لثلاثاء 13 جمادة الأول 1444

منهج البحث في علم اصول الفقه ...الحلقة الرابعة ....منهج الاستدلال في المسائل الأصولية

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

منهج البحث في علم اصول الفقه ...الحلقة الرابعة ....منهج الاستدلال في المسائل الأصولية
محاضرة القيت عبر الزومفي أكاديمية مفكرون بتاريخ 28 أكتوبر 2022

سنقسم هذه المحاضرة إلى ثلاثة نقاط:
1.    ضرورة الاستدلال في أصول الفقه.
2.    أنواع الأدلة التي يستدل بها الأصوليون.
3.    ضوابط الاستدلال.
الذي لا شكّ فيه أنَّ الاستدلال في علم أصول الفقه أمر ضروري، فهو العلم الذي يعلمنا الاستدلال فكيف يجوز أن تكون الكتب التي تصنّفُ فيه خالية من الاستدلال؟ لا شكّ أن الاستدلال في علم أصول الفقه ضروريٌ جداً، ولا عبرة بقولٍ في دين الله سبحانه ما لم يبن على دليل.
   وأوّل من فعل الاستدلال وبنى عليه أصول الفقه هو الإمام الشافعي رحمه الله، إذ ما من مسألة تَعرّض لها إلا وبيّنها بالدليل من كتاب الله تعالى وسنة نبيه  ومن لسان العرب، كذلك الذين ألفوا بعده من الكتب التي وصلتنا، كتاب الفصول للجصاص، مقدمة ابن القصار، الإحكام اابن حزم الظاهري، كل المؤلفين في العصور الأولى كانوا يبنونَ كتبهم الأصوليّة على الدليل، ولم يختفي هذا الدليل إلا في عصور متأخرة بدافع الاختصار، فهؤلاء المختصرين صاروا يحذفون ما يظنّونه إضافياً، أو غير ضروري فيحذفون الأمثلةَ وقد يحذفون الأدلّة الشّرعية التي تبنى عليها القواعد الأصوليّة، وهذا خطأ منهجي أدى إلى سوء فهم هذا العلم وإلى سوء تصوّره مع الأسف الشديد.
إذاً الاستدلال في أصول الفقه أمرٌ ضروري ولا شكَّ فيه، لكن هل الفقهاء اعتمدوا على الدليل؟
نعم اعتمدوا على الدليل، أليس مشهوراً عنهم أنّهم يخرجون الأصول من الفروع؟
نعم، يخرجون الأصول من الفروع لتثبيت آراء الأئمة التي لا نصّ لهم في القضايا أصوليّة، والكتب التي وصلتنا، مثلاً كتاب المقدمة لابن القصار بعدما يثبت الراي بالتخريج، يعود بعد ذلك ليسوق الأدلة نصرة لهذا الرأي، بل إنه في مسألة أو في بعض المسائل خرّج عن الإمام مالك رأياً ونصر خلافه.
إذاً تخريج الأصول من الفروع لا يستلزم التّقليد ولا نفيَ الدليل الشرعي، والفصول للجصاص الحنفي، مليء بالاستدلال وهو مبنيٌ على الاستدلال على القضايا الأصولية.
نطرح سؤالاً آخر بعدما اتفقنا على أن الأصول لا بدّ أن يكون مبنياً على الأدلّة، هل يشترط في هذه الأدلّة أن تكون قاطعة، أو أن توصل إلى القطع؟
   هنا اختلف الأصوليون، المتكلمون على وجه الخصوص قالوا: مسائل أصول الفقه قطعيّة ولا تبنى إلا على أدلّة قطعيّة، وذهب غيرهم إلى الضّد من ذلك وأنه لا يشترط، وأنّ المسائل الأصوليّة كسائر مسائل الدّين فيها ما هو قطعي وفيها ما هو ظنيّ، يعني ليست كل مسائل أصول الفقه في مرتبة واحدة.
  فعندما نتكلم عن قاعدة عربية القرآن هذه مسألة قطعية لا يجوز الشكّ فيها وتبنى على أدلّة قطعيّة، بالاستقراء من كتاب الله تعالى ومن سنة النّبي  ، لكن عندما ننتقل إلى مسألة المعرب، هل يوجد في القرآن كلمات عربتها العرب قبل نزول القرآن الكريم؟
    هذه مسألة خلافية والأدلّة فيها ظنيّة، والشّافعي رجح رأياً وغيره رجح رأياً آخر، فهل نقول عن هذه المسألة أنها قطعية؟
    لا نستطيع، فالمسائل الأصولية ليست في رتبة واحدة، عندما نتكلم عن حجية خبر الواحد، الصحيح هذه مسألة قطعية، ولكن عندما نتعرض للتفاصيل كحجية المكاتبة، أي هل إذا كتب عالمٌ إلى عالمٍ آخر بحديثٍ هل يكون لذلك حكم الاتصال، هذه مسألة خلافية منهم من ردّها وقال منقطعة، ومنهم من قال متصلة، ومنهم من قال إذا عرف وميّز خطه ...إلى غير ذلك، فهذه مسألة جزئية لا يمكن أن نشترط فيها القطع.
    حجية القياس باستقراء آراء السلف مسألة قطعية، لكن عندما نتحدث عن أمور جزئية في القياس كمسألة القياس الجليّ، هل هو مفهوم موافقة أو قياس جلي؟
    هذه مسألة ظنيّة، للشافعية لهم رأي ولغيرهم رأي آخر، لا يمكن أن ندعيَ القطع في جميع مسائل الأصول، لا يمكن أن ندعي القطع ولا يجوز لنا أن نطلب القطع، لأنَّ بعض المتكلمين أو جلُّهم، أو الذين ساروا على طريقة الباقلاني على وجه الخصوص وضعوا هذا الأصل، وقالوا مسائل الأصول قطعية ولا تثبت إلا بالدليل القطعي، لكن ماذا كانت النتيجة إذا لم نجد الأدلّة القطعية التي طلبوها، وصلوا إلى التّوقف، فظهر مذهب الوقف، أو مدرسة الواقفة، أو الواقفيّة في أصول الفقه، الأشعري، الباقلاني، الغزالي في المستصفى على وجه الخصوص، الآمدي كثير من المسائل يقولون بالوقف.
ليس التّوقف بمعنى إلى حين ظهور الراجح، لا، الراجح عندهم الوقف، فيجب أن تتوقف لأن هذه المسألة تكافأت فيها الأدلة، والظنون لا يرجح بعضها على بعض، وبالتي الراجح الوقف، ولكن الوقف في أصول الفقه سيؤدي على تعطيل هذا العلم المنهجي، إلى هذا الذي أسّس عليه أصول الفقه.
    أدى أيضاً إلى جعل بعض المسائل قطعية وهي في الحقيقة نظرية أو تحتاج إلى إثبات إلى غير ذلك، وقد أدى ذلك إلى بعض الأحكام الجائرة على المخالف، تكفيراً أو تفسيقاً، ففي جعل أصول الفقه قطعيا وإلحاقه بأصول الدين كما صرح بعضهم خطأ.
ثم إنه لا يمتنع أن يكون الدليل ظنيا وبالتّراكم والاستقراء وضمّ الدليل إلى الدليل يصبح قطعيا.
   ثم إن المتكلمين رأوا أن الأدلّة الشّرعية غالبها طني إن لم يكن في الثبوت ففي الدّلالة، فلجؤوا إلى الأدلّة العقلية طلباً للقطع، لكن هذا غير مسلم لهم ؟ والاستقراء هو الطريق الصحيح للوصول إلى القطع؟ الذي لا شكّ فيه والذي سار عليه المتقدمون ابتداءً من الإمام الشافعي هو سلوك طريق الاستقراء في الأدلّة الشّرعية، للوصول إلى هذا القطع الذي نبتغيه، وكلنا نود أن تكون هذه المسائل قطيعة وخاصّةً في علم هو الميزان هو الذي حكم بين المذاهب في القضايا الخلافية، نود ذلك، لكن إذا أوصلنا الدليل إلى التّرجيح بالظّن فنقفُ عند التّرجيح بالظّن.
أنواع الأدلة التي نحتكم إليها في علم أصول الفقه:
1-كتاب الله تعالى: وهو رأس الأدلة لأن الإيمان بالله تعالى مبنيٌ على الإيمان بكتابه وأن الكتاب موحى به إلى النّبي  وهو حجة، الإيمان بالله سبحانه وتعالى يقتضي تصديق الرسول  والإيمان بكلامه، فلا جدال في حجية القرآن الكريم عند مسلم.
2-السنة النّبوية: حجية السنة مستفادة من كتاب الله تعالى بأدلةٍ لا تعدُ ولا تحصى، والشافعي عندما ذكرها في الرسالة ذكرها في اعتبار أجناسها لا باعتبار آحادها، وجعل أول جنس من الأدلة الإيمان برسالة الرسول  .
لما نأتي إلى أصول الفقه أول القضايا الأصولية حجية السّنة، من أين نستفيد حجية السنة؟ من كتاب الله تعالى.
لَما نأتي إلى حجية الإجماع نستفيدُها من كتاب الله تعالى ومن سنة النّبي ، وقد جاء في الحديث الصحيح: ( لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى قَائِمَةً بِأَمْرِ اللَّهِ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ).
هذا أقوى دليل على حجية الإجماع من السنة النّبوية، قوله تعالى: ((كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ)) هذا دليل على حجية الإجماع، ((وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا)) هذا دليل على حجية الإجماع.
3- ونستدل أيضاً بآثار الصحابة رضي الله عنهم، فتاويهم، أقضيتهم، حواراتهم، مناظراتهم، توصلنا إلى قضايا كثيرة جداً، بل توصلنا إلى جلّ المسائل لمن أحسنَ استثمارها، وأحسن استخراجها في عصرنا هذا توجد دراسات عديدة جداً في هذا الاتجاه، استخراج أصول الفقه من أقوال أصحاب النّبي  هذه الدراسات مختلفة في جامعات متعددة، فيها استخرجت قضايا كثيرة جداً، والدراسات التي اطلعت عليها أقل ما يقال فيها أنها تحتاج إلى مزيد بحثٍ، لأنهم في الغالب أنهم يتوقفون عند المسائل الظاهرة المنصوصة أو القريبة من المنصوصة.
والذي تحدث عنه الأصوليون قديماً هو الاستقراء، الأبياري رحمه الله تعالى يقول: من تتبّع أقضية الصحابة وفتاويهم ومناظراتها واستقرأها وصل إلى القطع الذي نطلبه، اعتماد أقول أصحاب النبي  دليل مهم جداً في أصول الفقه، والمقصود اتفاقه، لا حجة في أقوال الصحابة إلى ما اختلفت فإذا وجدنا الصحابة يسيرون في اتجاه واحد وعلى منهج واحد لفهم كلام الله وتعالى وفي التعامل مع سنة النّبي  وفي طرق الاستفادة، طرق الألفاظ وغيرها، فلا شكّ أننا نحن ملزمين في اتباع أصحاب النّبي .
4-ومن الأدلّة أيضاً استقراء اللغة العربية، إجماع أهل اللغة العربية حجة في علم أصول الفقه وجه ذلك أنَّ القرآن عربي، والسنة عربية فلا بدّ أن تفهم على ضوء لسان العرب، ولا شكَّ في ذلك.
هذه هي جملة الأدلّة التي كان يعتمدها الفقهاء، أو اعتمدها الشافعي رضي الله عنه ومن سار على طريقة الفقهاء.
الأدلة العقلية
لما دخل المتكلمون إلى علم أصول الفقه استصحبوا معهم الأدلّة العقليّة المعتمدة في علم الكلام، الأدلّة هذه منها ما هو مشهور، الذي درس علم الكلام قد يتنبه لها عندما يدرس كتب أصول الفقه الجدليّة أو التي فيها الأدلّة أو مناقشة الأدلّة ويعرف أسماءها، ولكن طلبة الشّريعة الذين لم يدرسوا علم الكلام قد لا يتنبهون إلى تسمية أو نوع تلك الأدلة، منها:
1.    إلحاق الغائب بالشاهد.
2.    إنتاج المقدمات للنتائج.
3.    دليل التلازم.
4.    دليل السبر والتقسيم.
5.    اعتبار نفي الدليل دليلاً.
6.    الاستدلال بالمتفق عليه على المختلف فيه، إلى غير ذلك من الأدلة التي ذكرها المتقدمون.
وربما اختلفوا فيها، لأنّ الدليل عند المتكلمين يشترط فيه القطع، وقد رأى الجويني أنَّ هذه الأدلة لا تصل إلى القطع، فتكلم فيها.
من الأدلة العقلية أيضاً التي اعتمدها بعض الأصوليين: القياس الأرسطي اعتمده أبو الحسين البصري وتبعه الفخر الرازي في كتابه (المحصول) وتبعه بعد ذلك الآمدي فأدخله في الأدلة العقلية، الرازي وظفه، ثمَّ بعد ذلك أصبح جزءاً من علم أصول الفقه عند ابن الحاجب.
الصواب هو الاعتماد على الأدلة الشرعية، أما الأدلة العقلية فإن ذكرت فاستئناساً، وإن ذكرت كما قال الشاطبي رحمه الله: (لا بدّ أن تكون مركبة مع أدلة شرعية) فهي لا تفيدُ بذاتها، لا يمكن أن يكون الدليل عقليا لأن العقل لا يحكم، العقل لا يحكم قبل الشرع فكيف يحكم بعد الشّرع، لا يحكم في قضايا فرعية، فكيف يحكم في قضايا أصولية، فإذا حكمناه نحكمه استئناساً وتأييداً، أو كما قال الشاطبي لا بدّ من تركيبه مع أدلة شرعية تكون هي المقدمات المؤسسة لهذا الدليل.
بعد الحديث عن أنواع هذه الأدلّة وتصنّيفها، نرجع إلى ضوابط الاستدلال وهي الأهم:
أولاً: تعظيم الدليل النقلي، أي عندنا أدلّة شرعية وأدلّة عقلية، علم أصول الفقه، هل هو علمٌ شرعي أم علمٌ عقلي؟
الصواب هو علمٌ شرعي مبنيٌ على استقراء القرآن والسنة النبوية وآثار السلف الصالح، والذي لا بدّ أن ينطلق منه الإنسان في دراسته في علم أصول الفقه، مع العلم أننا نقوم بدراسة تنتهج النهج الموضوعي، بمعنى نصور المسائل ونذكر المذاهب ثمَّ الأدلّة، أدلّة الفريق الأول أدلة الفريق الثاني، مناقشة الأدلة، أدلة الفريق الأول وأدلة الفريق الثاني ثمّ لنخلص منها.
لكن الذي ينبغي أن يكون مغروسا في قلوبنا هو تعظيم الدليل الشّرعي، لأن الذي نراه في بعض كتب أصول الفقه المقارن، أو الكتب التي تعتمد المنهج الجدلي، هناك أجوبة جاهزة، مجرد يذكر الدليل الحديث مثلاً، لا نسلم بأنه صحيح، سلمنا بأنه صحيح لكنه خبر واحد وخبر الواحد ليس بحجة في الأصول، سلمنا أنه حجة لكنه معارض بدليل عقلي، طبعاً لما نجد شيئاً يتكرر بهذا الشكل سيصبح عقيدة، وهذه الاعتراضات ادرس في علم الجدل الذي ألف فيه الأصوليون وغيرهم، ويسمى هو علم أصول فقه خاص، بمعنى إذا استدل عليك الخصم بالكتاب كيف ترد عليه، وإذا استدل بالحديث كيف ترد عليه وهكذا..
وقد جسدوا ذلك في علم أصول الفقه، لكن عندما نقرأ بعض الأشياء قد تنزل مهابة حديث النّبوي من النفوس، دائماً أول جواب لحديث لا نسلم صحته، وسنرى هذا أوصل بعض الأصوليين إلى التشكيك في أحاديث الصحيحين، لا نسلم أنه صحيح، كيف لا تسلم أنه صحيح؟ حديث موجود في الصحيحين كيف لا تسلم أنه صحيح، هل عندك برهان أو حجة، ثمَّ تقول هو معارض بدليل عقلي، هل يصلح الدليل العقلي لمعارضة حديث النّبي ؟
لدي نماذج حديث: (إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ) حديث واضح في مسألة التّصويب والتّخطئة، لكن إذا رجعنا إلى المصوبة يقولون هذا هو الجواب: لا نسلم صحته، إذا كان صحيحاً فهو معارض بأدلة عقلية.
حديث قول النّبي : (اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِو بَكْرٍ ، وَعُمَرَ) في مسألة حجية قول الصحابي، سنجد هذا هو الجواب لا نسلم بصحته، إذا سلمنا صحته فهو خبر واحد لا يحتج به في الأصول، سلمنا حجيته لكنه معارض بما هو أقوى منه، هذه المراحل أو هذه الردود تجدها في المستصفى للغزالي رحمه الله وغيره ممن انتهج طريقة الباقلاني.
للفائدة: آراء الغزالي رحمه الله تعالى في المستصفى ليست آراؤه في المنخول، آراؤه في المنخول كانت متأثرة جداً بالجويني رحمه الله تعالى وفي المستصفى كان تأثره أكثر بالباقلاني، لذلك ذكرته أنه ذهب إلى الوقف في كثير من القضايا.
ثانياً: من الضوابط تكثير الأدلة وتنويعها واعتماد الاستقراء، هذه قضايا أصولية نريد أن نثبتها نريد أن نقنع أنفسنا أولاً، ونقنع قارئ بحوثنا إن صح التعبير _وبتعبير أصحاب المذاهب_ نريد أن نقنع خُصومَنا، فلا نكتفي بدليل أو دليلين، بل لا بدّ من تنويع هذه الأدلة وتكثيرها واعتماد الاستقراء عسى أن نصل إلى القطع الذي نرجوه أو نقترب منه على الأقل.
ننبه هنا إلى شيء مهم جداً، إذا قلنا المسائل الأصولية نطلب فيها القطع، وكثير منها هي مسائل قطعية، هل هذا يعني أنَّ الأصوليين عندما ذكروا بعض الأدلة أنهم لم يستعملوا الاستقراء؟
كثير من الناس يظن أن أدلة المسائل هي تلك المذكورة في كتبٍ وضعت للمبتدئين وهذا خطأ جسيم، تصور أنَّ الإمام الزركشي رحمه الله يقول: ألف الشافعي كتاباً_ لم يصل إلينا_ جمع فيه ألف دليل على حجية خبر الواحد، فهل عندما نضع كتاب للمبتدئين نذكر له ألف دليل؟
فالمسائل الأصولية بُنيت على استقراءات، ولكن الذين ألفوا ينتخبون مما استقرؤوا، فإذا وجدنا العالم ذكر ثلاثة أحاديث، آيتين وحديثين، هذا لا يعني أن الأدلة التي تدلّ على تلك القضية الأصولية هي فقط تلك المذكورة.
ممن نص على هذا الأمر القرافي رحمه الله تعالى قال: ذكر مثالاً حجية الإجماع لأن الذين ذكروا الأدلّة اكتفوا ببعض الأدلة ولم يذكروا جلّها أو كلّها ولا يمكن أن يكون ذلك، لكن نحن في بحوثنا وفي دراساتنا الجامعية نحن لا نؤلف للطلبة بل نؤلف لإثبات قواعدَ الاستدلال وللربط بين الأصول والفروع، فلا بدّ أن نُعمل الاستقراء وأن نبرز هذا الاستقراء، لا نضع في الدراسات الجامعية وأقول هذا توصلت إليه بالاستقراء وآتي أمام لجنة المناقشة أقول الاستقراء احتفظت به لنفسي، لا بدّ أن أبرزه، وقد تكون دراستنا في أربعمئة صفحة من أجل إثبات قاعدة واحدة، أو تصحيحها أو ردّها فلا بدّ من اعتماد الاستقراء.
هذا الاستقراء قد يكون في النصوص مثلاً قضية تعليل الأحكام فيها اختلاف بين الأصوليين، تعليل الأحكام إذا استقرأنا الكتاب والسنة نصل إلى نتيجة قطعية، ابن القيم رحمه الله تعالى سبق إلى هذا وكذلك الشاطبي رحمه الله تعالى.
واستقراء آثار الصحابة، وقد نصّ كثير من الأصوليين على أن حجية القياس قطيعة باستقراء آراء أصحاب النّبي  .
واستقراء لغة العرب، نستقرأ إذا كنا متمكنين من ذلك، أو نعتمد على استقراءات المتخصصين، سنذهب إلى كتب الأصول وسنجد اختلافاً في إثبات صيغ العموم، أو اختلافاً في بعض الصيغ، المتكلمون الأشاعرة ينفون الصيغ، لكن نحتج عليهم باستقراء أهل اللغة، ويختلف الأصوليون في بعض الصيغ، هل هي مفيدة للعموم أم ليست مفيدة؟ المرجع والحكم دائما في هذه الأمور هو اللغة العربية.
تكثير الأدلة وتنويعها واتباع منهج الاستقراء، التنويع حتى في القضايا الجزئية، لا يليق أن نثبت قاعدة بحديث عندما يأتي الخصم، يقول هذا الحديث ضعيف تسقط المسألة، لا، ننوع على الأقل إذا كان بين هذه الأحاديث حديث واحد مختلف فيه تبقى الأدلة الأخرى قائمة، يسقط الدليل ولا تسقط المسألة الأصولية.
الضابط الثالث: التثبت من الرواية، ومعنى التثبت هنا في مراحل:
الأحاديث الموجودة في كتب الأصول، عند ننقلها في بحوثنا لا بدّ أن نتثبت منها بالرجوع إلى المصادر الأصلية، إذ بعض الأحاديث لا وجود لها في كتب الحديث، وبعض الأحاديث موجودة ولكنها منقولة بغير ألفاظها، وبعض الأحاديث موجودة ومنقولة بألفاظها ولكنها لا تصح.
أولاً: التثبت من وجود الحديث.
ثانياً: التثبت من ألفاظه وعباراته.
ثالثاً: من ثبوته.
رابعاً: التثبت أيضاً من الأحكام التي أطلقها كثير من الأصوليين في مقام المناقشة والجدل، لا نسلم للأصوليين ما هو مذكورٌ في كتبهم.
قبل أن نمثل لهذا الضابط نقول أن الأصوليين ليسوا برتبة واحدة في العلم بحديث النبي  وفي الرجوع إلى مصادره، وقليلٌ منهم حسب علمي المتواضع وقراءتي من كان يرجع إلى المصادر وينقل الحديث منها، وقيل من كان يتكلم في الصّحة والضعف، فالشافعي رحمه الله فعل ذلك، والجصاص كان يروي الحديث بإسناده وهذا نوع من التثبت، وابن حزم مسند وناقد أيضاً، وابن السمعاني كان يرجع إلى المحدثين ويتكلم في الصحة وفي الضعف ويردّ على من ردّ الحديث وإلى غير ذلك.
من الأصوليين المتثبتين ابن السبكي رحمه الله تعالى، وابن مفلح، والطوفي، والزركشي، وأبو شامة، هؤلاء كان لهم تميز في هذا الجانب، فنعتمد عليهم أكثر من غيرهم.
والزركشي رحمه الله تعالى له كتاب خاص ألفه في تخريج الأحاديث التي اعتمد عليها الأصوليين، اسمه الكتاب (المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر) فهو أصوليٌ ومحدث.
أولا وجود الأحاديث
يوجد أحاديث كثيرة للأسف ليست موجودة، مثلا يستدل الأصوليون بحديث: (حكمي على الواحد حكمٌ على الجماعة) هذا ليس بحديث، وحديث (نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر) مشهور عند الأصوليين، الحديث الثاني أحصيت المسائل التي استدل فيها به فوجدت ثلاثة عشر مسألة أصولية وهو ليس بحديث، كيف نبني أصول الفقه على أحاديث متوهمة؟
لا نحسن الظن ونُعمل ما هو معروف في المسائل المنهجية أن الحديث النّبوي لا بد أن ينقل من مصادره التي روته بالإسناد، وإذا التزمنا هذا سلمنا من قضية الحديث الموجود أو غير الموجود.
ثانيا : ألفاظ الحديث
كذلك ألفاظ الحديث، الحديث قد يكون موجوداً لكن يتصرف فيه زيادة ونقصا وتغييرا_وهذا الأمر ليس خاصاً بكتب أصول الفقه، هذا الأمر موجود في كتب المتأخرين، وفي كتب التفسير، وفي كتب الفقه، عندما ضعف علم الحديث.
من أشهر الأحاديث التي ذكرت في كتب أصول الفقه، حديث بئر بُضاعة، وقد ذكره الأصوليون بهذا اللفظ (خلق الله الماءُ طهوراً) يقول ابن حجر هذه العبارة غير موجودة في كتب السنة.
ومنهم من ركب بين حديث أبي سعيد الخدري وبين حديث أبي أمامة الآخر الضعيف: (ألا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه) هما حديثان ليس حديثاً واحداً، فعندما ننقل حديث لا بدّ أن نرجع إلى المصادر لتمييز الألفاظ الصحيحة.
ثالثا : التثبت من الصحة
قضية الحكم بالصحة والضعف أيضاً هذا أمر لا بد منه ويرجع فيه إلى المحدثين، ولكن أنبه إلى شيء آخر، عندما يقول أصولي حديث متفق على صحته لا يغتر به، لأنّا وجدنا المتكلمين يقولون هذا حديث متفقٌ على صحته، وقد اتفق المحدثون على ضعفه. حديث معاذ رضي الله عنه في الاجتهاد، كل المحدثين تكلموا في الإسناد، ولكن الجويني يقول متفق على صحته، ويوجد أحاديث متفق عليها رواها البخاري ومسلم، مثل حديث: َقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « إِنَّمَا خَيَّرَنِىَ اللَّهُ فَقَالَ (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً) وَسَأَزِيدُ عَلَى سَبْعِينَ ).
قال الغزالي في المنخول: هذا كذب، ضعفه الباقلاني والجويني، وهذا غير مقبول منهم ن فالحديث صحيح، ومفهوم المخالفة حجة، لكن لا يستدعي الأمر تضعيف الحديث، النبي  فهم من الآية التّخيير ثم جاء النهيُ بعد ذلك.
 من الأحاديث التي ضعفها الرازي _ والرازي ليس محدثاً_ ( لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَنْفِىَ الْمَدِينَةُ شِرَارَهَا كَمَا يَنْفِى الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ ). حديث متفق عليه. وضعف الشيرازي حديث: (لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ).
فإياكم ثمّ إياكم أن تعتمدوا على الأصوليين، وهذه قاعدة عامة نعتمد في الحديث على المحدثين وفي الفقه على الفقهاء، وفي اللغة على اللغويين.
الضابط الرابع: اجتناب كثرة الجدل والاعتراضات
من الأشياء التي طغت على كتب المتكلمين الجدل، فتجازوا قدر الحاجة، نحن مطلوب منا مناقشة الأدلة، وذكر الأدلة، وبكل موضوعية ولكن ذلك لا بدّ أن يضبط لأن الخروج عن المقصود بالمناقشة قد يأتي بنتائج عكسية، نقول كلاماً عاماً، هناك فرق بين كتاب يوضع بحثا عن الحقيقة، بين كتاب يوضع لتقريب العلم، ففي البحث عن الحقيقة قد يكون مقبولاً استقصاء الأدلة والرد عليها.
    ومن جهة أخرى نفرق بين المسائل القطعية والمسائل الخلافية، المسائل المجمع عليها بين أهل السنة والجماعة لا ينبغي أن نثير فيها الخلاف ونعيد البحث من جديد، فمثل هذه المسائل انتهى فيها البحث الأصولي والواجب الآن التفريع عليها، ولا فائدة من إعادة النقاش فيما هو قطعي والاستمرار في هذا سيجعلنا كالعجلة التي تدور في مكان واحد، أو كالذي يدور في حلقةٍ مفرغة، لذلك وضعت بعض الضوابط في هذا الاتجاه:
1.    لا جدال في القطعيات، حجية السنة، هل أبحث الآن عن حجية السنة؟ لا، يمكن أن أنجز بحثاً في دفع الشبهات ويكون ذلك في مبحثٍ خاص، الشافعي رحمه الله أثبت حجية السنة وأثبت حجية خبر الواحد بطريقةٍ واضحة، ولكن لما كانت هناك شبهات يثيرها المعتزلة في وقتها أفرد لهم كتاباً سماه (جِماعُ العلم) وردّ على شبهاتهم شبهةً شبهة، ولم يدمج كتاب جِماع العلم مع كتاب الرسالة، فالكتب التي نضعها في الردّ على الشبهات يقرأها المتخصصون، أما الكتب التي نضعها للطلبة لا نشغلهم بتطويل المسائل القطعية، المسائل القطعية نقدمها بشكلٍ يجعلها قطعية في نفوسهم.
2.    لا جدل في الفرضيات، هذا أمر نبه إليه الشاطبي رحمه الله ، المسائل التي ذكر فيها خلاف وذكرت فيها أدلة ولكن لا ينبني عليها عمل، كمسألة الواجب المخير، هل يقول لنا المولى عزّ وجلّ: أوجبت عليكم هذا أو هذا؟ هل هذا الأمر موجود أم غير موجود؟ نكلف أنفسنا ونبحث، مثلاً: الكفارة هل الكفارة فيها تخيير، الخلاف مع المعتزلة التي بعد جهدٍ جهيد نجد فيها تطبيقا واحدا.
3.    الاقتصار على الشبهات والاعتراضات الواقعة فعلاً، وقد وجدنا في مسألة حجية الإجماع شيئا غريبا، المخالف يكاد أن يكون مجهولاً (النَظام) ثمّ نأتي إلى استدلال الشافعي بقوله تعالى: ((وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى)) فيذكر الأصوليون سبعة عشر اعتراضاً عليه. ولما وصل الجويني رحمه الله وكان عالماً ناقداً ممحصاً استغرب هذا الشيء، أي هو استبعد أن يكون النَظام أتى بكل هذه الاعتراضات، قال: ولكن أظن أن أصحابنا أتوا بكل هذه الاعتراضات من أجل أن تنتظم لهم عليها أجوبة، أي مجرد تدريب وتمرين.
لكن النتيجة أن تاثر بتلك الشبهات بعض المتأخرين كالشوكاني وقبله الصنعاني فشككوا في حجية الإجماع، ويوجد كثير من المعاصرين شككوا في حجية الإجماع، فلماذا نأتي بأشياء غير واقعة.
4.    لا بدّ أن تكون مناقشتنا فيها الأمانة العلمية، ما ردّ به الفريق الأول على الثاني، والفريق الأول على الثاني، والثاني على الأول، والأمر الآخر الموضوعية، بعض كتب الخلاف التي ألفها بعض الفقهاء قديماً وبعض الأصوليين لم نجد فيها التزاما بهذه القاعدة، حيث أننا نجده في مسألة يقول لا نسلم حجية الحديث لأنه مرسل، والمرسل عندنا ليس بحجة، بعد صفحات نجد حجتنا الحديث المرسل، والمرسل عندنا حجة، هذا من آثار التعصب، أن نجعل الدليل تابعاً لمذهبنا، مرة يكون مقبولا ومرة مردودا، الآن لا بد أن نتصف في بحوثنا في مناقشة الأدلة بالموضوعية، بالإضافة إلى الأمانة، في بعض الأحيان ننقل أشياء على لسان غيرنا، هم قالوا وهذه أمانة، تنقل الدليل كما قاله الشافعية، وكما قاله الحنفية، وكما قاله المتكلمون، ولكن عندما تناقش أنت لا بدّ أن يكون عندك خط واضح ورأيٌ لا تناقض فيه.
5.    الإكثار من الشبهات والاعتراضات، لا بدّ أن تكون على قدم المساواة بمعنى كل دليل تذكره لا بدّ له من جواب، لا تذكر دليلاً وتناقشه، ودليلاً ولا تناقشه، ولا تذكر شبهة ولا تردها، من الأشياء التي وجدنا وهذه تعتبر من المعضلات، أن تذكر الشبهات مفصلة والردّ عليها يكون مجملاً.
مثال: عدالة الصحابة رضي الله عنهم على الرغم أنها متعلقة بأصول الدين لكنها مطروقة في كتب أصول الفقه، طرقها الرّازي في (المحصول) بطريقة معيبة جداً، استقصى شبهات الشيعة وغيرها في الطعن بأصحاب الرسول  ثمّ لما أتى للردّ اكتفى وقال: وعدالتهم معلومةٌ في كتاب الله تعالى وفي سنة نبيه  في ثلاث أسطر المحقق طه جابر علواني في ذلك الموضع قال هذا منهج غير سليم.
ما دام ذكرت الشبهات بالتفصيل فلا بدّ أن تردّ عليها بالتفصيل، ليس كل ما هو واضحٌ في ذهنك هو واضحٌ عند القارئ قد يقول الكاتب أشياء معلومة موجودة في سطرين يعتبرها من المقررات ومن المسلمات وهو يذكر الشبهات وجوابها واضح، لا، لا تظن أن الناس جميعاً يرون الشمس كما تراها أنت، لأنك أن موجود في زاوية ترى فيها الشمس، وغيرك موجود في زاوية أخرى لا يرى فيها الشمس، الشمس هل تحتاج إلى دليل؟ لا، لكن لا بدّ أن تأخذ لها صورة وتمكن غيرك ممن يقرأ بحثك حتى يرى ما تراه ويفهم ما فهمت.
نختم هذه المحاضرة بأمرين اثنين:
1.انتقد في باب الاستدلال الحنفية والفقهاء عموماً، لأنهم يبنون أصول الفقه على الفقه، على الفروع، واعتبروه عيباً ونحن نعتبره عيباً لأنه من ألوان التقليد والتّعصب المذهبي، والذين انتقدوه هم المتكلمين، ولكن نطرح سؤالاً وهل سلِم المتكلمون من بناء أصول الفقه على مسائل علم الكلام؟
هذا أيضاً انتقاد يوجهُ إليهم، ما الذي جعل المتكلمين الأشاعرة مثلاً يخالفون في بعض القضايا اللغوية؟ صيغ الأمر، صيغ النهي، يقولون الأمر ليس له صيغة أصلاً، وأن افعل ليس أمراً، اللغوي المحايد، واللغوي الذي لا يعرف علم الكلام سيستغرب هذا الأمر، لكن الأشاعرة بنوا على ذلك بأن الصّيغة من عوارض الألفاظ، والكلام كلامٌ نفسي، إذاً بنوا أصول الفقه على الكلام، ولما تنفى الصيغة، ثمّ نأتي إلى صيغة افعل هل تدلّ على الوجوب أم على الندب؟ النتيجة الوقف.
مثلاً صيغ العموم بناها المتكلمون أو الأشاعرة على هذه القضية وقضية أخرى، صرح بها أبو بكر ابن العربي في كتابه (النكت المحصول) يقول: والذي مال بأصحابنا إلى نفي العموم إلحاح الوعيديّة بكل عموم في كتب الله تعالى وسنة النّبي  .
يعني قضية تخليد صاحب الكبيرة التي ألح عليها الوعيدية والمعتزلة كانوا يحتجون بالعمومات ووضعوا قاعدة عندهم أيضاً بأن العموم قطعي لا يقبل التّخصيص، غكان رد فعل الأشاعرة إنكار صيغ العموم، ثمّ بعد ذلك لا يحتج بالعموم إلا أن يأتي دليل يؤكده.
لكن ابن العربي قال: نعم نثبت العموم نرد عليهم بأنّ العام حجة ظنية قابلة للتّخصيص، والأدلة التي استدل بها المعتزلة كلها خاصة بالكفار، أو جاء ما يخصصها، ومن أعظم ما يخصصها حديث الشفاعة.
وهناك مسائل كثيرة جداً اختلفوا فيها ، اختلفوا في تعريف العلّة، اختلفوا في تعريف النّسخ، لماذا اختلفوا في تعريف النسخ، بناءً على العقيدة، لماذا اختلفوا في تعريف العلّة؟ هل هي مؤثرة أم غير مؤثرة يثبت الحكم بها أو لا يثبت، هل هي باعث أم هي مجرد علامة؟
لماذا هذا الخلاف في علم أصول الفقه، الخلاف مبنيٌ على علم الكلام، إذاً من أعظم الأدلّة التي لم ينص عليها المتكلمون هي بناء أصول الفقه على أصول الدين، كما أن الفقهاء المقلدون بنوا أصول الفقه على فروع الفقه والواجب في مثل هذه القضايا كما ذكرنا بناء أصول الفقه على الأدلّة المعتبرة، لا هذا ولا ذاك.
آخر نقطة، هل يشرع الاجتهاد؟
لا يوجد أحد امتلك في يوم من الأيام حقاً أن يقول للناس توقفوا عن الاجتهاد، ولكن الاجتهاد لمن مَلك أهليته، فإذا قلّ أهله قلّ، وإذا وجد أهله انتشر، ولا يمكن لأحد أن يمنع أحد أن يطلب العلم وأن يترقى في مدارجه وأن يجتهد، هل يمكن لنا أن نبحث في علم أصول الفقه ونرجح بين الأقوال؟
يمكن ذلك لمن تأهل له وملك آلته وسار على منهجية قوية في دراسته كما قلت: الاجتهاد مشروع، والتّقليد ليس ممنوعاً ولكن لا بدّ أن ننضبط باتفاق السلف وبما أجمع عليه الفقهاء وبما كان عليه أئمتنا مالك والشافعي وأحمد وما اتفقوا عليه حجة لازمة، وما اختلفوا فيه باب الاجتهاد فيه مفتوح.
(أحد المتابعين سألني في حصة مضت عن اجماعات الأصوليين: فنقول نعم نحن نتقيد بالإجماع ولكن كثير من إجماعات الأصوليين أهمل فيها آراء السلف، بل أهمل فيها آراء مالك والشافعي، فلا نغتر بما ينقلون من اجماعات، بل إنهم ينقلون اجماعات ضدّ إجماع، مسألة من أغرب ما وجدت: الصنعاني رحمه الله تعالى في كتابه (إجاب السائل) يقول: مسألة تقليد الميت، نقل الإجماع على جواز تقليد الميت، ونقل الإجماع على منع تقليده، طبعاً الفقهاء كالمجمعين على الجواز، لا يوجد من قال لا نقلد مالكاً بعد موته؟ وهل يموت العلم؟ الأقوال لا تموت بموت قائلها، فالفقهاء كانوا مجمعين، والمتكلمون جمهورهم ومنهم من حكى الإجماع على أنه لا يجوز تقليد الميت، لا أدري ما بناء ذلك، لعله يكون بناء على مسألة عدم بقاء الأعراض، والعرض لا يبقى زمانين، والعلم عرض فهو يزول بزوال صحابه، ربما يكون هذا، الشاهد عندنا إجماع ضدّ إجماع، فلا نغتر، ولا بدّ ان نتثبت بما ينقل في كتب الأصول.

تم قراءة المقال 28 مرة