الأحد 19 رمضان 1431

شرح الثلاثة أصول (الدرس الحادي عشر)

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

تابع معرفة النبي صلى الله عليه وسلم

 

قال المصنف:

"والهجرة الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام ، والهجرة فريضة على هذه الأمة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، وهي باقية إلى أن تقوم الساعة، والدليل قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً ) (النساء:97-99). وقوله تعالى : (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ) (العنكبوت:56)، قال البغوي –رحمه الله-: "سبب نزول هذه الآية في المسلمين الذين في مكة لم يهاجروا ناداهم الله باسم الإيمان". والدليل على الهجرة من السنة قوله صلى الله عليه وسلم:"لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها".

الشرح :

-قوله:"والهجرة الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام"  استطراد فيه بيان معنى الهجرة ثم حكمها، قال العثيمين:"وبلد الشرك هو الذي تقام فيه شعائر الكفر ولا تقام فيه شعائر الإسلام كالأذان والصلاة جماعة والأعياد والجمعة على وجه عام شامل، وإنما قلنا على وجه عام شامل ليخرج ما تقام فيه هذه الشعائر على وجه محصور كبلاد الكفار التي فيها أقليات مسلمة".

 

شرح الثلاثة أصول (الدرس الحادي عشر)

-قوله:"والهجرة فريضة" فهي واجبة مطلقا وقد حكي الإجماع على ذلك، ومنهم من يقول تجب على من لم يقدر على إظهار إسلامه وتستحب في حق غيره، والصحيح الأول لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين". (رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني).

    وعن جرير بن عبد الله قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبايع فقلت: يا رسول الله ابسط يدك حتى أبايعك واشترط علي فأنت أعلم قال:"أبايعك على أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح المؤمن، وتفارق المشرك". (رواه النسائي وصححه الألباني)، فهذه الأدلة تدل على وجوب الهجرة على سبيل العموم للأحوال.

-قوله:"والدليل قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ …… )" هذه الآيات نص في وجوب الهجرة على المستضعفين القادرين.

-قوله:"وقوله تعالى : (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ )" وفيها عدم تكفير من لم يهاجر، يوضحها سبب النزول المنقول عن البغوي(ت606) بالمعنى .

-قوله:" والدليل على الهجرة من السنة قوله صلى الله عليه وسلم:"لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها"، هذا الحديث حجة على أنها لا تنقطع إلى أن تقوم الساعة، وقد أخرجه أبو داود وإسناده ضعيف، وله شاهد بلفظ:"لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار"،(رواه النسائي وصححه ابن حبان من حديث عبد الله بن السعدي)، ولا يعارضه الحديث المتفق عليه:"لا هجرة بعد الفتح"، لأنه محمول على أهل مكة .أما السفر إلى بلادهم لحاجة مباحة سفرا لا يدوم، فيجوز بشرطين: أن يكون عند المسافر من العلم والإيمان ما يحفظ به دينه. وأن يتمكن من إظهار شعائر الإسلام.

قال المصنف: 

"فلما استقر في المدينة أمر ببقية شرائع الإسلام، مثل الزكاة والصوم والحج والأذان والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك من شرائع الإسلام، أخذ على هذا عشر سنين وبعدها توفي، صلاة الله وسلامه عليه".

الشرح :

-قوله:"مثل الزكاة" فرضت الزكاة في السنة الثانية بمعنى قدرت أنصبتها وإلا فالأمر بها كان بمكة على الصحيح، قال تعالى: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) (المعارج24-25)، وقال تعالى: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) (الأنعام141)، وهذه الآيات نزلت بمكة.

-قوله:"والصوم" وصوم شهر رمضان فرض في السنة الثانية .

-قوله:"والحج" والحج فرض في السنة التاسعة على القول الراجح وكان فتح مكة سنة ثمان.

-قوله:"والأذان" لم تؤد الجمعة والجماعة إلا بالمدينة وقد فرض الأذان السنة الثانية للهجرة.

-قوله:"والجهاد" لأن ذلك يستدعي قوة ومنعة ولم يكن ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم إلا في المدينة .

-قوله:"بعدها توفي" أي بعد أن أكمل تبليغ الشرائع وأدى الأمانة على وجهها توفاه الله عز وجل ، وسيذكر المصنف دليل وفاته بعد فقرات.

   وكان مرض النبي صلى الله عليه وسلم قد ابتدأ في آخر صفر سنة إحدى عشر، وتوفي يوم الإثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول، وغسل في ثيابه وكفن في ثلاثة أثواب، وصلى عليه الناس أرسالا من دون إمام، ودفن ليلة الأربعاء بعد أن تمت مبايعة أبي بكر رضي الله عنه على الخلافة.

قال المصنف:

"ودينه باق، وهذا دينه لا خير إلا دل الأمة عليه، ولا شر إلا حذرها منه، والخير الذي دلها عليه: التوحيد وجميع ما يحبه الله ويرضاه، والشر الذي حذرها منه: الشرك وجميع ما يكرهه الله ويأباه".

الشرح :

   فيه تقرير لقاعدتين مهمتين :

   الأولى قاعدة حفظ الدين وبقائه قائما إلى قيام الساعة، ويدل عليه قوله تعالى: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم :" لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ" (متفق عليه واللفظ لمسلم).

  والثانية قاعدة شمولية دين الله تعالى لكل مناحي الحياة وصلاحه لكل زمان ومكان، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث طويل:" إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ" (رواه مسلم). وقال تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (النحل:89) وقال : (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) (النساء:59).

قال المصنف:

"بعثه الله إلى الناس كافة، وافترض طاعته على جميع الثقلين الجن والإنس، والدليل قوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً ) (الأعراف:158)".

الشرح :

    ومما ينبغي اعتقاده في حق النبي صلى الله عليه وسلم شمولية دعوته للإنس والجن أجمعين، للدليل المذكور ولقوله تعالى : (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ) (الأحقاف:29)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ، أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا، وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ" (رواه مسلم).

قال المصنف :

وكمل الله به الدين، والدليل قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً) (المائدة:3).

الشرح:

   من معرفته صلى الله عليه وسلم الشهادة له بإكمال الدين للآية ، ولقوله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع:" وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ قَالُوا نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ" فرفع يده وقال:" اللهم اشهد" ثلاث مرات (رواه مسلم). وقوله صلى الله عليه وسلم:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (متفق عليه) ومن مقتضى هذا إنكار جميع الأفكار والآراء والأعمال المحدثة في الدين .

قال المصنف:

    والدليل على موته صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ) (الزمر:30-31).

الشرح:

    ومما ينبغي اعتقاده أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات، وهذا يؤكد على بشرية النبي صلى الله عليه وسلم وأنه كالناس جميعا، وأنه صلى الله عليه وسلم انتقل إلى الحياة البرزخية، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون" (رواه أبو يعلى وصححه الألباني)، فمعناه أنهم يتنعمون في الحياة البرزخية، لأن الحياة تطلق ويراد بها ارتفاع الغم والراحة، ومنه قول الله جل جلاله: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (آل عمران:169).

 

 

تم قراءة المقال 3610 مرة