الأحد 13 شعبان 1431

شرح الثلاثة أصول (الدرس السابع)

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

 

الأصل الثاني : معرفة دين الإسلام بالأدلة

قال المصنف :

"وهو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله، وهو ثلاث مراتب: الإسلام و الإيمان والإحسان و كل مرتبة لها أركان".

الشرح :

-قوله:"الأصل الثاني"، وهو جواب السؤال ما دينك الذي سبق، فلابد من "معرفة الإسلام بالأدلة"، قال تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ ( (آل عمران:19) وقال: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران:85)، فلابد من معرفة الإسلام بمراتبه وأركانه وتفاصيله.

   وهنا سؤال هل يجيب عن هذا السؤال كل المسلمين في القبر ؟

 

شرح الثلاثة أصول (الدرس السابع)

   الذي لا شك فيه أن من دان بغير الإسلام ظاهرا وباطنا لن يجيب عن هذا السؤال، وكذلك المنافق الذي انقاد في الظاهر لكن خلا باطنه من الاستسلام لله بالتوحيد، وكذلك من كان من المسلمين، لكن كان دينه وديدنه الدنيا ومتاعها إذ غلبت عليه المعصية والبعد عن الطاعة.

    والمسلم الذي يوفق للإجابة هو الذي حقق معنى الإسلام "وهو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة و البراءة من الشرك وأهله" ودليل هذا التعريف للإسلام سبق في المدخل الثاني في مقدمة الرسالة

   والاستسلام لله بالتوحيد يكون بالاعتقاد والقول والعمل، فيعتقد الوحدانية بقلبه ويشهد بها بلسانه ويعبد الله تعالى ولا يشرك به أحدا بأعماله .

   والانقياد لله تعالى بالطاعة ظاهرا وباطنا، بأن يمثل فعل المأمور ويجتنب المحظور وهو راض بذلك قابل له.

   والبراءة من الشرك وأهله ببغض الشرك ومجانبة مظاهره، وعدم موالاة أهله محبة ونصرة وتأييدا بل البراءة بغضهم والتميز عنهم ومخالفتهم.

-قوله :"وهو ثلاث مراتب الإسلام والإيمان والإحسان وكل مرتبة لها أركان" فالمسلم أولا يسلم لله بالاعتراف بوحدانيته واستحقاقه للعبادة والاستسلام والقبول لشرعه، فيكون مسلما، ثم يتعلم شرائع الإيمان فيدخل الإيمان إلى قلبه ويعمل بها فيكمل إيمانه، ثم بالعلم والعمل المتلازمين والإخلاص فيهما يصل بعدها إلى مرتبة الإحسان.

[المرتبة الأولى : الإسلام]

قال المصنف:

  "فأركان الإسلام خمسة: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام ".

الشرح:

   قوله: "فأركان الإسلام خمسة: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام" الإسلام هو العمل الظاهر كله والتكاليف الشرعية جميعها، لكن أسسه وأركانه هي الخمسة المذكورة، وقد جمعت فيها أنواع العبودية كلها ؛ إذ منها القول اللساني وهو الشهادتان، والعمل البدني الفعلي وهو الصلاة، والعمل البدني التركي وهو الصيام والعمل المالي وهو الزكاة، والعمل الذي يجمع كل ذلك قولا وبدنا ومالا فعلا وتركا وهو الحج .

   ولم يختلف العلماء في شيء من الأعمال إذا ترك هل يكون كفرا إلا هذه الأركان الأربعة، والخلاف في تارك الصلاة أشد للوعيد الشديد الوارد فيها.

[شرح أركان الإسلام]

قال المصنف:

1-فدليل الشهادة قوله تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (آل عمران:18) ومعناها: لا معبود بحق إلا الله وحده، "لا إله" نافيا جميع ما يعبد من دون الله "إلا الله" مثبتا العبادة لله وحده لا شريك له في عبادته، كما أنه ليس له شريك في ملكه، وتفسيرها الذي يوضحها قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الزخرف26-28). وقوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (آل عمران:64).

الشرح :

-قوله: "فدليل الشهادة" المقصود الشطر الأول منها، وقد قدم دليلا واضحا على توحيد الله تعالى وهو أنه شهد لنفسه بذلك والملائكة وكذا أهل العلم من أهل الأرض .

-قوله: "ومعناها: لا معبود بحق إلا الله وحده، "لا إله" نافيا جميع ما يعبد من دون الله "إلا الله" مثبتا العبادة لله وحده لا شريك له في عبادته، كما أنه ليس له شريك في ملكه". فمعنى لا إله إلا الله نفي استحقاق العبادة عن غير الله تعالى، والاعتراف بأن الله هو المعبود الحق دون غيره.

   وهذا التفسير قد جهله كثير من الناس إذ منهم من يقول المعنى لا خالق إلا الله، وهو قول باطل لأن كفار العرب كانوا مقرين به ولم ينفعهم، ومنهم من يقول المعنى لا حاكم إلا الله، وهذا أيضا باطل إذ هو لا يخرج عن معاني الربوبية، ومنهم من يقول المراد إثبات الوجود وهذا أبعد عن الصواب.

-قوله:"وتفسيرها الذي يوضحها قوله تعالى: )وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ" وهذا الشطر الأول منها وهو الكفر بالآلهة المعبودة كلها "إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي" استثناء للإله الحق المعبود وهذا الشطر الثاني.

"فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً" أي كلمة التوحيد لا إله إلا الله "بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ" أي ذريته "لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)" لعل الناس يرجعون لله تعالى فيوحدوه.

-ثم قال:" وقوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ" الذين يؤمنون جميعا برسالة إبراهيم عليه السلام "تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ" هذه الكلمة هي الكلمة التي ترك إبراهيم فإنه ما كان يهوديا ولا نصرانيا ولكن حنيفا مسلما "أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً " تفسير للكلمة "وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ" والله تعالى هو الرب المطاع الحاكم المشرع "فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ(" أي على ملة إبراهيم عليه السلام مستسلمون لله خاضعون له محتكمون لشرعه.

قال المصنف :

2-ودليل شهادة أن محمدا رسول الله قوله تعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ) (التوبة:128)، ومعنى شهادة أن محمدا رسول الله طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع.

الشرح :

    ولا يصح الإيمان بالله إلا بالإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم، وأن الله تعالى بعثه ليبلغ الناس أوامر الله ونواهيه، ومن كفر بالرسول فهو كافر بالله تعالى، وتوضيح الدليل الذي ذكر كما يلي:

-قوله: "مِنْ أَنْفُسِكُمْ" فقد أرسل في قوم يعرفونه بالصدق والأمانة، فهو منهم ليس بمجهول، ولا هو بالساحر أو المجنون .

-قوله:" عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ" يشتد عليه وقوعكم في الضيق والحرج والشرك والعذاب.

-قوله:"حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ" أي حريص على هدايتكم جميعا مؤمنكم وكافركم.

-قوله:"بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ" حب الهداية من الرحمة إلا أن رحمة المؤمنين خاصة فإن فيها محبة ورأفة.

-قوله:" ومعنى شهادة أن محمدا رسول الله طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر" أي أن مقتضاها اللازم لها الطاعة والاستسلام لأمره ونهيه، وذلك أن طاعته صلى الله عليه وسلم من طاعة الله تعالى، وقد قال عز وجل : (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) [النساء/80]

ومن مقتضاها تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما أخبر وكل ما جاء من جهته فمن كذب حديثا واحدا صح عنده كفر بالله تعالى ، لأن الله عز وجل يقول : (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) [النجم/3، 4]

قوله :" وأن لا يعبد الله إلا بما شرع" وكذا من مقتضاها الالتزام بسنته وهديه صلى الله عليه وسلم واجتناب الابتداع في الدين، كما قال عز وجل : (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) [النور/63] وقال صلى الله عليه وسلم :" من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " (متفق عليه) أي من أحدث في الدين عملا لم يكن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم فعمله مردود.

قال المصنف :

3-ودليل الصلاة والزكاة وتفسير التوحيد قوله تعالى:]وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَة[.

الشرح :

    وأول العبادات العملية الصلاة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:" العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" (رواه النسائي وابن ماجة والترمذي وصححه)، وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا غزوا فمروا على قرية فإن سمعوا الأذان وإلا أغاروا عليها، وقال تعالى: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ) (التوبة:11) وأول ما يحاسب عليه المرء الصلاة فمن صلحت صلاته فقد أفلح وأنجح ، ويقال للشافعين أخرجوا من عرفتم فيخرجون الذين كانوا يصلون معهم ويصومون يعرفونهم من آثار السجود لأن الله تعالى حرم على النار أن تأكل مواضع السجود، والرسول صلى الله عليه وسلم يعرف أمته في أرض المحشر بآثار الوضوء، فهذه الأمور كلها تبين أن شأن الصلاة شأن عظيم، وهي العبادة اليومية التي تدل على إسلام المرء .

   وكذلك الزكاة شأنها عظيم وهي كثيرا ما تقرن بالصلاة كما في الآية المذكورة وقد جعلها الله إلى جانب الصلاة والتوحيد هي الدين، وقد قال أبو بكر رضي الله عنه:والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، وتاركها كتارك الصلاة مختلف في كفره والوعيد بالعذاب في حقه ثابت، ومما يعذب به ماله الذي يأتيه على صورة ثعبان يطوقه، وقال تعالى: (يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ( (التوبة:35).

قال المصنف :

4-ودليل الصيام قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[ (البقرة:123).

الشرح :

    والصيام أيضا من أعظم الشعائر وتاركه مختلف فيه ، والوعيد في حق من أفطر يوما منه قبل غروب الشمس ثابت، رواه النسائي في الكبرى وصححه ابن حبان عن أبي أمامة الباهلى مرفوعا وفيه:"فإذا بقوم معلقين بعراقيبهم مشققة أشداقهم تسيل أشداقهم دما فقلت من هؤلاء فقيل هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم".

قال المصنف :

5-ودليل الحج قوله تعالى : (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) (آل عمران:97).

الشرح :

   والحج أيضا من أظهر شعائر الإسلام، وتاركه المتهاون به مع القدرة أيضا مختلف فيه، وقد ورد في الترهيب من تأخيره آثار كثيرة منها قول عمر رضي الله عنه من قدر على الحج فلم يحج فليس عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا .

 

تم قراءة المقال 3314 مرة