الجمعة 28 صفر 1431

نقد رسالة إلى أهل الثغر بباب الأبواب

كتبه 
قيم الموضوع
(2 أصوات)

   إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ن من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .

   أما بعد فهذا بحث متواضع سطرته في التعليق على رسالة أهل الثغر المنسوبة إلى الإمام أبي الحسن الأشعري ، دفعني إلى تسطريه أمور منها ([1]): بيان أن هذه الرسالة غير مسلم نسبتها إلى الأشعري وأن الأرجح نسبتها إلى تلميذه ابن مجاهد، ثم التنبيه على الأخطاء الاعتقادية التي سكت عنها محققها، وتوضيح أثر من آثار اعتقاد رجوع الأشعري رجوعا كليا إلى عقيدة السلف، إذ أن محقق الرسالة انطلق من هذه الفكرة وانتهى إليها، كما كان لهذا الاعتقاد أثره الواضح في تعليقاته! والذي حفزني أكثر قول المحقق فيها (ص/66):« ومن هنا كان الكتاب جامعا لعقيدة السلف متطرقا لمعظم ما كان عليه الصدر الأول ، ومرجعا لمن أراد الوقوف على عقيدة السلف، وما أجمعوا عليه مؤيدا بالقرآن والسنة »([2]). وقد جعلت هذا المبحث في أربعة مطالب : الأول في  ترجيح نسبة الرسالة إلى أبي عبد الله ابن مجاهد تلميذ الأشعري ، الثاني في القضايا المتعلقة بالإيمان والكفر ونحو ذلك ، الثالث في القضايا المتعلقة بالصفات، الرابع في القضايا المتعلقة بالقضاء والقدر .

نقد  رسالة إلى أهل الثغر بباب الأبواب

 

المطلب الأول :

ترجيح نسبة الرسالة إلى أبي عبد الله ابن مجاهد تلميذ الأشعري

 

   أول شيء ينبغي بيانه أن هذه الرسالة ليست للأشعري ، وأن الأرجح أنها من تأليف أبي عبد الله ابن مجاهد المتوفي سنة (370). قال الخطيب البغدادي في ترجمته: « محمد بن أحمد بن محمد بن يعقوب بن مجاهد أبو عبد الله الطائي المتكلم صاحب أبى الحسن الأشعري ، وهو من أهل البصرة سكن بغداد وعليه درس القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الكلام »([3]). ويدل على أن الكتاب من مؤلفاته أمور هذا بيانها:

أولا : قد نسبها إليه القاضي عياض واصفا إياها بالمشهورة، حيث قال :« وله كتاب في أصول الفقه على مذهب مالك ورسالته المشهورة في الاعتقادات على مذهب أهل السنة التي كتب بها إلى باب الأبواب»([4]).

ثانيا : أن هذا الكتاب قد روي من طرق عن أبي بكر إسماعيل بن إسحاق بن عزرة الأزدي القيرواني المالكي([5]) عن ابن مجاهد عند أهل المغرب فأسنده ابن عطية في الفهرست وسماه « رسالة في عقود أهل السنة »([6]) ، وأسنده ابن خير الإشبيلي أيضا في الفهرست من ثلاث طرق قدمها بقوله :« رسالة أبي عبد الله محمد بن أحمد بن يعقوب بن مجاهد الطائي البصري فيما التمسه فقهاء أهل الثغر بباب الأبواب، من شرح أصول مذاهب المتبعين للكتاب والسنة »([7]). وهذا الطريق من أقوى الطرق المعتمدة في نسبة الكتب على أصحابها.

ثالثا : مما يؤكد أن هذا الكتاب الذي بين أيدينا هو بعينه الكتاب الذي نسب إلى ابن مجاهد لا غيره أن كثيرا من شرح الرسالة قد نقلوا منها، فقال محمد بن سلامة التونسي (746) في مسألة الاستواء :« اعلم أولا أن هذا الكلام وهذا الإطلاق ليس من إطلاق المصنف وإنما هو إطلاق السلف الصالح والصدر الأول ، نص على ذلك أبو عبد الله بن مجاهد في رسالته إلى باب الأبواب ، فقال فيها ما نصه :" ومما أجمعوا على إطلاقه أنه تعالى فوق سماواته على عرشه دون أرضه" »([8]). ونقله أيضا ابن ناجي (837) في شرحه ([9])، وقال زروق الفاسي (899):« وما ذكره الشيخ هنا نقل ابن مجاهد في إجماعاته ما هو أعظم منه فقال :« ومما أجمعوا على إطلاقه أنه تعالى فوق عرشه دون أرضه »([10]).

رابعا : ويدلنا أيضا على ذلك تاريخ تأليف الكتاب ومكانه، فقد جاء في مقدمة الكتاب ما يلي « فقد وقفت على ما ذكرتموه في كتابكم الوارد علي بمدينة السلام ..ووقفت أيدكم الله على ما ذكرتموه من إحمادكم جوابي عن المسائل التي كنتم أنفذتموها إلي في العام الماضي وهو سنة سبع وستين ومائتين ». يفيد أنها ألفت سنة (268) وهو خطأ قطعا واتفاقا، لأن الأشعري نفسه ولد سنة (260)، وصوابه إن شاء الله سنة (368)، إذ هذا يناسب كون مؤلفها ابن مجاهد، وهذا أولى مما قيل أنها تصحفت من سنة (298) لأن الأشعري حينها لم يزل معتزليا بالبصرة . والكتاب كتب في بغداد .

  ولا يقال إن الثاني أقرب من جهة أن الأرقام جاءت في الكتاب المخطوط مكتوبة بالحروف، لأنه يحتمل أن يكون مصحفها هو غير ناسخ المخطوط المعتمد، فقد يكون التصحيف وقع في الأصل المنقول عنه أو أصل أصله ولا ندري كيف كتب التاريخ فيها.

خامسا : ومما يستأنس به في هذا الباب أن أبا بكر ابن فُورك لما أحصى كتب الأشعري لم يذكر هذا الكتاب من ضمنها ([11])، وهو العارف بمذهب الأشعري ومجرد أقواله، و حجم الرسالة كبير وموضوعها خطير فلو علمها له لم يسكت عنها .

سادسا : أن أقدم من نسبها إلى الأشعري هو ابن عساكر في تبيين كذب المفتري، مسميا إياها :« جواب مسائل كتب بها إلى أهل الثغر في تبيين ما سألوه عنه من مذهب أهل الحق »([12]) .

  ومن نسبها إليه من بعده كابن تيمية وابن القيم إنما هو تابع له([13])، وهذه النسبة لا تقوى على معارضة الدلائل التي ذكرت، خاصة روايتها بالإسناد المتصل عن مؤلفها ابن مجاهد، والاعتماد على مجرد أن نسبها إليه عالم أو عدد من العلماء ليس من الأساليب اليقينية في نسبة الكتاب إلى مصنفه وإنما هي مفيدة لظن قد يقوى وقد يضعف، ولا تبلغ بحال مبلغ السماعات المثبتة على المخطوط أو الأسانيد المذكورة في الفهارس و المشيخات أو نسبتها إلى المؤلف من طرف تلاميذه العارفين به ، أو أن يذكرها المصنف في كتب أخرى له، أو إحالته منها إلى كتبه أو ذكره لشيوخه فيها …الخ، وإذا كان الطريق ظنيا فإنه يسقط إذا وجد المعارض الأقوى منه. زيادة على هذا فإن ابن عساكر لم ينقل لنا منها شيئا لنعلم اطلاعه عليها ولنتبين أنها هي التي بين أيدينا وليست رسالة أخرى.

سادسا : وكذلك اعتماد ما كتب على ظهر المخطوط لا يصلح في مثل هذا الموضع، لأن النساخ الذين ذكروا غير معروفين ولم يذكروا سماعاتهم أو أسانيدهم إلى المصنف.

 

المطلب الثاني : القضايا المتعلقة بالإيمان والكفر

   أما القضايا المتعقلة بالإيمان والكفر فهي ثماني يأتي شرحها فيما يأتي :

أولا : التوحيد الذي دعا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم

  قال المصنف (154):« وأجمعوا على أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دعا جميع الخلق إلى معرفة الله وإلى نبوته، ونهاهم عن الجهل بالله عز وجل وعن تكذيبه . وأنه عليه السلام بين لهم جميع ما دعاهم من الإسلام والإيمان وما فيه من منازل الإحسان …».

  أقول : غاية التوحيد عند المتكلمين هو توحيد المعرفة أو الربوبية لا يزيدون عليه (وضده الجهل بالله كما هو واضح في كلامه)، والرسول صلى الله عليه وآله وسلم إنما بعث بتوحيد الألوهية أصالة ومقصدا (وضده هو الشرك بالله تعالى )، وهذا أمر واضح لا يحتاج إلى طول كلام .

ثانيا : حقيقة الكفر والإيمان

   قال المصنف (147):« وطريق معرفتهم بذلك العقول التي جعلت آلة تمييزهم وأنهم أثموا في الجهل بذلك من قِبل إعراضهم عن تأمل ما دعوا إلى تأمله ».

أقول : أما معرفة الله تعالى ففطرية يقرها العقل السليم والحجة مع ذلك تقوم على العباد ببعثة الرسل فمن كذبهم كافر آثم . والكفر هو جحد الرسالة أو بعضها([14]) ويكون بالفعل كما يكون بالقلب ، وليس هو الجهل كما جاء في هذا النص والذي قبله ، وهذا مذهب الجهمية ، وكفر الإعراض عند أهل السنة نوع من أنواع الكفر وليس هو الكفر كله .

ثالثا : اعتماد دليل الحدوث على وجود الله تعالى

   قال المصنف (82):« وهذا من أوضح ما يقضي الدلالة على حدث الإنسان ، و وجود المحدث له من قِبل أن العلم أحاط بأن كل متغير لا يكون قديما ..فإذا حصل متغيرا بما ذكرناه من الهيئات التي لم يكن قبل تغيره عليها دل ذلك على حدوثها …ويدل ترتيب ذلك على محدث قادر حكيم من قِبل أن ذلك لا يجوز أن يقع بالاتفاق فيتم من غير مرتب له ولا قاصد إلى ما وجد منه فيها ».

أقول : هذا الدليل قد ذمه المصنف وأهله قبل هذا، وقرر بأن الشرع أغنى عن التطلع إلى مثله([15])، ومع ذلك عاد إلى استعماله في هذا الموضع بطريقة مختصرة ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية :« لكن الأشعري لا يبطل هذا الطريق بل يقول إنها مذمومة في الشرع ، وإن كانت صحيحة في العقل ، وسلك هو طريقة مختصرة من هذا وهو إثبات حدوث الإنسان بأنه مستلزم للحوادث ، وما لا يخلوا من الحوادث فهو حادث »([16]). وهذا دليل باطل تلزم منه لوازم باطلة منها نفي الصفات الفعلية وهو الذي التزمه المصنف في كتابه.

رابعا : حقيقة الإيمان ومعنى زيادته ونقصانه

   قال المصنف (155):« إنما هو نقصان في مرتبة العلم وزيادة البيان ».

أقول : هذا فرع جعل الإيمان مجرد المعرفة والتصديق، وإلا فالإيمان عند من يدخل فيه الأعمال يزيد بالطاعة مطلقا معرفة كانت أو عملا بالجوارح، وينقص بالمعاصي قلبية كانت أو بالجوارح .

خامسا : هل تضر المعاصي الإيمان ؟

   قال المصنف (156):« وأجمعوا أن المؤمن بالله تعالى وسائر ما دعاه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى الإيمان به لا يخرجه عنه شيء من المعاصي ، وأن العصاة من أهل القبلة مأمورون بسائر الشرائع غير خارجين عن الإيمان بمعاصيهم».

أقول : هذا الإطلاق على خلاف معتقد أهل السنة إذ مفاده أنه لا يضر مع الإيمان(الذي دعاهم إليه الرسول) معصية ، وأهل السنة يقولون بل المعاصي تضر الإيمان المطلق ، فالعصاة مؤمنون ناقصوا الإيمان ولا يوصفون بالإيمان المطلق كما صنع المصنف ، ولا يسلبون عنهم مطلق الإيمان كما يصنع الخوارج والمعتزلة.

سادسا : التكفير بالبدعة

   قال (158):« أجمعوا على أنه لا يقطع على أحد من أهل القبلة في غير أهل البدع بالنار ». قال المحقق: « والذي يظهر من مراد الأشعري ..بذلك البدع الشركية التي توقع صاحبها لا محالة في عذاب الجحيم » ومثَّل بالباطنية.

أقول : أهل البدع عند المصنف(174-175) « هم الروافض والخوارج والمرجئة والقدرية»، والتكفير عند أهل السنة له ضوابط معروفة ، ومن حيث الإطلاق هم لا يكفرون أهل هذه المقالات ، وإنما اختلفوا في الجهمية ولعل المصنف لم يذكرهم لميله إليهم .

سابعا : ترك الصلاة خلف الحاكم المبتدع

   قال المصنف (169):« وإنه لا يصلى خلف أحد من أهل البدع منهم من أجل أنهم فسقوا بالبدع ».

أقول : الضمير يعود على الأئمة ، لأنه قبل ذلك قرر أنه يصلى خلف كل بر وفاجر ، ثم عاد ليستدرك ويستثني المبتدع ، لأنه كما سبق يكفرهم ، للمحقق هنا تعليق سيطر عليه حسن الظن بالأشعري حيث حمل كلامه هنا على الفرق المارقة من الإسلام كالباطنية .

ثامنا : قضية الخروج على الحكام

   قال المصنف (168):« لا يلزم الخروج عليهم بالسيف جار أو عدل ».-كذا في النص-

أقول : عبارة لا يلزم لا تؤدي معنى عقيدة أهل السنة بأنه لا يجوز ، إذ عدم اللزوم لا ينفي الجواز بل والاستحباب أيضا.

 

المطلب الثالث : القضايا المتعلقة بالصفات

وأما القضايا المتعلقة بالصفات فنجملها في سبعة وشرحها فيما يأتي :

أولا : نفي الجسمية عن الله تعالى

   قال المصنف (123):« ولا يجب أن تكون أعراضا لأنه عز وجل ليس بجسم ، إنما توجد الأعراض بالأجسام».

قال شيخ الإسلام ابن تيمية :« أما القول الثالث وهو القول الثابت عن أئمة السنة المحضة كالإمام أحمد وذويه ، فلا يطلقون لفظ الجسم لا نفيا ولا إثباتا لوجهين: أحدهما : أنه ليس مأثورا في كتاب ولا سنة وأثر عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا غيرهم من أئمة المسلمين فصار من البدع المذمومة . الثاني : لأن معناه يدخل فيه حق وباطل ، فالذين أثبتوه أدخلوا فيه من النقص والتمثيل ما هو باطل ، والذين نفوه أدخلوا فيه من التحريف والتعطيل ما هو باطل »([17]). ومن الحق الذي ينفى بهذا اللفظ أنه يشار إليه وأنه يُرى وأن له صفات ([18])، وقد اكتفى المحقق هنا بالتنبيه على الوجه الأول نقلا عن ابن تيمية من مصادر أخرى ، والأشعري قد نسب النفي إلى أهل السنة في المقالات فخطأه شيخ الإسلام في ذلك([19]).

ثانيا : القول بتفويض معنى المتشابه

   قال المصنف (166-167):« و وجوب العمل بمحكمه والإقرار بنص متشابهه، ورد ما لم يحط به علما بتفسيره إلى الله مع الإيمان بنصه ».

أقول: قرر عقيدة التفويض بإثبات المتشابه الذي لا يُعلم معناه، ويجب الإيمان بلفظه، وهذا خلاف عقيدة السلف.

ثالثا : من الصفات التي أثبت نصها دون معناها : الاستواء

   قال المصنف (130):« وأنه تعالى فوق سماواته على عرشه دون أرضه »، ثم ذكر أدلة ذلك دون بيان معنى الاستواء عنده في هذا الموضع ، إلا أن الذي لاشك فيه أن الظاهر من هذا الكلام باطل عنده ؛ فقد قال في موضع آخر (124): «كما لا يجب أن تكون نفس الباري عز وجل جسما أو جوهرا أو محدودا في مكان دون مكان ».

أقول : إن المحقق علق على الموضع الثاني بقوله :« لعله أراد شيئا آخر »، وهو نص صريح في التعطيل ليس فيه احتمال ، والموضع الأول ربما أوهم الإثبات ، لكنا نقول النص مقدم على الظاهر والمبهم يرد إلى الواضح .

رابعا : ومنها اليدان

  قال المصنف (127):« وأن له يدين مبسوطتين ، وأن الأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه من غير أن يكونا جوارحا وأن يديه غير نعمتيه».

أقول : أبطل التأويل وقطع ببطلان الظاهر الذي دافعه شبهة التشبيه مع الإيمان بالنص كما ورد ، ودون بيان أنها من صفات الذات ، فالعبارة السليمة المؤدية للمعنى الصحيح أن لله تعالى يدين تليقان بذاته وبعظمته سبحانه .

خامسا : تعطيل صفة الكلام وكل الصفات الفعلية الاختيارية

   قال المصنف (121-122) بعد أن ذكر الصفات السبع ومنها صفة الكلام : «على أن شيئا من هذه الصفات لا يصح أن يكون محدثا إذ لو كان شيء منها محدثا لكان تعالى قبلها موصوفا بضدها ، ولو كان ذلك لخرج عن الإلهية …إذ لا يجوز عليه الانتقال من حال إلى حال ».

أقول : صرح هنا بنفي الصفات الفعلية جملة بالدليل الذي قدمه – والكلام من ضمنها – وكلمة الحدوث يراد بها الخلق ويراد بها تجدد الفعل ، والذي نفاه هنا هو الثاني يوضح ذلك قوله في موضع آخر (125) :« وأجمعوا على أن أمره عز وجل غير محدث ولا مخلوق »، لأن العطف يقتضي المغايرة . والصفات الفعلية الاختيارية عند أهل السنة قديمة النوع متجددة الأفراد ، لذلك يقولون في الكلام لم يزل متكلما إذا شاء ، أما الأشعري وأتباعه فيقولون في الكلام إنه صفة قديمة أزلية غير متعلقة بالمشيئة لأن التجدد عندهم يستلزم التغير وهو من علامة المخلوق ، وقد صرح بهذا المعنى الأشعري في الإبانة إذ جعل السكوت آفة ينـزه عنها الإله ، فالله تعالى عنده لم يزل متكلما ، كما لم يزل عالما ، والكلام نفسه يقال عن الإرادة والسمع والبصر ؛ فإن الأشعري وأتباعه يجعلونها معنى واحدا لا يتجدد أيضا .

سادسا : تعطيل صفتي المجيء والنـزول

   قال المصنف (128-129) : « وليس مجيئه حركة ولا زوالا ، وإنما يكون حركة وزوالا إذا كان الجائي جسما أو جوهرا …ألا ترى أنهم لا يريدون بقولهم جاءت زيد الحمى أنها تنقلت إليه وتحركت من مكان كانت فيه إذ لم تكن جسما ولا جوهرا وإنما وجودها …وليس نزوله نُقلة لأنه ليس بجسم ولا جوهر وقد نزل الوحي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند من خالفنا ».

أقول : هذا تعطيل صريح فلما أصَّل أن الإله ليس في مكان دون مكان فرع عليه نفي المجيء الذي هو انتقال من مكان إلى آخر وأوله إلى معنى وجوده فيه ، وكذلك النزول عنده ليس نزول الذات حقيقة، بل هو كنزول الوحي مع أنه مكتوب في اللوح المحفوظ أو مع أنه معنى قائم بالنفس ، والعجب من المحقق كيف يقول هنا :« ذهب أهل السنة إلى ما ذكره الأشعري ».

سابعا : تعطيل صفتي الغضب والرضا

   قال المصنف (130) :« وأجمعوا على أنه عز وجل يرضي على الطائعين وأن رضاه عنهم إرادته لنعيمهم ، وأنه يحب التوابين ويسخط على الكافرين ويغضب عليهم وأن غضبه إرادته لعذابهم …»

أقول : هذا مذهب التعطيل الصريح ، والمحقق غفر الله له يقول :« لعله أراد أن يفسر الصفة أو يذكر شيئا من لوازمها ؟؟؟».

المطلب الرابع : القضايا المتعلقة بالقدر

وأخير هذه القضايا المتعقلة بالقضاء والقدر والمرتبطة به وهي ستة قضايا :

أولا : التصريح بالجبر

   قال المصنف (153) :« …إنما اختلف  الفريقان  لاختلاف ما  أراده  الله عز  وجل لهم ».

أقول : مثل هذا الإطلاق لا يجوز لأنه يتضمن تغليب الإرادة الكونية على الإرادة الشرعية ، ولكن الواجب هنا التفصيل وأن يقال إن الله أراد ذلك قدرا ، أما شرعا فهو يريد لجميع الناس التطهير والهداية وخلقهم لعبادته . والمحقق هنا بدل التعقيب أخذ في تأييده بالأدلة الشرعية ؟؟

ثانيا : نفي الفعل عن الإنسان

   قال المصنف (144-145) :« وإنما سُمي غيره خالقا في قوله }الله  أحسن  الخالقين {[ المؤمنون 14] وإن كان خالقا وحده على طريق الاتساع ».

أقول : المصنف يريد أن خلق الإنسان وفعله مجاز لا حقيقة له ، وهذا ما يسميه الأشعري كسبا ، وهي عقيدة متفرعة عن القول بالجبر ، والمحقق فطِن هنا للخطأ، لكن لم ينبه على أن هذه العقيدة باطلة مخالفة لمذهب السلف .

ثالثا : معنى الظلم عند المصنف

   قال المصنف (143) :« لأنه عز وجل ملِك لجميع ذلك فيهم ، غير محتاج في فعله إلى تمليك غيره له ذلك حتى يكون جائراً فيه قبل تملكه ، بل هو تعالى في فعل جميع ذلك عادل له وله مالك يفعل ما يشاء ».

أقول عرَّف الظلم بالتصرف في ملك الغير وهذه عقيدة الجبرية الجهم وأتباعه ، فالله تعالى عندهم لما يُجبر الناس على المعصية ثم يعذبهم عليها عادل في ذلك لأنه يتصرف في ملكه ، أما أهل السنة فالظلم عندهم وضع الشيء في غير موضعه ، وهذا الخطأ قد نبه عليه المحقق فأحسن وأحال على جامع الرسائل لابن تيمية (123-124).

رابعا : الاستطاعة والقدرة على الأفعال

   قال المصنف (146) :« وأجمعوا على أن الإنسان لا يستطيع أن يفعل ما علم الله أنه لا يفعله ». وقال (148) : « وأجمعوا على أن الكافرين غير قادرين على العلم بما دعوا إليه مع تشاغلهم بالإعراض عنه وإيثارهم الجهل عليه مع كونهم غير عاجزين عن ذلك ، ولا ممنوعين منه لصحة أبدانهم وقدرتهم على ما تشاغلوا به من الإعراض عنه وآثروا الجهل عليه ». وقال (150) :« وهم غير قادرين عليه – الإيمان -  …ولو كرهوا الكفر وما هم عليه من الإيثار له وأرادوا الإيمان لقدروا عليه ».

أقول : هذه عقيدة الأشعري التي صرح بها في الإبانة وعقيدة اتباعه ؛ أن القدرة على الفعل الذي يكتسب لا تكون إلا معه ، أما قبل فعله فهو غير قادر ، وبالتالي كل الأفعال التي تركها الإنسان هي غير مقدورة له ( أي غير مستطاعة ) وهذا باطل مخالف لمذهب أهل السنة والجماعة الذين يقسمون الاستطاعة إلى قسمين استطاعة بمعنى الصحة والوسع والتمكن وسلامة الآلات التي هي مناط التكليف وهي موجودة قبل التكليف ، واستطاعة مقارنة للفعل وهي التي يوجد الفعل بها([20]). وعفا الله عن المحقق الذي قال (149) :« أما مذهب أهل السنة والجماعة فهو مذكور في كلام الأشعري السابق ؟ وفصله ابن تيمية في المنهاج (1/369،373)».

 خامسا : التحسين والتقبيح

   قال المصنف (137) :« وأجمعوا على أن القبيح من أفعال خلقه ما نهاهم عنه وزجرهم عن فعله ، وأن الحسن ما أمرهم به وندبهم إلى فعله وأباحه لهم ».

أقول : هذه عقيدة الأشاعرة أن التحسين والتقبيح شرعيين فحسب ، ومذهب أهل السنة أن من الأفعال والأشياء ما يدرك حسنه وقبحه بالعقل قبل ورود الشرع. والمحقق هنا جعل قول الأشاعرة هو قول أهل السنة ، ثم رجح قول ابن تيمية ( المخالف لقول أهل السنة في نظره ).

سادسا : نفي الحكمة والتعليل

   قال المصنف (136) :« ولا يسأل في شيء من ذلك عما يفعل ، ولا لأفعاله علل لأنه مالك غير مملوك …».

فعلق المحقق على هذا الكلام :« ما ذكره الأشعري هنا من إجماع أهل السنة على أنه ليس لأفعال الله علل غير سليم …ولم أقف على نص للأشعري يفيد رجوعه عن هذا القول ، وبالتالي فهذا القول من آثار الكلابية التي اعتقدها فترة من الزمن وأما أهل السنة وكذلك المعتزلة فيقولون بالحكمة والتعليل لأفعال الله تعالى ».

أقول: الأشعري إنما وافق ابن كلاب في غالب مسائل الصفات أما في القدر ومسائله فإمامه فيها الجهم بن صفوان، ولا أعلم ابن كلاب ينفي الحكمة والتعليل كما أنه لا ينفي الصفات كلها إلا السبع، كما ينسبه إليه كثير من المعاصرين والله تعالى أعلم .

 

الخـاتمـة

  هذه جملة الأخطاء التي هديت إلى فهمها فإن أصبت فبتوفيق من الله عز وجل ، وإن أخطأت فبتقصيري وعجزي، وأظن أن ما سطرته كاف للدلالة على أن المحقق قد غض الطرف عن أكثر المسائل التي خالف فيها المصنف عقيدة أهل السنة ، ثم قال وهو يعدد نتائج بحثه (179) :« إثبات الأشعري للصفات التي جاء بها الوحي قرآنا أو سنة –دون تفرقة في ذلك- وإن كان عليه بعض المآخذ التي أشرت إليها في التحقيق كما وافق السلف في القضاء والقدر ». وهو أيضا يجعل هذه الرسالة دليلا آخر على رجوع الأشعري إلى عقيدة أهل السنة ، وهي عندي لو ثبتت عنه لدلت على عكس ذلك ، والذي جعل المحقق يسير في هذا الاتجاه ما ذكرته في أسباب كتابة هذا النقد ، فإن ذلك الظن عطل حاسة النقد عند المحقق، فغلب حسن الظن في كل موضع انتبه فيه إلى خلل في الاعتقاد ، فلو تدبر كلام ابن تيمية الذي نقل في الصفحة (35) و(39)، ولو تبين من العقائد التي نسب إلى ابن كلاب في الصفحات (34،121،136) ، ولو راجع مذهب الأشعري المنقول عنه مقارنا بمذهب السلف في المسائل التي سكت عنها أو وافق فيها المصنف لربما تغير موقفه وتبدلت نتائجه ولكن شيئا من ذلك لم يكن ، والله الهادي إلى سبيل الرشاد.

ثم إن هذه الإجماعات المنقولة في الرسالة سواء صدرت من ابن مجاهد أو من الأشعري فلا عبرة بها إطلاقا، لأنها لم تصدر من إمام عالم بمذاهب السلف ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن الأشعري :« ونفس مقالة أهل السنة لم يكن يعرفها ولا هو خبير بها »([21]). وقال عنه أيضا :« ونصر في الصفات طريقة ابن كلاب لأنها أقرب إلى الحق والسنة من قولهم –أي المعتزلة – ولم يعرف غيرها ، فإنه لم يكن خبيرا بالسنة والحديث »([22]).

وكتبه أبو عبد الله محمد حاج عيسى الجزائري الثلاثاء 17 صفر 1420

الموافق لـ1 جوان 1999م

 

 
 

[1]/ وقد كان السبب الأول لقراءة الكتاب هو ما كنت شرعت فيه من بيان الأخطاء والضلالات التي بقي عليها الأشعري ولم يتراجع عنها، ولقد وجدت فيه من الأخطاء ما سطرته في هذا النقد ، ولكن أثناء بحثي ذاك تبين لي أن في نسبة الكتاب إلى الأشعري نظرا ، فلم استجز أن أنسب إليه ما جاء فيه، فحولت البحث إلى نقد مفرد لهذه الرسالة نسبة ومضمونا للأسباب التي ذكرت أعلاه والله الموفق.

[2]/ الطبعة المنتقدة هي الطبعة التي حققها وعلق عليها عبد الله شاكر محمد الجنيدي ونال بها درجة الماجستير في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية .

[3]/ تاريخ بغداد للخطيب (1/343) وانظر أيضا سير أعلام النبلاء (16/305) الديباج لابن فرحون (354) شذرات الذهب لابن العماد (3/74) شجرة النور الزكية (92) هدية العرفين (2/40) .

[4]/ ترتيب المدارك للقاضي عياض (2/476) .

[5]/ قال القاضي عياض :« فقيه فاضل زاهد قيرواني من أصحاب أبي محمد بن أبي زيد القرواني وطبقته، ورحل إلى المشرق فلقي ابن مجاهد الطائي المتكلم وأخذ عنه وأبا بكر الأبهري وأبا محمد بن أحمد البغدادي وسمع غيرهم وكان الغالب عليه الزهد والعبادة، وقد سمع منه الناس روى عنه حاتم الطرابلسي وأبو مروان الطبني وأثني عليه ابن أبي زيد في شيبته ». ترتيب المدارك (2/718) وذكر أنه أرسل معه مختصر المدونة إلى ابن مجاهد انظر  ترتيب المدارك (2/478) وهو من حكى أن سبب توبة الأشعري هو تكافؤ الأدلة، انظر تبيين كذب المفتري (39).

[6]/ الفهرست لابن عطية (126).

[7]/ الفهرست لابن خير (1/318-319).

[8]/ النكت المفيدة في شرح الخطبة والعقيدة (83) وعنه نقله القلشاني (863) في تحرير المقالة (102).

[9]/ شرح ابن ناجي متن الرسالة (1/28).

[10]/ حاشية رزوق على متن الرسالة (1/29).

[11]/ تبيين كذب المفتري (135).

[12]/ تبيين كذب المفتري (136).

[13]/ قارن درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (1/309) منهاج السنة النبوية (1/303) المجموع (5/290) (6/520) الصواعق لابن القيم (3/1190) تاريخ الأدب العربي لبروكلمان (4/431) .

[14]/ انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (7/324) أحكام أهل الذمة (2/1156) أعلام السنة المنشورة (180) التحذير من فتنة التكفير (11).

[15]/ رسالة أهل الثغر  (109،113).

[16]/ مجموع الفتاوى (5/292) ونظر (3/304) أيضا .

[17]/ منهاج السنة النبوية لابن تيمية (2/224-225).

[18]/ المرجع السابق (2/134-135).

[19]/ المقالات للأشعري (211) درء تعارض النقل والعقل (10/258).

[20]/ انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (8/129-130).

[21]/ النبوات لابن تيمية (346).

[22]/ منهاج السنة النبوية لابن تيمية (5/77).

تم قراءة المقال 4667 مرة