الأحد 6 شعبان 1431

شرح الثلاثة أصول (الدرس السادس)

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

شرح بقية العبادات

 6-قال المصنف

"ودليل الخشية قوله تعالى: (فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي) (البقرة:150)".

الشرح:

    الخشية من أنواع الخوف، وهو الخوف الناتج عن كمال المعرفة بالذي يخاف منه، قال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء) (فاطر:28).

    ومن أنواع الخوف الوجل وهو خوف مع رجفان القلب، قال تعالى : (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) (المؤمنون60) ومنها الهيبة التي هي خوف وتعظيم، ومنها الرهبة وقد سبقت.

 

شرح الثلاثة أصول (الدرس السادس)

 

7-قال المصنف :

"ودليل الإنابة قوله تعالى: (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ) (الزمر:54).

الشرح : 

    والإنابة هي الرجوع، والمقصود بها الرجوع إلى الله تعالى بالتزام الطاعات واجتناب المنهيات، وهي أعم من التوبة بمعناه الخاص، التي تعني الرجوع بالاعتذار عن المعصية والإقلاع عنها، فالإنابة هي التوبة بالمعنى العام، قال ابن القيم:" وهي التي تتضمن محبة الله سبحانه والخضوع له والإقبال عليه والإعراض عما سواه"، والإنابة هي المقصودة بالتوبة التي لا تضاف إلى عمل ويرتب عليها النجاة والفلاح كقوله تعالى : (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور:31).

    وأما التوبة الخاصة فتعرف بأنها الندم على ما سلف منه في الماضي، والإقلاع عنه في الحال والعزم على أن لا يعود إليه في المستقبل، مع استدراك ما يمكن استدراكه، وهي المقصودة إذا ما قرنت بالعمل الصالح، كقوله تعالى: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) (الفرقان:70).

    ووجه الدلالة من الآية التي أورد المصنف ظاهر وهو أن الإنابة حق لله تعالى وحده، لأنه لا ملجأ منه إلا إليه، قال تعالى: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) (الذاريات:50).

8-قال المصنف :

"ودليل الاستعانة قوله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة:5) وفي الحديث:"إذا استعنت فاستعن بالله".

الشرح :

    الاستعانة طلب العون وتكون في الأمور كلها، وهي من أنواع الدعاء، والاستعانة تكون بالله تعالى وحده فيما لا يقدر عليه العباد وفي أمور الغيب، فطلب التوفيق والهداية والشفاء وغير ذلك من الأمور المتعلقة بربوبية الله تعالى لا يجوز طلبها من غير الله تعالى، أما طلب الإعانة على حمل ثقيل مثلا من شخص حاضر معك فهذا لا إشكال فيه، فالاستعانة إن كانت من حي قادر حاضر لا إشكال فيها، وإن كانت من ميت أو من حي غير قادر أو حي قادر غير حاضر فكل هذا شرك.

   ووجه دلالة الآية حصر الاستعانة في الله تعالى، فالاستعانة كلها لله تعالى لأن منتهى الأمر إليه، وحتى ذاك الحاضر القادر إذا أعانك فهو بقلبه وأنت بقلبك مستعينان بالله عز وجل، لأنه هو الذي يعطي كل إنسان القدرة على الأشياء، وكذلك الحديث واضح فهو صريح في المنع من الاستعانة بغير الله تعالى .

9-قال المصنف :

"ودليل الاستعاذة قوله تعالى : (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) (الفلق:1) وقوله تعالى: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ) (الناس:1)".

الشرح:

    والاستعاذة طلب الحماية والاعتصام والالتجاء من الشر ، أصلها في القلب وتظهر في الأقوال والأعمال، وهي من أنواع الدعاء إذا كانت باللسان. وهي من مقتضيات الإيمان بربوبية الله تعالى للعالَم، لذلك استدل المصنف بقوله تعالى: (قل أعوذ برب الفلق) أي برب الصبح المدبر للكون وما يجري فيه، وبقوله: (قل أعوذ برب الناس ) والله تعالى رب الكون ومن فيه.

    ومن الاستعاذات الشركية طلب الحماية من الجن والأولياء وغيرهم، قال تعالى: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً) (الجـن:6) أي فلما وضعوا مقاليد أمورهم بأيديهم وخضعوا لهم استطالوا عليهم وقدروا عليهم أكثر، لأن من استعاذ بالله حماه ومن نسي الله نسيه وتركه.

   ومن صور الاستعاذة الشركية وضع القلائد والتمائم والرقى المجهولة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:" إن الرقى والتمائم والتولة شرك" (رواه أبو داود)، والمقصود بالرقى الرقى المجهولة غير المفهومة أو التي فيها استعاذة بغير الله، والتمائم تكتب فيها غالبا طلاسم يمجد بها الشيطان ويستغاث فيها بغير الله، والتولة سحر المحبة ومن استعاذ بالسحر فقد كفر لأنه مستعيذ بالشياطين لأن السحر إنما يؤثر بفعلهم .

10-قال المصنف :

"ودليل الاستغاثة قوله تعالى: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ ) (الأنفال:9)".   

الشرح:

    الاستغاثة طلب كشف الكربات والنصرة والتأييد إذا ضاقت الأمور، والله تعالى هو المستحق وحده للاستغاثة مما لا يقدر عليه المخلوق، وهو المستحق للاستغاثة التي يصحبها ذل وخضوع، أما الاستغاثة بالحي القادر الحاضر على أنه سبب فلا شيء فيه.

    ووجه دلالة الآية أن الله تعالى هو من يستغاث به لأنه هو القادر على الإجابة، وأصرح منه في الدلالة على المطلوب قوله تعالى: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ) (النمل:62).

    وكفار العرب كانوا يوحدون الله سبحانه في الاستغاثة لأنها تكون في حال الاضطرار، وأما المنتسبون إلى الإسلام في زماننا وقبله فإنهم يشركون بالله في الرخاء، وإذا اضطروا ازدادوا شركا بل أخلصوا استغاثاتهم وعباداتهم لغير الله تعالى. والاستغاثة من الدعاء وقد خصت بالذكر لأهميتها؛ لأن الإنسان إذا كان في حال الاضطرار ظهرت عليه آثار العبودية من ذل وافتقار ومحبة وتوكل ورجاء وغيرها.

11-قال المصنف :

"ودليل الذبح قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام:162-163)، ومن السنة : "لعن الله من ذبح لغير الله".

الشرح :

    والمقصود بالذبحِ الذبحُ على وجه التقرب والتعظيم، فهذا لا يكون إلا لله تعالى، أما الذبح إكراما للضيف أو بقصد الإطعام والاتجار فهذا جائز لا شرك فيه ولا شبهة.

     ووجه الدلالة من الآية أن هذه الأمور ومنها النسك مستحقة لله تعالى، وأما الحياة والممات فقيل المراد أنها ملك لله تعالى، وقيل الأعمال المكتسبة فيها مستحقة لله تعالى. فلا ينبغي أن يشرك بالله في عبادة الذبح، ومن يذبح للأولياء طلبا للشفاعة والبركة والرضا فهو مشرك بالله تعالى شركا أكبر ، وكذلك من يذبح للجن طلبا لرضاهم أو خوفا من أذاهم، وحديث :" لعن الله من ذبح لغير الله" أخرجه مسلم، واللعن هو الطرد من رحمة الله تعالى.

12-قال المصنف:

"ودليل النذر قوله تعالى: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً) (الإنسان:7)".

الشرح :

   والنذر هو أن يلزم المكلف نفسه لله بقربة لا تلزم أو بأمر آخر مباح، وله صورتان ، الأولى: أن يقول المرء لله علي أن أصلي كذا أو أن أتصدق أو أن أصوم الخ ، فهذا يسمى النذر المطلق، وهو عبادة يجب الوفاء بها.

    والصورة الثانية أن يقول المرء : لله علي أن أصوم أو أتصدق إن حدث كذا وكذا، فهذا النذر المعلق على شرط وقد كرهه النبي صلى الله عليه وسلم  وقال:" لا خير فيه، وإنما يستخرج به من البخيل" (متفق عليه)، ووجه الكراهة أن العبد المؤمن ينبغي عليه أن يعبد الله تعالى من دون مقابل، ومن نذر نذرا فحصلت له النعمة التي كان يرجوها فلا ينبغي أن يعتقد أن الله أعطاه إياها مقابل نذره، ولكن بفضل الله تعالى ومَنِّه، ووفاء العبد بالنذر لا يفي حق شكر تلك النعمة، ومع القول بكراهته -ومن العلماء من قال بتحريمه- فإنه يجب الوفاء به، لعموم حديث النبي صلى الله عليه وسلم :" من نذر أن يطيع الله فليطعه" (رواه البخاري).

    ووجه دلالة الآية أن الله تعالى أثنى على عباده بأنهم يوفون بالنذر، فدل على أنه يحب ذلك ويرضاه فهو عبادة، ويدل عليه أيضا قوله تعالى: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ) (البقرة:270) فالنذر كالنفقة في سبيل الله والله تعالى يعلمه لا ينساه ويجازي العبد عليه.

    ومن نذر لغير الله تعالى عبادة من العبادات المعلومة فواضح شركه في ذلك، ومن نذر الزيارة وتقديم الشموع أو غير ذلك فهذه أيضا عبادات أو بالنذر صارت عبادات، ومن نذر لغير الله نذرا معلقا فشركه أعظم من جهة أنه يظن أن هذا المنذور له قد تدخل في إرادة الله تعالى.

 

تم قراءة المقال 3162 مرة