الأحد 2 ربيع الأول 1445

تفنيد نسبة كتاب الحيدة لعبد العزيز بن يحيى الكناني

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

تفنيد نسبة كتاب الحيدة لعبد العزيز بن يحيى الكناني
    جمعني هذا الصيف سفر مع أحد الأصدقاء القدماء الأفاضل؛ فأخذنا حديث المذاكرة والذكريات إلى ذكر كتاب الحيدة لعبد العزيز الكناني، فأثنى صاحبي على ما فيه من حجج دامغة أفحم بها السني المعتزلي، فقلت له إن بعضهم ينسب الكناني إلى الكلابية التي ظهرت أيام المحنة ، ومذهب الكلابية قريب جدا من مذهب أهل السنة، ولذلك نحتاج إلى إعادة قراءة الكتاب مرة أخرى قراءة متفحصة، وقد مضى على قراءتنا له أكثر من ثلاثين سنة، قلت هذا مع أنه لم يكن خافيا علي وعلى صاحبي الكلام المتعلق بنسبة الكتاب إلى الكناني، سواء من جهة السند أو من جهة المحتوى حيث أن ظاهر تلك المناظرة يوحي أن المأمون قد يكون اقتنع بمذهب أهل السنة، ولذلك لم نؤثر الخوض فيه مرة أخرى وخاصة مع بعد العهد وبعدنا عن المصادر.
   ولما قفلنا من السفر واستعدت أنفاسي؛ رجعت إلى الكتاب فقرأته في مجلس واحد ، متأملا مادته وحبك أحداثه ، فوقفت على الموضع الذي نُسب فيه الكناني إلى نفي صفتي السمع والبصر، وهو رأي لم يقل به لا ابن كلاب ولا غيره من المنتسبين للسنة، ووجدت عبارة محتملة للقول بتصويب المجتهدين، وأخرى تحتمل نفي تجدد الكلام، وعجبت للمريسي الذي ينفي صفة الكلام كيف يثبت صفة النفس لله تعالى، وكيف يغامر تلك المغامرة السمجة فيدعي أن لفظ جعل في القرآن كله بمعنى خلق..
   قرأت مشاهد تلك المناظرة، وتتبعت ألفاظ الحوار بين الأشخاص الذين تقاسموا الأدوار فيه ، فوجدت آثار الصنعة والتلفيق بادية فيه ، وأهم شيء سجلته بعيدا عن المحتوى العلمي كان متعلقا بالحدث التاريخي وأشخاصه زمانا ومكانا، فزمن المناظرة هو زمن فتنة القول بخلق القرآن وامتحان العلماء من طرف المأمون كما صرح فيه مؤلف الكتاب، وقد أقحم فيه فقرة غير منسجمة مع سياق القصة ليبين من خلالها أن أحمد بن حنبل كان في السجن في تلك الأيام، وبالرجوع إلى بعض المصادر التاريخية تبين أنه يفترض أن تكون أحداث القصة جرت ما بين شهر ربيع الأول من سنة 218 وشهر رجب من السنة ذاتها.
   والمكان حسب زعم الكاتب هو بغداد حيث جهر بنفي القول بخلق القرآن بحضرة كاتب المأمون عمرو بن مسعدة الذي اعتقله بسبب قوله، ثم جرت المناظرة في قصر المأمون حسب ادعائه، وكان الخصم هو بشر بن غياث المريسي ويسانده شخص سماه محمد بن الجهم بن صفوان، وكان الحكم بينهما المأمون ذاته.
   ولا تتفاجأ أيها القارئ إن قيل لك إن عمرو بن مسعدة كاتب المأمون، كان قد توفي قبل ذلك خلال سنة 217 هـ وقيل سنة 215 هـ .
   ومما ينبغي أن يعلم أن المناظرات كانت تقام بين يدي المأمون فعلا، لكن قبل قرار فرض تلك العقائد على الناس، أما في أيام المحنة فالقائد هو نائبه العسكري الخزاعي، وليس بشر المريسي الذي كان يومها قد هرم وبلغ سن الثمانين، ولم تنقض تلك السنة حتى كان قد هلك.
   وأما الضربة القاضية التي تسقط هذه القصة رأسا فهي أن المأمون كان غائبا عن بغداد مدة المحنة كلها، حيث كانت بدايتها برسالة للمأمون، مؤرخة بشهر ربيع الأول 218 هـ أرسلها من الرقة، إلى نائبه في بغداد إسحاق بن إبراهيم الخزاعي يأمره بامتحان الناس، كذا وثقه الطبري في تاريخه.
  وكانت الرسالة الأخيرة واردة من طرسوس، طلب فيها إحضار بعض العلماء إليه، وقد أرسلهم إسحاق بن إبراهيم، لكن لما بلغوا الرقة جاءهم نبأ وفاة المأمون بطرسوس، وكان ذلك في رجب 218 هجرية.
   وهذا الخلل التاريخي الواقع في القصة دال على ضعف واضع الكتاب من الناحية التاريخية ، كما أن ذلك الخطأ الشنيع المتعلق بصفتي السمع والبصر يدل على جهله بعقيدة أهل السنة ، وباقي ما جاء فيها مما لا ينتقد يدل على أنه كانت لديه مصادر عقدية استطاع أن يصوغ من مادتها حوارا –سيناريو- ممتعا انتصر فيه لمذهب أهل السنة والجماعة على المعتزلة.
    لكن القاعدة عندنا أن الغاية النبيلة لا تطلب إلا بالوسيلة الشريفة، وكما لا تنصر العقيدة بالأحاديث الموضوعة فلا تنصر بالقصص الملفق، والفرق بين الحديث وهذه القصة أن الحديث الموضوع يرد سندا ومتنا لأنه منقول عن معصوم، وأما الحجج التي تضمنتها القصة فتبقى قائمة بذاتها ولا تحتاج إلى إسناد، لأن العبرة بها في ذاتها لا بقائلها أو ناقلها.
   ولعل من البحوث الجديرة بالإنجاز لمن هو مقتنع قناعة تامة بعدم ثبوت كتاب الحيدة لعبد العزيز بن يحيى الكناني رحمه الله، أن يجتهد في اكتشاف المصادر التي اعتمد عليها واضع الكتاب محمد بن الحسن بن أزهر المتوفي سنة 320هـ ، فإنها ولا شك مصادر قديمة ومهمة جدا .

تم قراءة المقال 141 مرة