الجمعة 8 ذو الحجة 1432

76-طهارة المذي وحكم من به سلس المذي

كتبه 
قيم الموضوع
(6 أصوات)

السؤال:

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد فقد علمت يا شيخنا الكريم أنكم ترون طهارة المذي، فأرجو من سماحتكم أن تبينوا لنا دليل هذا القول، وهل هذا يعني أن من خرج منه مذي أجزأه الوضوء من غير استنجاء؟ وكيف العمل إذا كان هذا الشخص يعاني من سلس المذي؟ أنا في أمس الحاجة إلى جوابكم يا شيخنا الكريم وجزاكم الله الخير كله في الدنيا والآخرة .

 

76-طهارة المذي وحكم من به سلس المذي

 

الجواب:

   الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد: فإنَّه من الأمور المقرَّرة في الفقه أن الأصل في الأشياء الطهارة إلا ما دل الدليل على نجاسته، وفي خصوص المذي لم نجد دليلا صريحا على النجاسة، بل ظاهر النصوص والقياس يقضيان بطهارته، وأكثر المتأخرين إنَّما سلموا القول بنجاسته لنقل بعض الفقهاء الإجماع على ذلك وليس ثَمَّة إجماع، بل الخلاف ثابت في نَجاسته مثل ما هو ثابت في نجاسة المني، وممن قال بطهارته الإمام أحمد في رواية عنه وصححه من أصحابه أبو حفص البرمكي وابن عقيل وأبو الخطاب وغيرهم.

    وحديث علي رضي الله عنه في المذي لا يدل على النجاسة، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال له كما في البخاري : «توضأ واغسل ذكرك»، وفي لفظ مسلم « يغسل ذكره ويتوضأ» وفي رواية له «منه الوضوء»، فبين له أهم شيء وهو إجزاء الوضوء وعدم وجوب الغسل، ثم أرشده إلى غسل ذكره، وذلك لتخفيف الشهوة فيما يظهر؛ لأنه اشتكى من كثرة المذي، ولم يأمره بالتحرز منه أو تنظيف ثوبه وجسمه منه، ولا يقال إنَّه أمره يغسل الذكر في هذا الحديث، لأنَّ دلالة الأمر لا تتعين للوجوب، فهي تحتمل الندب والإرشاد، وإذا علَّلنا الغسل بتخفيف الشهوة لمن كَثُر مذيه تعين حمله على الإرشاد، وكذلك إذا علَّلناه بالقذارة الطبعية، ومِمن نصَّ على هذا ابن خزيمة في صحيحه حيث قال:«باب ذكر الدليل على أن الأمر بغسل الفرج ونضحه من المذي أمر ندب وإرشاد، لا أمر فريضة وإيجاب» ثم أورد رواية :« يكفيك منه الوضوء».

    وكذلك إذا نظرنا إلى المعنى والقياس فإلحاق المذي بالمني أولى من إلحاقه بالبول، وهذا حجة على الشافعية والحنابلة القائلين بطهارة المني طبعا، بل هذا ليس قياسا وإنما إلحاق بنفي الفارق وهو أقوى من القياس، لأن المذي مثل المني في سببه ومخرجه، قال ابن قدامة في المغني:« وروي عن أحمد رحمه الله أنه بمنزلة المني، قال في رواية محمد بن الحكم إنَّه سأل أبا عبد الله عن المذي أشد أو المني؟ قال: هما سواء ليسا من مخرج البول، إنَّما هما من الصلب والترائب، كما قال ابن عباس هو عندي بمنزل البصاق والمخاط، وذكر ابن عقيل نحو هذا، وعلل بأن المذي جزء من المني لأنَّ سببهما جميعا الشهوة، ولأنه خارج تحلله الشهوة أشبه المني».

    فإن قيل فقد روى أبو داود والترمذي وابن ماجة عن سهل بن حنيف قال كنت ألقى من المذي شدة، وكنت أكثر من الاغتسال فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: إنما يجزيك من ذلك الوضوء، قلت يا رسول الله فكيف بما يصيب ثوبي منه؟ قال: يكفيك بأن تأخذ كفا من ماء فتنضح بها من ثوبك حيث ترى أنه أصابه، قيل هذا مما تفرد به ابن إسحاق، وقد كان الإمام أحمد يتهيبه، وقال الذهبي :« هذا حكم تفرد به » . وعلى فرض التسليم بصحة الحديث، يقال إن الاكتفاء بالنضح وعدم الأمر بالغسل دليل على عدم النجاسة، لأن حكم النجاسة الغسل، ولا يقال إن هذا تخفيف لأنا نقول إنما تثبت الرخصة بعد ثبوت العزيمة، ولا دليل على وجوب الغسل ثم تخفيفه إلى النضح، ولذلك قال أبو حفص البرمكي-كما في بدائع الفوائد (4/892)-: «يجزئ في المذي النضح لأنه ليس بنجس».

   أما من أصيب بسلس المذي فيتوضأ لكل صلاة ولا يضرُّه خروجه بعد ذلك، مثله مثل صاحب سلس البول، وقد روى عبد الرزاق عن بن عيينة عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال :« إني لأجد المذي على فخذي ينحدر وأنا أصلي فما أبالي ذلك» قال وقال سعيد عن عمر بن الخطاب:«إني لأجد المذي على فخذي ينحدر وأنا على المنبر ما أبالي ذلك» والله تعالى أعلم .

تم قراءة المقال 8111 مرة