الأحد 15 رجب 1431

شرح الثلاثة أصول (الدرس الثالث)

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

المدخل الثاني : في شرح حقيقة الإسلام

قال المصنف:

"اعلم –رحمك الله-أنه يجب على كل مسلم ومسلمة تعلم هذه الثلاث مسائل والعمل بهن".

الشرح : 

    ذكر ثلاثة مسائل يجب على كل مسلم أن يتعلمها، ووجه حصرها وقرنها بعضها ببعض أن هذه المسائل هي المعاني التي تتركب منها حقيقة الإسلام.

فالإسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد وهذه المسألة الثانية الآتي ذكرها.

وهو الانقياد لله تعالى بالطاعة وهذه المسألة الأولى.

وهو البراءة من الشرك وأهله وهذه المسألة الثالثة.

     وقد أشار الشيخ إلى هذا لما جعل المخاطب بهذه المسائل "كل مسلم ومسلمة ".

 

شرح الثلاثة أصول (الدرس الثالث)

قال المصنف :

 "الأولى: أن الله خلقنا ورزقنا ولم يتركنا هملا بل أرسل إلينا رسولا فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار، والدليل قوله تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً) (المزمل:16-15)".

الشرح:

    قد يقول قائل قد فهمت مما سبق أن الناس كلهم في خسارة إلا من آمن وعمل صالحا، فلماذا الإيمان ولماذا العمل؟ فيكون الجواب :"لأن الله تعالى خلقنا ورزقنا ولم يتركنا هملا "، لأن الله عز وجل خلق الخلق لغاية وحكمة فقال سبحانه: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات:56) فلابد للناس من عبادة الله، وقال سبحانه: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً) (القيامة:36) أي هملا لا يؤمر ولا ينهى.

   وإن قيل كيف يُعرف أمر الله تعالى ونهيه، الجواب :"بل أرسل إلينا رسولا فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار "، فالطريق إلى معرفة الله وعبادته هو اتباع الرسول الذي بعثه الله تعالى، مع أن الله تعالى فطرنا على الدين، ومع أنه تعالى ركب فينا عقولا تهدينا إلى الحق، فإنه أرسل إلينا رسلا لتقوم علينا الحجة، كما قال سبحانه : (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (الإسراء:15)، ولا تشترط رؤية الرسول، بل يكفي بلوغ دعوته في زمانه أو بعده.

   ثم أورد المصنف رحمه الله دليلا جامعا لما قاله:

-قوله: "إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً " خطاب لأهل مكة ولكل من بلغته دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم.

–قوله :" شَاهِداً عَلَيْكُمْ " يوم القيامة بأنه قام بالتبليغ وشاهد بإيمان من آمن وكُفر من كَفر، وأصحابه صلى الله عليه وسلم وأتباعه يكونون شهداء على الناس بأنهم قد بلغوا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم أيضا.

-قوله:" كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً "، ضرب الله تعالى هذا المثل وهو تشبيه في مقام التهديد، لأن بين سبب تكذيب فرعون وسبب تكذيب قريش تشابها، فقريش ازدرت محمدا صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: (وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) (الزخرف:31)، وقوم فرعون أيضا احتقروا موسى وهارون،  (فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ ) (المؤمنون47).

-قوله:" (فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً) (المزمل:16-15)" فرعون كان عاصيا قبل مجيء الرسول لكن لما جاءه الرسول استحق العذاب، وأخذه العذاب الوبيل أي الثقيل والغليظ الذي لا يستساغ ولا يستمرأ.

قال المصنف :

" الثانية: أن الله لا يرضى أن يشرك معه أحد في عبادته، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، والدليل قوله تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً)".  

الشرح:

    إن الأمور والتكاليف التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم كثيرة، ولكن هنا شيء هو الأهم وهو أول الواجبات، فإذا كان الله تعالى هو الذي خلقنا لعبادته، ولم يكن له شريك في الخلق، فإنه من الواجب أن نفرده بالعبادة، ولا يرضى من يخلق ويرزق وينعم على العباد أن تصرف هذه العبادة التي هي محض حقه إلى غيره، وهذا موضوع المسألة الثانية التي ذكر المصنف.

-قوله:" أن الله لا يرضى أن يشرك معه أحد في عبادته"، فينبغي أن يعبد وأن يفرد بهذه العبادة، وهذا أول دعوة الرسل وعنوانها وشعارها، قال تعالى : (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) (النحل:36) وكان الأنبياء يقولون: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) (الأعراف:59) وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما أرسله إلى اليمن:" فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله" (متفق عليه)، وهذا أهم تكليف على الإطلاق فقد قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء) (النساء:48) وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار" (رواه البخاري).

-قوله:" لا ملك مقرب ولا نبي مرسل"، ضربهما مثلا مع أن ما عبد من دون الله تعالى أكثر لإبعاد كل من هو دون ذلك في الرتب، فإذا كان الله تعالى لا يرضى أن يشرك به ملك من المقربين ولا نبي من المرسلين، فكيف يرضى بمن هو أقل منهم درجة ومنزلة، فإذا علم هذا وجب علينا أن نتعلم معنى العبادة ومظاهرها حتى لا نقع في الشرك.

-قوله :" والدليل قوله تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً)"، يعني أن هذا دليل من الأدلة على هذا المعنى، ومعناه –على المختار -أوحي إلي أن المساجد بيوت الله التي وضعت للعبادة أنها لله تعالى، وفيه إلزام لهم بالتوحيد بطريق القول بالموجب، فإنهم كانوا يزعمون أنهم أهل بيت الله تعالى، وعبادتهم غير الله منافية لهذا الزعم فألزمهم الله تعالى بعبادته وحده، وقوله: (فلا تدعوا مع الله أحدا) أي فلا تعبدوا أحدا مع الله، وعبر عن العبادة بالدعاء لأنه أهم مظاهر العبادة، قال النبي صلى الله عليه وسلم:" الدعاء هو العبادة " (رواه الأربعة)، لأن من دعا غير الله فهو يعتقد فيه النفع والضر، والقدرة والعلم بحاله، والسمع والبصر، فهو معظم لشأنه ذليل عنده محب له راج لعطائه، يخشى أن يغضب عليه، يثق به ويتوكل عليه وهذه جُلُّ العبادات وأجلها.

قال المصنف رحمه الله:

"الثالثة: أن من أطاع الرسول ووحَّد الله لا يجوز له موالاة من حاد الله ورسوله، ولو كان أقرب قريب، والدليل قوله تعالى: (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (المجادلة:22)".

الشرح : 

   بعد أن بين المصنف أن الله تعالى قد خلقنا للتكليف وأن أهم تكليف هو التوحيد، وأن الناس منقسمون في الآخرة على ضوء هذا التوحيد، فكذلك ينبغي أن يكونوا في الدنيا حزبان وفريقان أهل الإيمان وأهل الكفران. وهذه المسألة "الثالثة" التي ذكر المصنف.

-قوله:" أن من أطاع الرسول ووحَّد الله لا يجوز له موالاة من حاد الله ورسوله" فمن حصل الأمرين الأولين لزمه الثالث وهو البراءة من أهل الشرك، فمن لوازم شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله: أن يحب أهل هذه الكلمة وأن يواليهم، وأن يبغض ويعادي من كفر بها "ولو كان أقرب قريب" من الآباء والأبناء والأزواج والإخوة والعشيرة …الخ لأن من شرط قبول هذه الكلمة محبتها ومحبة أهلها، وهذا يدعو إلى بغض من أبغضها وعادى أهلها وآذاهم .

-قوله:" والدليل قوله تعالى: (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ" أي يؤمنون إيمانا صادقا.

-قوله : "يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ" أي يبادلون المودة والمحبة من يبغض الله ورسوله .

-قوله: "وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ"، أي أثبت التصديق في قلوبهم وقواهم بنصره، والروح هو القرآن وحججه وقيل الرحمة.  –قوله:"وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ" فيه سر بديع وهو أنهم لما سخطوا على القرائب والعشائر في الله عوضهم الله بالرضا عنهم وأرضاهم عنه بما أعطاهم من النعيم المقيم والفوز العظيم والفضل العميم قاله ابن كثير.

-قوله :" أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)" فالناس حزبان حزب الله وحزب الشيطان، والله تعالى أمر المؤمنين أن يكونوا حزبا واحدا لا أشتاتا ، قال عز وجل: (وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) (الروم:31-32) .

   وحزب الشيطان الكفار على اختلافهم وهم الخاسرون، ويجب على كل مؤمن التبرؤ منهم ومن دينهم وبغضهم ومعاداتهم، ومن لوازم هذه البراءة والبغض عدم تعظيمهم وعدم التشبه بهم، وكذلك يجب مفارقتهم وعدم مساكنتهم، وإن محبتهم قد تصل إلى الردة وذلك إذا صحبها حب انتصارهم على المسلمين أو حب دينهم، يقول المولى عز وجل : (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) (المائدة:51) ليس له نصيب من الإيمان، وإن كانت موالاتهم ومحبتهم لم تصل إلى ذلك فهي كبيرة من الكبائر.

تم قراءة المقال 3206 مرة