الاثنين 21 محرم 1445

دور المعلم في بناء شخصية المتعلم وتعزيز انتمائه الحضاري

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

دور المعلم في بناء شخصية المتعلم وتعزيز انتمائه الحضاري
محاضرة ألقيت في الجامعة الصيفية للمنظمة الوطنية لأساتذة التربية
بولاية مستغانم بتاريخ 14 محرم 1445 الموافق ل02 أوت 2023
    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد فقد اخترت لهذه المناسبة موضوعا يتفق مع شعار الجامعة الصيفية وحرصت على أن يكون محل اهتمام جميع الحاضرين وليس فقط أساتذة مواد الهوية فجعلت عنوانه "دور المعلم في بناء شخصية المتعلم وتعزيز انتمائه الحضاري" وذلك أن العملية التربوية تقوم على أركان هي المعلم التلميذ والبرامج أو المحتوى وهناك من يضيف الطرائق والأهداف، ونحن في كلامنا عن الإصلاح أو الحفاظ على الهوية نركز كلامنا غالبا عن المحتوى ؛ فأردت اليوم أن ألفت الانظار إلى أن بناء شخصية التلميذ وتعزيز انتمائه لا يقف فقط على مواد الهوية بل هو يرتكز أيضا على دور المعلم مهما كانت المادة التي يدرسها حتى لو كانت التربية البدنية أو اللغة الفرنسية .
   أيها الأساتذة الأفاضل يقول المولى عز وجل: ﴿ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾ (آل عمران: 79) فأمر معلمي الكتاب بأن يكونوا ربانيين والربانية مأخوذة من التربية ولذلك كان مما قيل في تفسير معنى الرباني : هو الذي جمع بين التعليم والتربية ، فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: هم الذين يغذّون الناس بالحكمة، ويربونهم عليها، وقيل الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره، ومنهم من قال هي نسبة إلى الرب جلاله وهو يؤكد المعنى المراد ولا يعارضه فإن المنسوب إلى الرب يجب أن يكون مصلحا وليس مجرد ناقل للمعلومات.. والوزارة التي تنتمون إليها تسمى وزارة التربية الوطنية ومنظمتكم اسمها المنظمة الجزائرية لأساتذة التربية .
   ومن هذه المعاني ينبغي أن نتخذ من هذه المهنة التي اخترناها وهي التعليم عبادة وقربة نتقرب بها إلى الله تعالى، وطريقا نسهم به في عملية إصلاح المجتمع ، وسبيلا لتحقيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللسان قدر الإمكان.
   ونختم هذا التمهيد لهذه المداخلة بقول الشيخ البشير الإبراهيمي رحمه الله وهو يقول في مرشدة المعلمين (2/ 111):" أعيذكم بالله يا أبنائي المعلّمين أن تجعلوا كل اعتمادكم في تربية الصغار على البرامج والكتب. فإن النظم الآلية لا تبني عالمًا ولا تكون أمّة ولا تجدّد حياة، وإنما هي ضوابط وأعلام ترشد إلى الغاية، وتعين على الوصول إليها من طريق قاصد وعلى نهج سويّ. أما العمدة الحقيقية في الوصول إلى الغاية من التربية فهي ما يفيض من نفوسكم على نفوس تلاميذكم الناشئين من أخلاق طاهرة قويمة يحتذونكم فيها ويقتبسونها منكم، وما تبثّونه في أرواحهم من قوة وعزم، وفي أفكارهم من إصابة وتسديد، وفي نزعاتهم من إصلاح وتقويم. وفي ألسنتهم من إفصاح وإبانة. وكل هذا مما لا تغني فيه البرامج غناء. ولو كانت البرامج تكفي في التربية لكان كل عالم مربّيًا، ولكن الواقع خلاف هذا".
 وقد رأيت أن أقسم مداخلتي إلى مبحثين الأول التوجيه بالقدوة والثاني التوجيه باللسان .
المبحث الأول : التوجيه بالقدوة
   إن أهم طرق التربية على الإطلاق هو التربية بالقدوة وذلك لعظم أثره ، ولذلك لعموم إعماله إذ كل فرد من أفراد المجتمع يمكن أن يكون مربيا بسلوكه حتى وإن لم يقصد ذلك، وفيما يخص المعلمين فإنها طريقة متعينة ويجب أن تكون مقصودة، والأخلاق التي ينبغي أن يتحلى بها المعلم تنقسم إلى قسمين أخلاق تجب عليه مرتبطة بعملية التعليم وهي التي تصنف ضمن أخلاقيات مهنة التعليم، وأخلاق أخرى لابد أن يتحلى بها يمكن أن نسميها بالأخلاق الذاتية  
المطلب الأول : أخلاق مهنة التعليم
    أما الأخلاق التي تصنف في أخلاقيات المهنة فمنها الصبر والحلم، ومنها الحزم مع الانبساط ، ومنها الحرص على إفادة التلاميذ ، ومنها الحرص على استثمار الوقت كلها في ذلك ومنها العمل بمقتضى العلم وعدم مخالفة العمل للقول ، وأخيرا معاملة التلاميذ مثل معاملة الأبناء.
   وهذه لخصال كلها مهمة وأهمها التي ينبغي التأكيد عليها هي الأخيرة ، وقد أشار إليها سيد المعلمين صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح :"إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم" رواه أبو داود والنسائي وهو حديث صحيح، وتكتسب هذه الخصلة أهميتها من كون أهم أسباب نجاح المربي في مهمته توفر عنصر الثقة ، ولا شك أن التلميذ الذي يشعر أن معلمه يعالمه معاملة الأب سيثق في هذا المعلم ثقة مطلقة، فيصدفه في كل خبر يقوله ويمتثل كل طلب يطلب منه، وفي هذا المعنى يقول الشيخ الإبراهيمي رحمه الله (2/ 112-113):" إن من الطباع اللازمة للأطفال أنهم يحبّون من يتحبب لهم، ويميلون إلى من يحسن إليهم، ويأنسون بمن يعاملهم بالرفق، ويقابلهم بالبشاشة والبشر. فواجب المربّي الحاذق المخلص، إذا أراد أن يصل إلى نفوسهم من أقرب طريق، وأن يصلح نزعاتهم بأيسر كلفة، وأن يحملهم على طاعته وامتثال أمره بأسهل وسيلة"، ثم ذكر بعض الصفات التي تجعل المعلم أبا فقال :" أن يتحبب إليهم، ويقابلهم بوجه متهلل، ويبادلهم التحية بأحسن منها، ويسألهم عن أحوالهم باهتمام، ويضاحكهم، ويحادثهم بلطف وبشاشة، ويبسط لهم الآمال، ويظهر لهم من الحنان والعطف ما يحملهم على محبته، فإذا أحبّوه أطاعوه وامتثلوا أمره، وإذا أطاعوا أمره وصل من توجيههم في الصالحات إلى ما يريد، وتمكّن من حملهم على الاستقامة وطبعهم على الخير والفضيلة". ثم ختم توجيهه بقوله :" وإن الصغير لا يفلح في التربية ولا ينجح في القراءة إلا إذا أحبّ معلّمه كحبّه لأبويه أو أعظم، وأحبّ المدرسة كحبّه لبيت أبويه أو أشدّ".
المطلب الثاني : أخلاق المعلم الذاتية
   سبق أن ذكرنا أهمية التربية بالقدوة ونزيدها تعضيدا بكلام الإبراهيمي (2/ 113) حيث يقول :"وإن المعلم لا يستطيع أن يربّي تلاميذه على الفضائل إلا إذا كان هو فاضلًا ... ولا يستطيع إصلاحهم إلا إذا كان هو صالحًا، لأنهم يأخذون منه بالقدوة أكثر مما يأخذون منه بالتلقين".
   وقد رأيت محل الاقتداء والتأثير في أربعة أنحاء الأول في عبادة المعلم وطاعته لربه سبحانه والثاني في كلامه وما يجري على لسانه ، والثالث في هيئته وهندامه والرابع : في تعامله مع غيره ولا سيما أقرانه من المعلمين.
الفرع الأول : المعلم قدوة في عبادته وطاعته لله تعالى
   لابد أن يعلم التلاميذ أن معلمهم يقيم الصلاة وحريص على المحافظة عليها في وقتها ، ولابد أن يعلموا منه تعظيم الصيام والحرص على صيام النافلة ، وإظهار هذه الأمور بقصد اقتداء التلاميذ من باب من سن في الإسلام سنة حسنة وليس من باب الرياء ، التفريق محلة القلب بنية المعلم ، وليس كل من أظهر العبادة كان مرائيا ، وقد قال تعالى {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 271].
   واحرص أيها المعلم أن يراك تلاميذك مبتعدا عن مواطن الشبهات فضلا عن مواضع الحرام، ولابد أن تنكر المنكرات فإن لم يكن باللسان فلا أقل من أن يعلم ذلك من تقاسيم وجهك .
    وربما اندرج هذا في العمل بمقتضى العلم ، وكم أعجبتني وصية الغزالي لتلميذه والمثل الذي ضربه له في هذا السياق إذ قال في كتابه أيها الولد :" لا تكن من الأعمال مفلسا، ولا من الأحوال خاليا، وتيقّن أن العلم المجرد لا يأخذ باليد. مثاله لو كان على رجل في برية عشرة أسياف هندية مع أسلحة أخرى، وكان الرجل شجاعا وأهل حرب، فحمل عليه أسد عظيم مهيب، فما ظنّك؟ هل تدفع الأسلحة شره عنه بلا استعمالها وضربها؟! ومن المعلوم أنها لا تدفع إلا بالتحريك والضرب، فكذا لو قرأ رجل مائة ألف مسألة علمية وتعلمها، ولم يعمل بها: لا تفيده إلا بالعمل".
الفرع الثاني : المعلم قدوة في كلامه وكل ما يصدر من لسانه
   ومن الأشياء التي تؤثر في بناء شخصية المتعلم الكلام الذي يصدر من معلمه ولا نقصد الكلام الذي يساق قصدا للتعليم فقط أو التوجيه ، ولكن كل كلام يصدر منه وخاصة الذي يتكرر منه ويعتبر طبعا له كإفشاء السلام ورده، وكحمد الله تعالى والثناء عليه، وكالاستغفار والدعاء، ومثله في الأهمية الاستشهاد بآي القرآن وبالأحاديث النبوية، ومثله الحرص على افتتاح الدرس بالحمد والصلاة على النبي صلى الله وعليه وسام وختمه بكفارة المجلس أو سورة العصر، وهذه أخلاق لا يختص بمعلم العلوم الإسلامية ولا درس التربية الإسلامية .
   وفي جهة الترك ينبغي اجتناب كل كلام بذيء أو جارح قبيح واجتناب رفع الصوت والقهقهة ونحو ذلك مما يسيء إلى المرء ويبطل الاقتداء به أو يجعله قدوة سيئة .
الفرع الثالث : المعلم قدوة في هندامه وهيئته
   ومن الأمور التي ينبغي أن نقف عندها والناس فيها بين الافراط والتفريط الحفاظ على الهندام والهيئة المحترمة، واجنب الهيئة المبتذلة إذ ليس كل ما هو جائز أن يلبس يلبسه المعلم ، فلباس الرياضة مثلا لا يصلح أن يكون لباسا لمعلم الرياضيات ، وكما يجتنب اللباس المبتذل يجتنب أيضا اللباس الدال على الترف والاسراف ، والاعتدال في كل شيء مطلوب ، وبالنسبة للمعلمات فأمر الحجاب لا يتحدث عنه وإنما يتحدث عن التزام شروطه التي تحقق غايته وحكمة تشريعه .
ومن الكلمات التي أعجبتني في هذا السياق كلمات الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد في حلية طالب العلم حيث يقول : "وعليه، فازور عن زيف الحضارة، فإنه يؤنث الطباع، ويرخى الأعصاب، ويقيدك بخيط الأوهام، ويصل المجدون لغاياتهم وأنت لم تبرح مكانك، مشغول بالتأنق في ملبسك، وإن كان منها شيات ليست محرمة ولا مكروهة، لكن ليست سمتاً صالحاً، والحلية في الظاهر كاللباس عنوان على انتماء الشخص، بل تحديد له، وهل اللباس إلا وسيلة التعبير عن الذات؟! فكن حذراً في لباسك، لأنه يعبر لغيرك عن تقويمك، في الانتماء، والتكوين، والذوق، ولهذا قيل: الحلية في الظاهر تدل على ميل في الباطن، والناس يصنفونك من لباسك".
   وعلينا أن نقف مع قوله :"اللباس عنوان على انتماء الشخص" وقوله:"والناس يصنفونك من لباسك"، وقفات جادة، ونخرج عليها أحكام كثير من الألبسة والهيئات.
الفرع الرابع : المعلم قدوة في تعامله مع إخوانه المعلمين
   إن التلاميذ يرمقون المعلم ويراقبون كلامه وطريقة جلوسه ومشيه ومما يشد انتباههم أكثر طريقة تعامل المعلم مع بقية المعلمين ، وماذا يقول عنهم وعن المواد التي يدرسونها، فليحذر المعلم من أن يتطرق إلى قلبه داء الحسد فيسلط لسانه لتعيير زملائه فإن ذلك مما يحط من أقداركم جميعا الذام والمذموم عند الجميع أو عند البعض، وإن كانت ثمة خلافات فلا ينبغي إظهارها والجهر بها أمام التلاميذ فإن ذلك مما يؤثر سلبا على نفسيتهم ومما يؤثر على قضية الاقتداء، وهذه الظاهرة موجودة والظاهر أنها قديمة جدا حيث وجدنا علماء الحديث يحذرون من جرح الأقران ويقولون إنه يطوى ولا يروى ، ووجدنا الغزالي رحمه الله في الإحياء يحذر من تزهيد أهل التخصصات بعضهم من بعض ، حيث قال (1/ 57):"أن المتكفل ببعض العلوم ينبغي أن لا يقبح في نفس المتعلم العلوم التي وراءه كمعلم اللغة إذ عادته تقبيح علم الفقه، ومعلم الفقه عادته تقبيح علم الحديث والتفسير " واسترسل في ضرب الأمثلة ، ونحن في عصرنا نجد ما هو من قبيل هذا وقريب منه من ذم العلوم الأدبية والإنسانية والاجتماعية من طرف أساتذة العلوم التجريبية والتقنية ، وهذا غلط كبير جر على الأمة ويلات وضع لها حجر عثرة كبير في طريق نهضتها.
   واسمعوا إلى وصية الإبراهيمي المندرجة في هذا المعنى إذ يقول (2/ 115):"إنكم جنود الإصلاح، فأصلحوا نفوسكم وداووها من داء الأنانية والغرور وتلاقوا على الحرفة الجامعة بالأخوّة والتعاون، والتساند والتضامن".
المبحث الثاني : التوجيه باللسان
    ننتقل إلى الطريقة الثانية للتوجيه وهي التوجيه باللسان ، التي قد يكون تذييلا على عنصر في درس، وقد يكون في مقدمات الدروس أو في مناسبات تقتضي ذلك، وسنقسم الكلام إلى قسمين أحدهما متعلق بربط المادة المدرسة مهما كان موضوعها بما يخدم عناصر الهوية ويعزز الانتماء الحضاري للطفل، والثاني متعلق بالاستدراك على البرامج وقضايا أخرى.
المطلب الأول: ربط المواد المدرسة بما يعزز الانتماء الحضاري للطفل
   إن العلم إن يحط بمقدمات تحفز على تحصيله يبقى علما جافا ، وربط العلوم الكونية وكل ما يدرسه التلميذ في المدرسة بدينه أو بما هو واقع في مجتمعه يعتبر من أهم المحفزات للتحصيل ومن أهم القوى الدافعة للمنافسة والتفوق، وإن القوة الدافعة لبناء الحضارة في الإسلام هو الدين ولا شك ، وإن أصر مخالف من العلمانيين على أن التحدي هو القوة الدافعة قلنا فلتكن إذن تلك القوة الدافعة هي نصرة الدين، وما دمنا نعيش في حالة ضعف فلتكن تلك القوة هي التحدي الإسلامي.
الفرع الأول : توظيف محتوى المادة لخدمة العقيدة
   إن العلم كله يدل على الخالق سبحانه إذا كان علما صحيحا ، ولذلك لا ينبغي أن يغفل المعلم المربي وهو يشرح درسه أن يلفت انتباه التلاميذ إلى الحكمة التي تقف وراء ذلك العلم وإلى القوة التي انتجت عناصره ، وهي حكمة الله عز وجل وقوته ، فمعلم الرياضيات وهو يتبين دقة الحسابات والمعادلات في الجبر أو قواعد الهندسة في المسطحات أو الكرويات بإمكانه أن يربط ذلك بدقة صنع الخالق جل وعلا الذي خلق كل هذه العوالم وكل هذه المعاني النظرية التي جهد العقل البشري على مدى قرون من أجل استكشافها وضبطها، ومن أغرب ما سجلته ذاكرتي أن أستاذ الرياضيات كتب لنا أمام كل تمرين آية -فيما أذكر- ولقد بقيت وقتا وأنا أتأمل وجه العلاقة بين التمرين وتلك الآية وأغربها هو ما علق في ذهني حيث كتب لنا الأستاذ أمام تمرين متعلق بحل معادلات من الدرجة الثانية قوله تعالى (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) ، وبعد الحل انتبهت أنه كان يقصد أن الدالتا إذا لم يتغير فالحل دائما هو نفسه والعنصر (ب) سواء كان موجبا أو سالبا فإنه إذا رفع إلى القوة اثنين سيبقى دائما نفسه، فلما لم تتغير الحقائق أو تغيرت المعطيات تغيرا شكليا فإنه لا يمكن أن تتغير النتائج، لقد رسخ هذا المعنى في نفسي –رغم بعد الإشارة - بسبب الجهد الذي بذلته في الربط قبل الحل ولعظم العجب بعد أن فقهت مراده.
    وكذلك في درس الكمياء الذي يتعرض فيه إلى تنوع المواد وكثرتها واختلاف بسبب اختلاف مكونات وحداتها الأساسية البسيطة وبسبب اختلاف حالاتها المركبة ، فإنها ولا شك تدل على قدرة وحكمة ودقة صنع الخالق سبحانه وتعالى ، ولعل الأمر أظهر في مادة العلوم الطبيعية المتعلق بالخلق الإنسان وغيره من الكائنات ومن نبتات وغيرها ، وكذلك الجغرافيا وما يتضمنه من دروس حول المناخ وتنوعه وعن التضاريس واختلافها وما يتعلق بالفلك أو طبقات الأرض ، فهذه كلها علوم كونية تدل على مكونها وعلى علمه وحكمته وعلى عظيم قدرته وقوته سبحانه .
   وكذلك الأمر في التاريخ بتفسير حوادثه من غير إهمال للإرادة الإلهية وكذا بقية العلوم المتعلقة بواقع الناس فإن القرآن الكريم والشريعة الغراء قد عالجت كل قضايا الانسان والاجتماع والاقتصاد ، والأمر أظهر من أن ينبه عليه في مادة النحو والصرف وذلك لارتباط شواهده بالقرآن الكريم قبل غيره . وهكذا لا يخلو علم من صلة تربطه الدين سواء من جهة الأمر الكوني أو الأمر التشريعي .
   وهذا الذي نقوله يستدعي منا معاشر المعلمين توسيع ثقافتنا بدراسة شريعتنا ودراسة الإعجاز العلمي الذي ينبغي الخوض فيه باعتدال وعقلانية دون جحود أو مغالاة .
   وإذا تحدثنا عن صحيح العلم الدال على الله تعالى ، فلا نغفل عن ضعيفه وغلطه حيث يجب أن يكون لدينا من الزاد العلمي ما يمكننا به تصويبه أو نقده ونقضه وأعني بذلك النظريات الفاسدة والافكار الخاطئة التي قد تتضمنها النصوص المدرسية أحيانا.
الفرع الثاني : استحضار أعلام الحضارة الإسلامية
    ومما يندرج في هذا المضمار وهو ربط المواد بما يعزز الانتماء الحضاري للطفل استحضار منجزات الحضارة الإسلامية وأعلامها القدامي ، سواء في الرياضيات أو الطب أو الفلك أو الجغرافيا أو الكمباء وغير ذلك ، فهذه الأسماء نحو الخوارزمي والبيروني وابن رشد وابن سينا والإدريسي وجابر بن حيان وغيرهم؛ لابد أن تكون حاضرة في دروسنا ، وكذلك منجزات الإدارة الإسلامية والقضاء الإسلامي التي لم تسبق إليها أمة من الأمم ، وكل العلوم التي انفرد بها المسلمون وأسست للعلوم المنهجية كعلم الحديث الذي هو أساس المنهج التاريخي أو الاستردادي وعلم أصول الفقه الذي هو أساس المنهج التحليلي أو الاستنباطي .
  ومما نضمه إلى هذا المعنى إظهار الأسف على هجرة الأدمغة التي صارت تبنى حضارة غير حضارتها وتعمق الهوة بين العالم المتطور والعالم الاسلامي، وذلك حتى نحصن هذا الجيل ولو فكريا من أن يكون مصيره مصير الجيل الذي سبقه ، حيث صار المسلمون يفخرون بجنسيات المخترعين في بلاد الغرب بدلا من الفخر باختراعات تنسب إليهم أعني إلى بلدانهم، وهذا نوع من لباس الزور.
    وهذا المطلوب يستدعي منا أيضا توسيع اطلاعنا على منجزات الحضارة الاسلامية وعلى واقع الأمة .
الفرع الثالث : التوجيه نحو القراءة البناءة
   ومما ينبغي اعماله في هذا المضمار توجيه التلاميذ إلى قراءة كتب تسهم في بناء شخصيتهم الإسلامية المطلوبة وتصنع وعيهم وتعزز الانتماء الحضاري لهم ، ومن طرق التوجيه ذكر المراجع الاسلامية الهادفة والإحالة اليها والاستشهاد بأقوال مؤلفيها ، فالمعلم عندما يذكر مرجع الفكرة التي يطرحها فهو يدعو إلى قراءة ذلك الكتاب ويصنع نوعا من الفضول لدى التلميذ يدفع للبحث عن الكتاب لمطالعته ، ولعل هذا إن لم يحدث مع أكثرهم أو كثيرهم فسيحدث حتما مع بعضهم ، فذكرك لتفسير ابن باديس أو كتاب العقائد  له أو آثار الابراهيمي هو نوع من الدعاية والتوجيه وهناك كتب ذات عناوين مثيرة يكفي ذكرها لإثارة ذلك الفضول ونذكر على سبيل المثال كتاب "قادة الغرب يقولون دمروا الإسلام أبيدوا أهله ، وكتاب "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين".
   ومما ينخرط في هذا السياق تعظيم الشخصيات العلمية الإسلامية في نفوس التلاميذ ، فعندما تذكر شعرا للشافعي تقول الشافعي لغوي والفقيه وأصولي وطبيب فتعرفهم حتى لا يتوهموه مجرد شاعر، وعندما تنقل مفهوم العبادة عن ابن تيمية أو كلمة من كلماته تنبههم أن ابن تيمية محدث وفقيه مصلح وسياسي دافع عن الاسلام في زمانه بالقلم والسيف،  وعندما تستشهد بكلام لابن باديس او موقف تذكرهم أن ابن باديس عالم ومفسر جدد الدين وحافظ على كيان الأمة في وقت كانت آيلة إلى الذوبان والزوال وهكذا كلما ذكرت عالما تفتح قوسا للتعريف به أو تدرج جملة اعتراضية لن تعدم منها فائدة بإذن الله تعالى.
المطلب الثاني : الاستدراك على البرامج وأمور أخرى
  ومما يلتحق برابط موضوعات المواد المدرسة بما يعزز الانتماء الاستدراك على تلك الموضوعات تصحيحا لأغلاطها أو تكميلا لنقصها وأمور أخرى نضمها الى هذا المعنى في آخر مطلب في هذه المداخلة .
الفرع الأول : معالجة النقائص التي لا يعالجها برنامج والتي في البرنامج
  من الأمور التي وجدنا الابراهيمي –وهو عالم من علماء الاجتماع والتربية – ينبه عليها المعلمين (2/ 114) معالجة النقائص الموجودة في التلاميذ والتي لا تتعرض لها البرامج الدراسية ، وفي زماننا هذا نلحق بها معالجة نقائص البرنامج ذاته وتصحيح أغلاطه ومغالطاته مع الأسف الشديد ، فعندما تجد في البرنامج نصا عن كاتب ياسين أو له في كتاب اللغة الفرنسية أو غيره تستدرك معلومات لا تذكر عنه ككونه ملحدا صاحب كلمات شهيرة يهاجم فيها الإسلام وشعائره وعلى هذا فقس .
  ومما يقال في هذا المضمار للمعلمين أن اجعلوا من برنامجكم التوجيهي واقع الأمة والآفات المنتشرة فيه كالرشوة والمحسوبية والأنانية والتهريب والمخدرات والتنصير والإلحاد ..الخ ولا تنتظر أن تجد كل ما يحتاجه التلاميذ في بناء شخصيتهم أو تعزيز انتمائهم لدينهم في مناهج وبرامج منظومة تربوية منكوبة لا تزال تدمر تدميرا ممنهجا ، ونقول كما قال الإبراهيمي (2/ 116) في هذا المعنى :" فانظروا إلى الاستعمار، واعرفوا الطرق التي سلكها لقتل أمّتكم فاسلكوا ضدّها لإحيائها. وادرسوا الوسائل التي تذرع بها لاستعباد أمّتكم فاستخرجوا منها وسائل تحريرها".
الفرع الثاني: الحذر من بث اليأس
  أيها الأساتذة إن مشاكلهم الاجتماعية والاقتصادية كثيرة وعويصة لكن لا ينبغي أن تكون مثبطة لكم عن آداء مهامكن على أكمل وجه ، ولا ينبغي أيضا أن تظهروها للتلاميذ فيرون فيكم الضعف واليأس فيسري ذلك إلى نفوسهم، ولقد رجعت إلى آثار الإبراهيمي لأنقب عن مشاكل التعليم العربي في زمنه فوجدت حصرا لتلك المشاكل فيما يأتي (2/ 244) 1- التذمر من فقد السكنى واضطراب المعيشة. 2- غلاء أسعار الضروريات، وعدم قيام الأجور بها. 3- افتتان بعض المعلّمين بالنزعات الحزبية. 4- عدم انضباط البرامج.
فقلت سبحان الله إنها المشاكل ذاتها التي كانت سنة 1948 ما زالت مستمرة ، لكنها لم تكن أبدا عائقا أمام المعلمين الذين خرجوا ذلك الجيل الذي أحيا البلاد وحررها ، وإن رجعنا الى الثلاثينيات فأول مشكلة كانت تعترض المعلم هي السجن بتهمة التعليم العربي فاعتبروا أيها المعلمون ، وإن مما كان يشد عزائم هؤلاء المعلمين ثبتوا وثبتوا غيرهم مثل هذه الكلمات التي قالها الابراهيمي رحمه الله (3/ 265):" ولكنكم جنود، ومتى طمع الجندي في رفهنية العيش؟ وأسود، ومتى عاش الأسد على التدليل؟ وهو يشعر أن التدليل تذليل. إنكم- يا أبنائي- رجالُ حركة، فلا تشينوها بالسكون، وأبطال معركة، فلا يكنْ منكم إلى الهوينا ركون".
   والمقصود هو الثبات من جهة والحذر الاحباط ومن نقل ذلك الاحباط النفسي إلى التلاميذ في حين أنتم مطالبون برفع هممهم وتقوية عزائمهم .
الفرع الرابع : قل كلمتك وابذر البذرة وتوكل الله
  أيها المعلم قل كلمتك وابذر البذرة وتوكل على الله فعل من بين التلاميذ الذين هم في القسم أمامك من سيكون له شأن في الأمة وأنت لا تدري ، كما قال محمد الخضر حسين (12/ 2/ 106) :"لا يدري كثير من الناس أن الطفل واحد من رجال الأمة إلا أنه مستتر بثياب الصبا، فلو كشف لنا عنه وهو كامن تحتها لرأيناه واقفاً في مصاف الرجال القوَّامين، لكن جرت سنَّة الله أن لا تتفتق أزوار تلك الأستار إلا بالتربية شيئاً فشيئاً، ولا تؤخذ إلا بالسياسات الجيدة على وجه من التدريج".
 فلا تحتقرن أيها المعلم جهدك، فقد تكون مجرد كلمة عابرة وجهد يسير منك يفعل في نفوس الطلاب الأفاعيل ، ومما هو مأثور عن بعض أعلام الأئمة أنهم كانوا صناعة كلمات قيلت من معلمين كان لها أثر عظيم في نفوسهم .
ككلمة إسحاق بن راهوية وهو في حلقة بين طلابه حيث قال:" لو أن أحدكم يجمع كتابا فيما صح من سنة الرسول  "، وكان في الحاضرين البخاري رحمه الله الذي وقعت تلك الكلمة العابرة فغرست في نفسه ثم أثمرت صحيح البخاري ، ذلك الكتاب العظيم الذي نفع الله به الأمة جمعاء وخلد به البخاري اسمه إلى قيام الساعة.
مثلها كلمة البرزالي وهو يخاطب تلميذة الذهبي إذ قال له لما رأى خطه الجميل: إن خطك هذا يشبه خط المحدثين . قال الذهبي فحبب الله لي علم الحديث . وبفضل هذه الكلمة انخراط الذهبي في علم الحديث صار علما متميزا فيه وفي علم الرجال، وتميز أيضا في علم التاريخ  الذي لا يبارى فيه وذلك أنه أدخل فيه مناهج التوثيق والنقد المعتمدة عند المحدثين فرحمهم الله رحمة واسعة .
 وفي الأخير نسأل الله تعالى التوفيق والسداد للمعلمين والمعلمات ونسأله سبحانه علما نافعا وعملا متقبلا ، وسبحانك الله وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت وأستغفرك وأتوب إليك .



تم قراءة المقال 126 مرة