن الكريم العربي المبين، فإن في تحفيظ الأولاد الصغار للقرآن بالطريقة الصحيحة إقامة لألسنتهم وتقويما لسلوكهم وعقائدهم، وتزويدا لهم برصيد لغوي كبير يوسع عقولهم ومداركهم وثقافتهم.
   وبعد القرآن الكريم يحفظ الأطفال الصغار الأناشيد التي لا شك أنهم يميلون إليها أداء وحفظا وسماعا، فعلى المربي أن يغتنم هذا الميل الفطري لتنمية ثروة الطفل اللغوية، باختيار الأناشيد ذات اللغة الفصيحة الراقية والمعاني الأدبية والأخلاقية العالية، وكما يجنبه منها ما كان مصحوبا بالموسيقى وما كانت لغته عامية أو هجينة.
رابعا : البرامج المرئية والمسموعة
   من وسائل تعليم اللغة وسائل الاتصال المرئية والمسموعة، لأن أول طرق تعلم اللغة هو السماع قبل القراءة والكتابة ، لكن علينا أن نتعامل مع هذه الوسائل وبرامجها بحذر؛ من جهة ما تتضمنه من عقائد وأخلاق، ومن جهة اللغة المستعملة فيها أيضا، فعلينا أن ننتقي لأولادنا حتى في باب التسلية والترفيه من الرسوم المتحركة ونحوها ما كان بالعربية الفصحى وما كان معينا لنا على تربية الأولاد وتوجيههم.
خامسا : قصص الأطفال المقروء
    من الطرق التي ينبغي استعمالها القصة المقروءة ، وخاصة أننا نعلم ميل الطفل إلى متابعة أحداث القصص سماعا وقراءة، وفي هذا العصر يوجد في المكتبات قصص معد لمختلف الأعمار، ولا مناص من الاستعانة بها في تنمية الثروة اللغوية للطفل وتوسيع خياله؛ خاصة بعدما تم إضعاف نصوص القراءة في التعليم النظامي وإلغاء كتب المطالعة.
     وتعويد الطفل ابتداء من السنوات الأولى للتعلم على قراءة القصص يسهم بشكل كبير في تكوين شخصيته وبناء فكره وتوجيهه في مسار حياته، وإن من أسباب عزوف الشباب عن التعلم واستثقال الدراسة في جميع مراحلها أنه لم يعوّد على القراءة منذ نعومة أظفاره، وكان من آثار إهمال هذه الطريقة التربوية العريقة أن أصبحت أمة اقرأ لا تقرأ، لا تقرأ القرآن ولا تقرأ الحديث ولا تقرأ كتب الأدب ولا غيرها من الكتب، وغالب ميلها في هذا إلى سماع ومشاهدة المقاطع المرئية بشرط كونها قصيرة وهي في حالة كونها مفيدة لا تغني عن القراءة بتاتا.

تم قراءة المقال 52 مرة