الجمعة 14 ربيع الثاني 1443

(13) شرح منهج السالكين : باب مواقيت الصلاة

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

كِتَابُ الصَّلاةِ [باب مواقيت الصلاة]


1- تَقَدَّمَ أَنَّ اَلطَّهَارَةَ مِنْ شُرُوطِهَا.
2- وَمِنْ شُرُوطِهَا: دُخُولُ اَلْوَقْتِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ جِبْرِيلَ: أَنَّهُ أَمَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فِي أَوَّلِ اَلْوَقْتِ، وَآخِرِهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، الصَّلاةُ مَا بينَ هَذَينِ الوَقْتَينِ. رواه أحمد والنسائي والترمذي.
3- وَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرِوٍ -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا- أَنَّ اَلنَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "وَقْتُ الظُّهْرِ، إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ، مَا لَمْ تَحْضر العَصْر، وَوَقْتُ العَصْرِ، مَا لَمْ تَصْفَّر الشَّمْسُ، وَوَقْتُ صَلاةِ الْمَغْرِبِ، مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ، وَوَقْتُ صَلاةِ العِشَاءِ، إِلى نِصْفِ اللَّيلِ، وَوَقْتُ صَلاةِ الصُّبحِ: مِنْ طُلُوعِ الفَجْرِ، مَا لم تَطْلع الشَّمْسُ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
4- وَيُدْرَكُ وَقْتُ اَلصَّلَاةِ بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ؛ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاةَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
5- وَلَا يُحِلُّ تَأْخِيرُهَا، أَوْ تَأْخِيرُ بَعْضِهَا عَنْ وَقْتِهَا لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ.
6- إِلَّا إِذَا أَخَّرَهَا لِيَجْمَعَهَا مَعَ غَيْرِهَا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِعُذْرٍ مِنْ سَفَرٍ، أَوْ مَطَرٍ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ نَحْوِهِا.
7- وَالْأَفْضَلُ تَقْدِيمُ اَلصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا .
8-إلا: العشاءَ إذا لم يشق، وإلا الظهرَ في شدة الحر، قَالَ اَلنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلاةِ، فَإِنَّ شِدَةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّم".
9- وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا فَوْرًا مُرَتِّبًا.
10- فَإِنْ نَسِيَ اَلتَّرْتِيبَ أَوْ جَهِلَهُ، أَوْ خَافَ فَوْتَ اَلصَّلَاةِ، سَقَطَ اَلتَّرْتِيبُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اَلْحَاضِرَةِ.


كتاب الصلاة
[باب مواقيت الصلاة]


    بعد أن فرغ المصنف من كتاب الطهارة وذكر أهم مسائلها انتقل إلى كتاب الصلاة وافتتحه بالحديث عن المواقيت، وذلك في سياق عام ذكر فيه شروط الصلاة ، سبق منه شرط الطهارة وستتلوه الشروط الأخرى تباعا. ولعل هذا المكان أنسب لتعريف الصلاة من تعريفها في بداية الكتاب فيقال الصلاة في اللغة العربية هي الدعاة وقد نقلت في لسان الشرع إلى عبادة ذات أقوال وأفعال معلومة مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم، وهو تعريف يشمل الصلاة المفروضة وغيرها وصلاة الجنازة ونحوها..
1- تَقَدَّمَ أَنَّ اَلطَّهَارَةَ مِنْ شُرُوطِهَا.
   هذا تذكير بالعبارة التي افتتح بها كتاب الطهارة حيث قال رحمه الله :" أمَّا الصلاة : فلَهَا شُرُوطٌ تَتَقَدَّمُ عَلَيْهَا : فَمِنْهَا الطَّهَارَةُ ..." ثم شرع في تفصيل مسائل الطهارة ، وقد جرت عادة الفقهاء على إفراد الطهارة بكتاب خاص دون الصلاة رغم كونها من شروطها وتقديمها على عليها نظرا لكثرة مسائل الطهارة، وجرت عادتهم على تقديمها أيضا إلا الإمام مالك رحمه الله في الموطأ فقد قدم كتاب المواقيت على الطهارة وقد قيل إنه فعل ذلك لأن الطهارة لا تجب إلا بدخول وقت الصلاة والله أعلم.
2- وَمِنْ شُرُوطِهَا: دُخُولُ اَلْوَقْتِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ جِبْرِيلَ: أَنَّهُ أَمَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فِي أَوَّلِ اَلْوَقْتِ، وَآخِرِهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، الصَّلاةُ مَا بينَ هَذَينِ الوَقْتَينِ. رواه أحمد والنسائي والترمذي.
   أورد المصنف حديث جبريل عليه السلام ليبين أن من شروط الصلاة دخول الوقت وأن لوقت الصلاة  أولا وآخر، ولم يسق كل متنه مكتفيا بمحل الشاهد استغناء بالحديث الآتي الذي هو مقدم عليه من جهة المعنى إذ فيه زيادة في بعض الأوقات وهو متأخر عنه ولا شك.
3- وَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرِوٍ -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا- أَنَّ اَلنَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ:
"وَقْتُ الظُّهْرِ، إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ، مَا لَمْ تَحْضر العَصْر،
وَوَقْتُ العَصْرِ، مَا لَمْ تَصْفَّر الشَّمْسُ،
وَوَقْتُ صَلاةِ الْمَغْرِبِ، مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ،
وَوَقْتُ صَلاةِ العِشَاءِ، إِلى نِصْفِ اللَّيلِ،
وَوَقْتُ صَلاةِ الصُّبحِ: مِنْ طُلُوعِ الفَجْرِ، مَا لم تَطْلع الشَّمْسُ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
في هذا الحديث تفصيل لمواقيت الصلاة من أولها إلى آخرها ، وهذا بيانها حسب ترتيبها فيه .
أولا : وقت الظهر
أوله زوال الشمس (اتفاقا) قوله :"زالت الشمس" أي مالت إلى المغرب وهو الدلوك، ويعلم ذلك بتحول ظل الأشياء من جهة الشرق إلى جهة الغرب، أو بنقصان طول ظلها ثم زيادته والحد الأدنى للنقصان هو الفيء، أو ميل الظل عن خط الشمال الذي تحدده البوصلة (والفيء طول الظل إذا كان فوق خط الشمال)
وآخره : بلوغ ظل كل شيء مثله (مع حساب الفيء) (وخالف في هذا أبو حنيفة ومد الوقت إلى بلوغ كل شيء مثليه). وقوله:"ما لم يحضر العصر" تأكيد لقوله :"وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ" وهو دليل على أنه ليس ثمة وقتا مشتركا بين الظهر والعصر.
ثانيا : وقت العصر
أوله من بلوغ ظل كل شيء مثله
وآخره إلى الاصفرار كما هو نص الحديث وهو رواية عن أحمد، وقيل إلى بلوغ ظل كل شيء مثليه لظاهر حديث جبريل (هو قول مالك والشافعي وأحمد في رواية).
ويستمر وقتها إلى غروب الشمس لأهل الضرورات وهم (الحائض والمجنون والصبي والكافر والمغنى عليه). والدليل قول النبي  : «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ» متفق عليه.
ثالثا : وقت المغرب
أوله : مغيب قرص الشمس (اتفاقا).
وآخره : إلى مغيب الشفق الأحمر وهو نص الحديث وقد قال به أبو حنيفة وأحمد، وقيل ليس له إلا وقت واحد لظاهر حديث جبريل وهو قول مالك والشافعي.
رابعا : وقت العشاء
أوله : مغيب الشفق الأحمر (عند الجمهور)
وآخره : نصف الليل وهو وقت الاختيار وهو نص الحديث ( وهو قول أبي حنيفة ورواية عن مالك وأحمد ) والليل من غروب الشمس إلى طلوع الفجر .
وقيل آخره ثلث الليل الأول (وهو قول الشافعي، ورواية عن مالك وأحمد)
   وما بعده إلى طلوع الفجر الثاني وقت ضرورة. وقال  صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:« أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى» رواه مسلم.
خامسا : وقت الصبح
أوله : طلوع الفجر الثاني أو الفجر الصادق (اتفاقا) وهو الضوء المنتشر في الأفق يكون خيطا أفقيا فاصلا بين الليل والنهار ويقابله الفجر الأول أو الكاذب وهو ضوء يظهر عموديا .
وآخره : إلى طلوع الشمس (عند الأئمة الأربعة) وقال بعض الشافعية والحنابلة وروي عن ابن القاسم أن آخره الاسفار وما بعده ضرورة .
4- وَيُدْرَكُ وَقْتُ اَلصَّلَاةِ بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ؛ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاةَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
   المعنى أن أقل ما يدرك به الوقت هو ركعة تامة من الصلاة، وذلك سواء كان معذورا أو غير معذور للحديث، وهو قول مالك وقول للشافعي ورواية عن أحمد واختيار ابن تيمية ، وقال أبو حنيفة يدركها بأقل من ركعة ، والراجح الأول : فمن أدرك أقل من ركعة اعتبرت صلاته قضاء لفائتة وأثم إن كان متعمدا .
ومما يبنى على هذا ما تدرك به صلاة الجمعة فمن أدرك أقل من ركعة صلاها ظهرا .
وأيضا إذا طهرت المرأة في آخر وقت صلاة بمقدار يسع ركعة لزمها القضاء وإلا فلا ولو حاضت بعد دخول الوقت بأقل من مقدار ركعة لم يلزمها القضاء.
وأيضا فضل صلاة الجماعة يدرك بركعة تامة .
5- وَلَا يُحِلُّ تَأْخِيرُهَا، أَوْ تَأْخِيرُ بَعْضِهَا عَنْ وَقْتِهَا لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ.
   إن معنى كون الوقت من شروط الصلاة أنها لا تصح قبل دخوله، ولا يعني أنها لا تصح بعده ، ولذلك ناسب التنبيه على عدم جواز تأخيرها أو بعضها عن وقتها الاختياري لها وقد قال الله تعالى : ( إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (النساء:103) وقال سبحانه : ( فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ )، وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :«مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ» رواه البخاري.
   وقوله :"أو تأخير بعضها" يفيد أن إدراك الصلاة بركعة إذا كان بغير تعمد لم يأثم صاحبه وأما من تعمد فمع كونه قد أدرك الصلاة فإنه يأثم عند المصنف ، لأن ظاهر النصوص أداء الصلاة كلها في وقتها قبل أن تحل الأخرى.
   وقوله "لعذر أو غيره" معناه لا يجوز تأخيرها مهما كان العذر أو الشغل وقد شرعت صلاة الخوف حتى في حال القتال حتى لا تخرج الصلاة عن وقتها ، ولا عذر لمريض إذ يجب عليه أن يصلي جالسا أو مضطجعا ولا يؤخرها، ولا عذر لمن لم يجد ما يتطهر فيصلي على حاله، وإذا منع المعذور من التأخير فمنع غيره أولى، ولو قال المصنف :"ولا يحل تأخيرها ولو لعذر" لكان أفضل والله أعلم.
6- إِلَّا إِذَا أَخَّرَهَا لِيَجْمَعَهَا مَعَ غَيْرِهَا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِعُذْرٍ مِنْ سَفَرٍ، أَوْ مَطَرٍ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ نَحْوِهِا.
   هذا استثناء متعلق بأصحاب الأعذار الذين يجوز لهم تأخير الصلاة عن وقتها بشرط وجود نية الجمع وهذا خاص بالصلوات التي يضح فيها الجمع وهي الظهر مع العصر فينوي تأخير الظهر إلى وقت العصر، والمغرب مع العشاء فينوي تأخير المغرب إلى وقت العشاء .
   وأما الأعذار المعتبرة فهي السفر والمطر والمرض، لأن المسافر يحرجه كثرة التوقف، وفي المطر يكون على الناس حرج في الخروج إلى المسجد في كل صلاة ، وقد تلحق المريض مشقة أو حرج لحاجته للنوم أو العلاج وغيره.
   وقول المصنف :" أو نحوها" معناه أنه لا حصر للأعذار فوجود الحرج في غير السفر قد يكون للمرض أو المطر كما يكون للخوف أو البرد الشديد ومما هو موجود في عصرنا الشغل المستمر الذي لا يمكن قطعه كالعمليات الجراحية وما شابه ذلك من الحاجات .
   وقول المصنف :" إلا إذا أخرها " نص في جواز جمع التأخير لتلك الأعذار ، ولا يختص الجمع بجمع التأخير بل يجوز جمع التقديم أيضا فتصلى صلاة العصر في وقت الظهر وصلاة العشاء في وقت المغرب إذا كان ذلك هو ما يرفع الحرج.
  لذلك يقال إن الجمع نوعان :
الأول: جمع تقديم في وقت الأولى وقد اتفق العلماء على مشروعية جمع الظهر والعصر جمع تقديم بعرفة، ومن أدلة جمع التقديم حديث سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمَدِينَةِ فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ، قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ قَالَ كَيْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ رواه مسلم. وهذا الجمع أنسب للجمع بين الصلاتين في المسجد بسبب المطر .
والنوع الثاني جمع تأخير في وقت الثانية، ووقد اتفق العلماء على مشروعية جمع المغرب والعشاء جمع تأخير بمزدلفة، ومن أدلة جمع التأخير حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَإِذَا زَاغَتْ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ متفق عليه.
7- وَالْأَفْضَلُ تَقْدِيمُ اَلصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا
   ثم رجع المصنف لبيان أفضلية أداء الصلاة في أول وقتها ومما يدل على ذلك قوله تعالى : (فاستبقوا الخيرات) ويدل عليه فعل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والصحابة رضي الله عنهم، قَالَ الشَّافِعِيُّ :« وَالْوَقْتُ الْأَوَّلُ مِنْ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ أَوَّلِ الْوَقْتِ عَلَى آخِرِهِ اخْتِيَارُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَلَمْ يَكُونُوا يَخْتَارُونَ إِلَّا مَا هُوَ أَفْضَلُ وَلَمْ يَكُونُوا يَدَعُونَ الْفَضْلَ وَكَانُوا يُصَلُّونَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ» -نقله عنه الترمذي- .
    وأما حديث سؤال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ فقَالَ الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا»متفق عليه، فلا يدل على المطلوب لأنه يدل على تفضيل الصلاة على غيرها لا الصلاة في أولها على الصلاة في غيره.
   وأما حديث أم فروة سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ قَالَ الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا-عند أبي داود والترمذي-، فحديث ضعيف. وحديث :" الْوَقْتُ الْأَوَّلُ مِنْ الصَّلَاةِ رِضْوَانُ اللَّهِ وَالْوَقْتُ الْآخِرُ عَفْوُ اللَّهِ "-عند الترمذي-حديث موضوع.
8-إلا: العشاءَ إذا لم يشق، وإلا الظهرَ في شدة الحر، قَالَ اَلنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلاةِ، فَإِنَّ شِدَةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّم"(متفق عليه).
   يستثنى من تفضيل تقديم الصلاة لأول وقتها حالتان :
الأولى العشاء قال المصنف :"إذا لم يشق" لأن المشقة قد تلحق المأمومين في المسجد بالتطويل والتأخير مثله وربما أكثر منه ، والدليل على ذلك قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:« لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُؤَخِّرُوا الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِهِ» -رواه الترمذي وأصله في الصحيحين-، وقد تحدث الفقهاء عن الوقت المفضل للتأخير هل هو الثلث الآخر أو النصف وسكت عنه المصنف لأنه معلوم من آخر الوقت ، وربما لكون التأخير مفضل ولو كان يسيرا وليس شرطا أن يكون إلى آخر وقتها.
الثاني : الظهر وذلك إذا اشتد الحر، وهو المسمى بالإبراد ، لأنه في بعض البلاد في فصل الصيف تكون الشمس عمودية فوق الرؤوس عند الزوال ، وخروج الناس للصلاة في ذلك الوقت فيه نوع أذى ومشقة فتؤخر الصلاة إلى أن تنكسر الشمس وتكون ثمة ظلال يستظل بها للصلاة أو للمشي إلى الصلاة  وقد جاء في رواية للبخاري عن أبي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَقَالَ: «أَبْرِدْ» ثُمَّ قَالَ: «أَبْرِدْ» حَتَّى فَاءَ الفَيْءُ، يَعْنِي لِلتُّلُولِ ثُمَّ قَالَ: «أَبْرِدُوا بِالصَّلاَةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» رواه البخاري.
وزاد المصنف في كتابه إرشاد أولى البصائر(ص69) صورة ثالثة ليس فيها نص وهي :" من يرجو وجُود الماء لعادمه، إذا رجاه في آخر الوقت" بل وضع قاعدة نصها :"أن التقديم أوْلى، إلا إذا كانَ في التَّأخير مصْلحة شَرْعية".
9- وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا فَوْرًا مُرَتِّبًا.
  وفي كلامه ثلاث مسائل :
الأولى : في وجوب قضاء الصلاة الفائتة ، وذلك إن تعلق بالنائم والناسي فهو متفق عليه لقول النبي  :«مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا» متفق عليه.
    أما تارك الصلاة لغير ذلك فاختلف فيه فقيل لا يقضي وهو مذهب أحمد وابن حبيب وابن حزم وابن تيمية وبني ذلك على القول بتكفيره عند بعضهم وعلى كون الوقت شرطا للصحة فلا فرق بين من صلى قبل الوقت ومن صلى بعده، وقيل يقضي وهو مذهب الجمهور ورجحه المصنف في الإرشاد(ص:67).
    ومن قال ليس عليه القضاء أمره بالتوبة وبالإكثار من النوافل عسى أن يجبر بها نقص الفرائض وتثقل موازينه يوم القيامة انظر المحلى 2/ 10.
الثانية : الفورية وقد عللها المصنف في الإرشاد بأن الأمر المطلق على الفور، وفي هذا الأصل نظر وكذا في وجوب الفورية حديث أبي قتادة في تأخير قضاء الصبح بعد أن نام الصحابة عنها ، وإذا فرض الأمر فيمن ترك الصلاة عمدا لشهور أو سنوات ؛ صار القول بالفورية من العنت ولا يقال بمثله .
الثالثة: في وجوب الترتيب وقد قال بالوجوب مطلقا أحمد وفي صلاة اليوم الواحد مالك وأبي حنيفة، وقال الشافعي لا يجب، ولا شك أن الترتيب أولى وأفضل لكن ما ثبت عن النبيِّ عليه الصلاة والسَّلام من قضى ما فاته مرتبا يوم الخندق لا يدل على المنع من قضائها على غير ترتيبها.
10- فَإِنْ نَسِيَ اَلتَّرْتِيبَ أَوْ جَهِلَهُ، أَوْ خَافَ فَوْتَ اَلصَّلَاةِ، سَقَطَ اَلتَّرْتِيبُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اَلْحَاضِرَةِ.
    ومعنى النسيان هنا أن يخل بالترتيب ناسيا، ومعنى الجهل أن يذكر أنه عليه ظهر وعصر من يومين مختلفين، ولا يذكر أيهما ترك أولا الظهر أو بالعصر؟
    ويتصور خوف فوات الصلاة الحاضرة فيمن نام عن صلاة الظهر والعصر واستيقظ في آخر وقت صلاة العصر، فإنه يصلي العصر قبل الظهر.
   وهذا كله على مذهب من يرى وجوب الترتيب والله أعلم.

تم قراءة المقال 14 مرة