الخميس 23 صفر 1435

وسطية الإسلام (1) المفهوم مميز

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)


 

   بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فأول ما ابتدئ به التنويه بأهمية هذه الدورة التي تتمحور حول الغلو ومظاهره وأسبابه وعلاجه، وخاصة في هذه الأيام التي يكثر الحديث فيها عن التطرف والغلو والتشدد والإرهاب وعن التساهل والتميع والانحلال وعن الوسطية والاعتدال، وهذا الحديث يصدر من جهات متعددة ومختلفة؛ فيتكلم بهذه المصطلحات المسلم كما يتكلم اليهودي والنصراني، وتجري على لسان العلماء السنيين كما تجري على لسان الأدعياء والمبتدعين، فكان من الضروري أن تضبط ضبطا شرعيا على ضوء الكتاب والسنة، حتى لا يذهب كل واحد منا في فهمها وتفسيرها إلى ما تهواه نفسه أو ما تخليه فهمه القاصر، فالغلو أو التشدد مثلا أمر نسبي في أفهام الناس حيث يوجد كثير منهم يرى أن من يحافظ على الصلوات الخمس في المسجد متشددا ويرى أن من تلتزم بالحجاب الشرعي متشددة، وهذه شعائر الدين لا يمكن أن تكون من الغلو إلا عند مقصر أو منحل.

وسطية الإسلام (1) المفهوم

[حقيقة الوسطية]

   وبالنسبة لموضوع محاضرتي "الوسطية في الإسلام" أو "وسطية الإسلام" -وهذا العنوان الثاني أبلغ عندي في الدلالة على المعنى الصحيح للوسطية إذ دين الإسلام هو العدل وهو الوسط لا عدل ولا اعتدال ولا وسطية إلا فيه ولا أحد وسطي إلا من تمسك به، فهذه الوسطية تتعلق بالإسلام ككل لا ببعض جوانبه أو شرائعه، وهذا المصطلح مصطلح قرآني رباني وارد في كتاب الله فلابد أن نرجع في فهمه وشرحه إلى كلام المفسرين لتحقيق معناه وما أراد الله تعالى منه، ولا يرجع فيه إلى المعنى اللغوي المجرد أو ما اصطلح عليه فئة من الناس سواء كانوا مسلمين أو غيرهم، ولا شك أن تفسير الوسطية بحسب اللغة المجردة أو الاصطلاحات الحادثة سينتج لنا وسطيات، فكل واحد من الناس سيرسم حدودا لوسطية تناسبه أو تناسب الفئة التي ينتمي إليها، وليس ذلك جائزا لأن هذا المصطلح قرآني يفهم على مراد الله تعالى لا على مراد غيره.

   يقول الله تعالى : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) [البقرة : 143] قد فسر الوسط في الآية بالعدل والخيار والمعنى جعلناكم عدولا وخيارا ووصف العدالة والخيرية مناسب لأداء الشهادة، وفسر الوسط أيضا بمعناه الظاهر أي الجزء الذي بين طرفين ، والمعنى جعلناكم أمة متوسطة في أمر الدين فتشهد على كل من انحرف غلوا أو إجحافا، وكما ترون المعاني المذكورة في تفسير الآية متلازمة، ويمكن أن نستخلص منها أن الوسطية هي العدل والقيام على الحق والتزام الوسط بين الإفراط والتفريط.

     وهذا المعنى ليس بالغريب عنا إذ قضية توسط أمة الإسلام بين المنحرفين غلوا وتفريطا نقرأه في سورة الفاتحة في قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ) [الفاتحة: 6-7] فالصراط المستقيم وسط بين طريق المغضوب عليهم اليهود أهل التفريط وطريق الضالين النصارى أهل الإفراط. والصراط المستقيم هو طريق العدل والحق والإيمان وهو طريق الإسلام والنجاة وهو واحد لا يتعدد.

   ووسطية الإسلام بينها النبي صلى الله عليه وسلم بمخطط بياني واضح لما رسم خطا طويلا مستقيما يرمز إلى طريق الإسلام وهو في الوسط، ورسم عن يمين هذا الخط وشماله خطوطا أخرى كثيرة وقصيرة وهي ترمز إلى الانحراف بنوعية الإفراط والتفريط أو الغلو والانحلال، عن عبد الله بن مسعود قال خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا ثم قال : " هذا سبيل الله ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله وقال هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم تلا قوله تعالى : (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [الأنعام : 153] (رواه النسائي وابن ماجة وصححه ابن حبان وغيره).

[وسطيات البشر]

   إن وسطية الإسلام ربانية لا يصنعها البشر، بل يهتدون إليها لأنها الصراط المستقيم، وبعض المسلمين لم يفقهوا هذه المعاني فراحوا يصنعون لأنفسهم وسطيات، وهي عند تأملها محاولة التوسط بين الحق والباطل والنور والظلمة، وكان الواجب عليهم التمسك بالحق الذي هو وسط بين أنواع الباطل، وبالنور الذي هو وسط بين الظلمات.

   فالتوسط بين الآراء المنتشرة والجماعات الموجودة في الواقع ليس هو وسطية الإسلام؛ بل الوسطية أن تتبع الحق وتحكم بين هذه الآراء والجماعات بالعدل.

   فإذا أردت أيها المسلم أن تكون وسطيا فكن ملتزما باتباع الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة، وبناء على هذا فإنه لا يمكن لشخص أو فئة من المسلمين أن تحتكر صفة الوسطية لنفسها دون غيرها، لأن ذلك يتضمن ادعاء العصمة والإصابة في الأمور كلها، والعصمة ليست إلا لمجموع الأمة، ولذلك نجد بعض المفسرين المهتمين بالقضايا الأصولية قد جعل من قوله تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) دليلا على حجية الإجماع.

     ولا شك أن الانحراف عن الصراط القويم وقع في هذه الأمة من طوائف كثيرة؛ اتبعت سبيل اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الملل الوضعية؛ في كثير من القضايا أو قليل منها، والذين ثبتوا على الصراط ومنهج الصحابة هم أهل السنة والجماعة؛ فاستحقوا لذلك صفة الوسطية وثبتت لهم العصمة أي لمجموعهم لا لكل فرد منهم.

   وكما أساء بعض المسلمين فهم "وسطية الإسلام"؛ فقد أراد بعض الغربيين أن يفرضوا على المسلمين وسطية بمفهومهم وبما يحقق أهدافهم ومصالحهم، إذ منهم من يقول:" المسلم الوسطي هو الذي يؤمن بالقيم الغربية"، ومنهم من يتنازل قليلا ويقول:" المسلم الوسطي هو الذين يدين العنف إذا كان صادرا من المسلمين، ويشيد به إذا كان صادرا من الغرب أو أمربكا"، ومنهم من يتنازل قليلا ويقول:" المسلم الوسطي هو الذي لا يهتم بالسياسة وبالخصوص السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط".

   ونحن لا يهمنا كيف يصنفنا الغربيون أو ينظرون إلينا، فنحن إن شاء الله تعالى بتمسكنا بديننا على فهم الصحابة والتابعين والعلماء الربانيين نكون وسطيين لا بتنازلنا عن قيمنا لصالح قيم الغرب وعقائده ومبادئه المنحرفة ، ونحن وسطيون لأننا نحكم على مظاهر الانحراف-عنفا سمي أو إرهابا- بميزان واحد عادل لا يحابى به قوي أو قريب، ونحن وسطيون مع تمسكنا بحقنا في أرض فلسطين كاملة دون استثناء لأي بقعة منها، ومن تنازل عن شبر منها للصهاينة لم يكن وسطيا وسطية الإسلام.

يتبع بإذن الله تعالى

تم قراءة المقال 3546 مرة