الأحد 29 رجب 1431

شرح الثلاثة أصول (الدرس الخامس)

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

 العبادة وأنوعها

قال المصنف:

  "وأنواع العبادة التي أمر الله بها مثل الإسلام والإيمان والإحسان، ومنها الدعاء والخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والخشوع والخشية والإنابة والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة والذبح والنذر، وغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها كلها لله تعالى، والدليل قوله تعالى: ] وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً [ (الجـن:18). 

الشرح :

   بعد أن بين المصنف رحمه الله أن الرب هو الذي يستحق العبادة ، انتقل ليشرح لنا معنى هذه العبادة ، وقد شرحها ببيان أنواعها التي ذكرها ذكرا مجملا أولا ثم أدلتها من القرآن أو السنة واحدا واحدا.

 

شرح الثلاثة أصول (الدرس الخامس)

 

 وقوله:" وأنواع العبادة التي أمر الله بها مثل الإسلام والإيمان والإحسان" وهذه الثلاثة هي الدين كله كما في حديث جبريل وسيأتي تفصيلها في الأصل الثاني، والإسلام هو الاستسلام والانقياد لله بالطاعة مع إخلاص العبودية لله تعالى والبراءة من الشرك وأهله، والإيمان إذا اقترن بالإسلام فهو الاعتقاد القلبي وأركانه ستة، والإحسان هو مراقبة الله في السر والعلن.

وقوله:" ومنها الدعاء والخوف والرجاء الخ " قوله "منها" يرجع إلى العبادة.

وقوله:" والدليل قوله تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً )"، أي الدليل على أن هذه العبادات كلها لله وقد سبق توضيحه.

قال المصنف :

   فمن صرف منها شيئا لغير الله فهو مشرك كافر، والدليل قوله تعالى: (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ) (المؤمنون:117)".

الشرح :

   قوله:"فمن صرف منها شيئا لغير الله فهو مشرك كافر"، والمشرك كافر والكافر مشرك، فإن الكافر إذا لم يشرك بالله تعالى شيئا من الأصنام المشهودة والمشار إليها، فإنه قد عبد الشيطان كما قال تعالى: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (يّـس:60)، أو عبد هواه كما قال تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاه) (الجاثـية:23) وإذا اقترنا في كتاب الله تعالى افترقا كقوله تعالى: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) (البينة:1)، فقسم الكفار إلى أهل الكتاب ومشركين فأصبح الكفر أعم من الشرك والله أعلم.

-قوله:"والدليل قوله تعالى: (وَمَنْ يَدْعُ" أي من يعبد" مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ" سماه إلها باعتبار نظر عابديه وهو إله باطل "لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ" وكل من عبد غير الله تعالى فلا برهان له في الواقع "فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ )" فالكافر لا يفلح والكافر في النار ولا شك، والحكم بالكفر يستلزم الحكم بالنار.

 1-قال المصنف :

"وفي الحديث "الدعاء مخ العبادة"، والدليل قوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)".

الشرح: 

قوله :"وفي الحديث الدعاء مخ العبادة" هذا الحديث حديث ضعيف، ويغني عنه قوله صلى الله عليه وسلم "الدعاء هو العبادة"، أورده ليبين أن الدعاء عبادة، وكأنه لم يعتمده لذلك قال:" والدليل قوله تعالى ".

-قوله:" والدليل قوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ" إذا تحققت شروط الاستجابة وانتفت موانعها "إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي" فأمر عباده بدعائه ثم سمى من ترك الدعاء مستكبرا عن العبادة وتوعده الوعيد الشديد"سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ" (غافر:60) ومعنى داخرين صاغرين أذلة.

   والدعاء منه دعاء عبادة وهو حمد الله والثناء عليه ، ومنه دعاء مسألة وهو بمعنى الطلب، وليس كل طلبٍ عبادةٌ من حق الله، ولكن طلب الأشياء التي بيد الله تعالى، والتي لا يقدر عليها إلا هو سبحانه. ومما يوجب إخلاص الدعاء لله تعالى: العلم بأن الله تعالى هو القادر على كل شيء وأنه هو الذي بيده النفع والضر، والعلم بأنه تعالى حي قيوم قريب مجيب.

2-قال المصنف:

"ودليل الخوف قوله تعالى : (فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (آل عمران175)". 

الشرح : 

   والخوف هو الذعر لتوقع الهلاك والضرر والأذى، ووجه الدلالة من الآية أنه أمر بإخلاصه لله تعالى فكان عبادة، والخوف من غير الله قد يكون شركا أكبر وهو خوف السر والتذلل كأن يخاف من الجن والأولياء الموتى لأجل ما عندهم مما يرجوه أو يحذره أن يصيبه سرا بغير أسباب ظاهرة أو شيء يمكن الاحتراز عنه، والخوف من الغائب العاجز شرك صريح، وهو شرك أكبر لأنه اعتقاد للنفع والضر في غير الله، وكذلك هو يؤدي إلى الشرك العملي الصريح كالذبح لغير الله تعالى والاستعاذة بغير الله.

   وقد يكون معصية وهو الخوف الذي يدفع إلى فعل الحرام أو ترك الواجب، وقد يكون مأذونا فيه كالخوف من السباع والحيات والغرق والعدو والنار .

    ومن أسباب تحصيل الخوف وإخلاصه: تذكر الآخرة قال النبي صلى الله عليه وسلم :" لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله " (رواه الترمذي وابن ماجة)، وتذكر صفات المولى عز وجل الدالة على عظمته وقوته وجبروته وعلى علمه ورقابته.

3-قال المصنف:

"ودليل الرجاء قوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ) (الكهف:110). 

الشرح :

    والرجاء طمع الإنسان في شيء قريب المنال وهو في حق الله تعالى الثقة بجوده والطمع فيما عنده والتعلق برحمته والاستبشار بفضله، فنرجو ثواب الطاعة وغفران الذنوب في الآخرة، ونرجو عطاء الله وفضله في الدنيا. ولابد من التفريق بين الرجاء الذي هو عبادة لله تعالى وبين التمني على الله الأماني، فإن الرجاء الصحيح هو الذي يسلك بصاحبه طريق الجد والاجتهاد مع حسن التوكل، والتمني يكون مع الكسل وترك الاجتهاد.

    وجه دلالة الآية أن من كان يرجو لقاء الله تعالى فلابد له من عمل مصحوب بالإخلاص وأول ما يخلص هو هذا الرجاء فلا يرجو أحدا مع الله تعالى، ومن الأدلة عليه أيضا قوله تعالى: (وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (الأعراف:56)، فإذا تعلق الرجاء بمخلوق مع الذل والخضوع أو فيما لا يقدر عليه إلا الله فهذا شرك أكبر.

    ومن الطرق الموصلة إلى إخلاص الرجاء : تذكر الجنة وما أعد الله فيها لعباده الصالحين، وتدبر صفات الجمال التي يتصف بها المولى عز وجل كالرحمة والمغفرة والرزق والكرم.

4-قال المصنف:

"ودليل التوكل قوله تعالى: (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (المائدة:23)، وقوله: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) (الطلاق:3)".

الشرح: 

   والتوكل اعتماد القلب على الله والاستناد إليه ، وينبغي أن يكون لله وحده، والدليل الأول الذي ذكر صريح في ذلك لتعليق صفة الإيمان بإخلاص التوكل على الله تعالى.

    ومن توكل على الله حق التوكل ترك الأسباب المحرمة بل والمكروهة أيضا، ففي باب التداوي مثلا ينبغي أن يتعلق القلب بالرب الملك المدبر الشافي وأن تجتنب الطرق الشركية أو المحرمة وكذلك الأمر في باب الرزق.

    والشرك في التوكل منه الاعتقادي الأكبر كالذي يعتقد في مخلوق تدبير أمور الدنيا، والذي يعتقد أن الأسباب مؤثرة بنفسها دون مشيئة الله تعالى، ومنه الشرك الأصغر اللفظي كالذي يقول توكلت على الله وفلان، ويسلم منه بأن يقول توكلت على الله ثم فلان .

    والتوكل لا ينافي اتخاذ السبب المشروع المأمور به، قال تعالى: (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (آل عمران:159)، والله تعالى كان قادرا على شق البحر لموسى عليه السلام دون سبب ومع ذلك قال له: (اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ) (الشعراء:63).

    ومعنى قوله تعالى: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) فهو كافيه قال تعالى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ) (الزمر:36)، لكن يشترط لهذا صحة السبب وعدم المانع، ومن الطرق الموصلة إلى تحصيل التوكل: تذكر صفات المولى عز وجل الدالة على الملك والتدبير كالحياة والقيومية والقدرة والحفظ. وحسن الظن بالله تعالى وتصديق وعد الله تعالى.

5-قال المصنف:

"ودليل الرغبة والرهبة والخشوع قوله تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) (الأنبياء:90)". 

الشرح:

     أما الرغبة فهي رجاء وطلب، والرهبة هي خوف وهرب أي عمل، وأما الخشوع فهو الذل والانكسار لعظمة الله بحيث يستسلم لقضائه الكوني، فلا اعتراض ولا لوم، ولقضائه الشرعي بالامتثال، وخشوع كل شيء بحسبه فخشوع البصر غضه ورميه إلى الأرض، وخشوع الصوت خفضه، وخشوع البدن سكونه وخضوعه واستسلامه. ومما يوصل إلى الخشوع تحصيل عبادة الخشية والتعظيم لله تعالى، وتذكر الآخرة والحساب، وتدبر القرآن الكريم.

    ووجه دلالة الآية هو الثناء على الأنبياء بهذه الأعمال، فدل على أنها مما يحبه الله ويرضاه ، وأصرح منه في الوجوب ، قوله تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) (الحديد:16) وقوله: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) (المؤمنون:1-2).

تم قراءة المقال 3503 مرة