الأحد 22 رجب 1431

شرح الثلاثة أصول (الدرس الرابع)

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

[الأصل الأول : معرفة الرب سبحانه]

قال المصنف:

  اعلم- أرشدك الله لطاعته- أن الحنيفية ملة إبراهيم أن تعبد الله وحده مخلصا له الدين، وبذلك أمر الله جميع الناس وخلقهم لها، كما قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات:56)، ومعنى (يعبدون) يوحِّدون، وأعظم ما أمر الله به التوحيد -وهو إفراد الله بالعبادة- وأعظم ما نهى عنه الشرك -وهو دعوة غيره معه-. والدليل قوله تعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا) (النساء:36).

   فإذا قيل لك: ما الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها؟ فقل: معرفة العبد ربه، ودينه، ونبيه محمدا صلى الله عليه وسلم .

 

شرح الثلاثة أصول (الدرس الرابع)

الشرح :

   شرع المصنف رحمه الله هنا في شرح الأصل الأول: الذي هو معرفة الله تعالى .

-قوله :" الحنيفية ملة إبراهيم أن تعبد الله وحده مخلصا له الدين" الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام وهي الملة الخالصة من الشرك، وقد قال تعالى: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (النحل:123) والإخلاص التنقية والتصفية، وهو أمر قلبي واجب على كل مسلم مع كل عبادة ، وهو إفراد الله تعالى بالقصد في الطاعة وتصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين ، قال سبحانه : (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) (الزمر:2-3) فكل ما كان عبادة ينبغي أن يجرد عن قصد مرضاة غير الله جل جلاله: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) (الكهف:110) وينبغي ألا يراد بها شيء من عرض الدنيا، قال تعالى : (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ) (الشورى:20).

-قوله:" ومعنى (يعبدون) يوحِّدون "، فليس المقصود من العبد أن يعبد الله فحسب، بل وأن يفرده بهذه العبادة أيضا.

-قوله:" وأعظم ما أمر الله به التوحيد -وهو إفراد الله بالعبادة-" عرف المصنف هنا توحيد العبادة، والعبادة كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة ، والعمل لا يكون عبادة إلا إذا قام على ركني المحبة والتعظيم ، ولا يقبل إلا إذا كان مشروعا ثبت أن الله يحبه ويرضاه ، ثم لابد أن يكون خالصا لوجه الله تعالى. والمحبة عبادة يجب إخلاصها أيضا للرب جل جلاله، والتعظيم والإجلال والذل لرب العالمين أيضا عبادة ينبغي إخلاصها للمولى عز وجل .

-قوله:"وأعظم ما نهى عنه الشرك" عِظم الشرك واضح لأنه الذنب الوحيد الذي لا يغفره الله تعالى إلا لمن تاب منه، قال عز وجل: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) (لقمان13)، وقال سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً) (النساء:48)، وسئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم، فقال:" أن تجعل لله ندا وهو خلقك" (متفق عليه).

-قوله:"وهو دعوة غيره معه"  عبر بالدعاء عن العبادة، والشرك في الشرع قسمان:

القسم الأول: شرك أكبر مخرج من الملة، وهو صرف العبادة لغير الله تعالى كالدعاء والسجود ونحو ذلك، ومنه الشرك في الربوبية كاعتقاد مشاركة المخلوق لله تعالى في الخلق والملك والتدبير.

والقسم الثاني: شرك أصغر غير مخرج من الملة، وهو ذرائع الشرك الأكبر ووسائله، ومنه الأقوال والأفعال التي جاء وصفها في الشرع بأنها شرك ولا يصحبها اعتقاد مناف للتوحيد، ومن أمثلة الشرك الأصغر القولي الحَلف بغير الله تعالى، وقول بعضهم ما شاء الله وفلان، ومن أمثلة الشرك الأصغر الفعلي اتخاذ الأسباب غير المشروعة في الرقية كاتخاذ تمائم القرآن والحِلق ونحو ذلك.

-قوله:" فإذا قيل لك: ما الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها فقل: معرفة العبد ربه، ودينه، ونبيه محمدا صلى الله عليه وسلم؟"  وأصل كل شيء أساسه وأسفله، وهذه الأصول الثلاثة تعتبر أساس الاعتقاد كله، وهي ثلاثة أمور متلازمة معرفة المرسل ومعرفة الرسالة ومعرفة الرسول.

قال المصنف :

فإذا قيل لك: من ربك ؟ فقل: ربي الله الذي رباني وربى جميع العالمين بنعمه، وهو معبودي ليس لي معبود سواه، والدليل قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الفاتحة:2) وكل من سوى الله عالم، وأنا واحد من ذلك العالم.

الشرح :

-قوله :"ربي الله الذي رباني وربى جميع العالمين بنعمه" تضمنت الجملة الأولى من الجواب معنى توحيد الربوبية، الرب من التربية وهي الرعاية والقيام على مصالح العباد، والله تعالى هو المدبر والمصلح لشأن العالم كله، وهو مليكه وخالقه، وهذه المعاني هي أصول توحيد الربوبية.

-قوله :" وهو معبودي ليس لي معبود سواه" وتضمنت الجملة الثانية توحيد الألوهية أو العبادة،  والمعبود هو الذي يُقصد بالطاعات ويلجأ إليه في قضاء الحوائج، ويكون له الخضوع والذل والمحبة والتوكل وغير ذلك من مظاهر العبادات الظاهرة والباطنة .

-قوله :"والدليل قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)"، فالحمد كله لله والثناء كله لله، وهذا من عبادته، والله تعالى هو رب كل شيء رب كل العوالم، فدلت الآية على المعنيين جميعا.

قال المصنف :

    فإذا قيل لك: بم عرفت ربك؟ فقل: بآياته ومخلوقاته، ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر ومن مخلوقاته السماوات السبع والأرضون السبع، ومن فيهن وما بينهما، والدليل قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) (فصلت:37)، وقوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (الأعراف:54).

الشرح :

    المقصود هنا بيان دلائل الربوبية بالمطابقة ودلائل العبودية بالالتزام، فهذا دليل عام للنوعين من التوحيد.

-قوله :"بآياته ومخلوقاته" قد يراد بالآيات ما هو أعم من المخلوقات فيدخل فيها الآيات المتلوة، لأن المخلوقات أيضا من الآيات وهي العلامات على وحدانية الله تعالى.

    وقد يراد بالمخلوقات ما هو أعم من الآيات وإليه يشير المصنف، وتكون الآيات هي ذات الحركات المشهودة والمتغيرة كالشمس والقمر والليل والنهار، دون السماء والأرض.

-قوله :" الأرضون السبع" مأخوذ من قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنّ) (الطلاق: 12) والمقصود به طبقات الأرض يوضحه قول النبي صلى الله عليه وسلم:" من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه الله من سبع أرضين" (متفق عليه).

-قوله:"والدليل قوله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ" من آياته الدالة على قدرته وعلمه وحياته وإرادته سبحانه فضلا عن وجوده "لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ" فلا ينبغي السجود للمخلوق العظيم وإنما يسجد للخالق الأعظم.

-قوله :"وقوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ " وهو القادر على خلقها في لحظة بقوله كن فيكون "ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ" والعرش خلقه الله قبل خلق السماوات والأرض، واستوى عليه علا وارتفع واستقر استواء يليق بعظمته "يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ" يُغطي هذا بهذا "يَطْلُبُهُ حَثِيثاً" أي يجري وراءه سريعا "وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ" له خلق كل شيء عظيم، وأمره تدبيره وتسييره ورعايته.

   وقد اقتصر المصنف هنا على الآيات المشهودة لكونها دليلا عاما أي مشتركا بين الناس وواضحا على ربوبية الله تعالى ومستلزما للألوهية، ومن الأدلة على معرفة الرب جل جلاله الفطرة، ومنها معجزات الأنبياء ومنها الآيات العقلية المتلوة كقوله تعالى : (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) (الطور:35).

قال المصنف :

"والرب هو المعبود، والدليل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة :21-22). قال ابن كثير رحمه الله تعالى-: "الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة".

الشرح:

-قوله:"والرب هو المعبود" المقصود الاستلزام فالإقرار بالربوبية يلزم منه إفراد الله تعالى بالعبودية.

-قوله :" والدليل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ" فأمر الناس بعبادة الرب ثم ذكر مقتضيات الربوبية فقال :" الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ" ثم قال:" فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ )" فلا تشركوا في عبادة الله عز وجل، وأنتم مقرون له بالتفرد بالربوبية.

قوله :"قال ابن كثير (ت774) :" الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة" يقول الله تعالى : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) (الزخرف:87) ، وقال: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ) (يونس:31)، فليس كل من آمن بربوبية الله تعالى قد حقق المطلوب وهو توحيد العبادة، يقول المولى عز وجل: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) (يوسف:106).

 

تم قراءة المقال 4171 مرة