الأحد 1 ذو الحجة 1442

على هامش المناقشات 4: لا مجدد إلا في عصر جمود وانحراف

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

على هامش المناقشات 4: لا مجدد إلا في عصر جمود وانحراف
كانت الدراسة حول ابن رشد الحفيد صاحب بداية المجتهد، وجاء في مقدمتها وصف عصره بما هو معلوم من طغيان التقليد والتعصب، وأن ابن رشد سعى إلى التجديد وإحياء الاجتهاد من خلال هذا الكتاب، فلم يرتض الدكتور المناقش وصف فقهاء عصره بهذا الوصف، لأنه وصف يحمل مذمة لفقهاء المالكية؛ وعَكَسَ القضية بأن جعل وجود أمثال ابن رشد (ت:595) وابن العربي(ت:543) وقبلهما الباجي (ت:474) وابن عبد البر (ت:463) دليل على تفتح أهل المذهب وعنايتهم بالدليل.
   وهو كلام مألوف في زماننا في الملتقيات المغلقة التي يُطل من خلالها على صفحات مشرقة من تاريخ علمائنا؛ فيكال لهم المدح والثناء في سويعات معدودات؛ وبعد انقضائها تطوى تلك الصفحات إلى موعد لاحق من السنة المقبلة.
    وأنا أرى في هذا الكلام قلبا للحقائق؛ فإن هؤلاء العلماء المجتهدين المذكورين هم من شهد بواقع الفقه في عصرهم، كل واحد منهم اشتكى حاله ونقل للأجيال الحقيقة المرة؛ فابن رشد سجل صفة فقهاء عصره في كتاب الصرف من بداية المجتهد، وأكد على ذلك في كتابه الضروري (144-145) حيث جعلهم في مرتبة المقلدين، وحصر الفرق بينهم وبين العوام في حفظ آراء المجتهدين ونقلها. وقد ناله بسبب موقفه منهم ما ناله، ولا اعتقد أن تعاطي الفلسفة كان السبب الوحيد لنقمتهم عليه؛ فإن تعاطيها لم يكن حكرا عليه.
   وشهد بهذا الواقع ابن العربي في العواصم (366-367، 369) وحدثنا عن الاضطهاد والتحقير وجحد المنزلة الذي نال المجتهدين وقرر أنه لا يسلم أحد:« إلا أن يستتر عندهم بالمالكية»، وجاء في كلامه قوله:« وافتعلوا عليه، وردوا كل عظيمة إليه» وهذه كلمة تؤكد حقيقة ما سبق تقريره في حق ابن رشد، وهي تفسر أيضا سبب حملتهم على الباجي رحمه الله، الذي رفع رأسهم ونصر مذهبهم، فبدل شكره ورفع مقامه انقلبوا عليه واتهموه في دينه، ذلك أن تحقيقه لعلم الأصول جعله يتميز عليهم ويرتفع عن درك التقليد إلى درجة المجتهد المطلق المنتسب؛ بينما لم يصل أعلاهم مقاما الرتبة التي دونها وهي رتبة المجتهد المقيد المؤهل للتخريج.
 وقد دون أيضا ابن عبد البر في جامع بيان العلم (2/1137) حالهم وصوَّر عجزهم أمام خصومهم بسبب تقصيرهم في علم الأصول الفقه، وأنهم كانوا ربما يردون الحجج بحكاية فضل مالك رحمه الله ومنزلته..ونحن الآن نواصل جحد حق هؤلاء المجتهدين بتغييب آراءهم لأنها خلاف المشهور، وكذا بالنهي عن قراءة كتبهم لأنها لم ترد فيما قائمة ما يعتمد، أو دعوى تأخير دراستها إلى حين اقتراب أجل المرء، ..ولا زالت اذكر يوم طبع الاستذكار لابن عبد البر في أوائل التسعينيات فاقتنيته لمكتبة المسجد؛ فاعترض صنيعي طويلب علم يومها، وقال مرددا كلام غيره:"إن هذا الكتاب قراءته حرام"...

تم قراءة المقال 184 مرة