الأحد 5 رمضان 1431

شرح الثلاثة أصول (الدرس التاسع)

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

تتمة شرح أركان الإيمان ومعنى الإحسان

 5-الإيمان باليوم الآخر ، ويتضمن أمورا:

أولا: الموت وما يتبعه من أحوال أهل القبور (النعيم والعذاب).

ثانيا: الإيمان بقيام الساعة وأهوالها وقربها، وأن لها أشراطا كبرى وصغرى.

ثالثا : الإيمان بالبعث والحشر والعرض والحساب والميزان والحوض والصراط والشفاعة والقصاص.

رابعا: الإيمان بالجنة وأنها دار الموحدين أبدا، وبالنار وأنها دار الكفار والمشركين أبدا.

 

شرح الثلاثة أصول (الدرس التاسع)

6-الإيمان بالقدر ، وهو يتضمن أمورا :

أولا : العلم ، ومعناه أن الله تعالى علم كل ما كان، وما يكون وما الناس عاملون، وما هم إليه صائرون، ولكن الناس محاسبون على العمل لا على مجرد علم الله السابق، فمرتبة العلم لا تلغي الأمر والنهي ، قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) (فصلت:46) حتى أن أولاد المشركين في القيامة يمتحنون، وهذا من حكمة الله وعدله.

ثانيا: الكتابة، ومعناه الإيمان بأن الله كتب ذلك في اللوح المحفوظ، قال النبي صلى الله عليه وسلم:" كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ" (رواه مسلم).

ثالثا : المشيئة، وهو أن كل شيء يجري بمشيئة الله تعالى، فلا مشيئة للعبد إلا بعد مشيئة الله تعالى، قال تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (التكوير:29). ولا يلغي هذا مشيئة العبد وقدرته واختياره، قال تعالى: (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) (الكهف:29) ، ولولا ذلك ما كان للتكليف معنى.

رابعا: الخلق، وهو أن أعمال العباد وقدراتهم قد خلقها الله تعالى، قال تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) (الصافات:96) ولكن لا ينسب الشر إليه سبحانه تأدبا ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "والشر ليس إليك" (رواه مسلم). وليس كل شيء خلقه فهو يحبه شرعا، فقد خلق الكفر والفسوق والعصيان وليس ذلك مما يحب قطعا، قال تعالى : (وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ) (الزمر:7).

قال المصنف :

    والدليل على هذه الأركان الستة قوله تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ) (البقرة:177)، ودليل القدر قوله تعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) (القمر49).

الشرح :

    والبر من أسماء الإيمان ، وفي الآية نفى أن يكون البر مجرد القيام ببعض العبادات الظاهرة كالصلاة، ثم ذكر المسمى الكامل له الذي يجعله في رتبة أعلى من الاستسلام الظاهر وأول ما ذكر أركان الإيمان القلبي من الأيمان بالله والملائكة والكتب والرسل، والقدر لم يذكر في الآية الأولى لكونه متضمنا في معنى الإيمان بالله عز وجل، وهو مرتبط بالربوبية ومبني على الإيمان صفات العلم والقدرة والإرادة والخلق والحكمة والعدل التي يتصف بها ربنا سبحانه.

وقوله:"ودليل القدر قوله تعالى (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ )"، والقدر هو علمه الأشياء قبل كونها وكتابته لها قبل برئها، ومعنى الآية كقوله: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى . الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى . وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى) [الأعلى:1-3] أي: قدر قدرا، وهدى الخلائق إليه.

قال المصنف :

المرتبة الثالثة: الإحسان

   ركن واحد وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، والدليل قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) (النحل128) وقوله تعالى: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)(الشعراء217-220) وقوله تعالى: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ) (يونس:61).

الشرح :

    ولا يتوصل إلى المرتبة الثالثة إلا إذا تمكن الإيمان في القلب وترسخ فيه علما وعملا، ويسميها العلماء مرتبة المراقبة، والإحسان في اللغة هو الإتقان، وإتقان العبادة هو الغاية في الإخلاص والمتابعة ومراقبة الله تعالى في العمل.

-قوله:"ركن واحد وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" أي هو ركن واحد ومرتبتان عليا ودنيا، فإن تعذرت الأولى فتحصيل الثانية أيسر، لأن استحضار العبد لعلم الله تعالى به ومراقبته له واطلاعه على سره وباطنه وظاهره أدنى من أن يعبد الله كأنه يراه، وكلاهما من رتبة الإحسان.

-قوله:" والدليل قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ)" وجهه أن معية الله تعالى الخاصة وهي معية النصرة والتأييد إنما تكون للذين اتقوا والذين حققوا مرتبة الإحسان.

-قوله:"وقوله تعالى: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ" أي ينبغي أن يتوكل على الله تعالى في كل شيء، فهو القوي المنيع الذي يرجع إليه في الشدائد، وهو ذو الرحمة الواسعة بعباده إذا ما رجعوا إليه "الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ" أي الذي يراك في تنقلك بين أصحابك، والشاهد في قوله "يَرَاكَ" فهو الرقيب على العباد، فعليهم أن يعلموا ذلك ويستشعروه "إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)" ومما يدعو إلى مراقبة الله تعالى في الأعمال اعتقاد سمعه تعالى لكل شيء وعلمه الشامل بخفايا القلوب وأسرار النفوس.

-قوله:"وقوله تعالى : (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ)" الشأن أي عمل من الأعمال وتفيضون أي تدخلون وتخوضون فيه، والشاهد من الآية قوله :" إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً".

قال المصنف :

     والدليل من السنة: حديث جبريل المشهور عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد فجلس إلى النبي  صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبته، ووضع كفيه على فخذيه، وقال:يا محمد أخبرني عن الإسلام. فقال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: أخبرني عن الإيمان. قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره. قال : صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: أخبرني عن الساعة. قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. قال: أخبرني عن أماراتها. قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. قال: فمضى فلبثت مليا . فقال: يا عمر أتدرون من السائل؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم".

الشرح :

    وفي الحديث دليل على إثبات مراتب الإسلام الثلاثة، بجميع أركانها، وقوله :" يعلمكم أمر دينكم" على أن الحديث قد جمع مراتب الدين كلها.

وفي الحديث أيضا تفصيل لشيء من عناصر الإيمان باليوم الآخر، ففي قوله "أخبرني عن الساعة" أن قيام الساعة حق وأنه لا أحد يعلم متى تكون لا الرسول صلى الله عليه وسلم ولا غيره، وفي قوله " أخبرني عن أماراتها "أن لقيامها علامات ، بين منها علامتان وهي من العلامات الصغرى.

   العلامة الأولى "أن تلد الأمة ربتها" أي سيدتها ومعناه كثرة العقوق على ما اختاره ابن حجر.

   والثانية " أن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان " أي أن يستولي أهل البادية على مقاليد الأمور ويتملكون بالبلاد، فيصبح شأنهم التفاخر بالبنيان. وفي ذلك إشارة إلى معنى أعم وهو اختلال الموازين.

   وفي الحديث فوائد أخرى منها أن الملائكة قادرة على التشكل والتصور، وأن السؤال طريق من طرق التعلم ، وجواز طرح السؤال مع العلم بالجواب ليتعلم الحاضرون.

 

تم قراءة المقال 3427 مرة