الأحد 19 جمادة الثاني 1443

(15) شرح منهج السالكين : استقبال القبلة والنية وصلاحية المكان

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

استقبال القبلة والنية وصلاحية المكان


1- وَمِنْهَا: اِسْتِقْبَالُ اَلْقِبْلَةِ: قَالَ تَعَالَى: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) (اَلْبَقَرَةِ: 149-150).
2- فَإِنْ عَجَزَ عَنْ استقبالها، لمرض أو غيره سقط، كما تسقط جميع الواجبات بالعجز عنها، قَالَ تَعَالَى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (اَلتَّغَابُنِ: 16).
3- وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي في السفر النافلة على راحلته حيث توجهت به، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي لَفْظٍ: غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي (عليها) اَلْمَكْتُوبَةَ.
4- وَمِنْ شُرُوطِهَا: اَلنِّيَّةُ.
5- وَتَصِحُّ اَلصَّلَاةُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ إِلَّا:
- فِي مَحَلٍّ نَجِسٍ،
- أَوْ مَغْصُوبٍ،
- أَوْ فِي مَقْبَرَةٍ ،
- أَوْ حمَّام،
- أو أعطان إبل.
وَفِي سُنَنِ اَلتِّرْمِذِيِّ مَرْفُوعًا: "اَلْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ، إلا المقبرة والحمام".



[استقبال القبلة]


بقي من شروط الصلاة استقبال القبلة والنية وصلاحية المكان نتعرض لها في هذه الحلقة جميعا باختصار.
1- وَمِنْهَا: اِسْتِقْبَالُ اَلْقِبْلَةِ ، قال تعالى : ( وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ).
   قوله (منها استقبال القبلة) أي من شروط صحة الصلاة استقبال القبلة، وذلك باتفاق العلماء نقله ابن حزم وابن رشد وغيرها، دليله قوله تعالى : وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حيث أوجب على المصلي التوجه إلى المسجد الحرام ، ومعنى شطر المسجد أي جهة المسجد، وإصابة الجهة كاف ولا يشترط إصابة عين الكعبة إلا لمن كان براها وكذلك المسجد.
   وينبغي على المكلف أن يتعرف على ما يدله على القبلة إذا كان خارج المدن، وأما إذا كان في مدينة فيكفيه أن يستدل عليها بقبلة المساجد أو بسؤال أهلها.
2- فَإِنْ عَجَزَ عَنْ استقبالها، لمرض أو غيره سقط، كما تسقط جميع الواجبات بالعجز عنها،  قال تعالى : ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) (التغابن:16).
   معنى كون الاستقبال شرطا بطلان صلاة من أخل به ، لكن هل ذلك يعم العاجز والمخطئ ؟ أجاب المصنف بأن العاجز يسقط عنه الاستقبال ، والقاعدة أن لا واجب مع العجز والدليل قوله تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ  فالتكليف كله منوط بالاستطاعة ، ومن أسباب العجز المرض ومنه كون الإنسان مربوطا أو مسجونا في مكان ضيق، وكذلك كونه في حال الحرب في مواجهة العدو كما قال تعالى : فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً  (البقرة:239) قال ابن عمر:" مستقبلي القبلة وغير مستقبليها"، قال نافع:" لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي   "، رواه البخاري.
   ومثل العاجز المخطئ إذا بذل جهده في معرفتها، لأن الاجتهاد مظنة الخطأ، فهذا إذا تبين له خطؤه بعد الصلاة لم تلزمه الإعادة خلافا للشافعي، وأما من فرط ولم يبذل جهدا في معرفتها فإن صلاته لا تصح، ومما يستأنس به في الباب ما رواه الترمذي وضعفه من حديث عن عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ مرفوعا –وقد حسنه الألباني- كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ  فِي سَفَرٍ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ فَلَمْ نَدْرِ أَيْنَ الْقِبْلَةُ فَصَلَّى كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا عَلَى حِيَالِهِ فَلَمَّا أَصْبَحْنَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ  فَنَزَلَ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ .
3-وكان النبي  يصلي في السفر النافلة على راحلته حيث توجهت به -متفق عليه-، وفي لفظ :»غير أنه لا يصلي (عليها) المكتوبة «.
    ويستثنى من الشرطية النافلة لأنها مبنية على التخفيف حيث تصح مع ترك بعض أركانها كالقيام ، والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في السفر النافلة على راحلته حيث توجهت به كما ذكر المصنف .
   وهنا يطرح سؤال عن جواز أداء المسافر للصلاة المكتوبة من غير استقبال القبلة، فيقال نعم يجوز ذلك لمن خاف خروج الوقت ولم يتمكن من الجمع وكان في وسيلة نقل لا يمكن إيقافها ولا القيام فيها لاستقبال القبلة كالطائرة أو الحافلة ونحوها، ودليل ذلك ما سبق في المسألة قبلها.
[النية]
4- وَمِنْ شُرُوطِهَا: اَلنِّيَّةُ
    عد المصنف هنا من شروط الصلاة النية وهي شرط في كل عبادة كما سبق، والمراد بها هنا تعيين الصلاة ومن المقصود بها، فيدخل في معناها الإخلاص لله تعالى وتمييز الفريضة عن النافلة وكذا تمييز الفرائض بعضها عن بعض، ومن الفقهاء من يعتبر النية ركنا باعتبار أنها جزء من الصلاة داخلة في ماهيتها، والأصح أنها شرط إذ يصح تقدمها على الشروع في الصلاة، فمن قصد المسجد لأداء صلاة الظهر ثم ذهل حتى كبر تكبيرة الإحرام قد أتى بالنية الواجبة وصلاته صحيحة.
[صلاحية المكان]
5-وَتَصِحُّ اَلصَّلَاةُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ إِلَّا:
   هذا الشرط الأخير عند المصنف ويترجم بصلاحية المكان ليعم جميع الأحوال المذكورة، وعلى مذهب الجمهور -سوى الحنابلة- يقتصر على اجتناب النجاسة في المكان فضلا عن البدن والثوب.
- فِي مَحَلٍّ نَجِسٍ.
   أما اجتناب الصلاة في المكان النجس فمعلوم من الأمر بتطهير المسجد في حديث الأعرابي الذي بال في المسجد، ومن الأمر بتطهير الثوب والبدن في الصلاة.
   ومن صلى في محل نجس وهو قادر على اجتنابه صلاته باطلة، وهو مذهب الجمهور خلافا لأبي حنيفة والشوكاني ، ووجه البطلان أننا أمرنا بالطهارة في الصلاة ونهينا عن الصلاة بالنجاسة لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده والقاعدة عند الجمهور أن النهي يقتضي فساد المنهي عنه إلا لدليل أو قرينة.
-أو مغصوب .
   لا شك أن اجتناب الغصب والصلاة في المكان المغصوب أمر مطلوب ، لكن لم يرد نهي خاص بالصلاة حتى يقال إن النهي يقتضي الفساد، وإنما الوارد هو النهي عن الغصب، الصواب أن الصلاة صحيحة مع الإثم لأن النهي عنه منفك عن العبادة ولا تعلق له بذات الصلاة، مثله من صلى في سفر معصية فصلاته صحيحة مع الإثم لم يختلف الفقهاء في صحة صلاته وإنما اختلفوا هل يأخذ برخص السفر كالقصر والميح ونحوها،  وما قيل في حكم الصلاة في المكان المغصوب يقال في الصلاة في الثوب المغصوب أو بخاتم الذهب وكذا الوضوء بالماء المغصوب، أي الصلاة صحيحة مع الإثم.
-أو في مقبرة .
   أما الصلاة في المقبرة فقد صح فيها النهي حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم :« لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها» رواه مسلم، ومقتضى القاعدة أن النهي الدال على التحريم يقتضي فساد المنهي عنه ، هذا مذهب أحمد وداود واختيار ابن تيمية والعثيمين. وعلة النهي هي سد ذريعة الشرك بالله تعالى بالسجود بين القبور، وليس توهم نجاسة التربة كما ذكر بعض الفقهاء لذلك لا فرق في النهي بين مقبرة منبوشة وغير منبوشة.
   ومما هو داخل في مسمى المقبرة الأضرحة المبنية التي قد لا يكون فيها إلا قبر واحد.
   وأما المساجد التي دفن فيها شخص أو أكثر، فإن كانت قبورهم في غير اتجاه القبلة ومفصولة ببناء جازت الصلاة فيها وإلا لم تصح حتى تخرج منها أو تكون مفصولة ببناء.
-أو حمام .
   أما الصلاة في الحمام فقد ورد النهي عنها في الحديث الآتي ذكره وهو :« الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام »، وهو حديث رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة ، وقد أعله الترمذي والدارقطني وغير واحد من أهل الحديث بالإرسال، فلا اعتماد عليه ولا يصح القول بالبطلان، لكن الذي لا شك فيه كراهة الصلاة في كل مكان غير نظيف. وقد صح عن ابْنِ عَبَّاسٍ قال: «لَا تُصَلِّيَنَّ إِلَى حَشٍّ، وَلَا فِي الْحَمَّامِ، وَلَا فِي الْمَقْبَرَةِ» (رواه عبد الرزاق)، والمقصود موضع الاغتسال، وأما إذا كان في جهة ما من بناء الحمام مكان نظيف أو مخصص للصلاة فلا حرج في ذلك.
-أو أعطان إبل .
   وأما أعطان الإبل فصد صح النهي عنها صريحا في حديث أبي هريرة مرفوعا صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ وَلَا تُصَلُّوا فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ وقد رواه الترمذي وابن ماجة وصححه الألباني. ومقتضى النهي إذا كان دالا على التحريم فهو يدل على الفساد ، والقول ببطلان الصلاة في أعطان الإبل هو مذهب أحمد وأبي ثور . وصح في مسند أحمد (34/ 182) عن عبد الله بن مغفل قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، وَلَا تُصَلُّوا فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ، فَإِنَّهَا خُلِقَتْ مِنَ الشَّيَاطِينِ ".
-في سنن الترمذي مرفوعا :» الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام « .
   هذا الحديث في صحته نظر كما سبق وأما كون الأرض كلها مسجد فهو عموم وارد في أحاديث أخرى في الصحيحين وقد عده النبي  من خصائصه، وأول ما يستثنى الحشوش وأماكن النجاسة وقد صح استثناء أعطان الإبل والله أعلم

تم قراءة المقال 351 مرة