الجمعة 25 رمضان 1431

السلفية بين الاستبداد والتجديد

كتبه 
قيم الموضوع
(3 أصوات)

 

    قرأت في إحدى الصحف اليومية الواسعة الانتشار في بلادنا مقالا حول السلفية في مطلع الألفية الثالثة وهموم التجديد، فوجدت صاحبه جانب الإنصاف وهو من دعاته، حاد عن الموضوعية التي تفرضها المنهجية العلمية وهو من متبنيها.

   لقد استعمل في مقاله مصطلحات شرعية واستند إلى أحداث تاريخية، ودلل بظواهر واقعة في أيامنا هذه؛ لطرح قضية من القضايا الخطيرة المطروحة في الساحة الفكرية، وهي قضية التجديد والإصلاح، تجديد يختلف عن المعنى الذي يفهمه علماء الشرع، وهو تطهير الدين من البدع والخرافات وتقويم الأخطاء والانحرافات، وإصلاح لا يمت بصلة إلى إصلاح الأنبياء والمرسلين الذي يعني إصلاح عقائد الناس وأخلاقهم، إنه الإصلاح الفرعوني(1) وإصلاح الثورة الفرنسية وتجديد حزب "الاتحاد والترقي" وإصلاحات الإدارة الأمريكية في البلاد الإسلامية.

 

السلفية بين الاستبداد والتجديد

 

   والكاتب أنكر إرادة هذا المعنى لما اتصلت به واستعاذ بالله منه، لكن ماذا عساني أن أفعل وأنا أقرأ غير الذي يزعم وأفهم غير ما قصد، -فأنا سأناقش المقال لا نية صاحب المقال-،  فإني قد وجدت نفسي أمام عبارات ونصوص تعبر عن معان وتدل على أفكار، ذكرتني بكتابات كثيرة تشبه هذا المقال، تشبهه في أسلوبه وأهدافه ومراميه، كتابات معددة لمؤلفين مختلفين كلهم يواجه مشكلة "الاستبداد الفقهي عند علماء الإسلام" وهي مشكلة لا وجود لها إلا عند من تشبع بالثقافة الغربية وأراد نقل صراع التنويريين مع الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا إلى بلاد الإسلام، وأن يقحم عقلية الصراع والثورة في تاريخ الإسلام وحضارته، ويدلل أكثرهم على مرادهم بوقائع وأحداث مدونة في التاريخ كإعدام الحلاج والسهروردي وإقصاء ابن رشد وحبس ابن تيمية، وقائع تنقل مبتورة عن سياقها وحيثياتها، وعن دوافعها الحقيقة لإيهام القراء أن فقهاء الإسلام كانوا مستبدين بالفكر ولا زالوا، وأنهم تحالفوا مع السلطان للاستئثار بحق الفقه دون الناس؛ كما تحالفت الكنيسة مع ملوك أوروبا في عصور الظلام، وأن هؤلاء الفقهاء الظلاميين قد قاومهم أفراد من الأمة فنالهم الاضطهاد من سجن ونفي وتقتيل أو إقصاء وإرهاب الفكري يحمل في طياته التبديع والتكفير والرمي بالزندقة والمروق من الإسلام.

ثم ينتقل بنا هؤلاء الكتاب إلى الواقع اليوم ويقررون أن الأمر لا يختلف عن السابق، فالفقهاء هم الفقهاء والسلاطين هم السلاطين، وأما دعاة التجديد فهم هؤلاء الكتاب العصرانيون الحداثيون التنويريون العلمانيون اليمينيون أو اليساريون.

   وليس في مقال الكاتب شيء من هذا الاستدلال، لأن ثقافته الدينية لم تسمح له بالاستناد إلى دلائل مفضوحة، فإلحاد الحلاج والسهروردي أضحى أمرا مكشوفا، ولا يدافع عنهما وعن غيرهما من الزنادقة إلا من هو على شاكلتهما من ملاحدة العصر، ولأن ابن رشد الذي كانت له آراء فلسفية شذ فيها عن عقائد القرآن كان في نظام التشريع على ملة الإسلام غير خارج عنها قاضيا يحكم بمذهب مالك رحمه الله تعالى، وهؤلاء لا هدف لهم إلا الخروج عن شريعة الإسلام وإلغاء النظم الإسلامية، ولأن ابن تيمية قد أضحى اليوم في وسائل الإعلام رمزا للتطرف وسندا للإرهاب ومثالا للتعصب إقصاء المخالف، فكيف يقررون أنه كان ضحية لاستبداد الفقهاء الرسميين.

   إن دعاة الحداثة (والتجديد) يطعنون في الإسلام تحت غطاء الطعن في الفقهاء، إنهم يدعون إلى فهم القرآن فهما جديدا لا يقف عند حروفه وظواهره، بل يتعداه إلى معان باطنة يفرضها الواقع ويفهمها أهل التنوير الذين لا يفهمون من العربية إلا ما علمهم منها المستشرقون وأدباء المهجر، والذين يريدون أن يقنعوا الجماهير المسلمة بأن بالعلمانية لا تتعارض مع الدين وأن الماركسية لا تعني الإلحاد، وأن النظم الوضعية ليس في روح القرآن ما ينفيها وإن كانت حروفه تنفيها وتنفي متبنيها.

   لكن بحمد لله تعالى قد فطن المسلمون لحقيقة دعاوي هؤلاء الحداثيين الذين يستعلمون مصطلحات التجديد والإصلاح والاجتهاد للترويج للعلمانية في بلاد الإسلام، ولعل من أسباب إنكشاف أمرهم تعميمهم في الحكم على الفقهاء بالاسبتداد دون استثناء، الأمر الذي لا يقبله منهم العامة المنتسبين حقيقة أو عاطفة إلى أحد المذاهب الإسلامية الأربعة المعروفة، ولذلك اتجهت بعض الأقلام إلى تهذيب هذه التهمة كما أن دعاة التنوير في أوروبا هاجموا الكاثولكية التي اضطهدت من أسمتهم دعاة الهرطقة ولم يهاجموا النصرانية، فكذلك هم أصبحوا يهاجمون السلفيين أو المسلمين الأرثوذكسيين (أهل التقاليد أو الأصوليين بمعنى المتمسكين بالأصالة) بدلا من مهاجمة الفقهاء عموما.

  ولكن هذا المنحى -أو الحيلة إن صح التعبير- مكشوفة أيضا، فالسلفية في هذه الأيام قد قهرها سيف السلطان وقلم الإعلام، فكيف ينسب إليها الاستبداد ؟؟ وأهلها غرباء في أوطانهم!! لا يكاد يسمع لهم صوت وليس بيدهم لا أمر الدين ولا الدنيا، فكيف يعدون سببا لتخلف الأمة أو حجر عثرة في طريق رقيها (في مطلع الألفية الثالثة).

   وهنا أرجع إلى مقال صاحبنا الذي أراد أن يدلل لما يذهب إليه بواقع طائفة تنتسب إلى السلفية وربما تريد أن تحتكرها، وليس لها من هذا الاسم إلا دعوى الانتساب، وصاحبنا كان يسميها فيما مضى –لما كان سلفيا- بالمدخلية لأنه كان يرى تصرفات أصحابها منافية لعقائد السلف وأخلاق السلف ومنهج السلف، فلم يسلِّم لهم هذه النسبة فضلا عن الاستئثار بها، أما اليوم فهو ينسب الفساد التي أظهرته هذه الطائفة إلى السلفية، ومن القراء من فهم من كلامه نسبة هذا الفساد إلى الإسلام، وهذا التصرف من الكاتب تلبيس أو مصادرة أو ديماغوجية (اختلفت المصطلحات والمعنى واحد) إذ لا يلزم من خطأ أو ضلال أفراد من الأمة أو طائفة منها سواء سميت سلفية أو طرقية أن يكون ما يطرحه الحداثيون صحيحا، إن تصويب الدعوى إنما يكون بإقامة البرهان عليها لا بنقد فئة واحدة من المخالفين، لذلك نقول لو استعمل السبر والتقسيم بجمع كل الأفكار والتيارات والطوائف الموجودة في الساحة الإسلامية ثم بين بطلان منهجها شرعا وواقعا لربما ملنا إلى صواب منهج دعاة الحداثة والتبديل.

إن هذا الاستدلال يذكرنا بمنهج النصارى الذين يأتون ببعض الشبهات حول شريعة الإسلام كتعدد الزوجات وحد المرتد ليبرهنوا على صحة النصرانية، ولا يستقيم ذلك، لأنهم إذا دللوا على فساد الإسلام فاليهودية أقرب إلى العقل من النصرانية، والبوذية لا تختلف كثيرا عن النصرانية، والمطلوب منهم إقامة البرهان على صحة دينهم لا بيان فساد دين من الأديان.

  أعود إلى صاحبنا الذي ينكر أن يكون قصد هذا الذي ذكرت، وأسأل الله تعالى أن أكون قد أخطأت في حقه وأن أكون قد ظلمته بسوء ظني، ولكن لما لم تكن الأفكار المطروحة من بنات فكره ولا مما انفرد به مقاله لم نعدم فائدة من مناقشتها وبيان ما وراءها من فساد، إن صاحبنا يزعم أنه لم يقصد الطعن في الإسلام ولا في منهج السلف ولكن في السلفية الإقصائية التي من شعاراتها: إن لم تكن معي فأنت ضدي، ومن قواعدها: من أخطأ فهو مبتدع ومن لم يبدع المبتدع فهو مبتدع.

   وهنا أقول إنه لم ينصف بالتعميم لأن المصطلح إذا أطلق لا ينطبق على الدخلاء ولا على الرعاع بل على الأعلام والرموز الذين ذاع صيتهم في العالم الإسلامي شرقا وغربا، ولأن هؤلاء المشار إليهم لا أثر لهم في المجتمع ولا في مسار الدعوة ولا في التاريخ، وهم طائفة تحمل أسباب الفناء في أصل فكرها، وعما قريب تنقضي أيامها وتصبح جزءا من التاريخ الماضي الذي لا وجود له (إلا في مطلع الألفية الثالثة).

   لو أنصف صاحبنا لشهد أن السلفية اليوم ضحية استبداد السلطان ووسائل الإعلام، ولقد كان يشهد بهذا ولا إخاله اليوم يقول لنا "تستاهلوا".

   لو أنصف لشهد أن السلفية هي من قاومت فكرة غلق الاجتهاد وتحريم النظر والاستدلال التي قادها الجامدون من الفقهاء بعد القرن الرابع الهجري، ودعوى التعصب والتقليد الأعمى مظهر من مظاهر الاستبداد وجمود ينافي التجديد الشرعي الذي نادى به السلفيون عبر العصور.

   لو أنصف لشهد أن السلفية هي من قاوم سلطان شيوخ الطرق الصوفية(2) الذين مارسوا استبدادا فكريا لا مثيل له ضد الأميين من أبناء الأمة، هؤلاء الشيوخ الذين كانوا ولا يزالون يأمرون بإلغاء العقل ويدعون إلى التخلف والقعود والسلبية، ويزينون للأتباع عبادة الشيخ وذرية الشيخ.

   ولو أنصف لشهد أن ظاهرة الاستبداد متفشية في قيادات الجماعات والأحزاب الإسلامية؛ التي لا تنتسب إلى السلفية بالمعنى الخاص أو المفهوم الواسع الانتشار. (وما أصاب بعض السلفيين من مرض الاستبداد فهو من عدوى هذه الجماعات) (3)

لو أنصف صاحبنا أو أراد فعلا الدعوة إلى التجديد بمعناه الصحيح لكتب لنا مقالا بعنوان حول الطرقية في مطلع الألفية الثالثة وهموم التجديد، أو حول التعصب المذهبي وهموم التجديد.

إن من أهم الأشياء التي ينتقدها الكاتب على السلفية الموصوفة في مقاله عدم الإنصاف في الحكم على الأشخاص والطوائف، وهو في مقاله هذا إن حملناه على المحمل الأخير الأحسن (لا الحسن) قد افتقد فيه هذا الإنصاف بالتعميم أولا، لأن الشواهد المدلل بها لا تعني كل السلفيين، وبالتضخيم ثانيا بحيث أن تلك الانحرافات الجزئية لا ترقى إلى أن تكون هي العائق الأكبر في طريق التجديد أو تطوير الأمة، ثم (ثالثا) بتجاهله لمظاهر الاستبداد التي أشرنا إلى أنه لم يقاومها إلا السلفيون وهي واسعة الانتشار في بلاد الإسلام.

وفي الختام نحمد الله تعالى على نعمة الإسلام، ونسأله الهداية والتثبيت على الإيمان.

---

الهوامش

(1)وذلك أن فرعون زعم النهي عن الفساد فقال : (إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) [غافر/26]

(2)نعم لم يقاوم التعصب المذهبي والفكر الصوفي إلا السلفيون، أمثال ابن تيمية وابن عبد الوهاب والشوكاني ورشيد رضا وابن باديس عليهم رحمة الله أجمعين أو من تأثر بمدرستهم.

(3) حيث أن بعض المنخرطين في هذه الأحزاب ألف نمطا معينا من التعامل مع الأتباع فلما فارق هذا التنظيم بجسده لم يستطع أن يفارقه بفكره، وأصبح يزعم أن هذا الفكر هو منهج السلف.

تم قراءة المقال 6181 مرة