لثلاثاء 11 شوال 1433

(5) منهج السالكين : النجاسات وكيفية إزالتها

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

فصل [النجاسات وكيفية تطهيرها]

 

1-وَيَكْفِي فِي غَسْلِ جَمِيعِ النَّجَاسَات عَلَى البَدَنِ أَوْ الثَّوْبِ أَوْ البُقْعَةِ أَوْ غَيْرِهَا أَنْ تَزُولَ عَيْنُهَا عَنْ المَحَلِّ، لِأَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَشْتَرِطْ فِي جَمِيعِ غَسْلِ النَّجَاسَاتِ عَدَدًا.

2-إِلَّا فِي نَجَاسَةِ الكَلْبِ، فاشْتَرَطَ فِيها سَبْعَ غَسَلَاتٍ إِحْدَاهَا بِالتُّرَابِ فِي الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ.

3-وَالأَشْيَاءُ النَّجِسَةُ : بَوْلُ الآدَمِيِّ وَعَذِرَتُهُ.

4-وَالدَّمُ إِلَّا أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ الدَّمِ اليَسِيرِ، وَمِثْلُهُ الدَّمُ المَسْفُوحُ مِنْ الحَيَوَانِ المَأْكُولِ دُونَ الذِّي يَبْقَى فِي اللَّحْمِ والعُرُوقِ، فَإِنَّهُ طَاهِرٌ.

5-ومِنَ النَّجَاسَاتِ: بَوْلُ وَرَوْثُ كُلِّ حَيَوَانٍٍ مُحَرَّمٍ أَكْلُهُ.

6-وَالسِّبَاعُ كُلُّهَا نَجِسَةٌ.

7-وَكَذَلِكَ المَيْتَاتُ .

8-إِلَّا مَيْتَةُ الآدَمِيِّ وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ وَالسَّمَكُ وَالجَرَادُ لِأَنَّهَا طَاهِرَةٌ . قال تعالى :] حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ [ الآية (المائدة:3)، وقَالَ النَّبِيُّ e:» المُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ حَيَّا وَلَا مَيِّتًا«([1])، وَقَالَ:»أُحِلَّ لَنَا مََيْتَتَانِ وَدَمَانِ فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ«(رواه أحمد وابن ماجة) ([2]).

9-أمَّا أرْوَاثُ الحَيَوَانَاتِ المَأْكُولَةِ وَأَبْوَالُهَا فَهِيَ طَاهِرَةٌ.

10-وَمَنِيُّ الآدَمِيِّ طَاهِرٌ، كَانَ النَّبِيُّ e يَغْسِلُ رَطْبَهُ وَيَفْرِكُ يَابِسَهُ.

11-وَبَوْلُ الغُلَامِ الصَّغِيرِ الذِّي لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ لِشَهْوَةٍ يَكْفِي فِيهِ النَّضْحُ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّe:» يُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ« رواه أبو داود والنسائي([3]).

12-وَإِذَا زَالَتِ عَيْنُ النَّجَاسَةِ طَهُرَ المَحَلُّ وَلَمْ يَضُرْ بَقَاءُ اللَّوْنِ وَالرِّيحِ لِقَوْلِهِ e لِخَوْلَةَ فِي دَمِ الحَيْضِ:« يَكْفِيكِ المَاءُ وَلَا يَضُرُّكِ أَثَرُهُ»([4]).

 

(5) منهج السالكين : النجاسات وكيفية إزالتها

 

فصل [النجاسات وكيفية تطهيرها]

 

    هذا الفصل تركه المصنف دون ترجمة وقد تطرق فيه المصنف إلى تحديد النجاسات وإلى كيفية تطهيرها، وهذه الطهارة إحدى الطهارتين المأمور بهما في الصلاة.

1-وَيَكْفِي فِي غَسْلِ جَمِيعِ النَّجَاسَات عَلَى البَدَنِ أَوْ الثَّوْبِ أَوْ البُقْعَةِ أَوْ غَيْرِهَا أَنْ تَزُولَ عَيْنُهَا عَنْ المَحَلِّ، لِأَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَشْتَرِطْ فِي جَمِيعِ غَسْلِ النَّجَاسَاتِ عَدَدًا.

    النجاسة هي العين المستقذرة في الشرع ويجب إزالتها عن البدن والثوب ومكان الصلاة وكذا الأواني، وليس لغسلها عدد محدود من الغسلات، ولذلك لما ذكر المصنف من أن الشارع لم يشترط أي عدد معين للغسلات، وكذلك لأن إزالة النجاسة أمر معقول معنى فمتى تحققت الإزالة عن المجل كان ذلك هو المطلوب، واشتراط العدد إنما يكون حيث يكون التعبد .

    وقد نبه المصنف إلى هذا الأمر لأنه قد قيل يشترط غسلها ثلاثا قياسا على الاستجمار بالحجارة وقيل يشترط التسبيع قياسا على نجاسة لعاب الكلب، وهذه أقيسة غير صحيحة فاسدة الاعتبار المخالفة للنص الصريح، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإهراق دلو من ماء على بول الأعرابي ولم يحدد عددا معينا، واختلاف العدد بين الاستجمار وإزالة نجاسة لعاب الكلب يدل على التعبد فيها، وعلى أن العدد خاص بالموضع الذي شرع فيه لا يتعدى به إلى غيره([5]).

2-إِلَّا فِي نَجَاسَةِ الكَلْبِ، فاشْتَرَطَ فِيها سَبْعَ غَسَلَاتٍ إِحْدَاهَا بِالتُّرَابِ فِي الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ.

    وتستثنى من القاعدة نجاسة لعاب الكلب لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :"طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ([6]). وهو حديث متفق عليه من رواية أبي هريرة ولكن اشتراط التتريب انفرد به مسلم دون البخاري.

  والصحيح في الرواية أن التتريب يكون في أول الغسلات كما جاء في رواية مسلم.

   وقول المصنف "إحداها بالتراب" رأي ذهب إليه بعض الفقهاء لما ورد في بعض الروايات في السنن "أولاهن أو أخراهن" حيث حملوا ذلك على التخيير، والصحيح أنه محمول على الشك من الراوي، ورواية مسلم تبين وجه الصواب في ذلك.

  وظاهر قول المصنف: "نجاسة الكلب" أنه يرى نجاسة الكلب بجميع أعضائه كما هو قول الشافعية والحنابلة، والذي لا شك فيه هو نجاسة لعابه ووجوب تطهيره بالصفة الواردة في الحديث، أما بقية أعضائه فالظاهر طهارتها لعدم الدليل الناقل عن أصل الطهارة، ونجاسة الريق لا تدل على نجاسة جسمه كما أن نجاسة عذرة الحيوانات لا تدل على نجاستها، والقول بطهارة أعضائه وعرقه هو مذهب الحنفية والمالكية والظاهرية وابن تيمية، إلا أن الحنفية قالوا يغسل ثلاثا، وقال المالكية بطهارة لعابه أيضا إلا أنه يغسل سبعا دون تتريب تعبدا([7]).

   وأما نجاسة بوله وغائطه فلا خلاف فيها، وقال ابن تيمية :"فإذا قيل إن البول أعظم من الريق كان ذلك متوجهاً"([8]).

   ومجمل ما تكون به إزالة النجاسة الغسل وهو الأصل، والغسل والتتريب وهو خاص بلعاب الكلب، وتكون بالنضح في بول الذكر الرضيع، وبالمكاثرة حيث لا يمكن الغسل، وبالمسح بالحجارة وغيرها، وبالدباغ للجلود، وبالاستحالة وهي تحول النجاسة إلى شيء آخر([9]).

3-وَالأَشْيَاءُ النَّجِسَةُ : بَوْلُ الآدَمِيِّ وَعَذِرَتُهُ.

  نجاسة بول الآمدي وعذرته من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، وقد نقل الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم، ومن أدلة المسألة أحاديث الاستجمار، ومنها حديث ابن عباس قَالَ مَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ:« إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ الْبَوْلِ وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ»([10]).

4-وَالدَّمُ إِلَّا أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ الدَّمِ اليَسِيرِ، وَمِثْلُهُ الدَّمُ المَسْفُوحُ مِنْ الحَيَوَانِ المَأْكُولِ دُونَ الذِّي يَبْقَى فِي اللَّحْمِ والعُرُوقِ، فَإِنَّهُ طَاهِرٌ.

   قوله "والدم" أي هو من النجاسات، وهذا مذهب الجماهير من العلماء وفي ذلك إجماع منقول، نقله الإمام أحمد وابن حزم وابن عبد البر والنووي والقرطبي وغيرهم([11])، وذهب بعض المتأخرين إلى طهارة الدماء إلا دم الحيض لقوله تعالى :] وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى [ [البقرة/222] والأذى كناية عن القذر، ولقول النبي e في الثوب يصيبه دم الحيض:«تَحُتُّهُ ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ ثُمَّ تَنْضَحُهُ ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ »([12]).

   ويدخل في الدماء النجسة دماء بني آدم ودماء الحيوانات كلها ولو كان مأكول اللحم.

   وقوله "إلا أنه يعفى عن يسير الدم" دليل ذلك أنه روي عن جماعة من الصحابة الصلاة مع يسير الدم ولم يعرف لهم مخالف، وحد اليسير ما لا يفحش في النفس نقل عن ابن عباس وعن أحمد بن حنبل([13]). ومن الدم اليسير الذي يعفى عنه ما يسيل من بعض الحشرات.

   ومما يعفى عنه القيح والصديد رغم أنه متولد من الدم؛ لأنه مما يشق التحرز عنه، ويعفى عما يبقى في اللحم والعروق من دماء لأنها طاهرة كما قال المصنف؛ إذ إباحة أكلها دليل طهارتها، وقد قال عز وجل : (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [الأنعام/145].

   ومما يستثنى أيضا من الدماء دم الشهيد لما ثبت أنه يدفن في ثوبه ودمائه ولا يغسل([14]).

5-ومِنَ النَّجَاسَاتِ: بَوْلُ وَرَوْثُ كُلِّ حَيَوَانٍٍ مُحَرَّمٍ أَكْلُهُ.

   ومن النجاسات فضلات كل حيوان محرم الأكل، وهو مذهب الجماهير من أهل العلم خلافا لداود الظاهري، ومن أدلتهم قوله e في روثة الحمار:«إنها ركس»([15])، فيلحق به بوله وجميع فضلات ما لا يؤكل لحمه من الحيوانات.

  ومفهوم كلام المصنف أن أبوال وأرواث ما يؤكل لحمه طاهرة وسيأتي ذلك صريحا .

6-وَالسِّبَاعُ كُلُّهَا نَجِسَةٌ.

  والسَّبُعُ يقع على ما له ناب من السِّباعِ ويَعْدُو على الناس والدوابّ فيفترسها مثل الأَسد والذِّئْب والنَّمِر والفَهْد وما أَشبهها ، والقول بنجاسة السباع كلها وجوارح هو رواية عن أحمد.

  وقد استدل لهذا المذهب بالقياس على الكلب وبأنها تأكل الميتة وبحديث القلتين وأحاديث النهي عَنْ لُبْسِ جُلُودِ السِّبَاعِ وَالرُّكُوبِ عَلَيْهَا.

  ولا حجة في ذلك: لأن القياس على الكلب ضعيف بل ممنوع حكم الأصل لأننا لا نسلم نجاسة ذات الكلب كما سبق، ولأنه ليس كل ما أكل الميتة اعتبر نجسا بدليل الهرة، وأما حديث القلتين فلا يثبت ولو ثبت لدل على نجاسة سؤر السباع لا على نجاسة ذواتها. وأما النهي عن الجلوس على جلودها فهو نهي تعبدي أو لأجل السرف والخيلاء وليس لأجل النجاسة، يدل على ذلك أن الجلود تطهر بالدباغ.

   والحيوان الذي يحكم بنجاسته حيا وميتا هو الخنزير، لقوله تعالى :] فَإِنَّهُ رِجْسٌ[ (الأنعام:145). والرجس معناه في الآية النجس، وهو يحتمل معنى الحرام لكن سياق الآية لا يحتمله.

7-وَكَذَلِكَ المَيْتَاتُ .

   قوله "وكذلك الميتتات" أي نجسة، وهذا مذهب الجماهير من أهل العلم ومن أدلة ذلك مفهوم قول النبي صلى الله عليه وسلم:« إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ»([16]). أي من النجاسة، والميتة اسم يعم ما كان حلال الأكل فلم يذك والمحرم الأكل سواء ذكي أو لم يذك.

8-إِلَّا مَيْتَةُ الآدَمِيِّ ومَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ وَالسَّمَكُ وَالجَرَادُ لِأَنَّهَا طَاهِرَةٌ . قال تعالى :] حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ [ الآية (المائدة:3)، وقَالَ النَّبِيُّ e:» المُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ حَيَّا وَلَا مَيِّتًا«([17])، وَقَالَ:»أُحِلَّ لَنَا مََيْتَتَانِ وَدَمَانِ فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ«(رواه أحمد وابن ماجة) ([18]). 

    ويستثني من الميتة "ميتة الآدمي" لقوله صلى الله عليه وسلم :« إن المؤمن لا ينجس»([19])، وهو نص في المؤمن وطهارة المؤمن بعد موته ظاهرة ولذلك جاز تغسيله وتقلبيه، وأما ميتة الكافر فتلحق بالقياس يؤيده عموم قوله تعالى : (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ) (الإسراء/70) وأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لعلي رضي الله عنه في دفن أبيه، وقد قال بنجاسة الكفار أحياء وأمواتا مالك وداود لقوله تعالى : (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) (التوبة/28) والمراد بالنجاسة في الآية نجاسة الاعتقاد بدليل إباحة الزواج بالكتابيات.

   وقد استدل المصنف على هذا الاستثناء بحديث:« المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا»، والصواب أنه موقوف على ابن عباس رضي الله عنهما.

   ويستثنى أيضا من الميتة "وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ" من صغار الحشرات كالذباب والنمل والنحل والبعوض، واستُدل على ذلك بحديث أبي هريرة مرفوعا :« إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وَفِي الْآخَرِ دَاءً»([20]).

   ويستثنى من الميتة "السَّمَكُ" وميتة البحر مطلقا و"الجَرَادُ" وهو مما لا نفس له سائلة، وقد استدل المصنف على ذلك بحديث:«أحل لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ«(رواه أحمد وابن ماجة)، والصواب في هذا الحديث من جهة الإسناد أنه موقوف لكنه في حكم المرفوع، وقد جاء في البحر حديث:« هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ»([21]).

    ومما يستثنى أيضا إضافة إلى ما ذكر المصنف:"العظام والشعور"، لأنها لا تدخلها الحياة أصلا ولا دماء فيها والنجاسة ثبتت وصفا للميتة إذا كانت لها نفس سائلة.

   وأما قوله تعالى :] حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ [ الآية (المائدة:3) فالظاهر أن المصنف أورده للدلالة على نجاسة الميتة والدم ولا ينهض لذلك لأن مجرد التحريم لا يدل على النجاسة والله أعلم.

    والخلاصة أن النجاسات هي : بول الآدمي وغائطه ، والدم وبول وروث كل حيوان غير مأكول اللحم، ولعاب الكلبِ، والخنزيرُ، والميتة على التفصيل المذكور.

9-أمَّا أرْوَاثُ الحَيَوَانَاتِ المَأْكُولَةِ وَأَبْوَالُهَا فَهِيَ طَاهِرَةٌ.

   القول بطهارة أرواث الحيوانات المأكولة اللحم وأبوالها هو مذهب مالك وأحمد في رواية، ومما يدل عليه حديث أنس بْنِ مَالِكٍ أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ فَاجْتَوَوْهَا فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِنْ شِئْتُمْ أَنْ تَخْرُجُوا إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ فَتَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا »([22])، وقال ابن تيمية:« القول بنجاسة ذلك محدث لا سلف له من الصحابة»([23]) أي هو مسبوق بإجماع.

وما دام الأصل في الأعيان الطهارة؛ فإنه كل ما لم يذكر في النجاسات فهو طاهر، ولكن الفقهاء قد يذكرون بعض الأشياء الطاهرة لكونها مستثناة من شيء نجس كما مر معنا في الدماء والميتات ، أو لثبوت الخلاف فيها كما هو الشأن في هذه المسألة وفي مسألة مني الآدمي.

10-وَمَنِيُّ الآدَمِيِّ طَاهِرٌ، كَانَ النَّبِيُّ e يَغْسِلُ رَطْبَهُ وَيَفْرِكُ يَابِسَهُ.

   القول بطهارة المني هو مذهب الشافعي وأحمد، ومن الأدلة على ذلك قول عائشة رضي الله عنها: «كُنْتُ أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَيُصَلِّي فِيهِ »([24]). وفي رواية في الصحيحين أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَغْسِلُ الْمَنِيَّ ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الثَّوْبِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى أَثَرِ الْغَسْلِ فِيهِ » ومنه يظهر أن المصنف روى خبر عائشة رضي الله عنها بالمعنى .

  ومثل المني في الحكم المذي وهو قول أحمد في رواية واختيار ابن خزيمة في صحيحه، وسكوت المصنف عنه يدل على أنه يعتبره طاهرا والله أعلم.

11-وَبَوْلُ الغُلَامِ الصَّغِيرِ الذِّي لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ لِشَهْوَةٍ يَكْفِي فِيهِ النَّضْحُ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّe:» يُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ« رواه أبو داود والنسائي([25]).

  بول الذكر الصغير الذي لم يطعم نجس، إلا أنه قد ورد التخفيف في إزالته والاكتفاء بالنضح فيه بدل الغسل، وقول المصنف :"لشهوة" احتراز عما قد يطعمه الآباء للصغير من عسل أو زيت وهو لم يشتهي الطعام بعد.

12-وَإِذَا زَالَتِ عَيْنُ النَّجَاسَةِ طَهُرَ المَحَلُّ وَلَمْ يَضُرْ بَقَاءُ اللَّوْنِ وَالرِّيحِ لِقَوْلِهِ e لِخَوْلَةَ فِي دَمِ الحَيْضِ:« يَكْفِيكِ المَاءُ وَلَا يَضُرُّكِ أَثَرُهُ»([26]).

   في آخر الفصل بين المصنف أن من عجز عن إزالة بعض آثار النجاسة بالماء كاللون أو الريح عفي عنها، لأنه لا تكليف إلا بمقدور والحرج مرفوع عن الأمة، ولأن تتبع أثرها بمجرد الماء والمبالغة في حكه قد تؤدي على إتلافه.

   لفظ الحديث في السنن :« أَنَّ خَوْلَةَ بِنْتَ يَسَارٍ أَتَتْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ لَيْسَ لِي إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ وَأَنَا أَحِيضُ فِيهِ فَكَيْفَ أَصْنَعُ قَالَ إِذَا طَهُرْتِ فَاغْسِلِيهِ ثُمَّ صَلِّي فِيهِ فَقَالَتْ فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ الدَّمُ قَالَ يَكْفِيكِ غَسْلُ الدَّمِ وَلَا يَضُرُّكِ أَثَرُهُ ». وقد ضعفه البيهقي وابن حجر.

   وقد يدل على معناه حديث أَسْمَاءَ قَالَتْ جَاءَتْ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ كَيْفَ تَصْنَعُ قَالَ تَحُتُّهُ ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ وَتَنْضَحُهُ وَتُصَلِّي فِيهِ([27]).

 



[1]/ أخرجه هكذا مرفوعا الدارقطني (2/70) بلفظ :"فإن المؤمن ليس بنجس حيا ولا ميتا"، وأخرجه موقوفا ابن أبي شيبة (3/267) –عوامة- وقال البيهقي (1/306):« والمعروف موقوف».

[2]/ ابن ماجة (3218، 3314) وصحح أبو زرعة كما في علل ابن أبي حاتم (1524) وقفه، وكذا الدارقطني في العلل (11/267) والبيهقي في السنن (1/254).

[3]/ أبو داود (376) والنسائي (304) وابن ماجة (526) واللفظ له ، وصححه الألباني.

[4]/ أبو داود (365).

[5]/ وقد رد المصنف في المختارات الجلية (27) وإرشاد أولى البصائر (42) القول المشهور في مذهب الحنابلة من اشتراط التسبيع بعدة أوجه منها زيادة على ما ذكرنا أنهم استعملوا القياس والحكم مختلف إذ لم يقولوا بالتتريب، ومنها أن النجاسة إذا لم تزل بسبع وجبت الزيادة بالاتفاق.

[6]/ مسلم (279).

[7]/ وألحق الحنابلة الخنزير بالكلب لأنه أخبث وهو ما اعتمده المصنف في الإرشاد، وهو هنا لم يذكره مما يدل على تراجعه.

[8]/ المجموع (21/618) وعلى القول بنجاسة كل أعضاء الكلب فإنه لا يتعين التسبيع بل تكفي الإزالة، قال النووي في شرح المهذب (2/586):"إنه متجه وقوي من حيث الدليل"

[9]/ رجح المصنف في المختارات الجلية (28) أن الاستحالة مطهرة لأن النجاسة تدور مع الخبث وجودا وعدما.

[10]/ البخاري (218) مسلم (292).

[11]/ شرح العمدة لابن تيمية (1/105) مراتب الإجماع (19) التمهيد (22/230) قال أحمد:" الدم لم يختلف الناس فيه، والقيح قد اختلف الناس فيه".

[12]/ البخاري (227) مسلم (291).

[13]/ العدة شرح العمدة (22).

[14]/ وقد استثناه المصنف في الإرشاد (47).

[15]/ البخاري (156).

[16]/ مسلم (366).

[17]/ أخرجه هكذا مرفوعا الدارقطني (2/70) بلفظ :"فإن المؤمن ليس بنجس حيا ولا ميتا"، وأخرجه موقوفا ابن أبي شيبة (3/267) –عوامة- وقال البيهقي (1/306):« والمعروف موقوف».

[18]/ ابن ماجة (3218، 3314) وصحح أبو زرعة كما في علل ابن أبي حاتم (1524) وقفه، وكذا الدارقطني في العلل (11/267) والبيهقي في السنن (1/254).

[19]/ البخاري (285) ومسلم (371).

[20]/ البخاري (5782).

[21]/ الترمذي (69) النسائي (59) أبو داود (83) ابن ماجة (386).

[22]/ البخاري (1501) ومسلم (1671) واللفظ له.

[23]/ مجموع الفتاوى (21/613).

[24]/ مسلم (288).

[25]/ أبو داود (376) والنسائي (304) وابن ماجة (526) واللفظ له، وصححه الألباني.

[26]/ أبو داود (365).

[27]/ البخاري (227) ومسلم (291).

تم قراءة المقال 4289 مرة