الأحد 7 ربيع الأول 1431

أصول الدعوة السلفية عند العلامة ابن باديس (ت 1359) رحمه الله تعالى

كتبه 
قيم الموضوع
(4 أصوات)

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .

أما بعد: فإن الشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس رحمه الله تعالى علم من أعلام الدين وأحد رجاله المصلحين، عالم قد عرف قدره ومنزلته المؤالف والمخالف، وشهد له بالفضل الكبير والصغير ، وتظافرت كتابات الناس حوله على أنه رائد النهضة في الجزائر ومجدد الدين فيها، وباعث السنة وقامع البدعة ، وناشر المنهج السلفي في العصر الحديث، وأنه القائد الفعلي للجهاد الذي به تحررت الجزائر من نير الاستعمار، وإنه وإن كان هذا الأخير حدث بعد وفاته ، إلا أنهم شهدوا بأنه هو من وضع أسسه فحرر عقول الناس من قيود الطرقيين، وبث علم الكتاب والسنة الذي به تحيا القلوب وتعلو الهمم .  وإنه من واجبنا نحوه باعتباره أحد علماء الأمة ومصلحيها أن نجله ونعظمه ([1])، وأن ننشر فضائله ليقتدى بها، وأن نبرز آثاره الدالة على اتباعه للسنة، نشرا للحق وهداية للخلق ، خاصة الناس المحبين والمجلين له ، وفوق كل ذلك أن نعترف له بما هو ثابت له من الفضل علينا وعلى الأمة، ذلك أنا بشعاع ضياء أمثاله تبصرنا وباقتفاء واضح رسومهم تميزنا ، وبسلوك سبيلهم عن الهمج تحيزنا، وما مثلهم ومثلنا إلا كما ذكر أبو عمرو بن العلاء : »ما نحن فيمن مضى إلا كبقل في أصول نخل طوال« ([2]).

 

أصول الدعوة السلفية  عند  العلامة ابن باديس (ت 1359) رحمه الله تعالى

 


هذا وكما هو شأن جميع العلماء المتبعين لسبيل الأنبياء ، فقد ابتلي الشيخ ابن باديس ببعض الطرقية والملاحدة ممن يطعن فيه ويتتبع عثراته أو يولدها ، فلم يؤثر فيه ذلك ، ولقد أبان عن جهله أو مرض قلبه كل من تعرض له ، ولقد مر زمن أضحى فيه الملاحدة يستحيون من أن يجهروا بعدائهم له فضلا عن غيرهم ، حتى جاءت السنوات العجاف التي مرت بها البلاد فانقلبت فيها الموازين ، وارتفع قرن الطرقية وقويت العلمانية، فتجدد التعريض منهم بابن باديس لكن على تخوف وتوجس وحذر، ذلك أنهم يرون في محاربة الرمز حربا لدعوته وآثارها الباقية في هذه البلاد، وفي زمن هذا التحوُّل الذي كان يستدعي تجمع ورثة الدعوة الإسلامية الصحيحة لدفع هذه الموجة، التي تبغي ضرب الإسلام من خلال تحطيم رموزه، ظهر في طريق الدعوة طائفة باغية عن الصراط غاوية، هَمُّها تتبع عورات المسلمين وصد الناس عن الدعاة المصلحين، وكان من آثارها ومن نتاج أصحابها مجموعة أوراق كتب على ظهرها » الرد الوافي على من زعم أن ابن باديس سلفي« وهي عبارة عن تقرير جُمعت فيه أخطاء الشيخ العلامة ابن باديس، وما حسب أنه من الأخطاء، حتى يُعارض أهل العلم والفضل الذين يقولون إن ابن باديس من علماء السنة، سلفي في عقيدته ومنهجه، ولو كان أهل هذه الطائفة الغالية على السنة وطريق السلف علما وعملا لعلموا أن من السنة توقير العلماء، وأنه من علامة أهل البدع الوقيعة فيهم([3]).

ولقد ترددت كثيرا في كتابة هذا الرد على تلك الأوراق المذكورة، ثم إني رجحت جانب الكتابة بتشجيع من كثير من الفضلاء، بعد أن عرفت ذيوعا وانتشارا وقبولا عند كثير من الناس، فاعتمدت مثل ما قرر مسلم في مقدمة صحيحه: «وقد تكلم بعض منتحلي المنهج من أهل عصرنا في تبديع أهل العلم وتضليلهم بقول لو ضربنا عن حكايته، وذكر فساده صفحا لكان رأيا متينا ومذهبا صحيحا. إذ الإعراض عن القول المطرَح أحرى لإماتته، وإخمال ذكر قائله، وأجدر أن لا يكون ذلك تنبيها للجهال عليه. غير أنا لما تخوفنا من شرور العواقب، واغترار الجهلة بمحدثات الأمور، وإسراعهم إلى اعتقاد خطأ المخطئين، والأقوال الساقطة عند العلماء. رأينا الكشف عن فساد قوله، ورد مقالته بقدر ما يليق بها من الرد، أجدى على الأنام وأحمد للعاقبة إن شاء الله »([4]). واستأنست بقول العلامة الإبراهيمي:» تحامل المتحاملين على الجمعية والجريدة بقصد الشغب وإثارة الكوامن الدفينة فلا تتشاغلوا بهم ولا تضيعوا أوقاتكم في الرد عليهم، إلا أن يكون في الرد عليهم درء لضرر محقق«([5]).

وقد حرصت أن أجعل هذا البحث ردا أجمع فيه بين الدفاع عن الشيخ ضد شانئيه، وبين التأصيل العلمي الذي يقمع به كل غزاة الأعراض بالأمراض في هذا الزمان، إذ هذه الأوراق -كما سبق- ليست إلا ثمرة وتطبيقا عمليا لفكر جديد ومنهج دخيل أريد له الانتشار ليشوه صورة الدعوة السلفية، وينفر الناس عنها ويضعف حجة أهلها وليثخنها بالانقسامات والاختلافات، ومع الأسف الشديد قد كان للأعداء ما أرادوه فعلا، وما ساعدهم على ذلك إلا بعدنا عن فهم حقيقة منهج السلف الصالح في الدعوة إلى الله وفي التعامل مع المخالفين، ولاعتبارات أخرى يمكن تلخيصها في عدم تجسد فكرة التصفية والتربية في واقع أكثرنا.

ولقد كان من الأمور التي حفزتني على الكتابة أيضا عزمي منذ مدة على تسطير بحث جامع لأصول الدعوة السلفية مفصلة على لسان الشيخ ابن باديس رحمه الله تعالى، بعد أن كتبت من قبل بحثين حول شخصيته العلمية لم أستوعب فيها جميع أصول دعوته([6]).

فجمعت بحمد لله تعالى كتابا سميته الرد النفيس على الطاعن في العلامة ابن باديس ، وقسمته إلى أربعة أبواب :

الباب الأول : أصول الدعوة السلفية عند العلامة ابن باديس

الباب الثاني : جهالات وتلبيسات صاحب الأوراق

الباب الثالث : دفع الشبهات عن العلامة ابن باديس

الباب الرابع : هل كان ابن باديس مبتدعا ؟( فيه بيان انتسابه وعلماء الجمعية البارزين إلى السلفية، ونسبة أهل العلم له إليها، مع قواعد مهمة في ضوابط التبديع)

ثم إني تريثت في إخراجه بغية تنقيحه وتهذيبه حتى يحصل المقصود من جمعه وتأليفه، وهو درء هذه الفتنة والذب عن عرض أحد أعلام السنة، وقد رأيت أن أعجل بإخراج الباب الأول منه مفردا بعنوان مستقل « أصول الدعوة السلفية عند العلامة ابن باديس » نظرا لأهمية هذه الأصول في ذاتها، ولضرورة العلم بها وتطبيقها، وللحاجة الملحة إلى تبيينها من كلام علامة الجزائر ، بغض النظر عن الشبهات المثارة حوله، ونسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم وأن ينفع به آمين وسبحانك اللهم وبحمدك وأشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك .

ترجمة العلامة ابن باديس في سطور

أولا : النشأة وطلب العلم

1-ولد عبد الحميد بن مصطفى بن مكي بن باديس بمدينة قسنطينة في ليلة الجمعة 11 ربيع الثاني 1307هـ (الموافق لـ  4 ديسمبر 1889م).

2-حفظ القرآن وعمره 13 سنة 1421هـ(1903م) على يد الشيخ محمد المداسي والذي قدمه ليصلي بالناس التراويح ثلاث سنوات متتابعات في الجامع الكبير بقسنطينة.

3-أخذ مبادئ العلوم اللسانية والشرعية عن الشيخ حمدان لونيسي، الذي كان يدرس في مسجد محمد النجار بقسنطينة.

4-رحل إلى جامع الزيتونة بتونس سنة 1326هـ (1908م) ليكمل دراسته هناك، وتتلمذ فيه على مشايخ كبار منهم: محمد الطاهر بن عاشور ومحمد النخلي القيرواني ومحمد الخضر حسين الجزائري (شيخ الأزهر فيما بعد) ومحمد الصادق النيفر وبلحسن النجار وسعيد العياضي والبشير صفر وغيرهم.

5-حصل شهادة التطويع وهي العالمية العالية في السنة الدراسية 1330هـ (1911-1912م) وقد كان ترتيبه الأول في دفعته.

6-درَّس سنة كاملة في جامع الزيتونة على عادة المتخرجين منها، وفي سنة 1331هـ (1913م) رجع إلى قسنطينة للقيام بالواجب، فشرع في تدريس كتاب "الشفاء" للقاضي عياض في الجامع الكبير، لكنه أوقف من طرف السلطات الفرنسية بسبب وشاية بعض الحاسدين.

7-في العام نفسه غادر الجزائر قاصدا أرض الحجاز لأداء فريضة الحج، وفي هذه الرحلة لقي بعض المشايخ وأخذ عنهم مشافهة وإجازة، منهم الشيخ حسين بن أحمد الهندي بالمدينة، والشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية، والشيخ أبي الفضل الجيزاوي بالإسكندرية.

8-كما لقي في هذه الرحلة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي في المدينة النبوية وتعرف إليه هناك، وقد وضعا خطة الدعوة والإصلاح في الجزائر في ليالي تلك الأيام المباركة.

ثانيا : أعماله وإنجازاته « والرجال أعمال »

1-وفور عودة الشيخ إلى أرض الوطن شرع في التعليم بالجامع الأخضر عام (1332هـ) (1914م) ولم يتوقف نشاطه فيه إلى أن وافته المنية.

2-ومن أعظم مشاريعه العلمية التي أنجز رحمه الله في الجامع الأخضر تفسيره للقرآن درسا في نحو ربع قرن، حيث ختمه يوم (14 جمادى الأول 1357) (12 جويلية 1938م) وشرحه للموطأ في مدة مقاربة لذلك درسا أيضا حيث ختمه في 11ربيع الثاني 1358هـ (الموافق لـ31 شهر ماي 1939م).

3-أسس صحيفة المنتقد الأسبوعية، وصدر أول عدد منها في 10 ذي الحجة 1343 (الموافق لـ 2جويلية 1925م)، وقد أوقفتها السلطات الفرنسية بعد صدور العدد (18) منها نظرا للصراحة التي تميزت بها ومبدئها الانتقادي، وفي السنة نفسها أسس الشيخ رحمه الله صحيفة الشهاب الأسبوعي التي تحولت إلى مجلة شهرية ابتداء من شعبان 1347 (الموافق لـ فيفري 1929م)، ولم تتوقف عن الصدور إلى أن أوقفها الشيخ بنفسه عام 1939م بسبب الحرب العالمية الثانية.

4-وبسبب المقالات العلمية الصريحة -وكانت توصف بالمقالات النارية في زمانهم - التي كانت تنشر في الشهاب ضد الطرقية دبَّر له أتباع الطريقة العليوية مكيدة لاغتياله عام 1345هـ (الموافق لـ 1926م)، ولكن الله تعالى نجاه منها وردَّ الخائنين خائبين.

5-اتفق مع الشيخ الإبراهيمي على تأسيس جمعية الإخاء العلمي في سطيف عام1342 (الموافق لـ 1924م)، ولكن لم يتيسر ذلك عامها حتى جاء يوم 17 ذو الحجة 1349 (الموافق لـ5 ماي 1931م) الذي أسس فيه مع بقية إخوانه جمعية العلماء الجزائريين بنادي الترقي بالعاصمة، وانتخب رحمه الله رئيسا لها.

6-تميز الشيخ رحمه الله بنشاط دعوي وتعليمي منقطع النظير:

-حيث كان مشرفا على نحو من 400 تلميذا وربما أكثر أحيانا في معهده بالجامع الأخضر، تدريسا وقياما على شؤون المبيت والإطعام ونحوه، ذلك أن أكثر الطلبة كانوا من غير أهل مدينة قسنطينة.

-وكان ينظم دروسا خاصة للشباب في مدرسة التربية والتعليم بقسنطينة صباح كل أحد ومساءه، ولما أنشئت مدارس التربية والتعليم الأخرى بعد تأسيس الجمعية كان مسهما في توجيهها والإشراف عليها.

-وكان يلقي دروسا يحضرها العامة والطلبة كدرسه في التفسير بعد صلاة العشاء ، ودرسه في شرح الموطأ بعد صلاة الظهر وذلك كل يوم عدا يومي الخميس والجمعة، حيث خصصهما للرحلات إلى مختلف مناطق البلاد من شرقها إلى غربها بقصد إلقاء المحاضرات والدروس أو توجيه الدعاة وترشيد المدرسين.

-وكان يشرف على جريدة الشهاب وينشر فيها مقالاته المتنوعة التعليمية والدعوية والانتقادية ، كما كان يشارك في جرائد جمعية العلماء «السنة» و « الشريعة » و«الصراط » و«البصائر »، ويكتب فيها افتتاحية العدد أو يعالج فيها قضية من القضايا التي تهم الأفراد أو الأمة .

هذا نشاطه الدائم تقريبا والمنضبط الظاهر، وإلا فإن له من الأعمال ما يخرجنا تتبعها عما التزمناه من الإيجاز والاختصار.

7-أبرز تلاميذ الشيخ ابن باديس رحمه الله: مبارك الميلي والفضيل الورتيلاني ومحمد سعيد الزاهري وأحمد حماني ومحمد الصالح بن عتيق ومحمد الصالح رمضان.

8-من تراثه المنشور « مبادئ الأصول » و« العقائد الإسلامية » التي أملاها على الطلاب بالجامع الأخضر ، ومنها «التفسير أو مجالس التذكير » و « رجال السلف ونساؤه » وهي مقالات كان ينشرها تباعا في الشهاب ومنها « جواب سؤال عن سوء مقال » رد فيه على ابن عليوة الطرقي ، وهذه الثلاثة الأخيرة قد جمعت مع سائر مقالات الشيخ المنشورة في «المنتقد » و« الشهاب » وجرائد الجمعية وأصدرتها وزارة الشؤون الدينية في ستة أجزاء.

ثالثا : من مواقف ابن باديس البطولية

1-بين البقاء في الجزائر والهجرة منها

لقد كان للشيخ ابن باديس اختيارات صعبة في حياته وكان اختيار البقاء في الجزائر من أصعب الاختيارات التي اختارها رحمه الله تعالى، لأن للهوى فيه عاملا وللتأويل فيه مجالا، ولم يكن الشيخ رحمه الله مضطرا إلى أحد الأمرين ولكن وجد نفسه يوما في مقام الاختيار وكان لابد أن يختار، ذلك حين لقي شيخه الذي علمه لما كان صغيرا في أرض الحجاز فقال له :« ابق هنا واقطع صلتك بالوطن ». وقال له شيخ آخر هندي درس عنده هناك:« ارجع إلى بلدك لخدمة الدين والعربية بقدر الإمكان». قال الشيخ ابن باديس مبينا اختياره ورادا الفضل لله تعالى الذي وفقه وسدده في ذلك :« فحقق الله رأي الشيخ الثاني فرجعنا إلى الوطن بقصد خدمته فنحن لا نهاجر، نحن حراس الإسلام والعربية والقومية بجميع مدعماتها في هذا الوطن »([7]).

2-الجزائر ليست فرنسا ولا تريد أن تصبح من فرنسا

لم يواجه الشيخ ابن باديس فرنسا سياسيا أو عسكريا لأن الشرع والعقل أوجبا عليه ذلك، ولكنه كان يعمل لذلك ويعد العدة له ، وكان يداري ما استطاع ولم يكن يعرف المداهنة في قضايا العقيدة ومصير الأمة ، بل كان صريحا وجريئا وحكيما أيضا، ومن ذلك أنه لما قال بعض النواب الجزائريين سنة 1936 (وهو فرحات عباس!!!): « الجزائر هي فرنسا وإنه على الجزائريين أن يعتبروا أنفسهم فرنسيين » وقال :« إنه فتش عن القومية الجزائرية في بطون كتب التاريخ فلم يجد لها من أثر وفتش في الحالة الحاضرة فلم يعثر لها على خبر ». تصدى له ابن باديس رحمه الله تعالى قائلا :« إننا فتشنا في صحف التاريخ وفي الحالة الحاضرة ، فوجدنا الأمة الجزائرية المسلمة متكونة موجودة، كما تكونت ووجدت أمم الدنيا كلها . ولهذه الأمة تاريخها الحافل بجلائل الأعمال ولها وحدتها الدينية واللغوية ولها ثقافتها الخاصة وعوائدها وأخلاقها بما فيها من حسن وقبيح شأن كل أمة في الدنيا .

ثم إن هذه الأمة الجزائرية الإسلامية ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا، ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو أرادت » ([8]) فرحمه الله تعالى رحمة واسعة .

3-الدعوة إلى الله مقدمة على الأهل والمال

بعد محاولات فاشلة من الولاية العامة في حمل الشيخ ابن باديس على حلّ جمعية العلماء أو التخلي عن رئاستها ، حيث قدمت له العروض المغرية بواسطة أبيه –مصطفى- وكان منها تعيينه في أعلى منصب ديني فما نجحوا، وكانت المحاولة الأخيرة لهم لما وقع والده في ديون كبيرة فبعث إليه "ميرانت" ( مدير الشؤون الأهلية ) في الولاية العامة بالعاصمة دعوة بالحضور إلى مكتبه في وقت محدد معلوم-ليكون والد ابن باديس حاضرا-، فلما دخل عليه، قال له : »إن أسرة ابن باديس في ضائقة مالية حادة، وهي مقبلة على الإفلاس منذ اليوم، وإن الحكومة الفرنسية تعلن استعدادها لإنقاذ  الأسرة، وهي هذه المرة لا تطلب منك حلَّ الجمعيةِ، وإنما  تكتفي منك بالاستقالة منها فقط، تكتب الاستقالة وتوقعها لتبقى محفوظة عندنا من غير إعلان عنها أو إشهار. ونحن نسلم لأبيك الآن صكا مصرفيا يقضي كل ديون الأسرة ويمنحها فرصة لاستعادة مكانتها الاقتصادية والاجتماعية. ونحن يعزّ علينا سقوط هذه العائلة الماجدة وإفلاسها  «، لم يجب ابن باديس في حضرة والده وطلب مهلة للتفكير إلى صباح اليوم الموالي ، وفي الغد كتب جوابه إلى ميرانت: »اقتُل أَسِيرَك يا ميرانت، أما أنا فمانع جاري (الجمعية)! اقتل مصطفى بن باديس واقتل معه ابنه عبد الحميد، واقض على أسرة ابن باديس إنْ مَنَحَك الله هذه القدرة، ولكنك لن تصل أبدا إلى قتل جمعية العلماء بيدي، لأن جمعية العلماء ليست جمعية عبد الحميد بن باديس وإنما هي جمعية الأمة الجزائرية المسلمة، وما أنا إلا واحد فيها أتصرف باسمها واسم الأمة كلها، ومُحَال أن أتصرف تصرفا أو أن أقف موقفا يكون فيه قتل الجمعية على يدي، أقول هذا وحسبي الله ونعم الوكيل«([9]).

4-ابن باديس وقف لله تعالى

قد اضطر ابن باديس للمشاركة في المؤتمر الإسلامي الجزائري الذي كان يطالب بحقوق المسلمين في الجزائر سنة 1936م من أجل المطالب الدينية المحضة المتعلقة بحرية التعليم في المساجد واسترجاع الأوقاف الإسلامية، وفي مرحلة من المراحل تخلى عن المؤتمر من كان يتزعمه فاختير الشيخ لرئاسته، ولكنه اعتذر عن قبول ذلك وكتب بيانا قال فيه :» قررت اللجنة التنفيذية للمؤتمر الإسلامي الجزائري في جلستها الأخيرة بنادي الترقي إسناد رئاسة المؤتمر إلي بدون أخذ رأيي في هذه المسألة الخطيرة، إذ كنت غائبا عن تلك الجلسة. وأنا مع شكري لإخواني الذين أولوني ثقتهم الاجتماعية ، ومع كون الأمة الجزائرية لم تعرف عني في وقت من الأوقات الفرار من الواجبات مع كل هذا أعلن لهؤلاء الإخوان أنهم غفلوا حين أسندوا الرئاسة إلي عن أشغالي العلمية التي تستغرق أوقاتي كلها والتي أضحي في سبيلها بكل عزيز، كما غفلوا عن ارتباطي بهيئات علمية مروضة على الشورى لا تعرف غير سبيلها سبيلا ، وأنها هي المالكة لحياتي لأني جعلت حياتي وقفا عليها . وبناء على هذا فإني أعلن لهؤلاء الإخوة وللأمة الجزائرية كلها أنني لست لنفسي وإنما أنا للأمة أعلم أبناءها وأجاهد في سبيل دينها ولغتها، وأن كل ما يقطع علي الطريق أو يعوقني عن أداء واجبي في السبيل فإني لا أرضى به ولو كان ذلك مصلحة الأمة«([10]).

5-لماذا مات ابن باديس فجأة ؟

توفي رحمه الله تعالى في 8 ربيع الأول 1359هـ (الموافق لـ 16 أفريل 1940م) في العطلة الربيعية فجأة لمرض ألم به، وقيل مات هما وغما وكمدا لما أصاب العمل الدعوي بسبب الحرب، حيث اضطرت الجمعية إلى توقيف أكثر نشاطها وفرضت عليه شبه إقامة جبرية في مدينة قسنطينة، وكان أيضا يرى أبناء الجزائر وأبناء مدارسه الذين كان يعدهم لقتال فرنسا يساقون إلى الموت في سبيلها قهرا، وقيل مات مسموما من طرف الإدارة الفرنسية، وقد حدثنا الشيخ محمد صالح رمضان بأخبار ترجح الفرضية الأخيرة والله أعلم بحقيقة الحال، ومنهم من ذكر سببا آخر يجعلنا نعد موته من مواقفه البطولية –سواء كان ذلك هو السبب الصحيح أم لا -إنه خبر قصَّهُ علينا الشيخ البشير الإبراهيمي صديق عمره وأمين سره حيث قال رحمه الله : »بعد استقراري في المنفى بأسبوع تلقيت الخبر بموت الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله بداره في قسنطينة بسرطان في الأمعاء كان يحس به من سنوات ويمنعه انهماكُه في التعليم وخدمة الشعب من التفكير فيه وفي علاجه «([11])، الله أكبر، رحمك الله يا ابن باديس، لقد ضحيت بمالك وبنفسك في سبيل الله تعالى ، سبحان الله، لقد ترك العلاج ليس لأنه لا مال له ولا معين له، بل تركه لأنه لا وقت له، لأن وقته كان قد أوقفه لله تعالى، ولأن أمر الدعوة وإصلاح الأمة قد سكن قلبه وملك عليه كيانه فأصبح لا شعور له إلا بآلام الأمة ولا هَمَّ له إلا خدمة مصالح الأمة، ومما يزيدنا عجبا كتمانه لهذا المرض حيث لم يكن يعلم به أحد فيما يظهر سوى الإبراهيمي، فقد سأل بعضهم عبد الحق بن باديس شقيق الشيخ رحمه الله عن سبب الوفاة فقال ما معناه:»إن الشيخ لم يكن يعطي نفسه حقها الكامل من الراحة، وقد كان يومه يبدأ مع صلاة الصبح ولا ينتهي إلا في ساعة متأخرة من الليل وهذا لمدة خمس وعشرين سنة قضاها بأيامها ولياليها في التدريس والوعظ وإلقاء المحاضرات والكتابة في الصحافة، والقيام على إدارة الجمعية وشؤونها والسفر والتنقل الدائمين عبر القطر ..فالإرهاق والتعب والزهد في الحياة وثقل المسؤولية التي كان يشعر بها هي السبب المباشر لوفاته «.  ([12]) وهذا يعني أنه لا علم له بهذه الحقيقة، فرحم الله ابن باديس رحمة واسعة.

مدخل

إنه من الضروري في هذا الزمان أن نحيي آثار علمائنا العظماء، وأن نوضح أصول الدعوة التي كانوا ملتزمين بها في العلم والعمل، هذه الأصول التي تعبر عن حقيقة دعوتهم ومنهجهم وبها تفسر تصرفاتهم، وبناء عليها يصح أن تقوم أعمالهم ، وقد جمعت هذه الأصول التي كان يسير عليها العلامة ابن باديس رحمه الله، ليرى كل منصف أن أصوله هي عين أصول أهل السنة والجماعة لا تختلف عنها في قليل ولا كثير. والذي لا نشك فيه أن من تأمل هذه الأصول تأمل المنصف يعلم علم اليقين أن من أقر بأن ابن باديس عالم من علماء أهل السنة المجددين السائرين على منهج السلف لم يصدر حكما ولا تزكية منه، وإنما أقر بأمر واقع ما له من دافع([13])، ويظهر له أن ما يدعيه المخالف، ليس إلا مجرد تهويل ليس له أساس علمي، وتلبيس على العامة بزخرف من القول، فهذا الذي يأتي نقله لا يمكن أن يوصف بالمقتطفات المبتورة، بل هو تأصيلات لقواعد المنهج السلفي مع التزامها عند التطبيق، نعم إنها تأصيلات في المنهج العام ربما يندر أن توجد مجموعة ومصرحا بها عند كثير من أئمة الدعوة في هذا الزمان.

وبعد هذا نقول إن العنوان الكلي لدعوة أهل السنة المباركة وشعارها المتفق عليه: هو اتباع الكتاب والسنة على فهم السلف الصالح، وذلك في كل مسائل الدين وجميع أبوابه الكبرى والصغرى؛ في العقيدة والفقه والسلوك والدعوة وما يندرج تحتها([14])، لذلك فقد جعلت هذا البحث موزعا حسبها .

الفصل الأول : أصول العقيدة


إن الأصول الكلية التي يتميز بها أهل السنة والجماعة في العقيدة عن غيرهم كثيرة جدا، لذلك فقد انتقيت الأصول المهمة التي ترتبط بمنهج تلقي العقيدة وعرضها، وبعض العقائد البارزة التي تميزهم عن غيرهم، كمفهوم التوحيد وأقسامه، والموقف من صفات الله عز وجل، ومن مسائل القدر والإيمان، نسردها أولا سردا مع نقل نص بعض العلماء السابقين عليها، ثم نوضحها ونفسرها على ضوء كلام الشيخ ابن باديس رحمه الله تعالى .

1-الكتاب والسنة هما المصدران الأساسيان لتلقي العقيدة في شقيها العلمي والعملي([15]).

2-لا فرق بين حجية السنة المتواترة والآحاد في إثبات العقائد سواء ما تعلق منها بذات الله تعالى أو بغيرها من الغيبيات([16]).

3-التزام الصحة فيما يروى من أخبار الآحاد في باب العقائد ، وعدم قبول الضعيف أو الإسرائيليات فيها([17]).

4-الالتزام بما كان عليه السلف الصالح في فهم نصوص الكتاب والسنة، وذلك بعدم مخالفة ما أجمعوا عليه، وعدم الخروج عن أقوالهم فيما اختلفوا فيه([18]).

5-تضليل طريقة المتكلمين المبنية على مقتضيات العقول، والمؤخِّرة لمنزلة الكتاب والسنة فيما يتعلق ببحث مسائل الصفات والقدر والنبوات([19]).

6-تجنب الخوض في المسائل الكلامية التي لا تفيد علما ولا عملا ولم يكن فيها نصوص شرعية، والحكم بين الطوائف المختلفة بكتاب الله تعالى وسنة رسولهr ([20]).

7-تقسيم التوحيد الذي دعت إليه الرسل إلى قسمين توحيد علمي يتضمن معرفة الله تعالى وإثبات صفات الكمال له سبحانه ، وتوحيد عملي يتضمن إفراد الله تعالى بأنواع العبادات الظاهرة والباطنة([21]).

8-التصريح بعقيدة الإثبات والتنـزيه في باب الصفات وإثبات الصفات الخبرية الذاتية والفعلية([22]).

9-التصريح بالبراءة من مظاهر الشرك الأصغر والأكبر الفاشية في الأمة([23]).

10-الاعتقاد بأن انفراد الله تعالى بالحكم والتشريع من معاني توحيد الربوبية، وليس قسما على حياله، فضلا عن أن يكون هو التوحيد أو أهم أقسامه([24]).

11-القول بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص (خلافا لمن قال إنه يكمل بالتصديق وحده أو بالتصديق والقول بلا عمل ) وأن الكفر كفران كفر اعتقادي مخرج من الملة وكفر عملي لا يخرج صاحبه من الملة(خلافا لمن يكفر الناس بالكبائر) ([25]).

12-الإيمان بالقضاء والقدر بإثبات علم الله السابق ومشيئته المطلقة وخلقه لأعمال العباد، مع إثبات الاختيار للإنسان وقدرته على الفعل والترك معا([26]).

13-الاعتقاد بأن التكليف والمؤاخذة لا يثبتان إلا بالشرع وقيام الحجة الرسالية، ولا يكفي ذلك مجرد دلالة الفطرة أو حكم العقل ، ومنه قيل إن العذر بالجهل عقيدة السلف وأهل السنة ([27]).

14-تعظيم الصحابة والترضي عليهم جميعا، وإثبات الخلافة للخلفاء الأربعة الراشدين([28]).

المبحث الأول : مصادر تلقي العقيدة


من الأصول القطعية في الدعوة السلفية اعتبار » الكتاب والسنة هما المصدران الأساسيان لتلقي العقيدة في شقيها العلمي والعملي «، وذلك لارتباطه بالعقيدة التي هي أصل الدين وبالتوحيد الذي هو هدف الرسالة، ولقد كان الشيخ ابن باديس رحمه الله حريصا على نشر هذا الأصل والدعوة إليه، وكلامه في هذا الباب كثير جدا نسوق منه هذا النص البديع الذي يبين فيه وجوب الرجوع إلى القرآن لأخذ العقيدة الصحيحة، ويذم فيه المنهج الكلامي الذين أبعد الناس عن حقائق دينهم ، قال رحمه الله تعالى :« أدلة العقائد مبسوطة كلها في القرآن العظيم بغاية البيان ونهاية التيسير …فحق على أهل العلم أن يقوموا بتعليم العامة لعقائدها الدينية، وأدلة تلك العقائد من القرآن العظيم، إذ يجب على كل مكلف أن يكون في كل عقيدة من عقائده الدينية على علم ، ولن يجد العامي الأدلة لعقائده سهلة قريبة إلا في كتاب الله ، فهو الذي يجب على أهل العلم أن يرجعوا إليه في تعليم العقائد للمسلمين، أما الإعراض عن أدلة القرآن والذهاب مع أدلة المتكلمين الصعبة ذات العبارة الاصطلاحية فإنه من الهجر لكتاب الله وتصعيب طريقة العلم على عباده وهم في أشد الحاجة إليه، وقد كان من نتيجته ما نراه اليوم في عامة المسلمين من الجهل بعقائد الإسلام وحقائقه»([29]). وقال أيضا في تبيين هذا الأمر : «ويجب أن تؤخذ هي وأدلتها (يعني العقائد) من آيات القرآن فإنها وافية بذلك كله، وأما إهمال آيات القرآن المشتملة على العقائد وأدلتها والذهاب مع تلك الأدلة الجافة فإنه من استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير»([30]). وهذا الكلام شاف كاف بنفسه غير محتاج إلى التدليل والتذييل ولا إلى الشرح والتعليل والله وحده الهادي إلى سواء السبيل.

وللشيخ رحمه الله تعالى أيضا كلام كثير يبين فيه منزلة السنة النبوية وأنه ينبغي اعتمادها في بيان العقيدة وإن كانت من أخبار الآحاد المفيدة للظن الراجح كما هو مذهب جمهور أهل العلم ([31]). من ذلك قوله مبينا منـزلة السنة عموما من القرآن: «وعلَّمنا القرآن أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو المبين للناس ما نزل إليهم من ربهم وأن عليهم أن يأخذوا ما آتاهم وينتهوا عما نهاهم عنه فكانت سنته العملية والقولية تالية للقرآن فهجرناها كما هجرناه وعاملناها بما عاملناه »([32]). وكما أنه اعتبرها بيانا للقرآن موضحة لمشكله ومفسرة لمجمله فقد قرر أنها وحي من الله تعالى وأنه لذلك كانت مع القرآن مصدر كل شريعة دون سواهما حيث قال رحمه الله :» وأفادت أن جميع هذا الدين وحي من الله منزل على نبيه r وهذا لأن مرجع الإسلام في أصوله وفروعه إلى القرآن وهو وحي من الله وإلى السنة النبوية وهي وحي أيضا لقوله تعالى :] وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى[ وكل دليل من أدلة الشريعة فإنه يرجع إلى هذين الأصلين ولا يقبل إلا إذا قبلاه ودلا عليه ، وكل شيء ينسب إلى الإسلام ولا أصل له فيهما فهو مردود على قائله وقد قال النبي r :"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"([33])«([34]).

وصرح في موضع بأنه من أهم الأمور التي ركز عليها في دعوته الدعوة إلى السنة النبوية التي هجرها المتأخرون كما هجروا كتاب رب العالمين فقال رحمه الله: » فأخذنا على أنفسنا دعوة الناس إلى السنة النبوية المحمدية وتخصيصها بالتقدم والأحجية ، فكانت دعوتنا -علِم الله- من أول يوم إليها ، والحث على التمسك والرجوع إليها ، ونحن اليوم على ما كنا سائرون، وإلى الغاية التي سعينا إليها قاصدون ، وقد زدنا من فضل الله أن أسسنا هذه الصحيفة الزكية ، وأسميناها السنة النبوية المحمدية لتنشر على الناس ما كان عليه النبي r ، في سيرته العظمى وسلوكه القويم وهديه العظيم، الذي كان مثالا ناطقا لهدي القرآن ، وتطبيقا لكل ما دعا القرآن إليه بالأقوال والأفعال والأحوال ، مما هو المثل الأعلى في الكمال ، والحجة الكبرى عند جميع أهل الإسلام ، فالأئمة كلهم يرجعون إليها، والمذاهب كلها تنطوي تحت لوائها وتستنير بضوئها ، وفيها وحدها ما يرفع أخلاقنا من وهدة الانحطاط ويطهر عقيدتنا من الزيغ والفساد ويبعث عقولنا على النظر والتفكير ويدفعنا إلى كل صالح « ([35]).


المبحث الثاني : حجية أخبار الآحاد في إثبات العقائد


ومن الأمور المتفق عليها أيضا بين أهل السنة المحضة أنه لا فرق بين السنة المتواترة والسنة المروية من طريق الآحاد من حيث الحجية فكلاهما يحتج به في العقائد ما تعلق منها بذات الله تعالى أو بأخبار الغيب والآخرة ، كما يحتج بها في كل أبواب الدين الأخرى ، والعبرة في ذلك بصحة السند والمتن عند أهل الحديث فكل ما صح عندهم فهو حجة فإن أجمعوا عليه كان مفيدا للقطع من هذه الجهة وما كان صحيحا عند بعضهم فقط فهو حجة في الظاهر وتستفاد منه العقائد كما تستفاد منه الأحكام، وليست مسائل الاعتقاد كلها في رتبة واحدة كما أنه ليست كل مسائل الفقه والحلال والحرام في رتبة واحدة ، ومذهب الشيخ ابن باديس رحمه الله تعالى واضح مشهور في هذا الأصل ولا أوضح ولا أشهر من كتابه الذي أملاه على طلبته والذي سمي بـ"العقائد الإسلامية من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية"والذي عنوانه يدل على مضمونه وهو ترجمة عملية لمنهج الشيخ في أخذ وتلقين العقيدة الإسلامية ، وهو أبلغ من كل كلام أو من مجرد التصريحات النظرية.

ومن نصوصه التي تصب في هذا السياق إضافة إلى ما سبق نقله في المبحث السابق قوله رحمه الله :« فعلى كل مؤمن أن يسلك هذا السلوك فيحضر مجالس العلم التي تذكره بآيات الله وأحاديث رسوله ما يصحح عقيدته ويزكي نفسه ويقوم عمله»([36]). ومعلوم أن الأحاديث المسندة كلها من قبيل الآحاد.

وللشيخ رحمه الله تعالى كلمة ذكرها في مبادئ الأصول ربما يفهم منها من لا خبرة له بمذهب الشيخ ولا إحاطة له بمتفرق كلامه أنه يخص حجية أخبار الآحاد بالأحكام الفقهية دون العقائد، إذ قال :« فكل حديث صحيح أو حسن، فإنه صالح للاستدلال به في الأحكام »([37]). ولا شك أن هذا المعنى غير مراد، فقد بين كما سبق بلفظ صريح أنه يحتج بالحديث الصحيح في العقائد والأحكام وأكد ذلك عمليا في كتابه العقائد الإسلامية ، وهو في هذا الموضع لم ينف وإنما سكت وسكوته يحتمل أن يكون لانصراف الخاطر إلى مسائل الفقه دون غيرها عند الكلام عن مسائل الحجية في أصول الفقه والله تعالى أعلم.

وقد يقال إنما أراد الاحتراز عن الفضائل ومنه تكون مسائل العقائد داخلة في مسمى الأحكام ، أو داخلة فيه من باب أولى والله تعالى أعلم .


المبحث الثالث : التزام الصحة


ومن الأصول المتفق عليها أيضا » التزام الصحة فيما يروى من أخبار الآحاد في باب العقائد ، وعدم قبول الأحاديث الضعيفة أو الأخبار الإسرائيلية فيها«. فليس كل ما يروى من الأخبار والأحاديث جاز أن تبنى عليه العقيدة، بل إن المجددين من أهل السنة يرون من أسباب ذيوع كثير من الخرافات والبدع الاعتقادية التساهل في باب الرواية، حيث أن العامة والمتأخرين عموما لا تمييز عندهم بين صحيح وضعيف ولا بين حسن ومنكر باطل، ولذلك فإنهم في هذا الزمن قد رفعوا شعار التزام الصحة خاصة في العقيدة، وليس معنى ذلك أنه لا يكون سلفيا إلا من كان ممارسا لهذا العلم ومجتهدا فيه، لأنه في ذلك يكفي الرجوع إلى أهل الاختصاص من المتقدمين أو المتأخرين، وهذا الأمر أيضا جلي في منهج الشيخ فقد بين رحمه الله تعالى أنه ينبغي التبين من صحة الأخبار لتبنى عليها العقائد والأحكام في غير موضع فقال : « لا نعتمد في إثبات العقائد والأحكام على ما ينسب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من الحديث الضعيف لأنه ليس لنا به علم»([38]). وقال في هذا المعنى أيضا: « أحوال ما بعد الموت كلها من الغيب فلا نقول فيها إلا ما كان لنا به علم بما جاء في القرآن العظيم أو ثبت في الحديث الصحيح وقد كثرت في تفاصيلها الأخبار من الروايات مما ليس بثابت، فلا يجوز الالتفات إلى شيء من ذلك، ومثل هذا كل ما كان من عالم الغيب مثل الملائكة والجن والعرش والكرسي واللوح والقلم و أشراط الساعة وما لم يصل إلى علم البشر»([39]).

وقد حذر الشيخ من تحسين الظن بكل ما دوّنه العلماء في كتبهم على سبيل الرواية وجمعِ ما ورد في الباب من غير التزام الصحة، فقال رحمه الله :» مما ينبغي أن يعلم في هذا المقام أولا : أنه لا يجوز الاعتماد على كل قول ينقل في كتب التفسير لأن أكثرها لم يلتزم الاقتصار على الصحيح بل قصدت إلى جمع كل ما قيل، خصوصا التفسير المشهور عند عامة وطننا وهو تفسير الشيخ محمد الخازن رحمه الله فلقد جمع من الإسرائيليات فأوعى ، فمن اعتمد ما فيه من ذلك واتخذه عقيدة ونسبة إلى الإسلام فقد أخطأ في عقيدته ونسبته خطأ كبيرا وضل ضلالا بعيدا « ([40]).




المبحث الرابع : الالتزام بما كان عليه السلف الصالح


أي » الالتزام بما كان عليه السلف الصالح في فهم نصوص الكتاب والسنة بعدم مخالفة ما أجمعوا عليه وعدم الخروج عن أقوالهم فيما اختلفوا فيه «. وهذا الأصل من أوضح الأصول التي يدعو أهل السنة إلى الالتزام بها وإلى التحاكم إليها عند الاختلاف، ومنه رأى المتأخرون منهم أن يتخذوا من السلفية لهم شعارا تعبيرا عن هذا الأصل الذي به يتميزون عن أكثر الطوائف المنحرفة عن الإسلام الصحيح الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ودانت به القرون الثلاثة المفضلة ، ذلك أن أكثر الطوائف إنما تميزت عن أهل السنة بفكرة أو عقيدة تنسب إلى فرد أو أفراد من الخلف أو ممن اتفق علماء السلف على تضليلهم وتبديعهم، والانتساب إلى السلف هو انتساب إلى العصمة والتمسك بما كانوا عليه هو تمسك بالإجماع الذي هو حجة شرعية تلي الكتاب والسنة وتقطع الاختلاف فيما كان محتملا من النصوص، ومن مقتضى هذا الأصل أن الدعوة إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة ليست دعوة مطلقة تفتح الباب على مصراعيه لأهل العصور المتأخرة أن يفهموا منها ما شاءوا، بل هذا الرجوع مقيد بفهم السلف الصالح والأئمة المتقدمين، ولذلك قال العلماء:" ما اتفق عليه السلف لا يكون إلا حجة قاطعة وما اختلفوا فيه فلا يجوز لنا أن نخرج فيه عن أقاويلهم لأن الحق لا يخرج عنها"، والشيخ ابن باديس رحمه الله تعالى ما عُرف إلا بالدعوة إلى العودة إلى ما كان عليه السلف الصالح في كل مجال وميدان وسيأتي نقل ذلك عنه مفصلا في ما يأتي من مباحث، وهنا نقتصر على كلمات جامعة تدل على إيمانه العميق بضرورة الالتزام بفهم السلف الصالح وعلى أن العقيدة من جملة ذلك، وأول ما ننقله تلك المواد أو الأصول التي جاءت في دستور جمعية العلماء الذي كتبه ابن باديس بنفسه ونشره في الشهاب ، فقد قال في المادة الخامسة :« سُلُوك السلف الصالح – الصحابة والتابعين وأتباع التابعين – تطبيق صحيح لهدي الإسلام » وقال في المادة السادسة : « فهوم أئمة السلف الصالح أصدق الفهوم لحقائق الإسلام ونصوص الكتاب والسنة ». وقال في المادة العاشرة : « أفضل أمته بعده هم السلف الصالح لكمال اتباعهم له»([41]). وقال الشيخ رحمه الله تعالى في وصية جامعة :« اعلموا جعلكم الله من وعاة العلم ، ورزقكم حلاوة الإدراك والفهم، وجملكم بعزة الاتباع وجنبكم ذلة الابتداع ، أن الواجب على كل مسلم في كل مكان وزمان أن يعتقد عقدا يتشربه قلبه وتسكن له نفسه وينشرح له صدره ، ويلهج به لسانه ، وتنبني عليه أعماله ، أن دين الله تعالى من عقائد الإيمان وقواعد الإسلام وطرائق الإحسان إنما هو في القرآن والسنة الثابتة الصحيحة وعمل السلف الصالح من الصحابة والتابعين، وأن كل ما خرج عن هذه الأصول ولم يحض لديها بالقبول –قولا كان أو عقدا أو احتمالا -فإنه باطل من أصله مردود على صاحبه كائنا من كان في كل زمان ومكان ، فاحفظوها واعملوا بها تهتدوا وترشدوا إن شاء الله تعالى »([42]).

وإذا كان هذا هو موقفه من مذهب السلف وعقيدته فيه، فقد صرح من جهة أخرى بتضليل كل ما أحدث على خلاف ما كانوا عليه من الأقوال والأعمال وقال :« فكل قول يراد به إثبات معنى ديني لم نجده في كلام أهل ذلك العصر نكون في سعة من رده وطرحه وإماتته وإعدامه ، كما وسعهم عدمه ولا وسع الله على من لم يسعه ما وسعهم . وكذلك كل فعل ديني لم نجده عندهم وكذلك كل عقيدة . فلا نقول في ديننا إلا ما قالوا، ولا نعتقد فيه إلا ما اعتقدوا ولا نعمل فيه إلا ما عملوا ، ونسكت عما سكتوا …ونرى كل فتنة بين الفرق الإسلامية ناشئة عن مخالفة هذا الأصل»([43]).

وقد بين في موضع أن العالم الحق والداعي إلى الله بصدق الذي يستحق أن يقتدى به هو الذي التزم خطى السابقين لا الذي بدل بعدهم وأحدث وأن من كان حاله كذلك فهو ساقط لا يستحق أن يقتدى به، فقال رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى : (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً)(الفرقان74):» كلمة عظيمة من إمام عظيم قال مجاهد التابعي الجليل الثقة الثبت المفسر الكبير :" أئمة نقتدي بمن قبلنا ويقتدي بنا من بعدنا " ذكره البخاري ورواه ابن جرير بسند صحيح يعني أن الذين يقتدي بهم الناس من بعدهم هم الذين كانوا يقتدون بسلفهم الصالح من قبلهم، فالذين أحدثوا في الدين ما لم يعرفه السلف الصالح لم يقتدوا بمن قبلهم فليسوا أهلا لأن يقتدى بهم من بعدهم، فكل من اخترع في الدين ما لم يعرفه السلف الصالح فهو ساقط عن رتبة الإمامة«([44]).


المبحث الخامس : تضليل طريقة المتكلمين


ومن الأمور المنهجية الكلية المتفق عليها بين أهل السنة أيضا تضليل الطريقة الكلامية في إثبات العقائد الدينية المبنية على الدلائل العقلية وهجران الدلائل القرآنية، وعلى مبدأ تقديم العقل على النقل أو تخصيص الدلائل النقلية بمباحث اليوم الآخر كما هي طريقة الأشعرية ، وعلماء أهل السنة يعدون هذا الانحراف المنهجي أصلا لمجموع من الانحرافات الاعتقادية التي تنخر جسد الأمة حيث يرون أن هذا المنهج كان سببا في تضييع معنى كلمة التوحيد وبالتالي فتح الباب أمام المظاهر الشركية ، ومنها إذاعة عقيدة الإرجاء التي مهدت للانحلال وتضييع شرائع الدين، وغيرها من العقائد الفاسدة التي لم يقتصر فسادها على الخاصة وتعدى إلى عموم الأمة، وكثير منهم يرون أن علم الكلام قد أفسد كثيرا من العلوم غير العقيدة كالتفسير وأصول الفقه وشرح السنة النبوية، بل واللغة العربية أيضا، وكفاه مفسدة أنه جعل المتأخرين من المنتسبين إلى العلم يصرِّحون بأن اعتقاد ظواهر القرآن في باب الصفات كفر ووثنية ، فلا شك إذن أن هذا الأصل السلبي من أعظم الأصول التي يتميز بها السلفيون عن غيرهم، وإنه وإن كان معناه حاصلا من مقتضى الأصول الإيجابية السابقة، فإن التأكيد عليه مما ينفي الاحتمال والإجمال الذي قد يتستر به بعض المفوضة المتأخرين.

وفيما يخص الشيخ ابن باديس رحمه الله فإن موقفه من علم الكلام ظاهر ومكشوف ، وإنه مع قلة المواضع التي تطرق فيها ابن باديس لهذا الموضوع، فإنه قد نقده نقدا شاملا أتى على بنيانه من القواعد، حيث انطلق من عقيدة كمال الدين التي من فروعها اعتقاد كفاية الشرع وإغنائه عن مسالك المتكلمين الملتوية، وصرح باعتبار هذا المنهج من مظاهر الهجر لكتاب الله تعالى فقال :« نحن معشر المسلمين قد كان منا للقرآن الكريم هجر كثير في الزمن الطويل، وإن كنا به مؤمنين. بسط القرآن عقائد الإيمان كلها بأدلتها العقلية القريبة فهجرناها وقلنا تلك أدلة سمعية لا تحصل اليقين، فأخذنا في الطرائق الكلامية المعقدة وإشكالاتها المتعددة واصطلاحاتها المحدثة، مما يصعب أمرها على الطلبة فضلا عن العامة»([45]). ويستحق هذا الوصف وصف الهاجر لكتاب الله -عنده- كل من ابتغى الهدى فيه وأحسن الظن فيه ، أما من صرح بتقديم القواعد العقلية وآراء الرجال على نصوص الكتاب والسنة فذلك وصفه بأنه شر الهاجرين وشر الشر ، فقال : « شر الهاجرين للقرآن هم الذين يضعون من عند أنفسهم ما يعرضونه به ويصرفون وجوه الناس إليهم وإلى ما وضعوه عنه لأنهم جمعوا بين صدهم وهجرهم في أنفسهم وصد غيرهم فكان شرهم متعديا وبلاؤهم متجاوزا، وشرُّ الشرِّ وأعظم البلاء ما كان كذلك»([46]).

كما تحدث ابن باديس عن آثار المنهج الكلامي المدمرة ، فأرجع ضلال الأمة وجهلها بحقائق العقيدة الإسلامية إلى رواج علم الكلام فقال رحمه الله:« أما الإعراض عن أدلة القرآن والذهاب مع أدلة المتكلمين الصعبة ذات العبارات الاصطلاحية ، فإنه من الهجر لكتاب الله وتصعيب طريق العلم على عباده وهم في أشد الحاجة إليه، وقد كان من نتيجته ما نراه اليوم في عامة المسلمين من الجهل بعقائد الإسلام وحقائقه »([47]).

وكما بين فساده وإفساده فقد أجاب عن شبهات المدافعين عنه الذين يقولون إن علم الكلام علم به يقتدر على جواب شبهات الفلاسفة و الملاحدة، والانتصار للعقائد الإسلامية بالحجج العقلية ، فبين رحمه الله تعالى بأن القرآن قد أغنى عن علم الكلام من كل وجه ، وأنه لم يُخِل بهذا الجانب- جانب دفع الشبهات والجدل عن الحقائق الدينية بالحجج العقلية -فقال رحمه الله تعالى :« إذا تتبعت آيات القرآن وجدتها قد أتت بالعدد الوافر من شبه الضالين واعتراضاتهم ونقضتها بالحق الواضح والبيان الكاشف في أوجز لفظ وأقربه وأبلغه، وهذا قسم عظيم جليل من علوم القرآن يتحتم على رجال الدعوة والإرشاد أن يكون لهم به فضل عناية ومزيد دراية وخبرة ، ولا نحسب شبهة ترِد على الإسلام إلا في القرآن العظيم ردها بهذا الوعد الصادق من هذه الآية الكريمة فعلينا عند ورود كل شبهة من كل ذي ضلالة أن نفزع إلى آي القرآن ، ولا إخالنا إذا أخلصنا القصد وأحسنا النظر إلا واجديها وكيف لا نجدها في آيات ربنا التي هي الحق وأحسن تفسيرا »([48]).


المبحث السادس : تجنب الخوض في المسائل الكلامية


وبعد البراءة من المنهج الكلامي في الجملة، فإنه ينبغي أن تجتنب آراء المتكلمين عمليا، ما كان منها مخالفا للكتاب والسنة ، وكذلك المسائل التي لا تفيد علما ولا عملا، وإنما هي من تشكيكات الفلاسفة وفرضيات المتكلمين في مجال الاعتقاد ، ويظهر هذا في كتب تقرير العقيدة التي يكتبها علماء أهل السنة حيث يكون بناؤها على العقائد التي دلت عليها نصوص الكتاب والسنة خالية من الشبهات والتشكيكات، وكلِّ ما لم يرد به نص شرعي أو أثر سلفي ، وعلى هذا المنهج سار الشيخ ابن باديس رحمه الله تعالى فيما أملاه في كتاب العقائد الإسلامية وفيما كتبه في غيره من المقالات الدينية، وجسد هذه الفكرة أيضا في إملائه في علم الأصول حيث جرده من المسائل الكلامية والمذاهب المحدثة الردية التي تعج بها كتب الأصول المطولة والمختصرة ، ومن نصوص ابن باديس في هذا السياق قوله: «قلوبنا معرّضة لخطرات الوسواس بل للأوهام والشكوك، فالذي يثبتها ويدفع عنها الاضطراب ويربطها باليقين هو القرآن العظيم، ولقد ذهب قوم مع تشكيكات الفلاسفة وفروضهم ومماحكات المتكلمين ومناقضاتهم ، فما ازدادوا إلا شكا وما ازدادت قلوبهم إلا مرضا، حتى رجع كثير منهم في أواخر أيامهم إلى عقائد القرآن وأدلة القرآن فشفوا بعد ما كادوا كإمام الحرمين والفخر الرازي »([49]).

وإذا قلنا إن أهل السنة لا يخوضون في المسائل الكلامية أو لا يتخذون من الكلام منهجا في تلقي العقائد فهذا لا يعني أنهم يمتنعون عن الحكم بين الطوائف الضالة فيما اختلفت فيه من مسائل الكلام، وعن رد ضلالاتهم المخالفة للكتاب والسنة، بل هم قائمون عليه ويعدونه من الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكنهم يقولون إنما ذلك لأهل العلم بعقائد الإسلام المستمدة من الكتاب والسنة والراسخة قدمهم في العلم والإيمان، ويجعلون ذلك في كتبٍ هي غير كتب تقرير العقيدة وتلقينها، كما صنع شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه نقض تأسيس التقديس ودرء تعارض العقل والنقل ومنهاج السنة النبوية. ولم يكن الشيخ ابن باديس يرى من الضروري أن يلج هذا الباب في العصر الذي عاشه لعدم وجود الخصم القوي الذي يستحق أن يجادل ويرد عليه في تلك المسائل، لذلك فإن الشيخ قد اكتفى بتضليل الطريقة الكلامية والدعوة إلى مخالفتها، مع تقرير مسائل الاعتقاد على وفق ما دلَّت عليه النصوص الشرعية، ولقد بينت في بحث "عقيدة الإمام ابن باديس السلفية"كيف خالف الأشاعرة في الدقيق والجليل من غير أن يصرح في غالب الأحيان بخلافهم ، وإن كان صرح بتضليلهم في مواضع قليلة كالنص السابق الذي تحدث فيه عن الجويني والرازي وأنهم شفوا في آخر أعمارهم ، وأصرح منه حكمه الكلي على تأويلات الأشعرية وعقيدة الجبر بأنها من الخطأ الضار، إذ قال في ترجمته للشيخ محمد رشيد رضا : «دعاه شغفه بكتاب الإحياء إلى اقتناء شرحه الجليل للإمام المرتضى الحسيني، فلما طالعه ورأى طريقته الأثرية في تخريج أحاديث الإحياء فتح له باب الاشتغال بعلوم الحديث وكتب السنة، وتخلص مما في كتاب الإحياء من الخطأ الضار وهو قليل، ولاسيما عقيدة الجبر والتأويلات الأشعرية والصوفية والغلو في الزهد وبعض العبادات المبتدعة»([50]).


المبحث السابع : تقسيم التوحيد إلى توحيد علمي وتوحيد عملي


ومن الأصول التي يتميز بها أهل السنة أنهم يدعون إلى التوحيد بجميع أنواعه وأنهم يقسمونه إلى الجانب العلمي الذي يتضمن العلم بالله تعالى وبصفاته وأفعاله وقد يسمى بتوحيد الربوبية أو الربوبية والأسماء والصفات أو المعرفة والإثبات، وإلى الجانب العملي الذي يتضمن حقوق الله تعالى وهو توحيد الألوهية أو العبادة أو القصد والطلب وهذا القسم الأخير قد غفل عنه المتكلمون الذين جعلوا كل اهتمامهم بقضية وجود الله تعالى وما حام حولها من مسائل وبقضايا الصفات ، وكما غفل عنه هؤلاء فقد خالفه بل وأنكره غيرهم من الطرقية والقبوريين الذين قويت دولتهم في العصور المتأخرة، ولغربة الدين بين هؤلاء وهؤلاء فقد أصبح لا يعرف هذا التقسيم ولا يقره إلا سلفي ومن ذكره من مخالفيهم فعنهم أخذه.

وبالنسبة للشيخ ابن باديس فإن الأمر واضح ومتقرر عنده فقد قال في بيان التوحيد وأقسامه:« التوحيد هو اعتقاد وحدانية الله وإفراده بالعبادة ، والأول هو التوحيد العلمي والثاني هو التوحيد العملي ، ولا يكون المسلم مسلما إلا بهما»([51]). ثم قال :« ومن توحيده تعالى توحيده في ربوبيته وهو العلم بأن لا خالق غيره ولا مدبر للكون ولا متصرف فيه سواه …ومن توحيده تعالى توحيده في ألوهيته ، وهو العلم بأنه تعالى هو المستحق للعبادة وحده دون سواه ، والقصد والتوجه والقيام بالعبادات كلها إليه…ووحدانيته تعالى في ربوبيته تستلزم وحدانيته تعالى في ألوهيته فالمنفرد بالخلق والرزق والعطاء والمنع ودفع الضر وجلب النفع هو الذي يجب أن يفرد بالعبادة، التي هي غاية الخضوع والذل مع الفقر والحاجة للعزيز الغني القادر المنعم»([52]).

وقال رحمه الله تعالى في موضع آخر بعد أن بين أن معنى لا إله إلا الله وهو أن تكون العبادة لله وحده: »فالعبادة بجميع أنواعها لا تكون إلا له، فذل القلب وخضوعه والشعور بالضعف والافتقار والطاعة والانقياد والتضرع والسؤال هذه كلها لا تكون إلا لله، فمن خضع قلبه لمخلوق على أنه يملك ضره أو نفعه فقد عبده، ومن شعر بضعفه وافتقاره أمام مخلوق على أنه يملك إعطاءه أو منعه فقد عبده، ومن ألقى قياده بيد مخلوق يتبعه فيما يأمره به وينهاه غير ملتفت إلى أنه من عنده أو من عند الله فقد عبده، ومن توجّه لمخلوق فدعاه ليكشف عنه السوء أو يدفع عنه الضر فقد عبده « ([53]). وقال أيضا في تفسير  قوله تعالى: ] وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ[ (الفرقان68) :» من دعا غير الله فقد عبده: ما يزال الذكر الحكيم يسمى العبادة دعاء ويعبر به عنها، ذلك لأنه عبادة فعبّر عن النوع ببعض أفراده، وإنما اختير هذا الفرد ليعبر به عن النوع لأن الدعاء مخ العبادة وخلاصتها، فإن العابد يظهر ذله أمام المعبود وفقره أمام غناه وعجزه أمام قدرته وتمام تعظيمه له وخضوعه له بين يديه ويعرب عن ذلك بلسانه بدعائه وندائه وطلب حوائجه منه. فالدعاء هو المظهر الدال على ذلك كله، فعن النعمان بن بشير t قال : قال رسول الله r :» الدعاء هو العبادة، ثم قرأ ]وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ[ (غافر60). رواه أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة([54])«([55]).

وقال ابن باديس رحمه الله تعالى في الرد على من يزعم أن الدعاء لا يعتبر عبادة: » وإذا كان هو لا يسمي دعاءه لغير الله عبادة فالحقيقة لا ترتفع بهذه التسمية لها بغير اسمها، والعبرة بتسمية الشرع التي عرفناها في الحديثين المتقدمين لا بتسميته... فمن دعا شيئا فقد اتخذه إلهه لأنه فعل له ما لا يفعله إلا للإله، فهو وإن لم يسمّه إلها بقوله فقد سماه بفعله، ألا ترى إلى أهل الكتاب لما اتبعوا أحبارهم ورهبانهم في التحليل والتحريم وهما لا يكونان إلا من الرب الخالق العالم بالمصالح قال الله تعالى فيهم : ] اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ[ (التوبة31) وإن كانوا لا يسمونهم أربابا فحكم عليهم بفعلهم ولم يعتبر منهم عدم التسمية لهم أربابا بألسنتهم، فكذلك يقال فيمن دعا شيئا أنه اتخذه إلها نظرا إلى فعله وهو دعائه ولا عبرة بعدم تسميته بلسانه«([56]).


المبحث الثامن : التصريح بعقيدة الإثبات والتنزيه في باب الصفات


من أظهر المسائل الاعتقادية التي يتميز بها السلفيون مسائل الأسماء والصفات، وذلك من حيث التأصيل والتفصيل، حيث سلكوا في الجملة مسلك الإثبات والتنـزيه ، وهو مسلك السلف المباين لطرائق الخلف المخالفين المبنية على التعطيل تحت شعار التأويل ، أو التفويض الذي هو في الحقيقة تعطيل للمعاني وتجهيل لسلف الأمة، ودافع انحراف الخلف كما هو معلوم معارضة المنقول بالمعقول وتقديم العقل، لأنه في زعمهم دليل قاطع بخلاف ظواهر النصوص، ولما كان هذا الأمر معلوما ومشهورا، فإننا نكتفي بهذا الشرح الموجز وننتقل من غير إطالة إلى توضيح منهج الشيخ ابن باديس رحمه الله فيه.

أولا : بيان القاعدة الكلية للإثبات والتنـزيه: قال الشيخ رحمه الله تعالى في كتابه "العقائد الإسلامية" مبينا القاعدة الكلية التي يسير عليها أهل السنة والجماعة: « عقيدة الإثبات والتنـزيه، نثبت له تعالى ما أثبت لنفسه على لسان رسوله من ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله، وننتهي عند ذلك ولا نزيد عليه وننزهه في ذلك عن مماثلة أو مشابهة شيء من مخلوقاته لقوله تعالى: } وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ { (آل عمران 28) } تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ { (المائدة 116)». ونقل عنه الشيخ محمد الصالح رمضان في التعليق على هذه القاعدة ما يزيدها وضوحا وتأكيدا فقال:« روينا البيتين التاليين عن أستاذنا الإمام وقت الدرس ولا ندريهما لمن؟ وهما:
فنحن معشر فريق السنة       السالكين في طريق الجنـة
نقول بالإثبات والتنـزيه      من غير تعطيل و لا  تشبيه

وزاد عليهما معلقا فقال : المعطلون هم الذين ينفون الصفات الإلهية والمشبهون هم الذين يشبهونها بصفات المخلوقات وكلاهما ضلال ، أما السنيون فهم يثبتونها له تعالى وينزهونها عن التشبيه بالمخلوقات والتعطيل تعطيل اللفظ عن دلالة معناه الحقيقي أو الخروج به إلى معنى آخر، والتشبيه تشبيه الله بمخلوقاته ، فنحن نثبت لله ما أثبت الله لنفسه من أقوال أو أفعال أو صفات ، ولا نشبهه في شيء من ذلك بالمخلوقات ، ولا غرابة في إثبات شيء مع عدم تكييفه، فالإنسان يثبت أن بين جنبيه نفسا ولكن لا يستطيع تكييفها كذلك نثبت صفات الله بلا كيف»([57]).

ومما كتب الشيخ ابن باديس رحمه الله في هذا الموضوع ما جاء في سياق الدفاع عمن وصفوا بالوهابيين حيث قال في أحد تلك المقالات:» قام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بدعوة دينية فتبعه عليها قوم فلقبوا بالوهابيين، ولم يدع إلى مذهب مستقل في الفقه ، فإن أتباع النجديين كانوا قبله ولا زالوا إلى الآن بعده حنبليين ، يدرسون الفقه في كتب الحنابلة ، ولم يدع إلى مذهب مستقل في العقائد ، فإن أتباعه كانوا ولا زالوا إلى الآن سنيين سلفيين أهل إثبات وتنزيه يؤمنون بالقدر ويثبتون الكسب والاختيار ، ويصدقون بالرؤية ويثبتون الشفاعة ويترضون عن جميع السلف، ولا يكفرون بالكبيرة ، ويثبتون الكرامة . وإنما كانت غاية ابن عبد الوهاب تطهير الدين من كل ما أحدث فيه المحدثون من البدع ، في الأقوال والأعمال والعقائد، والرجوع بالمسلمين إلى الصراط السوي من دينهم القويم بعد انحرافهم الكثير وزيغهم المبين»([58]). فتأمل أيها القارئ دفاعه عن ابن عبد الوهاب بأنه ليس بمبتدع في العقيدة ووصفه إياه بالسلفي الذي يبني عقيدته على قاعدة الإثبات والتنـزيه.

ثانيا : إثباته للصفات السبع وغيرها من الصفات الخبرية الفعلية

ولتأكيد استقامة منهج ابن باديس رحمه الله في هذا الباب، ننقل إثباته لبعض الصفات الفعلية المتعلقة بالمشيئة الذي يبين مخالفته للمذهب الأشعري، خاصة المتأخرين منهم الذين أوغلوا في باب التأويل والتعطيل ، فهو قد خالفهم في باب الصفات في عدة أمور منها : عدم اقتصاره في كتابه على الصفات السبع المشهورة حيث زاد عليها ذكر صفتي الاستواء والنـزول وقال : « ونثبت الاستواء والنـزول ونحوها ونؤمن بحقيقتها على ما يليق به تعالى بلا كيف وبأن ظاهرها المتعارف في حقنا غير مراد »([59])، ثم هو لم يسم الصفات السبع بصفات المعاني كما اصطلح الأشاعرة على ذلك، ولا أردافها بالصفات المعنوية المستلزمة لها (كونه حيا كونه سميعا كونه مريدا …الخ)([60]). زيادة على أنه قد ذكر أدلتها كلها من القرآن، ولم يقل إنها هي الصفات العقلية دون غيرها بل لم يتعرض لحكم العقل فيها ولا في غيرها، ثم إنه في تفسيرها وشرحها لم يذكر العبارات التي تحدد مراد الأشاعرة بإثبات الصفات المتعلقة بالمشيئة منها أعني الإرادة والكلام والسمع والبصر، فإنهم يثبتونها على أنها صفات ذاتية قديمة ويصرحون أنها لا تتعدد ولا تتجدد، فالكلام عندهم معنى واحد قديم وكذلك الإرادة والسمع والبصر ([61])، وتبين أن الشيخ قد خالفهم في كل ذلك.

ومن الصفات التي صرح رحمه الله بإثباتها على طريقة أهل السنة والجماعة في غير هذا الكتاب صفتا المحبة والبغض حيث قال في موضع من تفسيره: « إن هذا القبول الذي سيجعل لمن أحبه الله في الأرض ..هو نوع الوُد المذكور في الآية وبيَّن أن أهل القبول في الأرض محبوبون في أهل السماء قبل أهل الأرض ، وبيَّن أن سبب ذلك القبول هو محبة الله لهم فمن أحبهم حببهم لعباده ولما كان سبب ذلك القبول محبة الله لهم بين صلى الله عليه وآله وسلم أن بغض الله سبب في بغض الخلق لهم، إذ ما تسبب عن أحد الضدين يتسبب عن الآخر ضده »([62]). وقال رحمه الله في موضع آخر: « إن الحب من الله والبغض كسائر أفعاله لا تقع إلا على وجه الحق والعدل والسداد ، وهذا أمر واجب لأفعال الرب الحكيم، فالمؤمنون أحبهم ونصرهم لإيمانهم وأعداؤهم أبغضهم وخذلهم لخيانتهم وكفرهم». ثم يقول:« فإذا أعدمت منهم الأمانة فخانوا الله والرسول وخانوا أمانتهم وفشت فيهم الفواحش والمناكر استوجبوا غضب الله وبغضه ونقمته وحرموا نصرته ودفاعه وكانوا هم الظالمين »([63]). ومن نظر في كتب التفسير وشرح الحديث التي صنفها الأشاعرة؛ يعلم أنهم لا يسكتون في مثل هذه المواضع عن التأويل وتفسير هذه الصفات ببعض اللازم منها، والشيخ رحمه الله لم يعبأ بتلك الأقاويل التي تتضمن التعطيل مما يؤكد عمق إيمانه بعقيدة الإثبات والتنزيه .

المبحث التاسع : التصريح بالبراءة من مظاهر الشرك


ومن لوازم الدعوة إلى الإسلام الصحيح المصفى أو الحنيفية السمحة التي بعث بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم إعلان البراءة من مظاهر الشرك الأكبر والأصغر التي طغت على البشرية عامة والتي وقع فيها أهل القبلة خاصة ، ثم البراءة من كل من قامت عليه الحجة من الناس وأصر على اتباع ملة الشرك ، وهذا من أصول الإسلام، وأهل السنة هم المتمسكون به في كل زمان ومكان، وإنما يختلفون في درجة التركيز على هذا الشطر الأخير والمجاهرة به بحسب الحال قوة وضعفا وبحسب ما يقتضيه ميزان المصلحة والمفسدة، والذي نجده في كلام الشيخ ابن باديس رحمه الله في كل موضع الإعلان بعقيدة التوحيد وبالبراءة من مظاهر الشرك الجلي والخفي، وهو يجهر بذلك في كل مناسبة وكل مكان كما هو معلوم من سيرته وكما هو واضح في كتاباته، ومن المواضع التي تؤكد ما ذكرناه قوله في موضع :« فأصل عقيدة الشرك عند عرب الجاهلية أنهم يعلمون أن الله تعالى هو خالقهم وهو يرزقهم وهو المالك لجميع مخلوقاته ولكنهم يجعلون توجههم وتقربهم وتضرعهم لآلهتهم على اعتقاد أنها تقربهم إلى الله، وفي الناس اليوم طوائف كثيرة تتوجه لبعض الأموات وتتضرع وتناديهم على اعتقاد أنها تقربهم إلى الله ويتوسطون بها إليه، ويزيدون أنهم ينصرفون لها بقضاء الحوائج وجلب الرغائب ودفع المصائب.

ومن أعمال المشركين في الجاهلية أنهم يسوقون الأنعام لطواغيتهم فينحرونها عندها طالبين رضاها ومعونتها، وفي الناس اليوم طوائف كثيرة تسوق الأنعام إلى الأضرحة والمقامات تنحرها عندها إرضاء لها وطلبا لمعونتها أو جزاء على تصرفها وما جلبت من نفع أو دفعت من ضر. ومن أقوال المشركين في الجاهلية حلفهم بطواغيتهم وتعظيمهم لها، وفي الناس اليوم طوائف كثيرة يحلفون بالله فيكذبون ويحلفون بمن يعظمون من الأحياء أو الأموات فلا يكذبون. فهذه الطوائف الكثيرة قد لحقت بالمشركين وصدق رسول الله r في قوله ( لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين ) ([64]) « ([65]).

وقال رحمه الله في موضع آخر مؤكدا على أن هذا الأمر من أصول الإسلام التي لا يجوز السكوت عنها بحال من الأحوال :» والسكوت عن هذا أو نحوه أدى بالعامة إلى الغلو في الأولياء رضي الله تعالى عنهم غلوا أنطقهم بألفاظ الشرك ، وصدع منهم عقيدة التوحيد التي هي أساس الإيمان ، فإذا دعوا قالوا يا رب يا فلان ، وإذا أصابتهم نعمة من الله قالوا هذا من الله ومن فلان ، وإذا حلف أحدهم فإنه يحلف بالله وبفلان ، بل بلغوا إلى ما هو أشنع وأبشع ، يأبون من الحلف كذبا بشيوخهم ويكذبون في الحلف بالله والنهي عن الحلف بغير الله تعالى معلوم مشهور« ([66]).

ولما كان أظهر الأعمال الشركية التي فشت في الأمة هي دعاء غير الله تعالى من أهل القبور وغيرهم فقد كان الشيخ رحمه الله لا يضيع أي فرصة تتاح لتبيين هذا الأمر وتعليم الناس أن الدعاء من العبادات التي ينبغي أن يفرد بها المولى عز وجل وننقل من كلامه هذا المقطع الذي يناقش فيه من التبس عليه وظن أن عدم اعتقاده بأن الدعاء عبادة يشفع له أو يغير من الحقيقة الشرعية شيئا فقال رحمه الله :» فتطابق الأثر والنظر على أن الدعاء عبادة فمن دعا غير الله فقد عبده وإذا كان هو لا يسمي دعاءه لغير الله عبادة فالحقيقة لا ترتفع بعد تسميته لها بغير اسمها والعبرة بتسمية الشرع التي عرفناها من الحديثين المتقدمين لا بتسميته« ، ثم قال في السياق نفسه :» من دعا غير الله فقد عبده لما ثبت أن الدعاء عبادة فالداعي عابد والمدعو معبود والمعبود إله فمن عبد شيئا فقد اتخذه إلهه لأنه فعل له ما لا يفعل إلا للإله ، فهو وإن لم يسمه إلها بقوله فقد سماه بفعله « ([67]). رحمه الله رحمة واسعة وكل دعاة التوحيد بحق في كل زمان ومكان.

وقال رحمه الله تعالى وهو يتحدث عن قضية بناء المساجد على القبور بعد أن بين تحريم ذلك :» هذه هي حالتنا اليوم -معشر مسلمي الجزائر- وأحسب غيرنا مثلنا ، تجد أكثر أو كثيرا من مساجدنا مبنية على القبور المنسوب أصحابها إلى الصلاح ، ومنهم من كانوا معروفين بذلك ومنهم المجهولون ، فإن قيل : إنما بنيت المساجد على تلك القبور للتبرك بأصحابها لا لعبادتهم ، قلنا : إن النهي جاء عاما لبناء المسجد على القبر ، بقطع النظر عن قصد صاحبه ، ولو كانت صورة البناء للتبرك غير مرادة بالنهي على العموم ، ذلك لأنها وإن لم تؤد إلى عبادة المخلوق في الحال فإنها مظنة أن تؤدي إلى ذلك في المآل وذرائع الفساد تسد لا سيما ذريعة الشرك ودعاء غير الله التي تهدم صروح التوحيد ، وانظر إلى ما جاء في حديث ابن عباس في أصنام قوم نوح وكيف كان أصل وضعها ، وكيف كان مآلها ، وتعال إلى الواقع المشاهد نتحاكم إليه ، فإننا نشاهد جماهير العوام يتوجهون لأصحاب القبور ويسألونهم وينذرون لهم ، ويتمسحون بتوابيتهم ، وقد يطوفون بها ، ويحصل لهم من الخشوع والابتهال والتضرع ما لا يشاهد منهم إذا كانوا في بيوت الله التي لا مقابر فيها ، فهذا هو الذي حذر منه الشرع قد أدت إليه كله ، وهبها لم تؤد إلى شيء منه أصلا ، فكفانا عموم النهي وصراحته«([68]). ثم دعا الناس إلى تبليغ الأحاديث التي تنص على تحريم هذا العمل وتحذر منه وكتب رحمه الله في هذه القضية وحدها في ستة أعداد من الشهاب.


المبحث العاشر : الحكم والتشريع من معاني الربوبية


بمعنى » الاعتقاد بأن انفراد الله تعالى بالحكم والتشريع من معاني الربوبية، وليس قسما على حياله فضلا عن أن يكون هو التوحيد أو أهم أقسامه«. وهذا الأصل في الحقيقة أصل فرعي، إنما أفردته مع أن بعض معانيه متضمنة فيما ذكر في المبحث السابع لظهور طوائف في العصر الحاضر لم يتضح لها جيدا مفهوم التوحيد الذي بعث الله به أنبياءه، كما تأثرت بواقع الأمة المرير الذي عرف التعطيل الشامل للشريعة الإسلامية وإلغاء المحاكم الشرعية في أغلب البلاد الإسلامية ، فجعلوا همهم الدعوة إلى تحكيم الشريعة، وحصروا اهتمامهم في جانب العقيدة على بيان أن التشريع حق لله تعالى حتى إن منهم من غلا في هذا الباب، وجعل دعوة الرسول محصورة في تحقيق الحاكمية دون الألوهية والربوبية، ومنهم من فسر لا إله إلا الله بلا حاكم إلا الله ، ومنهم من قال لابد من جعل الحاكمية قسما على حياله إلى جانب الأقسام المعروفة للتوحيد ، وعلماء أهل السنة إذ بينوا وجه خطأ هؤلاء وقالوا لهم إن الباطل لا يدفع بباطل مثله، حرصوا على أن لا يقعوا فيما يعيبون به غيرهم فأكدوا لهؤلاء أن إلغاء الشريعة الإسلامية كفر صريح والرضا بذلك ردة عن الإسلام، وأن اعتقاد انفراد الله تعالى بالحكم والتشريع من معاني الربوبية، وإنما الذي يدخل في الألوهية والعبادة هو الطاعة والانقياد والاستسلام لشرعه وأحكامه، وأننا لسنا في حاجة إلى ابتداع في مجال التوحيد بحجة طبيعة المواجهة العصرية مع من عطل الشريعة وحارب أنصارها.

والشيخ ابن باديس رحمه الله تعالى الذي عايش عصر تعطيل الشريعة وإلغاء الخلافة قد نظر إلى موضع تحكيم الشريعة ولقد كانت نظرته شاملة ومتكاملة، حيث إنه كان يربط هذا الموضوع بقضية التقليد المذهبي الأعمى، وكذا بقضية استحلال الحرام وتحريم الحلال التي فتح بابها أرباب الطرق قبل الحكام الذين صرحوا برفض شريعة الإسلام، وكانت نظرته أيضا محكومة بمقتضى الأدلة الشرعية، فهو حيث ذكر قضية الحكم أدرجها ضمن معاني الربوبية، ومن ذلك قوله في موضع :» التفكير في عظمة الله وجلاله وجبروته وملكوته وآياته في أرضه وسماواته وجميع مخلوقاته ، والتفكير –أيضا- في أنواع آلائه وعظيم إنعامه على خلقه عامة وعلى الإنسان خاصة بما سخر له منها وما يسر له من أسباب الانتفاع بها ، وبما يوجب له الإيمان بوحدانيته في ربوبيته فلا خالق ولا مدبر ولا مصرف ولا آمر ولا حاكم ولا منعم على الحقيقة سواه ، وبوحدانيته في ألوهيته فلا يستحق العبادة سواه«([69]). وقال في موضع آخر :» وقد ضلوا بالفعل في ربوبية الله وفي ألوهيته ، ضلوا في الربوبية باتخاذ المشرعين ليشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ويصدوهم بذلك عما شرع الله ، وضلوا في الألوهية بعبادة غير الله بما لا يعبد به أحد غيره كالدعاء«([70]).



المبحث الحادي عشر : القول بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص

من الأصول الاعتقادية القطعية عند أهل السنة والجماعة القول بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص يزيد بالعلم والطاعة وينقص بالجهل والمعصية، خلافا للجهمية القائلين أنه يكمل بالتصديق وللمرجئة القائلين بأنه التصديق والقول بلا عمل، والقول بأن الكفر كفران كفر اعتقادي مخرج من الملة وكفر عملي لا يخرج صاحبة من الملة، وأن أهل الوعيد في المشيئة إن شاء الله تعالى عذبهم وإن شاء غفر لهم، خلافا لمن يكفر أهل المعاصي أو الكبائر ويحكم بخلودهم في جهنم.

والشيخ ابن باديس رحمه الله قد بين عقيدته السلفية في هذا الباب بعبارات صريحة واضحة ، فبين في "العقائد الإسلامية" أن الإيمان في الشرع يجيء بمعنى التصديق القلبي الذي هو أصل الإيمان الذي ينفي الخلود في جهنم، ويجيء أيضا بمعنى الإيمان الكامل الذي تدخل فيه الأعمال وهو الإيمان الواجب الموجب للوعد بالجنة، فقال رحمه الله :« ويجيء لفظ الإيمان في لسان الشرع مرادا به التصديق الجازم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره حلوه ومره …ويجيء الإيمان في لسان الشرع أيضا مرادا به الأعمال الظاهرة من الأقوال والأفعال المبنية على التصديق واليقين»([71]). وقال أيضا :« الإيمان في الوضع الشرعي هو قول باللسان وعمل بالقلب وعمل بالجوارح ، فمن استكمل ذلك استكمل الإيمان ومن لم يستكمله لم يستكمل الإيمان »([72]).

كما قرر زيادة الإيمان سواء الجزء الأصلي منه أو الإيمان الكامل ، فقال عن القسم الأول:« التصديق الذي هو الجزء الأصلي يقوى ويضعف يقوى بالنظر في الآيات الكونية والآيات السمعية والتقرب بالعبادات الشرعية ويضعف بضد ذلك …»([73]). على أن في عبارة التصديق تجوزا ، لأن في القلب قولا وعملا ، ومن العمل القلبي المحبة والتعظيم والإخلاص ومن أهل العلم السلفيين من يطلق هذه العبارة ويريد بها قول القلب وعمله معا ([74]). وقال في الإيمان الكامل الذي تدخل فيه أعمال الجوارح:« الإيمان يزيد وينقص ، يزيد بزيادة الأعمال، وينقص بنقصانها»([75]). وقال أيضا كما سبق نقله :» فمن استكمل ذلك استكمل الإيمان ومن لم يستكمله لم يستكمل الإيمان »([76])، وهذا الكلام في غاية الصراحة والوضوح ولا يحتاج إلى مزيد شرح.

وفي باب الكفر لابن باديس رحمه الله تعالى نصوص كثيرة تبين استقامة منهجه وسلامة معتقده من مذهب الخوارج الغلاة ومن مذهب المرجئة والأشعرية الجفاة، فقال في موضع : « وكذلك الكفر والنفاق وكذلك الشرك، وإنما يخرج المرء عن أصل الإسلام بما كان في أصل العقيدة لا بما كان من الأعمال إلا عملا دل دلالة ظاهرة على فساد في العقيدة وانحلالها »([77]).

وقسَّم في كتابه » العقائد « أسباب الكفر إلى ما يرجع إلى التصديق بالقلب واللسان وإلى ما يرجع إلى العمل القلبي الذي هو ركن فيه فقال :« ومن عدم من إيمانه اليقين خرج عن دائرة المؤمنين وكان من جملة الكافرين ولو نطق بالشهادتين وعمل أعمال المؤمنين »([78]). وقال في موضع عن الناس أنهم يكفرون كفر جحود وعناد أو كفر عصيان وطغيان ([79])، وأما قوله رحمه الله تعالى :« والكفر قسمان اعتقادي وهو الذي يضاد الإيمان، وكفر عملي وهو لا يضاد الإيمان، ومنه كفر تارك الصلاة غير المستحل للترك وكفر من لم يحكم بما أنزل الله»([80]). فلا يعني أنه لا يكفر بشيء من الأعمال كيف وقد قال كما سبق نقله:» إلا عملا دل دلالة ظاهرة على فساد في العقيدة وانحلالها»([81]). وهو قد نص على أن من تجنس بالجنسية الفرنسية كفر كفرا أكبر فكان مما قاله: «التجنس بجنسية غير إسلامية يقتضي رفض أحكام الشريعة، ومن رفض حكما واحدا من أحكام الإسلام عُدَّ مرتدا عن الإسلام بالإجماع فالمتجنس مرتد بالإجماع»([82]). وينبغي أن يعلم أنه اعتبر رفض أحكام الشريعة علة للحكم وليس شرطا فيه، فإن بين القولين فرقا مؤثرا قد يخفى على بعض الناس فيخرجون من مسمى الكفر أكثر أفعاله الصريحة فيه كسبِّ الله تعالى والسجود للصنم ونحو ذلك.

المبحث الثاني عشر : الإيمان بالقدر مع إثبات الاختيار


ومن الأصول الاعتقادية القطعية عند أهل السنة والجماعة الإيمان بالقضاء والقدر بإثبات علم الله السابق ومشيئته المطلقة وخلقه سبحانه لأعمال العباد ، مع إثبات الاختيار للإنسان وقدرته على الفعل والترك معا. وذلك خلافا للقدرية والمعتزلة الذين غلوا في إثبات الاختيار حتى نفوا خلق أفعال العباد، ونفوا القدر جملة وتفصيلا ، وخلافا للجهمية والأشعرية الذين غلوا في إثبات القدر حتى جردوا العبد من الاختيار، وجعلوه مجبرا لا قدرة له إلا على ما قدر له، ونفوا تبعا لذلك الحكمة عن فعل الله وأمره ونهيه.

وابن باديس رحمه الله قد شرح الركن السادس من أركان الإيمان في كتابه العقائد على الطريقة الصحيحة ويلاحظ أنه جعله بعد الإيمان بالله تعالى مباشرة ذلك أن بين الإيمان بالقدر وبين الإيمان بصفات الله وربوبيته ارتباطا وثيقا ، فقال : »وقدر الله تعالى هو تعلق علمه وإرادته أزلا بالكائنات كلها قبل وجودها فلا حادث إلا وقد قدره الله تعالى ، أي سبق به علمه وتقدمت به إرادته ، فكل حادث فهو حادث على وفق ما سبق به علم الله ومضت به إرادته « ثم قال بعد ذلك:» وكما سبق قدر الله للأشياء قبل أن يخلقها ، كذلك كتبها في اللوح المحفوظ قبل خلقها « ([83]).

وتحدث عن العنصرين الآخرين من عناصر إثبات القدر (الخلق والمشيئة ) في باب التوحيد حيث قال :» ومن توحيده في ربوبيته اعتقاد أن العبد لا يخلق أفعال نفسه « ، وقال :» ومن توحيده تعالى في ربوبيته اعتقاد أن العبد لا يخرج في جميع تصرفاته عن مشيئة الله ، غير أن له اختيارا يجده بالضرورة من نفسه ، ومشيئة يجدها كذلك فيما يمكنه من أفعال كان بها مكلفا ، ثم هو لا يخرج بها عن مشيئة الله « ([84]).

إثبات الشيخ للمراتب الأربعة من مراتب الإثبات قد فارق بها مذهب النفاة، وفيما يأتي توضيح القضايا الأخرى التي يفارق بها أهل السنة مذهب الجبرية والأشعرية كإثبات الكسب مع الاختيار الحقيقي للإنسان، وقد صرح بذلك في النص السابق، كما عدَّ عقيدة الجبر من الخطأ الضار الموجود في كتاب الإحياء([85]). وقال في التفسير:« لا حجة لمن مات على كفره بما سبق في علم الله فيه: قامت حجة الله على خلقه بما ركب فيهم من عقل وما مكنهم من اختيار، وما نصب لهم من آيات ومشاهدات، وما أرسل إليهم من رسل بآيات بينات، وهذه كلها أمور معلومة لديهم ضرورة لا يستطيعون أن ينكروا شيئا منها»([86]). ومن فروع إثبات الاختيار عند أهل السنة والجماعة إثباتهم للعبد قدرتين، قدرة الأهلية تكون قبل الفعل وهي مناط التكليف والاختيار (وهي قدرة ينكرها الجبرية)، وقدرة التنفيذ وهي التي تكون مع الفعل.

والشيخ رحمه الله قد صرح بإثبات قدرة الإنسان على الفعل وإن لم يعمل به -وهي قدرة الأهلية -، فقال: «لا يحتج بالقدر على الذنوب لأن حجة الله قائمة على الخلق بالتمكُّن والاختيار والدلالة الفطرية والدلالة الشرعية»([87]). والشاهد هو قوله:"بالتمكن"، وقال رحمه الله:« إن الله تعالى إنما يحاسب عباده على ما عملوه وكسبوه واكتسبوه بما عندهم من التمكن من الفعل والترك وما عندهم من الاختيار، لا على علمه منهم قبل أن يفعلوه، فلهذا يمتحنون لتظهر حقائقهم ويقع جزاؤهم على ما كسبت أيديهم باختيارهم، ولا حجة لهم في تقدم علمه تعالى بما يكون منهم ، لأن تقدم العلم لم يكن ملجئا لهم على أعمالهم»([88]). وصرح في هذا السياق بأن الله لا يكلف العباد إلا بما هو في مقدورهم :« المحكوم فيه هو فعل المكلَّف الظاهر والباطن ولم يكلف الله العباد إلا بما في مقدورهم ولا حرج عليهم فيه فلا تكليف بغير المقدور»([89]).

وأثبت العلل وأثبت الحكمة في أفعال الله تعالى وأحكامه ومن نصوصه في ذلك قوله:» القدر كله عدل وحكمة فما يصيب العباد فهو جزاء أعمالهم ، وقد تدرك حكمة القدر ولو بعد حين ، وقد تخفى لأن من أسمائه تعالى الحكيم « ([90]). ومنها قوله : « حكمة النسخ مراعاة المصلحة وتدريب الأمة على تلقي الأحكام، والتنبيه على اعتبار المصالح في التشريع»([91]). وقال أيضا: «الله حكم عدل حكيم خبير ، فما من حكم من أحكامه الشرعية إلا وله حكمته، وما من حكم من أحكامه القدرية إلا وله سببه وعلته، لا لوجوب أو إيجاب عليه ، ولكن بمحض مشيئته ومقتضى عدله وحكمته»([92]).

ومما يميز أهل السنة أيضا في هذا الباب التفريق بين الإرادة الكونية والشرعية (وهي عند الجبرية إرادة واحدة) وقد نص الشيخ على ذلك في مواضع منها قوله: « القضاء يكون بمعنى الإرادة ، وهذا هو القضاء الكوني القدري الذي لا يتخلف متعلقه فما قضاه الله لابد من كونه ، ويكون القضاء بمعنى الأمر والحكم ، وهذا هو القضاء الشرعي الذي يمتثله الموفقون ويخالفه المخذولون »([93]). ومن فروع هذا التفريق عند أهل السنة أنه ليس كل ما أراده كونا يكون قد أراده شرعا أو أحبه ، وفي هذا المعنى يقول رحمه الله تعالى عن الشر: «وتصح نسبة هذا القسم إلى الله تعالى من حيث الخلق والحكمة، ونسبة أعماله إليه من حيث التقدير والتكوين لا من حيث الرضى والتكليف ، فالله لا يرضى بالشر ولا يكلف به»([94]).

ومما يتميزون به أيضا التفريق بين الهداية العامة هداية البيان، والهداية الخاصة هداية التوفيق (وهي عند الجبرية كلها هداية توفيق ) وقد صرح الشيخ رحمه الله بالفرق فقال:« الهداية ونوعها، قد دل الله الخلق برسوله وبكتابه على ما فيه كمالهم وسعادتهم ومرضاة خالقهم، وهذه هي هداية الدلالة، وهي من فضل الله العام للناس أجمعين، وبها وبما يجده كل عاقل في نفسه من التمكن والاختيار قامت الحجة على العباد، ثم يسر من شاء – وهو الحكيم العدل –إلى العمل بما دل عليه من أسباب السعادة والكمال، وهذه هي دلالة التوفيق وهي من فضل الله الخاص بمن قبلوا دلالته وأقبلوا على ما آتاهم من عنده فآمنوا برسوله والنور الذي أنزل معه، كما قال تعالى :} وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ { (محمد 17) وأما الذين أعرضوا عن ذكره وزاغوا عما دلَّهم عليه فأولئك يخذلهم ويحرمهم من ذلك التيسير كما قال تعالى: } فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ{ (الصف5) فالمقبلون على الله القابلون لما آتاهم من عنده هدوا دلالة وتوفيقا والذين أعرضوا قامت عليهم الحجة بالدلالة وحرموا من التوفيق جزاء إعراضهم »([95]).

المبحث الثالث عشر : عقيدة العذر بالجهل


ومن القضايا الاعتقادية التي تميز بها أهل السنة والجماعة عن كثير من الطوائف الإسلامية، قولهم بأن التكليف والمؤاخذة إنما يثبتان بالشرع لا بالعقل ، وبعد قيام الحجة الرسالية لا قبلها ، والمخالفون في هذا إما المعتزلة الذين قالوا بالتكليف بحكم العقل قبل ثبوت العلم وقيام الحجة الرسالية في العقائد وغيرها، أو الماتريدية الذين قالوا بالتكليف في العقائد دون غيرها، بينما وافق الأشعرية أهل السنة في هذه القضية، وهذه المسألة في العصر الحاضر أضحت مبدأ من مبادئ الدعوة الضرورية التي لابد للدعاة إلى الخير من هضمها بعد فهمها، لأن من مظاهر عدم الحكمة الواقعة والمنتشرة ظاهرة التسرع في الحكم على الناس بالكفر وبالبدعة وغيرها مع العلم بأن الحال الغالبة في الناس اليوم هي الجهل بالإسلام بحقائقه وأصوله، وقد تقرر في العقيدة أن من رحمة الله تعالى بعباده أنه لا يعذب من وقع في الكفر إلا بعد أن تقوم عليه الحجة الرسالية التي تزيل عنه كل شبهة، على أن الأعذار لا تختص بالجهل بل منها التأويل والإكراه والخطأ، وهي أحوال تدل على عدم قصد الفاعل للمنكَر مناقضةَ الشريعة، وقد يختلف العلماء هنا في بعض الصور هل يتصور فيها الجهل مع الانتساب للإسلام كمظاهر الشرك الظاهرة من الطواف بالقبور والذبح لها ودعائها والاستغاثة بها ، والصحيح أنه يتصور من جهة جهل هؤلاء لمعنى العبادة فهم يعملون هذه الأعمال على أنها عوائد ومن غير اعتقاد كونها عبادة، وزيادة على كونه متصورا فهو موجود وجاء به الأثر، لذلك كان واجبا على الدعاة التريث في الحكم على هؤلاء وغيرهم وأن يكون اشتغالهم الأكبر ببيان حقائق الدين وإزالة مظاهر الجهل والجاهلية في الأمة لا بالحكم على الناس الذي لا تغيير فيه لشيء من حالهم، وتقرر لدينا أن العذر مثبت حتى في أصل الدين وهو التوحيد، فما هو دونه مما هو أخفى منه من باب أولى فليتنبه إلى هذا فإنه مما يغفل عنه ، وفيما يأتي نص للشيخ ابن باديس رحمه الله يستفاد منه تبنيه لهذه العقيدة وأنه ليس ممن يسلك مسلك التكفير بالعموم للناس، قال رحمه الله :» ألا ترى لو أن شخصا قام للصلاة بدون وضوء مستحلا لذلك فلما أنكرنا عليه قال إنني لا أعتبر هذه الأفعال والأقوال عبادة ولا أسميها صلاة ، أترى ذلك يجيز فعله ويدفع عنه تبعته؟ كلا ولا خلاف بين المسلمين ، بل قد حكموا بردته إن كان يفعل ذلك ويراه حلالا ، لأنه يكون قد أنكر معلوما من الدين بالضرورة فالداعي لغير الله تعالى يطلب منه قضاء حوائجه قد عبد من دعاه وإن لم يعتبر دعاءه عبادة لأن الله قد سماه عبادة ، وإذا استمر على فعله مستحلا له بعد تعليمه وإرشاده يكون قد أنكر معلوما من الدين بالضرورة وهو أن العبادة والدعاء منها لا تكون إلا لله فيحكم بردته نظير مستحل الصلاة بلا وضوء بلا فارق«([96]). وقرر هذا الأصل أيضا في تفسير قوله تعالى: ] لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ[ (يـس6)([97]).

ومن المخالفين في باب العذر بالجهل بإطلاق من يسلك منهج التكفير بالعموم، وقد ضم هؤلاء إلى هذا الاعتقاد شيئا من عقائد الخوارج، وهو التكفير ببعض الكبائر والمعاصي ولو من غير استحلال بعد العلم ، ومع أنَّ بُعد الشيخ عن هذه العقيدة من أوضح الأمور ، إلا أننا لما كنا في سياق بيان الأصول العامة للدعوة السلفية من كلام ابن باديس ننقل هذه العبارة التي ينكرها الخوارج والإباضية ومن سار على دربهم، قال رحمه الله: » الخيانة خيانتان خيانة عقيدة وخيانة أعمال وكذلك الكفر وكذلك النفاق وكذلك الشرك وإنما يخرج المرء عن أصل الإسلام بما كان في أصل العقيدة لا بما كان من الأعمال إلا عملا يدل دلالة ظاهرة على فساد العقيدة وانحلالها ، وعلى هذا عقد البخاري رحمه الله في الجامع الصحيح أبوابا في ظلم دون ظلم وكفر دون كفر « ([98]).


المبحث الرابع عشر : الترضي على جميع الصحابة وإثبات الخلافة


من الأصول المميزة لأهل السنة عن كثير من الفرق الضالة : إثبات الخلافة للأئمة الأربعة ، أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم على هذا الترتيب ، مع الترضي على جميع الصحابة دون تفريق أو تمييز ، بهذا الأصل يتميزون عن الرافضة وعن الخوراج والمعتزلة، الرافضة الذين لا يقرون إلا بخلافة علي رضي الله عنه ، ويكفرون جمعا غفيرا من الصحابة أو جمهورهم ، والخوارج الذين يقدحون في خلافة عثمان t ولا يقرون بخلافة علي t ، وهذا الأصل من أوضح الأصول التي كان يعتقدها ابن باديس رحمه الله تعالى ، فقد كان معظما للسلف وللصحابة خصوصا، داعيا للاقتداء بهم ، كما سبق أن أوضحناه في المبحث الرابع، وقال في موضع: » والصحابة كلهم عدول « ([99])، وهو إذا ذكر الصحابة يترضى عنهم دون تفريق أو تمييز ([100])، يترضى على الشيخين أبي بكر الصديق t ([101])وعمر الفاروق t ([102])، كما يترضى على عثمان t ([103]) وعلى علي t([104]) رضي الله عنهم أجمعين وكان مثبتا لخلافتهم ومقرا بأن خلافتهم صحيحة كما هو معتقد أهل السنة، وإذا ذكرهم أو عصرهم يقول الخلفاء الراشدون أو عصر الخلفاء الراشدين([105]). وكان أيضا يترضى على معاوية رضي الله عنه([106]).



الفصل الثاني : أصول الفقه

ولأهل السنة أيضا أصول تميزهم عمن انحرف عن خطهم في باب الفقه ([107])، سواء من أهل الفرق الضالة أو من متأخري المنتسبين إلى المذاهب السنية ، نذكر منها هذه الأصول المتعلقة بمصادر التلقي وأخرى متعلقة بالاجتهاد والتقليد وهي أهم شيء يتميزون به في ما أحسب والله أعلم.

1-مصادر الفقه هي الكتاب والسنة الصحيحة وما أجمعت عليه الأمة وما اندرج تحتها من فروع ورجع إليها([108]).

2-الحجة الملزمة هي الكتاب والسنة الصحيحة الصريحة وما أجمع عليه العلماء، فلا يجوز إحداث الأقوال الجديدة المخالفة لإجماع السلف ولا الخارجة عن مذاهبهم إذا اختلفوا، كما لا يجوز مخالفة الكتاب والسنة([109]).

3-التزام الصحة فيما يعتمد من أخبار الآحاد التي يستفاد منها الأحكام ( على اختلاف في شروط الصحة ) ([110]).

4-إبطال نظرية التقليد العام الملزم للناس ، واعتبار التقليد -وهو أخذ الحكم من غير دليله- بالنسبة للعامة وغيرهم بمنزلة الضرورة أي حيث تعذر الاجتهاد والاتباع([111]).

5-جعل الاتباع -وهو أخذ الحكم بدليله- هو الواجب الأصلي على كل مسلم([112]).

6-فتح باب الاجتهاد وهو التحاكم إلى الأدلة الشرعية لمن تأهل له، سواء اجتهاد الترجيح في المسائل الخلافية أو اجتهاد التنظير والتنزيل بالنسبة للنوازل، واعتباره الطريق الموصل إلى بيان محاسن الإسلام وخلود الشريعة([113]).

7-العمل على تصفية الفقه من المسائل الفرضية والأقوال الشاذة، وعلى تطهير علم الأصول من المسائل


المبحث الأول : مصادر تلقي الفقه هي الكتاب والسنة والإجماع


وهذا من الأصول الواضحة والمتفق عليها بين جميع أهل السنة بل هذا من العقائد عندهم فلا يتوهمن متوهم أن كل ما تعلق بالفقه أو الأصول فهو خارج عن مسمى العقيدة أو أنه داخل في إطار الظنيات ولا يمكن أن يرقى إلى مستوى القطعيات التي يكفر منكرها أو المخالف فيها ، وإنما تكلم هنا المتأخرون في قدرة أهل الأعصار المتأخرة على الاستقلال بالنظر في هذه المصادر الشرعية، وسيأتي في المطالب التالية توضيح هذه المسألة وغيرها مما هو مرتبط بها ، وكلام الشيخ ابن باديس واضح أيضا في دعوة الناس وأهل العلم خاصة إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة في ميدان الفقه والفتوى والابتعاد عن منهج المتأخرين الذي باعد بين المسلمين وأصول دينهم ، كما دعا إلى ضرورة ربط الفتاوى بالأدلة الشرعية ليعلم الناس أن هذه الأحكام صادرة عن الله تعالى، وليست مجرد آراء يمكن لكل واحد أن يتخير منها ما يشاء ، ومن نصوصه في هذا الباب قوله رحمه الله تعالى :» وبيّن القرآن أصول الأحكام وأمهات مسائل الحلال والحرام ووجوه النظر والاعتبار مع حكم الأحكام وفوائدها في الصالح العام والخاص،  فهجرناها واقتصرنا على قراءة الفروع الفقهية مجردة بلا نظر،  جافة بلا حكمة،  محجبة وراء أسوار من الألفاظ المختصرة تفنى الأعمار قبل الوصول إليها« ([114]). ومن نصوصه أيضا تعليق له على فتوى أصدرها الأزهريون في وقته قال فيه :» كنا ننتظر من مجلة يحرّرها كبار علماء الأزهر الشريف أن تأتينا في باب الفتاوى والأحكام منها بأدلة المسائل ومستندات الأقوال ، ومن إبدائها رأيها في الترجيح بالطرق المعتبرة عند أهله، وكنا ننتظر كذلك أنها لا ترجع في استدلالها إلا إلى الكتاب والسنة...« ([115]). وقال أيضا وهو يلوم المتصدرين من أهل زمانه على هجرهم للسنة النبوية :» وعلمنا القرآن أن النبي r هو المبين للناس ما نزل إليهم من ربهم، وأن عليهم أن يأخذوا ما أتاهم وينتهوا عما نهاهم عنه، فكانت سنته العملية والقولية تالية للقرآن، فهجرناها كما هجرناه وعاملناها بما عاملناه حتى أنه ليقل في المتصدرين للتدريس من كبار العلماء في أكبر المعاهد من يكون ختم كتب الحديث المشهورة كالموطأ والبخاري ومسلم ونحوها مطالعة، فضلا عن غيرهم من أهل العلم، فضلا عن غيرها من كتب السنة«([116]). وله نصوص أخرى تتضمن هذا المعنى يأتي نقلها في شرح الأصول الآتي ذكرها.


المبحث الثاني : عدم إحداث الأقوال الجديدة المخالفة لإجماع السلف


الحجة الملزمة عند أهل السنة هي الكتاب والسنة الصحيحة الصريحة وما أجمعت عليه العلماء، فلا يجوز إحداث الأقوال الجديدة المخالفة لإجماع السلف ولا الخارجة عن مذاهبهم إذا اختلفوا، كما لا يجوز مخالفة الكتاب والسنة،  لأن المتأخرين كما هم مقيدون بالكتاب والسنة فهم مقيدون بفهم السلف الصالح وبمذاهبهم، فباب الفقه لا يختلف عن باب الاعتقاد ولا عن غيره من الأبواب ، والأصل المذكور واضح فلا يحتاج إلى كثير شرح، والشيخ ابن باديس رحمه الله لإدراكه لأهمية هذا الأصل قد نبه عليه في غير ما موضع، ومن المواضع التي بين فيها أصل الرجوع إلى الكتاب والسنة ، مع توضيح ضابطه وهو التقيد بفهم العلماء السابقين قوله رحمه الله : «لا نجاة للناس من هذا التيه الذي نحن فيه والعذاب المنوع الذي نذوقه ونقاسيه إلا بالرجوع إلى القرآن، إلى علمه وهديه في بناء العقائد والأحكام والآداب عليه والتفقه فيه، والسنة النبوية شرحه وبيانه ، والاستعانة على ذلك بإخلاص القصد وصحة الفهم والاعتضاد بأنظار العلماء الراسخين والاهتداء بهديهم في الفهم عن رب العالمين»([117]). وإذا ذُكر العلماء فأوَّل من ينصرف إليهم الذهن هم العلماء المتقدمون قبل المتأخرين الذين هم مَحكُمُون بهذا الأصل، كما سبق نقله عنه في بيانه لمعنى الإمام الذي يستحق أن يقتدى به. وصرح بهذا المعنى في موضع آخر فقال :» ولو كان هذا الاختلاف من باب اختلاف العلماء فيما لا نص فيه أو فيه ظاهر يقبل التأويل على وجوه من النظر شتى لكان للمختلفين عذر قائم ووجهة سديدة ، ولكنه اختلاف يمت إلى الهوى بأقرب نسب وينجذب إلى التعصب بأوثق الأسباب، وحجته الداحضة قولهم رأى بنو فلان »([118]).


المبحث الثالث : التزام الصحة


ومن الأصول التي يتفق عليها علماء أهل السنة ضرورة التزام الصحة في باب الأحكام والحلال والحرام ، نعم قد يختلفون في بعض شروط الصحة وفي كثير من التطبيقات، ولكن ذلك بعد اتفاقهم على أنه لا بد من التثبت في باب الرواية والرجوع إلى أهل الفن المتخصصين في هذا الباب ، وهذا أصل قد يغفل عنه بعض الناس وقد يغلو فيه آخرون حتى إنهم يجعلون علامة السلفيين الاجتهاد في الحديث، وليس ذلك بلازم نفيا ولا إثباتا، لأنه قد يشتغل بالحديث أعدى أعداء أهل السنة فلا يكون ذلك شفيعا لهم، وقد يكون السني ورافع لوائهم غير مشتغل بذلك ويكتفي باتباع العلماء الذين سبقوه والاتباع غير التقليد كما لا يخفى . وإنما أكَّدت على هذا لأن بعض الغلاة قد يتنقص ابن باديس أو غيره من أهل العلم المعاصرين أو المتقدمين لعدم تفرغهم للتصنيف في هذا المجال أو عدم تخصصهم فيه، وليس هذا مما يجوز أن يتنقص به أهل العلم وإنما يتكلم بهذا بعض المبتدئين في العلم –وإن تقادم عهد التزامهم -الذين يفتقدون الموجهين الناصحين.

والشيخ ابن باديس رحمه الله من العلماء الذين رفعوا الدعوة إلى التثبت في ما هو موجود في الكتب المصنفة، وإضافة إلى ما سبق نقله في المبحث الأول ننقل هنا نصوصا أخرى تؤكد ما ذكرناه هناك، ومن ذلك التقديم الذي صدر به رسالة كتبها مبارك الميلي في بيان درجة حديث من الأحاديث المشهورة على الألسنة في ذلك الزمان، وهو لا يصح بحال حيث قال فيه :» تقوم الدعوة الإصلاحية على أساس الكتاب والسنة، فلا جرم أن كان رجالها من المعتنين بالسنة القائمين عليها رواية ودراية الناشرين لها بين الناس، ومن عنايتهم تحريهم فيما يستدلون به ويستندون إليه منها ، فلا يجوز عليهم إلا ما يصلح للاستدلال والاستناد ، ولا يذكرون منها شيئا إلا مع بيان مخرجه ورتبته حتى يكون الواقف عليه على بيِّنة من أمره مما لو التزمه كل عالم – كما هو الواجب  -  لما راجت الموضوعات والواهيات بين الناس فأفسدت عليهم كثيرا من العقائد والأعمال » ([119]). وكذلك نذكر رده على بعض علماء المغرب الذين قرضوا رسالة فيها أحاديث موضوعة معزوة إلى دواوين السنة المشهورة وليست فيها فقال رحمه الله: » والحقيقة أن إخواننا هؤلاء ما أتوا إلا من ناحية الضعف الفاشية البادية في أكثر علماء المسلمين اليوم وقبل اليوم بكثير، وهي الإعراض عن كتب السنة وعدم الإطلاع عليها والوقوفِ على المشهور منها فضلا عن غيره، وعرف هذا منهم حتى صار من ينسب شيئا إلى النبي r أو إلى جوامع سننه لا يخشى شيئا من ناحيتهم في الرد عليهم وتبيين حقيقة ما جاء به بل صاروا هم أنفسهم – إلا من شاء ربك – كحاطب ليل ينقلون إذا كتبوا الغث والسمين لا يميزون بين المقبول والمردود«([120]).

وبيَّن في موضع آخر أن هذا التثبت المطلوب لا يستدعي أن يكون المتثبت محدثا خالصا وأنه يكفيه الرجوع إلى أئمة الفن الموثوق بهم فقال :» وخطتنا الأخذ بالثابت عند أهل النقل الموثوق بهم والاهتداء بفهم الأئمة المعتمد عليهم«([121]).

ويرى الشيخ رحمه الله تعالى أنه من الواجب على المفتي أن يفصل القول في بيان ضعف الأحاديث وأن لا يجمل في مواضع الجدال والنقاش والخلاف، فقد جاء في فتوى أحد شيوخ الأزهر ما يلي: » الحديث ضعيف على ما صرح به الشهاب الخفاجي في شرح الشفا، بل مال الحافظ الذهبي إلى أنه موضوع وإذا ينهار الإشكال من أساسه«، قال الشيخ معلقا على كلامه: »وهذا وإن كان كافيا في الجواب لكن المنتظر من عالم من هيئة كبار العلماء أن يذكر سنده ويبين المطعون فيه من رجال ويرجح ضعفه أو وضعه…« ([122])، وليس هذا بمطلوب مطلقا وإنما هو محمول على ما ذكرته من مواضع المناقشة والمجادلة والله أعلم.


المبحث الرابع : إبطال نظرية التقليد العام الملزم للناس


ومن الأصول التي اتفق عليها المجددون السلفيون في كل زمان إبطال ما يسمى بنظرية التقليد العام الملزم لجميع الناس القاضية بتحريم النظر في الأدلة والاجتهاد في المسائل ، والدعوةُ إلى بعث الاجتهاد في الأمة ممن تأهل له والسعي لتأهيل المنتسبين إلى العلم ليبلغوا درجته ، وكذا دعوة العامة وغيرهم إلى الارتقاء إلى رتبة الاتباع التي تعني أن يؤخذ الحكم الشرعي من العالم مقرونا بدليله، وتؤهل طلبة العلم لفهم الحجة والدليلِ وأسبابِ الترجيح بين الأقوال، وليس من مذهبهم تحريم التقليد بإطلاق كما قد ينسبه إليهم مخالفوهم، بل هو عندهم بمنزلة الضرورة حيث يتعذر الاجتهاد بالنسبة لمن له أهلية الاجتهاد والاختيار، وكذا لمن الأصل فيه أن يكون متبعا، وذلك حيث لم يجد من يفتيه بالدليل ويقنعه بالحجة.

ونظرا للحال الغالبة على الأمة الإسلامية فإننا نجد من أهل العلم الذين لا شك في سلفيتهم ينصحون المتعلمين بدراسة الفقه على واحد من المذاهب المنتشرة، وليس ذلك إقرارا منهم للوضع ولكن هو من باب الضرورة التي فرضها واقع الأمة حيث ارتفع العلم وقل أهل الاجتهاد حتى في أرض العلم والتوحيد، ولا حديث عن البلاد الشاسعة الأخرى التي لا تكاد تجد فيها عالما بالكتاب والسنة، فليفهم هذا فإنه مهم يقي أهل الحق والإنصاف من أن يسؤوا الظن بالعلماء السنيين ويحفظهم أيضا من الانحراف عن خطتهم ومنهجهم. والشيخ ابن باديس رحمه الله تعالى أحد المجددين المعاصرين الذين دعوا جهرة إلى رفع تلك القيود المعنوية التي كبلت عقول الأمة طلبتها وعلمائها، وكان مما قاله في هذا السياق هذه الكلمات الواضحات النيرات :» كما أدخلت على مذهب أهل العلم بدعة التقليد العام الجامد التي أماتت الأفكار وحالت بين طلاب العلم وبين السنة والكتاب،  وصيّرتها في زعم قوم غير محتاج إليهما من نهاية القرن الرابع إلى قيام الساعة، لا في فقه ولا استنباط ولا تشريع،  استغناء عنهما - زعموا- بكتب الفروع من المتون والمختصرات، فأعرض الطلاب عن التفقه في الكتاب والسنة وكتب الأئمة وصارت معانيها الظاهرة بَلْهَ الخفية مجهولة حتى عند كبار المتصدّرين« ([123]). فالتقليد العام بدعة عطلت العقول وأماتت الأفكار وفصلت الأمة عن أصل دينها، بل هي عند الشيخ داء قديم ينبغي أن يعالج وأن يتخلص منه حتى تنهض الأمة. وفي تقرير هذا يقول: » ونزيد أن نذكر اليوم أن هذا الإعراض عن ربط الفروع بأصولها ومعرفة مأخذها هو داء قديم في هذا المغرب من أقصاه إلى أدناه،  بل داء عضال فيما هو أرقى من المغارب الثلاث وهو الأندلس « ([124]). ثم نقل شكوى الحافظ ابن عبد البر من أهل زمانه لميلهم إلى التقليد وابتعادهم عن النظر والاستدلال،  وكان مما ذكر ابن عبد البر رحمه الله تعالى أبياتا للمنذر بن سعيد البلوطي شافية كافية معبّرة حقا :

عـذيـري من قوم يقولون كلمـا      طلبت دليـلا : هكــذا قـال مالك

فإن عدت قالوا هكذا قال أشهـب       وقـد كـان لا تخفى عليـه المسالك

فـإن زدت قـالوا : سحنون مثلـه     ومـن  لـم يقل ما قالـه فهـو آفك

فإن قلت: قال الله ضجوا وأكـثروا      وقالوا جميعـا أنت قــرن مماحـك

وإن قلت : قـال الرسـول فقولهم       أتت مالكـا في تـرك ذاك المسالـك

قال ابن باديس:» واستشهد ابن عبد البر بأبيات القاضي منذر بن سعيد البلوطي المولود سنة 265 هـ والمتوفى سنة 355 هـ لتبيين قدم هذا الداء في الأندلس وشكوى العلماء الأعلام منه وإنكاره على أهله «.

وكما نص الشيخ على ما هو واجب وما الذي تنهض به الأمة وما الذي ينبغي أن نسعى لنصل إليه، فقد نص أيضا على جواز التقليد بالنسبة للعوام للاعتبارات التي سبق شرحها فقال رحمه الله :» والمقلد في الفروع دون علم بأدلتها متبع لمفتيه فيها يصدق عليه باعتبار الأدلة التي يجهلها أنه متبع ما ليس له به علم، لكنه له علم من ناحية أخرى، وهي علمه بأن التقليد هو حكم الله تعالى في حق مثله من العوام بما أمر الله تعالى من سؤال أهل العلم وما رفع عن العاجز من الإصر وهو من العامة العاجزين عن درك أدلة الأحكام«([125]). وقال في مبادئ الأصول :» التقليد هو أخذ قول المجتهد دون معرفة لدليله وأهله هو من لا قدرة له على فهم الدليل وهم العامة غير المتعاطين لعلوم الشريعة واللسان«([126]). وهذا صريح بأن التقليد ليس إلا من شأن العامة ، وقد سمى في موضع المتفقهين المتأخرين بالفروعيين على سبيل الذم فقال:» ولما لم تكن عندهم الأصول تاهوا في الفروع المنتشرة، ومحال أن يضبط الفروع من لم يعرف أصولها، وذكر ما أداهم إليه إهمال النظر من الانقطاع عن أقوال مالك نفسه وأمثاله إلى أمثالهم من الفروعيين التائهين الناظرين بغير علم«([127]).



المبحث الخامس : إثبات مرتبة الاتباع


ومن الأمور النظرية التي تميز بها السلفيون إثباتهم لرتبة الاتباع المتوسطة بين الاجتهاد والتقليد الذي هو أخذ القول من غير بحث عن دليله ، بل جعلوها هي الواجب الأصلي على كل مسلم لأنها تعني أن يؤخذ الحكم والقول بدليله، والمخالفون من أهل التقليد لا يرون إلا التقليد المحض لمن عجز عن الاجتهاد وليس ذلك بأمر لازم، لأن الواقع يبين تفاوت الناس في إدراكهم للعلوم الشرعية وفي فهمهم للنصوص، فلماذا يجعل حكمهم واحدا وهو التقليد ؟ وإذا كان الاجتهاد فرض كفاية فإن الاتباع أوجب منه ويتعين على كل من قدر عليه والله تعالى أعلم، وقد حث الشيخ ابن باديس على قرن الفتوى بالدليل حتى يعتاد الناس ذلك وحتى يرتقى بهم عن رتبة التقليد المحض ، فقال رحمه الله :» ومما ينبغي لأهل العلم أيضا إذا أفتوا وأرشدوا أن يذكروا أدلة القرآن والسنة لفتاواهم ومواعظهم ليقربوا المسلمين إلى أصل دينهم ويذيقوهم حلاوته ويعرفوهم منزلته،  فإلى الكتاب والسنة أيها العلماء إن كنتم للخير تريدون« ([128]).

ومما يبين وجوب ارتقاء الناس إلى رتبة الاتباع –أخذ الحكم مع دليله- عند القدرة قوله رحمه الله :» فمن تبع مخلوقا وأطاعه فيما يأمره وينهاه دون أن يكون في طاعته مراعيا طاعة الله فقد عبده واتخذه ربا فيما أطاعه فيه...« ([129]). وله أقوال أخرى يدعو فيها المنتسبين إلى العلم خصوصا لأن يسلكوا مسلك الاتباع ومن ذلك ما قاله في تقديمه لكتاب الفكر السامي :» إن كتابكم هذا إن شاء الله هو أساس النهضة الفقهية في جامع القرويين المعمور نهضة تبنى على النظر والاستدلال، فيخرج بها أهل العلم من جمود التقليد إلى سعة الاتباع بالدليل« ([130]).

وهو يحسب أن هذه الدعوة هي من دعوة القرآن حيث قال عن كتاب الله تعالى بأنه:» يخاطب العقل ويدعو إلى الفطرة ويقارع بالحجة ويدعو إلى التفكير ، ويحارب الجمود ويحث على الاستدلال«([131]). وقد أثبت هذه الرتبة التي قل من أثبتها ودعا إليها في إملائه في الأصول فقال: » الاتباع هو أخذ قول المجتهد مع معرفة دليله ومعرفة كيفية أخذه للحكم من ذلك الدليل، حسب القواعد المتقدمة وأهله هم المتعاطون للعلوم الشرعية واللسانية الذين حصلت لهم ملكة صحيحة فيهما فيمكنهم عند اختلاف المجتهدين معرفة مراتب الأقوال من القوة والضعف، واختيار ما يترجح منها، واستثمار ما في الآيات والأحاديث من أنواع المعارف المفيدة في إنارة العقول، وتزكية النفوس وتقويم الأعمال، ولهذا كان حقا على المعلمين والمتعلمين للعلوم الشرعية واللسانية أن يجروا في تعليمهم وتعلمهم على ما يوصل إلى هذه الرتبة على الكمال«([132]).


المبحث السادس : فتح باب الاجتهاد


وكما أن المجددين جعلوا من أصولهم إبطال تلك النظرية التي فصلت بين الفقه وأدلته وبين الأمة ومصادر دينها، فقد دعوا أيضا إلى فتح باب الاجتهاد وإلى العودة إلى الاجتهاد بجميع أنواعه وأقسامه، وقد اعتبروا تعطيل الاجتهاد من الأسباب التي أعطت الحجة وسهلت الأمر على الحكام أن يرفضوا أحكام الشريعة الإسلامية، حيث ظهر عجز المنتسبين إلى العلم عن إيجاد الأجوبة للنوازل الحادثة والحوادث المتجددة لارتباط معظمهم بالفروع المدونة في المختصرات وتركهم الكتاب والسنة اللذين فيهما الجواب الشافي عن كل سؤال والبيان لكل جديد يطرأ، وفي الحقيقة أن من يسمى بالعلماء عند المتأخرين قد أساءوا كثيرا إلى هذه الشريعة الغراء بما صرحوا به من غلق باب الاجتهاد، بل وأساءوا إلى أنفسهم حيث حرموا أنفسهم من أن يكونوا علماء بحق، فإنهم وإن وصفوا بالعلماء وشيوخ الإسلام إلا أن حقيقة العلم هي ما أخذ من الكتاب والسنة وليس هو مجرد حفظ مختصر فقهي واستحضار ما جرد فيه من فروع ، وقد نصّ الشيخ ابن باديس رحمه الله تعالى في موضع على أن ما يؤخذ فقها مجردا عن الدليل لا يعتبر علما، وأن الجاهل البسيط خير من المقلد فقال رحمه الله تعالى :» إذا كان التفكير لازما للإنسان في جميع شؤونه وكل ما يتّصل به إدراكه فهو لطلاب العلم ألزم من كل إنسان، فعلى الطالب أن يفكّر فيما يفهم من المسائل وفيما ينظر من الأدلة تفكيرا صحيحا مستقلا عن تفكير غيره، وإنما يعرف تفكير غيره ليستعين به ثم لا بد له من استعمال فكره هو بنفسه. بهذا التفكير الاستقلالي يصل الطالب إلى ما يطمئن له قلبه ويسمى حقيقة علما وبه يأمن من الوقوع فيما أخطأ فيه غيره، ويحسن التخلص منه إن وقع فيه ... فالتفكير التفكير يا طلبة العلم فإن القراءة بلا تفكير لا توصل إلى شيء من العلم، وإنما تربط صاحبها إلى صخرة الجمود والتقليد وخير منها الجاهل البسيط« ([133]).

وقال الشيخ وهو يتحدث عن تعطيل أتاتورك للشريعة في تركيا :» وهنا يجب أن أقول إن كل وصمة يرمى بها الإسلام إنما هي من إفراط مثل هاته الطائفة الملحدة وتفريط طائفة العلماء المقلدة ، ولقد طالت مصيبة الإسلام بهاتين الطائفتين من عهد بعيد …ولو دعا الكماليون العلماء المستقلين أهل النظر والاستدلال لأروهم من الإسلام ما كانوا يجهلون، وأبانوا لهم عن مبادئه السامية وقواعده العالية الصالحة لكل إنسان الممكنة التطبيق على مقتضيات الأزمان ما لم يكونوا يحتسبون « ([134]). وقال في مقال اقترح فيه بعض الأشياء لإصلاح التعليم في الزيتونة: » وأما فرع القضاء والفتوى من قسم التخصص فيتوسع لهم في فقه المذهب ثم الفقه العام ويكون "بداية المجتهد " من الكتب التي يدرسونها ، ويدرسون آيات الأحكام وأحاديث الأحكام ، ويدرسون علم التوثيق ويتوسعون في علم الفرائض والحساب ، ويطلعون على مدارك المذاهب حتى يكونوا فقهاء إسلاميين ينظرون إلى الدنيا من مرآة الإسلام الواسعة لا من عين المذهب الضيقة« ([135]).

ورغم أن دراسة الشيخ ابن باديس لم تكن سوى عند علماء المالكية الذين عرف أكثرهم بالتعصب والجمود، إلا أنه ظهر في فتاويه مع قلة المدون منها متحررا من التقليد المحض وناظرا في الأدلة الشرعية، ولم يكن دائما ملتزما بالمشهور أو بما يقوله خليل، فقد كتب بحثا ماتعا في مسألة القراءة على الأموات على طريقة الأئمة المجتهدين وختمه بقوله:» إلى هنا ننتهي من البحث الذي بيناه على النظر والاستدلال لا على مجرد سرد الأقوال « ([136]). وقال في موضع :» فالذكاة لا تفيد فيها في مشهور مالك وتفيد فيها في مذهب الشافعي وجماعة من المالكية، وهي فسحة ينبغي اعتمادها«([137]). وقال في قضية تحديد الصاع والمد :» وفي الصاع أربعة أمداد والمد ملء اليدين المتوسطتين لا مقبوضتين ولا مبسوطتين ، وهذا تقريب فيه تسهيل على الناس في هذا الأمر العام ، ليس فيه تشديد بالنقير والقطمير والحبة والقمحة فلا تكن من المتنطعين « ([138]).

كما أنه أفتى أيضا فيما يعد من نوازل على ضوء التخريج والنظر في التكييف الشرعي لها ، فلما طرح عليه سؤال استعمال دواء منع الحمل بسبب الضعف، أرجعها إلى أصل العزل الذي اختلف فيه بين المنع والكراهة والجواز بشرط الإذن، وقد ألحقه الشيخ بمشهور المذهب المالكي وقال :» فيقاس عليه شرب الدواء لمنع الولادة فيجوز ما لا يلحق ضررا بالجسم إذا كان بإذن الزوج لأن له حقا في الولد، وإذا كانت ضعيفة عن الولادة فلا تتوقف على إذنه « ([139]). ومما نظر فيه من النوازل قضية كراء الأسواق أو ثمن الدخول إليها الذي عرف عند العامة بالمكوس فقد أجازه الشيخ ولم يعتبره ضريبة أو مكسا كما هو اسمه عند العامة وقال :» نظيره من اكترى اصطبلا ثم يأخذ على أرباب المواشي أجرة بقاء مواشيهم في اصطبله مدة محدودة « ([140]). ولما اعترض عليه من أصر على أنه مكس محرم بيَّن له وجه الفرق بين الأمرين من وجهين، أحدهما أن المال المأخوذ يكون محرما في حالة ما إذا كان السوق ملكا مشاعا ، بخلاف ما إذا كان ملكا لبلدية أو غيرها فهي تكريه للناس مقابل ما تقدمه من أعمال التنظيف والحراسة وغيرها ، والثاني منها أن المكتري لا يلاحظ إلا المدة المعلومة التي تبقى فيها السلع داخل السوق ولا ينظر هل باع وكم باع فهذه إجارة صحيحة، بخلاف صاحب المكس أو الضريبة الذي يجعلها على السلعة الداخلة إلى السوق أو المبيعة([141]).


المبحث السابع : إصلاح منهج التعليم والعمل على تصفية الفقه


ومن الأمور العملية والخصائص العلمية التي تتميز بها الدعوة السلفية المعاصرة الدعوة إلى تصفية العلوم الشرعية، مما دخلها من مذاهب محدثة ومناهج مخترعة ومنحرفة ، وما حوته من آراء شاذة وضعيفة ، وعلى رأس هذه العلوم العقيدة ثم الفقه الإسلامي، ولا شك أن عملية التصفية ليست مما يقوم به فرد من الأفراد أو عالم من العلماء ولو في علم واحد من العلوم، لذلك فإن أكثر علماء ومجددي العصر الحديث سعوا إلى إيجاد الأجواء المساعدة على ذلك كالدعوة إلى إحياء روح البحث والاجتهاد والترجيح، والنظر في تصحيح الأحاديث وتضعيفها، وكذلك الدعوة إلى تجديد مناهج التعليم التي درج عليها المتأخرون بإصلاح الطرائق وتغيير الكتب المقررة وجعلها توافق الفكر السلفي في جميع أبعاده، وبعد أن مرَّ زمن غير قصير على هذه الدعوات تجسد ذلك في البرامج التي تبنتها الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، ثم في ظهور الدراسات الحديثة في ميدان الفقه والأصول والحديث وغيرها، وإن هذا من الأمور التربوية التي تضمن البقاء للمنهج السلفي وتجسِّد أصوله عمليا، ويضمن عدم ارتباط المنهج بفكر جماعة معينة فيزول بزوالهم ، والشيخ ابن باديس كان من الرجال الأفذاذ الذين تنبهوا إلى أن بداية الإصلاح تكون بإصلاح التعليم وأساليبه ومقرراته فدعا جهرة وصراحة إلى ضرورة التغيير فقال رحمه الله تعالى في موضع : »لن يصلح المسلمون حتى يصلح علماؤهم ، فإنما العلماء من الأمة بمثابة القلب ، إذا صلح صلح الجسد كله ، وإذا فسد فَسد الجسد كله وصلاح المسلمين إنما هو بفقههم الإسلام وعلمهم به، وإنما يصل إليهم هذا على يد علمائهم ، فإذا كان علماؤهم أهل جمود في العلم وابتداع في العمل فكذلك المسلمون يكونون فإذا أردنا الصلاح للمسلمين فلنصلح علماءهم ، ولن يصلح العلماء إلا إذا صلح تعليمهم …ولن يصلح هذا التعليم إلا إذا رجعنا به إلى التعليم النبوي في شكله وموضوعه وصورته فيما كان يعلم r وفي صورة تعليمه « ([142]). ولكنه لم يكن مستعجلا ذلك لعلمه بأن الأمر يستدعي اقتناعا جماعيا وعملا جبارا لا تنهض به إلا أمة من العلماء تتخصص في هذا الباب ، ولقد انتقد الشيخ في أحد مقالاته الوضع التعليمي الذي كان سائدا في زمانه لانحرافه عما كان عليه السلف الصالح شكلا ومضمونا، وقد حاول الإصلاح حسب ما قدر عليه، واقترح على غيره في عدة مناسبات تغيير هذه المناهج ، ولكن الأمر لم يكن بالهين ولا بالسهل، فإن ما أفسد خلال قرون لا يمكن إصلاحه في ساعات أو سنوات، قال الشيخ رحمه الله تعالى بعد تصوير موجز لحال التعليم في عصر النبوة والسلف الصالح:« هذا هو التعليم الديني السني السلفي، فأين منه تعليمنا نحن اليوم وقبل اليوم منذ قرون وقرون؟ فقد حصلنا على شهادة العالمية من جامع الزيتونة ونحن لم ندرس آية واحدة من كتاب الله ولم يكن عندنا أي شوق أو أدنى رغبة في ذلك، ومن أين يكون لنا هذا ونحن لم نسمع من شيوخنا يوما منزلة القرآن من تعلم الدين والتفقه فيه ولا منزلة السنة النبوية من ذلك . هذا جامع الزيتونة فدع عنك الحديث عن غيره مما هو دونه بمديد مراحل. فالعلماء إلا قليلا منهم أجانب أو كالأجانب من الكتاب والسنة من العلم بهما والتفقه فيهما، ومن فطن منهم لهذا الفساد التعليمي الذي باعد بينهم وبين العلم بالدين وحملهم وزرهم ووزر من في رعايتهم، لا يستطيع إذا كانت له همة ورغبة أن يتدارك ذلك إلا في نفسه، أما تعليمه لغيره فإنه لا يستطيع أن يخرج فيه عن المعتاد الذي توارثه الآباء والأجداد رغم ما يعلم ما فيه من فساد وإفساد»([143]).

والشيخ رحمه الله تعالى مع أنه لم يعمر طويلا ومع كثرة أشغاله فقد أسهم في هذا المضمار بما لا ينبغي أن يستهان به ويكفيه اعتماده في دروسه العامة على تفسير القرآن تفسيرا مستقلا عن أي كتاب من كتب المتأخرين، وشرحه للموطأ بالطريقة نفسها، وهو وإن لم يؤلف كتابا في الفقه الذي هو المقصود أساسا بالكلام هنا فشرحه للموطأ يعتبر من مظاهر التجديد لأن الموطأ كتاب فقه وحديث في آن واحد([144])، وكذلك قد ترك لنا الشيخ إملاء مختصرا في علم الأصول وهو مع صغر حجمه يدل على فكرٍ متحررٍ وعلى نظرة تجديدية للعلم، ويكفيه فخرا في هذا أنه صنف مختصرا لنفسه ولم يعمد إلى طريقة المتأخرين التي تعتمد شرح المتون الرائجة أو تدوين الحواشي على شروحها المنتشرة، وقد تجنب الشيخ في هذا المختصر كل ما ينتقد على تلك المختصرات الشائعة عند المتأخرين من إدخال المسائل الفرضية التي لا حاجة إليها والعقلية الكلامية وربما الفقهية أيضا، ولم يتقيد أيضا بألفاظ التعاريف التي يطول الجدل في جدواها ومحترزاتها، واعتمد على عنصر التمثيل الذي يكاد يكون مفقودا في أكثرها، ولقد كان مجددا حتى في الأسلوب والعبارة فرحمه الله رحمة واسعة، واسمع إليه وهو يتحدث عما أحدثه في واقعه من تغيير قال رحمه الله :» وأحدثنا تغييرا في أساليب التعليم ، وأخذنا نحث على تعلم جميع العلوم باللسان العربي …، ونحبب الناس في فهم القرآن ، وندعو الطلبة إلى الفكر والنظر في الفروع الفقهية والعمل على ربطها بأدلتها الشرعية ، ونرغبهم في مطالعة كتب الأقدمين ومؤلفات المعاصرين ، لما قمنا بهذا وأعلناه قامت علينا وعلى من وافقنا قيامة أهل الجمود والركود وصاروا يدعوننا للتنفير منا عبداويين دون أن أكون والله يوم جئت قسنطينة قرأت كتب الشيخ محمد عبده إلا القليل « ([145]).







الفصل الثالث : أصول السلوك


ولأهل السنة في باب السلوك أو التزكية- الذي يجمع بين أبواب العبادات والقربات والآداب والأخلاق- عدة أصول تميزهم عن غيرهم ممن انحرف عن طريق السلف فيه، اقتصرت منها أيضا على الأصول المتعلقة بمصادر التلقي إضافة إلى قواعد أخرى تتعلق بالبدعة بمفهومها وعموم ذمها وما يدخل فيها وما لا يدخل.

1-المصادر المعتبرة في السلوك الصحيح ( أخلاقا وعبادة ) هي الكتاب والسنة الصحيحة وعمل السلف الصالح([146]).

2-لا اعتبار في هذا الباب أو غيره بالإلهام المجرد أو الكشف أو الذوق أو التحسين العقلي أو غير ذلك([147]).

3-عدم اعتماد الضعيف من الأحاديث ولا غيره من الأخبار في إثبات العبادات، وليس معنى ذلك الجزم بعدم روايته في فضائل الأعمال الثابتة لأن هذه مسألة خلافية بين أهل السنة([148]).

4-اجتناب العبادات المبتدعة وهي كل ما لم يقم دليل على شرعيته ، سواء كان معتمد أصحابه تقليدا أو كشفا أو حديثا ضعيفا أو تخصيصا لما ثبت أصله بلا مخصص([149]).


5-أن البدع الدينية كلها ضلالة ليس فيها حسن ولا مباح([150]).

6- أن النظر في المصالح يختص بغير أبواب التعبدات([151]).

7-إبطال منهج أهل الطرق الصوفية جملة وتفصيلا لمخالفاته الاعتقادية والسلوكية([152]).

المبحث الأول : مصادر تلقي السلوك هي الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح


لا يختلف باب السلوك عند أهل السنة عما تقدم ذكره من أبواب من حيث المصادر، فإن الحجة فيه هي الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح ، وهم يعتقدون أن في الشرع كفاية وغنى عما سواه ، يقول الشيخ ابن باديس وهو يدعو إلى الرجوع إلى هدي القرآن في هذا الباب وينتقد الأوضاع الصوفية الغالية التي كانت سائدة في زمانه:»بيَّن القرآن مكارم الأخلاق ومنافعها ومساوئ الأخلاق ومضارها وبيَّن السبيل للتخلي عن هذه للتحلي بتلك مما يحصل به الفلاح بتزكية النفس والسلامة من الخيبة بتدسيتها، فهجرنا ذلك كله ووضعنا أوضاعا من عند أنفسنا واصطلاحات من اختراعاتنا خرجنا في أكثرها عن الحنيفية السمحة إلى الغلو والتنطع وعن السنة البيضاء إلى الإحداث والتبدع وأدخلنا فيها النسك الأعجمي والتخييل الفلسفي ، ما أبعدها غاية البعد عن روح الإسلام« ([153]).

وقال وهو يتحدث عن أفضل الذكر وأنه في الثابت من الأذكار ما يغني عما أحدثه أهل الطرق :» وقد روى عنه الأئمة من أذكار اليوم والليلة وسائر الأذكار ما فيه الكفاية والشفاء « ([154]). ومعلوم أنَّ من أُسُس بدعة الطرق تحديد الأذكار المخترعة وتوقيتها بأوقات وأعداد معينة وإلزام أتباع الطريقة بها ، والشيخ في هذا النص قد أبطل هذا الأساس إذ أعلن أن في المروي عن النبي r من الأذكار ما يغني ويكفي عما سواه.

وقال رحمه الله وهو يحكي ما كان يجري في رحلة له في الغرب الجزائري :» فكنا نجيب بأن ما كان من باب تزكية النفس وتقويم الأخلاق والتحقيق بالعبادة والإخلاص فيها فهو التصوف المقبول ، وكلام أئمته فيه ككلام سائر أئمة الإسلام في علوم الإسلام لابد من بنائه على الدلائل الصحيحة من الكتاب والسنة ، ولابد من الرجوع عند التنازع فيه إليهما وكنت أذكر ما يوافق هذا من كلام أئمة الزهد المتقدمين كالجنيد وأضرابه«([155]).


المبحث الثاني : إبطال الاحتجاج بالإلهام المجرد أو الكشف أو الذوق


ومع التصريح بالاعتماد على الأدلة الثلاثة في باب السلوك، فإن أهل السنة يصرحون أيضا ببطلان طريق من خالف في ذلك وأحدث واعتمد من المصادر ما لم يأذن به الله فكما صرحوا ببطلان المنهج الكلامي في الاعتقاد وبطلان التقليد في الفقه، فقد صرحوا بأنه لا اعتبار في هذا الباب لا بدعوى الكشف والإلهام ولا بالذوق والاستحسان، ولا غيرها من الطرائق المبتدعة التي لم يأذن بها الله تعالى، ومن كلام الشيخ ابن باديس رحمه الله في هذا السياق قوله في الرد على أحد المتصوفة :» لما كتبنا في الجزء الماضي في تحقيق العبادة الشرعية تحرينا الاستدلال بالكتاب والسنة وهدي الصحابة ، لأن المسألة مسألة دينية وهذه هي مآخذها ، ولأنها جرى فيها خلاف والله تعالى يقول :] فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً [ (النساء59). فقال أحد الكاتبين في جريدة أتى البيوت من ظهورها ، فسمى استدلالنا بالكتاب والسنة وهدي الصحابة إتيانا للبيوت من ظهورها وهي كلمة مصادمة للآية القطعية المتقدمة وغيرها ، ولعل الكاتب لم يتفهمها ولم يدر ما مقتضاها وإلا فما كان لمسلم أن يقولها، ثم إذا كان الكتاب والسنة وهدي سادات الأمة ظهورا للبيوت ، فما هي يا صوفي الزمان أبوابها « ([156]). فلا استدلال عنده إلا بهذه الثلاثة المذكورة أما أقوال المتصوفة وأذواقهم ومواجيدهم فلا عبرة بها .

وقد صرح في موضع بأن الشرع لا يؤخذ من المنام كما أن الزعم بأن الله تعالى يُعلم الناس أحكاما جديدة عن طرقه فيه اتهام للرسول r بكتمان الهدي واتهام للشرع بالنقص، قال رحمه الله وهو ينتقد أصول الطريقة التيجانية :» فمن اعتقد أن صلاة الفاتح علمها النبي r لصاحب الطريقة التيجانية دون غيره كان مقتضى اعتقاده هذا أنه مات ولم يبلغ وهذا كفر ، فإن زعم أنه علمه إياها في المنام فالإجماع على أنه لا يؤخذ من الدين في المنام مع ما فيه من الكتم وعدم التبليغ المتقدم « ([157]). وإذا كان ادعاء الرؤية فيه اتهام للدين والرسول فحكم الكشف ودعوى الإلهام لا يختلف عنده.


المبحث الثالث : التزام الصحة في إثبات العبادات


وكما سبق فإنه لا يجوز عند أهل الحق أن يعتمد في الدين إلا على ما صح عن الرسول e سواء في العقيدة أو الفقه، فإن شأن قضايا السلوك لا يختلف عن غيره من أبواب الدين فلا يجوز إثبات أي عبادة من العبادات ولا إثبات أي أصل من الأصول فيه إلا بما كان ثابتا عن الرسول صحيحا أو حسنا عن أهل الحديث ، واسمع إلى الشيخ وهو يتقصد النصح والتنبيه على أنه لا يجوز أن يعتمد كل ما جاء في كتاب حلية الأولياء اغترارا بكون مصنفه محدثا وأن موضوعه السلوك والفضائل، فقال رحمه الله :» ذكرنا هذا الحديث الموضوع الذي رواه أبو نعيم في كتابه حلية الأولياء لننبه على وضعه ونحذر قراء الحلية - وقد طبعت منها أجزاء – من الاعتماد على كل ما فيها ، فإن كثيرا من المنتسبين إلى العلم يغترون باسم الكتاب واسم مؤلفه فيتناولون كل ما فيه من الأحاديث بالقبول والتسليم كأنه ثابت صحيح مع أننا نجد فيه هذا الحديث الموضوع الذي قال فيه ابن الجوزي ما قال« ([158]).

وقال رحمه الله في موضع آخر تحت عنوان تحذير:» يجري على الألسنة ما رواه الطبراني في الأوسط عن عائشة مرفوعا :" لا تنزلوهن الغرف ولا تعلمونهم الكتابة وعلموهن الغزل وسورة النور " قال الشوكاني : في سنده محمد بن إبراهيم الشامي قال الدارقطني كذاب ، وكثيرا ما تكون هذه الأخبار الدائرة على الألسنة باطلة في نفسها معارضة لما صح في غيرها فيجب الحذر منها « ([159]). وقضية التحذير من اعتماد كل ما يروى وكل ما هو متداول في الكتب والألسنة أمر متكرر في كتابات الشيخ رحمه الله تعالى مما يدلنا على شدة اعتنائه به وعلى أنه كان مظهرا من مظاهر التجديد التي تميز بها ، ولا يدعي أحد أن الشيخ كان محدثا ناقدا كما لا يزعم أحد أن التثبت من الصحة والتزامها لا يكون إلا من محدث ، فالشيخ رحمه الله لا يقول للناس كونوا محدثين، ولكن كان يقول لهم عليكم أن تتبينوا بالرجوع إلى أهل الاختصاص وإلى الكتب المصنفة في نقد الأحاديث وفي التصحيح والتعليل، وقد حمَّل أهل العلم والخطباء المسؤولية عن انتشار الأحاديث الموضوعة في الأمة فقال رحمه الله تعالى :« من قلة الاحتياط في الدين وعدم الاحترام للعلم ما يجري على ألسنة كثير من الناس من قولهم :" قال رسول الله " صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، دون معرفة للحديث عند أهله، ومصيبة بعض المتسمين بالعلم والقائمين بالخطب الجمعية في هذا أشد وأضر لتعديها منهم إلى غيرهم ونشرهم الموضوعات الكثيرة في الناس ، ولا يكفيهم أنهم سمعوا أو وجدوا فقالوا ، فقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع " رواه مسلم في مقدمة صحيحه([160]) ، والكذب على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عظيم ، والتحري فيما دونه واجب فكيف به » ([161]).

ومما ينبغي التذكير به في هذا الموضع أن التساهل في الفضائل والترغيب والترهيب الذي أجازه كثير من علماء أهل السنة من السلف والخلف لا يتنافى مع ما ذكرنا لأن الجواز عندهم مقيد بعدم تشريع عبادة جديدة كما هو مشروط بأن لا يكون الضعف شديدا ، وكثير من المتأخرين قد أهمل القيد وتخطى الشرط فوقع في المحذور ، والشيخ رحمه الله كان ممن يرى جواز رواية الضعيف في هذا الباب ولم يهمل أن ينبه إلى ضوابط ذلك التي أشرنا إليها فقال في موضع :» لا نعتمد في إثبات العقائد والأحكام على ما ينسب للنبي r من الحديث الضعيف لأنه ليس لنا به علم ، فإذا كان الحكم ثابتا بالحديث الصحيح مثل قيام الليل ثم وجدنا حديثا في فضل قيام الليل بذكر ثواب عليه مما يرغب فيه جاز عند الأكثرين أن نذكره مع التنبيه على ضعفه الذي لم يكن شديدا على وجه الترغيب ، ولو لم يكن الحكم قد ثبت لما جاز الالتفات إليه وهذا هو معنى قولهم الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال أي في ذكر فضائلها المرغبة فيها لا في أصل ثبوتها. فما لم يثبت بالدليل الصحيح في نفسه لا يثبت بما جاء من الحديث الضعيف في ذكر فضائله باتفاق أهل العلم أجمعين«([162]). فتأمل نقله للاتفاق على أن ما لم يكن ثابتا أصله في الشرع لم يجز أن يروى في فضله حديث وقبله اشتراطه أن الضعف ينبغي أن لا يكون شديدا . وقد أكد ما رآه عمليا حينما كتب في تضعيف حديث قراءة يس على الأموات الذي يزعم كثير من الناس جهلا أنه وارد في فضائل الأعمال ([163]).

ونختم هذا المبحث بكلمة للشيخ في هذا الباب انتقد فيها حال الخطب الجمعية في زمانه وما فيها من مخالفات، فقال رحمه الله :» أكثر الخطباء في الجمعات اليوم في قطرنا يخطبون الناس بخطب معقدة مسجعة طويلة من مخلفات الماضي لا يراعى فيها شيء من أحوال الحاضر وأمراض السامعين تلقى بترنم وتلحين أو غمغمة وتمطيط ، ثم كثيرا ما تختتم بالأحاديث المنكرات أو الموضوعات . هذه حال بدعية في شعيرة من أعظم الشعائر الإسلامية سد بها أهلها بابا عظيما من الخير فتحه الإسلام وعطلوا بها الوعظ والإرشاد وهو ركن عظيم من أركان الإسلام « ([164]).


المبحث الرابع : اجتناب العبادات المبتدعة


من الأصول القطعية والمشهورة أيضا عند أهل السنة اجتناب العبادات المبتدعة، بل إعلان الحرب عليها حيث أمكن ذلك ، والبدعة في الدين هي كل ما لم يقم دليل على شرعيته سواء كان في جانب الأعمال غير الثابتة في الشرع، أو في جانب كيفيات الأعمال الثابتة، أو جانب تخصيصها بالأزمنة والأمكنة، ومهما كان مستند صاحبها ما دام لم يدل على شرعيتها الكتاب والسنة أو إجماع سلف الأمة، وهم يعتبرون الابتداع في الدين ضربا من الاستدراك على الشرع واتهامه بالنقص والحاجة إلى غيره ليكمله، لأن أدلة الشرع نفسها قد أعربت عن استغنائها عن غيرها، وأنها كافية لمن أراد سبيل الهدى، وقد قال الشيخ ابن باديس رحمه الله وهو يقرر هذا المعنى ويحذر من سلوك طريق الابتداع في الدين:» من أبين المخالفة عن أمره وأقبحها الزيادة في العبادة التي يتعبد لله بها على ما مضى من سنته فيها ، وإحداث محدثات على وجه العبادة في مواطن مرت عليه ولم يتعبد بمثل ذلك فيها ، وكلا هذين زيادة وإحداث مذموم، يكون مرتكبه كمن يرى أنه اهتدى إلى طاعة لم يهتد إليها رسول الله r وسبق إلى فضيلة قصر رسول الله r عنها، وكفى بهذا وحده فتنة وبلاء «([165]). وقد أعلن الشيخ أن من ركائز دعوته محاربة البدع كما صرح أن الابتداع هو سبب تخلف المسلمين وانحرافهم عن الدين الذي به سعادتهم وعزهم في الدنيا قبل الآخرة فقال رحمه الله :» ونقاوم كل معوج من الأخلاق وفاسد العادات ، ونحارب على الخصوص البدع التي أدخلت على الدين الذي هو قوام الإخلاص فأفسدته، وعاد وبال ذلك الفساد علينا ، وتأخرنا من حيث يكون تقدمنا وسقطنا بما لا نرتفع إلا به« ([166]).

وأعظم البدع نكارة بدع العقائد العملية التي تصب في معنى الشرك الأكبر والأصغر لذلك فقد كان تركيز الشيخ عليها أكثر من غيرها ، قد قال الشيخ رحمه الله في ذمها :» من الناس من يخترع أعمالا من عند نفسه ويتقرب بها إلى الله، مثل ما اخترع المشركون عبادة الأوثان بدعائها والذبح عليها والخضوع لديها ، وانتظار قضاء الحوائج منها ، وهم يعلمون أنها مخلوقة لله مملوكة له ، وإنما يعبدونها – كما قالوا – لتقربهم إلى الله زلفى ،…وكما اخترع طوائف من المسلمين الرقص والزمر والطواف حول القبور والنذر لها والذبح عندها ونداء أصحابها وتقبيل أحجارها ونصب التوابيت عليها وحرق البخور عندها وصب العطور عليها ، فكل هذه اختراعات فاسدة في نفسها لأنها ليست من سعي الآخرة الذي كان يسعاه محمد r وأصحابه من بعده فساعيها موزور غير مشكور«([167]).

ومفهوم البدعة عند الشيخ ابن باديس يشمل أيضا ما كان في العبادات ولو كان على سبيل التخصيص لما كان مشروعا متفقا على مشروعيته، فقد قال رحمه الله تعالى عن تخصيص زيارة القبور بوقت معين:» وكذلك التزامها في وقت مخصوص بشكل مخصوص كما تلتزم الطاعات التي فرضها الشارع وجعل لها أوقاتا، فإن هذا ليس مما يتسع له صدر الدين ، ولا مما كان في عهد السلف الصالحين، ولا سيما مع التكلف الذي كثر من يرتكبه بإلزام وبغير إلزام « ([168]). وقال في موضع آخر:« إن ما ورد من العبادة مقيدا بقيده يلتزم قيده، وما ورد منها مطلقا يلتزم إطلاقه ، فالآتي بالعبادة المقيدة دون قيدها مخالف لأمر الشرع ووضعه، والآتي بالعبادة المطلقة ملتزما فيه ما جعله بالتزامه كالقيد مخالف كذلك لأمر الشرع ووضعه وهو أصل في جميع العبادات »([169]).

وقال رحمه الله تعالى عن تخصيص قراءة القرآن بمواضع لم يرد فيها نص شرعي : » بعد أن ثبت أن قراءة القرآن العظيم في تلك المواضع بدعة ، وأنها مكروهة فهل هي كراهة تنزيه أو تحريم ؟ ذهب الشاطبي إلى أن الكراهة حيثما عبر بها في البدعة فهي كراهة تحريم على تفاوت مراتبها في ذلك وساق على ذلك جملة من الأدلة الكافية في الباب السادس من كتابه الاعتصام« ([170]).

ومن الشبهات التي يتمسك بها محسنو البدع أن يسألوا عن دليل منع العبادة المشروعة على وجه مخصوص ، وذلك جهلا منهم أن السنة قسمان سنة فعلية وسنة تركية، وأنه كما يصح الاستدلال بفعل النبي r يصح الاستدلال بتركه للشيء والعمل حيث كان المقتضي قائما، وفي تقرير هذا المعنى يقول ابن باديس رحمه الله : »الاستدلال بترك النبي r أصل عظيم في الدين ، والعمل النبوي دائر بين الفعل والترك ، ولهذا تكلم علماء الأصول على تركه كما تكلموا على فعله ، وقد ذكرنا جملة من كلامهم فيما قدمنا ، غير أن تقرير هذا الأصل الذي يهدم بدعا كثيرة من فعل ما تركه النبي r مما يتأكد مزيد تثبيته وبيانه ، إذ بالغفلة عنه ارتكبت بدع وزيدت زيادات ليست مما زيدت عليه في شيء « ([171]). وقال رحمه الله تعالى مطبقا لهذا الأصل على قراءة القرآن على الموتى عند الاحتضار وعند الدفن وبعده:»وإذا كان ترك القراءة هو السنة فالقراءة قطعا بدعة، إذ ما فعله النبي r من القربات ففعله سنة وما تركه مما يحسب قربة مع وجود سببه فتركه هو السنة وفعله قطعا بدعة، والقراءة في هذه المواطن الثلاثة التي حسب أنها قربة قد وجد سببها في زمنه فمات الناس وشيع جنائزهم وحضر دفنهم ولم يفعل هذا الذي حسب اليوم قربة ، ومن المستحيل شرعا أن يترك قربة مع وجود سببها بين يديه ، ثم يهتدي إليها من يجيء من بعده ويسبق هو إلى قربة فاتت محمدا r وأصحابه والسلف الصالح من أمته ، ولا يكون الإقدام على إحداث شيء للتقرب به مع ترك النبي r له مع وجود سببه إلا افتئاتا عليه وتشريعا من بعده، وادعاء ضمنيا للتفوق عليه في معرفة ما يتقرب به والحرص عليه والهداية إليه ، فلن يكون فعل ما تركه والحالة ما ذكر من المباحات أبدا، بل لا يكون إلا من البدع المنكرات«([172]).


المبحث الخامس: البدع الدينية كلها ضلالة


ومن الأصول التي يتميز أهل السنة بها أنهم لا يفرقون بين بدعة وبدعة فيما يتعلق بأمور الدين، فإن البدعة عندهم كلها ضلالة كما نطق به رسول الله r ، وليس فيها ما يستحسن ولا ما يباح، بل هم يعتقدون أن خير الهدي هدي محمد r ، وكل هدي ليس منه فهو مضاد له ولا خير فيه، وكلام الشيخ ابن باديس رحمه الله في هذا الباب كله يصب في تأكيد هذا المعنى وتقريره، وليس يوجد في كلامه إشارة إلى تفريق بين بدعة وبدعة أخرى، أو وصف ما ثبت عنده أنه بدعة بالحسن أو الجواز والاستحباب ونحو ذلك، بل الذي نجده دائما هو التعميم في الذم للبدع كلها والرد على من قال بضد ذلك، ومن ذلك في قوله رحمه الله:» إن الذي ابتدع مثل هذه البدعة التي هي تقرب فيما لم يكن قربة كأنه يرى أن طاعة الله تنقص هذه الشريعة فهو يستدركها وأن محمدا r خفيت عليه قربة هو اهتدى إليها أو لم تخف عليه ولكنه كتمها ، وهذه كلها مهلكات لصاحبها، فلا يكون ما أوقعه فيها من ابتداع تلك التي يحسبها قربة إلا محرما ، وقد قال مالك فيما سمعه منه ابن الماجشون :" من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا r خان الرسالة لأن الله يقول :] اليوم أكملت لكم دينكم [ ، فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا " وهذا من جهة النظر المؤيد بكلام مالك ، وأما من جهة الأثر فقد جاء في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله r كان يقول في خطبته :" أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد r ، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة "([173])، وفيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله r :" من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا "([174])، ووجه الدليل من الحديثين أنه سمى في الحديث الأول البدعة شرا وضلالا فعم ولم يخص ، وأثبت الإثم لمرتكب الضلالة والداعي إليها ، والإثم لا يكون إلا في الحرام فيكون النظر هكذا كل بدعة ضلالة وكل ضلالة يؤثم صاحبها، فكل بدعة يؤثم صاحبها، وكل ما يؤثم عليه فهو حرام فكل بدعة حرام«([175]). وهذا النص لوحده كاف لبيان منهج الشيخ في هذه القضية ، ولكن زيادة للفائدة ولبيان تكرُّر كلام الشيخ في هذا الباب وردا على من زعم أنه ليس للشيخ إلا مقتطفات حسنة في مواضع أنقل بقية المواضع التي صرح فيها بذم البدع جملة وأنها كلها ضلالة دون استثناء ، فقال رحمه الله ردا عمن يستجيز البدع معتمدا على نية التقرب الحسنة عنده :» وكثيرا ما يرتكبون البدع كدعاء المخلوقات وكالحج إلى الأضرحة وإيقاد الشموع عليها والنذر لها وضرب الدف في بيوت الله ، وغير هذا من أنواع البدع والمنكرات ويتوكؤون في ذلك كله على ( إنما الأعمال بالنيات ) كلا! ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ، فإن البدع كلها من قسم المخالفات ، والمخالفات لا تنقلب طاعات بالنيات«([176]). وقال في موضع آخر وهو يدافع عن دعوة الشيخ ابن عبد الوهاب رحمه الله تعالى :» وإنما كانت غاية ابن عبد الوهاب تطهير الدين من كل ما أحدث فيه المحدثون من البدع، في الأقوال والأعمال والعقائد، والرجوع بالمسلمين إلى الصراط السوي من دينهم القويم بعد انحرافهم الكثير وزيغهم المبين»([177]). والشاهد في كلامه قوله :" كل ما أحدث فيه المحدثون" ، وكذلك قال في رده على بعض الكتاب المخالفين لخط جمعية العلماء :» ثم يقول "نحن مالكيون" ومن ينازع في هذا ، وما يقرئ علماء الجمعية إلا فقه مالك ، ويا ليت الناس كانوا مالكية حقيقة إذا لطرحوا كل بدعة وضلالة، فقد كان مالك رحمه الله كثيرا ما ينشد :

وخير أمور الدين ما كان سنة      وشر الأمور المحدثات البدائع « ([178]).

وكذلك لما كتب الشيخ أصول جمعية العلماء ودعوتها نص في المادة السابعة على أن البدع كلها ضلالة فقال رحمه الله :» البدعة كل ما أحدث على أنه عبادة وقربة ولم يثبت عن النبي r فعله وكل بدعة ضلالة « ([179]). وقال في موضع آخر :» من أبين المخالفة عن أمره وأقبحها الزيادة في العبادة التي تعبد لله بها على ما مضى من سنته فيها وإحداث محدثات على وجه العبادة في مواطن مرت عليه ولم يتعبد بمثل ذلك المحدث فيها ، وكلا هذين زيادة وإحداث وابتداع مذموم يكون مرتكبه كمن يرى أنه اهتدى إلى طاعة لم يهتد إليها رسول الله r ، وسبق إلى فضيلة قصر رسول الله r عنها ، وكفى بهذا وحده فتنة وبلاء ، ودع ما يجر إليه من بلايا أخرى « ([180]).

ومن الشبه التي قد يتمسك بها بعض من يستحسن البدع ويقسمها إلى حسنة وسيئة حديث النبي r المشهور الذي قال فيه من سن في الإسلام سنة حسنة ، وقد أوضح الشيخ رحمه الله تعالى عدم دلالته على مرادهم بحمله على غير ابتداء العبادات وتخصيصه بأمور البر والإحسان كما هو مبين في سبب وروده فقال :» علمنا أن المراد بمن سن سنة حسنة ..هو من ابتدأ طريقا من الخير في أعمال البر والإحسان وما ينفع الناس في شؤون الحياة ، ولا يشمل ذلك ما يحدثه المحدثون من البدع في العبادات من الزيادات والاختراعات إذ الزيادة على ما وضعه الشرع من العبادات وحدده افتيات عليه واستنقاص له وهذه هي البدعة التي قال فيها النبي r: "كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار([181]) « ([182]).


المبحث السادس: النظر في المصالح يختص بغير أبواب التعبدات


وهذا الأصل في الواقع من مكملات الأصول السالفة الذكر حيث أن بعض الناس قد يشرع في الدين أشياء وهو يحسب أنها من المصالح التي يسميها الأصوليون المصالح المرسلة، بينما يغلو آخرون فيتوسعون في باب البدع فيجعلون كثيرا مما هو مباح في الشرع وهو من باب الوسائل من قبيل البدع فاقتضى الأمر بأن ينص على أن الابتداع يختص بالعبادات المقصودة أو بباب التعبدات كما أن اعتبار المصالح يختص بغير أبواب العبادات المحضة أو التعبدات ، ومن هذا الباب أو ذاك ، فقد نص الشيخ ابن باديس رحمه الله في أصول الجمعية بعد أن عرف البدعة على ذلك في المادة الثامنة فقال : » المصلحة كل ما اقتضته حاجة الناس في أمر دنياهم ، ونظام معيشتهم وضبط شؤونهم، وتقدم عمرانهم ، مما تقره أصول الشريعة « ([183]).

وكما ذكرنا فإن من فائدة هذا الضابط كشف تلبيس أو خطأ بعض من يستدل على البدع بما لا يشملها من أدلة الشرع، وقد طبق ذلك الشيخ ابن باديس رحمه الله في رده على ابن عاشور لما نقل عن أبي سعيد بن لب -كبير فقهاء غرناطة في القرن الثامن- قوله: » إن ما جرى عليه عمل الناس وتقادم في عرفهم وعادتهم ينبغي أن يلتمس لهم مخرج شرعي على ما أمكن من وفاق أو خلاف ( أي بين العلماء) إذ لا يلزم ارتباط العمل بمذهب معين أو بمشهور من قول قائل « ليدلل على أن ما جرى عليه العمل وكان له وجه يترك على حاله  ولا يغير . فأجابه ابن باديس بجواب بديع قال فيه :» ما يجري به عمل الناس ينقسم إلى قسمين قسم المعاملات وقسم العبادات، وقسم المعاملات هو الذي يتسع النظر فيه للمصلحة والقياس والأعراف وهو الذي تجب توسعته على الناس بسعة مدارك الفقه وأقوال الأئمة والاعتبارات المتقدمة، وفي هذا القسم جاء كلام أبي سعيد هذا وغيره وفيه نَقلُه الفقهاء، أوَما تراه كيف يعبر بالعرف والعادة ، وأما قسم العبادات فإنه محدود لا يزاد عليه ولا ينقص منه فلا يقبل منه إلا ما ثبت عن النبي r ، فلا يتقرب إلا بما تقرب به وعلى الوجه الذي كان تقربه به ، ومن نقص فقد أخل ومن زاد فقد ابتدع وشرع وذلك هو الظلام والضلال « ([184]).




المبحث السابع : إبطال منهج أهل الطرق جملة وتفصيلا


ومن أظهر الأمور التي يتبرأ منها أهل السنة في باب السلوك الفرق الطرقية التي تدعي سلوك طريق الزهد والتصوف والانقطاع عن الدنيا والتفرغ للعبادة ، يتبرؤون منهم لأن أصل منهجهم مبتدع ليس له أصل لا في الكتاب ولا في السنة، ولا عرف في السلف الصالح من تخصص في الزهد دون غيره، وزعم أنه يتفرغ للعبادة وتصفية القلب من الدنيا وغيرها بلا علم ولا اتباع، ولأن هذا المنهج لا يقوم إلا على البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان من أوراد وأذكار ومظاهر شركية وولاء في الشيوخ ، ولأنه قد دخل فيه مبتغو الدنيا المتزينون بزي التصوف وهم الذين يسمون بالمتصوفة المرتزقة، بل ودخل فيه الزنادقة والملاحدة من مدعي الحلول والاتحاد، وبراءة الشيخ ابن باديس من الطرق والطرقية أشهر من أن يدلل عليه مع أنه ما نشأ إلا نشأتهم ، ولكنه ما اشتهر ولا عرف إلا بالدعوة الإصلاحية المعادية للطرقية في كل اتجاه (عقيدة وسلوكا وعبادة ومنهجا وسياسة )، وقد دون الشيخ رحمه الله هذه البراءة في أصول الجمعية التي كتبها ونشرها في الناس وذلك في المواد 14-15-16 حيث قال فيها :» 14-اعتقاد تصرف واحد من الخلق مع الله في شيء ما شرك وضلال ، ومنه اعتقاد الغوث والديوان. 15-بناء القباب على القبور و وقد السرج عليها والذبح عندها ولأجلها والاستغاثة بأهلها ضلال من أعمال الجاهلية ، ومضاهاة لأعمال المشركين ، فمن فعله جاهلا يُعلَّم ومن أقرَّه ممن ينتسب إلى العلم فهو ضال مضل . 16- الأوضاع الطرقية بدعة لم يعرفها السلف ، ومبناها كلها على الغلو في الشيخ ، والتحيز لاتباع الشيخ ، وخدمة دار الشيخ وأولاد الشيخ ، إلى ما هنالك من استغلال وإذلال وإعانة لأهل الإذلال والاستغلال ، ومن تجميد للعقول وإماتة للهمم وقتل للشعور وغير ذلك من الشرور « ([185]).

ومن المواضع التي تكلم فيها عن الطرقية ذما ما كتبه عن الحكومة المصرية التي كانت تساندهم فقال رحمه الله: » وأما الحكومة الطرقية فهي حكومة مصر التي تشارك المشاركة الرسمية في بدع المواليد وتؤيد تأييدا رسميا الاجتماعات الصوفية بما فيها من مناكر وقبح مظاهر وسوء مناظر مما تضج به صحافتها كل يوم فضلا عن العلماء المصلحين من أمتها«([186]).

وقال في موضع آخر :» مصر التي كانت مبعث أكثر البدع والضلالات الاعتقادية والعملية من يوم انتصبت فيها دولة الفاطميين ، فرسخت فيها البدع الطرقية وغير الطرقية -والطرق حيثما كانت تكأة وملجأ البدع والخرافات – وصارت الخطة الطرقية من الخطط الإسلامية في الحكومات المصرية التي تحميها وتؤيدها، فصارت البدع والضلالات رسمية في نظر المسلمين وغير المسلمين « ([187]).

وفي المقابل مدح المملكة السعودية الناشئة في زمانه بأنها طهرت أرض الحجاز من بدعهم وأرجعتهم إلى عقولهم على حد تعبيره فقال :» فالحكومة السعودية التي طهرت الحجاز من البدع والضلالات والخرافات وأرجعت أتباع الطرق التي تسمي نفسها طرقا صوفية إلى عقولهم ودينهم«([188]).



الفصل الرابع : أصول الدعوة والإصلاح


ومن الأبواب التي يجدر بنا إفرادها باب الدعوة ومنهج الإصلاح الذي قد يخص به اصطلاح "المنهج"، خاصة في هذا الزمن الذي أصبح فيه ميدان الدعوة معتركا تمايزت فيه صفوف الداعين وتباينت فيه أهدافهم وطرائقهم، ومن الأصول المدرجة في هذا الباب ما هو اعتقادي ومنها ما هو فقهي، ولكن الكل قد ثبت بالدليل القطعي، وفيما يأتي تعداد الأصول التي نص عليها الشيخ ابن باديس رحمه الله.

1-مصدر تلقي منهج الدعوة والإصلاح وقضاياه هو الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح، خلافا لمن يجعله ثمرة للتجارب الفردية والجماعية([189]).

2-اعتقاد بقاء المنهج محفوظا في كل زمان يتوارثه العلماء، خلافا لمن يفسر التجديد بالإحداث والاختراع على يد إمام أو قائد يأتي في آخر الزمان([190]).

3-اعتبار الدعوة إلى التوحيد أولى الأولويات، لأنه أصل الدين وهدف دعوة النبي r ، وسبيل النجاة في الآخرة وشرط التمكين في الدنيا([191]).

4-اعتقاد شمول الشريعة لكل ما يحتاج إليه الناس لصلاح دنياهم وأخراهم([192]).

5-طريق الإصلاح هو التعليم والتكوين وتبصير الجماهير بعقائد هذا الدين وقواعده، وتربية الأمة على الالتزام بالشعائر الإسلامية، واعتقاد عدم جدوى العمل السياسي- وأي عمل سواه- في غياب التربية والتوعية([193]).

6-العلم الصحيح هو سلاح الدعاة في معركة الإصلاح([194]).

7-نبذ الحزبيات المفرقة لشمل الأمة والمبددة للجهود ، ومباركة كل عمل يجمع الأمة على ما فيه صلاح عقيدتها ويوحد صفها في وجه عدوها([195]).

8-إظهار الحق والأمر بالمعروف والنهي عن كل منكر ([196]).

9-سلوك الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة واجتناب التسرع في الحكم على الناس بالكفر والفسق والبدعة([197]).

المبحث الأول : اعتماد الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح


إنه مما تميز به أهل الدعوة السلفية في عصر النهضة الحديثة ، أنهم يجعلون منهج الدعوة إلى الله والطريق إلى إصلاح الأمة وإعادة مجدها وتمكينها مستمدا من المصادر الشرعية المعروفة الكتاب والسنة النبوية وما كان عليه السلف الصالح، خلافا لأهل المناهج الأخرى التي لا تنتسب إلى السلفية الزاعمين أن المنهج يستفاد من التجارب الخاصة للأفراد وللجماعات والتي ترى أن سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير ملزمة لهم حالا ومقالا، والالتزام بهذا الأصل قد صرح به الشيخ ابن باديس في غير موضع من مقالاته فقال في موضع من تفسيره :» فعلى الأمم التي تريد أن تنال حظها من هذا الوعد (التمكين ) أن تصلح من أنفسها الصلاح الذي بينه القرآن، فأما إذا لم يكن لها حظ من ذلك الصلاح فلا حظ لها من هذا الوعد وإن دانت بالإسلام . ولله سنن نافذة بمقتضى حكمته ومشيئته في ملك الأرض وسيادة الأمم، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء « ([198]). نعم إنها السنن التي لا يفلح من غالبها ولا يحظى بالتأييد الرباني من تنكر لها ، يقول هذا رغم أن الواقع الذي عاشه -واقع الاستعمار وغياب الخلافة-كان يغري بدخول المعتركات السياسية ولم يكن الشيخ غافلا عن هذا الواقع، بل كان خبيرا به سابرا لغوره، الأمر الذي جعله يعتبره أعراضا لداء أصيل مستحكم في الأمة وليست هي أول داء ينبغي علاجه، وقد بين هذه الحقيقة في موضع من تفسيره إذ قال :» لقد شعر المسلمون عموما بالبلايا والمحن التي لحقتهم وفي أوّلها سيف الجور المنصبّ على رؤوسهم، وأدرك المصلحون منهم أن سبب ذلك هو مخالفتهم عن أمر نبيهم r فأخذت صيحات الإصلاح ترتفع في جوانب العالم الإسلامي في جميع جهات المعمورة تدعو الناس إلى معالجة أدوائهم بقطع أسبابها واجتثاث أصلها وما ذاك إلا بالرجوع إلى ما كان عليه محمد r وما مضت عليه القرون الثلاثة المشهود لها منه بالخير في الإسلام ، قد حفظ الله علينا ذلك بما إن تمسكنا به لن نضل أبدا - كما في الحديث الصحيح- الكتاب والسنة ، وذلك هو الإسلام الصحيح الذي أنقذ الله به العالم أولا ولا نجاة للعالم مما هو فيه اليوم إلا إذا أنقذه الله به ثانيا « ([199]). فالظلم والجور ومنه ضياع الحقوق وفقدان الحكم العادل مرض وبلية في حد ذاته، ولكن هو بالنسبة إلى الابتعاد عن تعاليم الإسلام الصحيح عقيدة وسلوكا وشريعة مجرد أثر حتمي وعقوبة ربانية لا تزول إلا بزوال أصلها وسببها المباشر، ولن يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.


المبحث الثاني : اعتقاد بقاء المنهج محفوظا في كل زمان


ومن القواعد المنهجية المرتبطة بقضايا الدين عموما والدعوة خصوصا اعتقاد بقاء المنهج والدين محفوظا في كل زمان يتوارثه العلماء الربانيون العاملون ، فكما يعتقد المسلمون عموما أن القرآن محفوظ فكذلك أهل السنة يعتقدون أن الفهم الصحيح للقرآن موجود في كل زمان لا يمكن أن يضيع، وقد تكفل بذلك رب العزة سبحانه حتى تبقى حجته قائمة على العباد وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ببقاء الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة ، وأخبر بأن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها ، الأمر الذي يجعل أهل السنة لا يقبلون رأيا جديدا في قضايا الدعوة كما لا يقبلون في العقيدة والفقه أي قول محدث جديد لأن القضايا المنهجية الكلية أولى بالحفظ من المسائل الجزئية . ومفهوم التجديد عندهم هو إحياء ما اندرس من معالم الدين والسنة وليس هو الاختراع والابتداء للأشياء الجديدة البحتة.

وقد قرر هذا المعنى الشيخ ابن باديس في بعض المواضع من مقالاته منها ما سطره تحت عنوان ( لا تخلو الأرض من قائم لله بالحجة ) قدم به لخطبة لأحد ملوك المغرب السلفيين في القرون الماضية حيث قال :» من المعلوم عند أهل العلم أن مما حفظ الله به دينه وأبقى به حجته أن لا تنقطع الدعوة إلى الله في هذه الأمة والقيام على الحق والإعلان بالسنن والرد على المنحرفين والمتغالين والزائغين والمبتدعين، وأن أهل هذه الطائفة معروفة مواقفهم في كل جيل، محفوظة آثارهم عند العلماء. غير أن غلبة الجهل وكثرة أهل الضلال قد تحول دون بلوغ صوتهم إلى جميع الناس، فترى أنصار الباطل كلما ظهر داع من دعاة الحق في ناحية اعترضوه بسكوت من سكت من قبله؛ وأوهموا أتباعهم المغرورين بهم أن هذا الداعي جاء بدين جديد « ([200]).

ولما كان من أسلحة المبتدعين الجامدين على بدع سابقيهم الاحتجاج على من يحيي السنن بأنه قد جاءهم بما لم يعرفه آباؤهم ولا أجدادهم فقد كتب الشيخ رحمه الله تعالى مقالا نقل فيه أقوال السابقين من أهل العلم في إنكار البدع ، وقدم لتلك النقول بمقدمة أكد فيها العقيدة التي نقول عنها إنها من عقائد أهل السنة، فقال رحمه الله: » كلما قام دعاة الإصلاح بالإنكار على البدع الفاشية والضلالات الرائجة وبينوا قبحها وضررها بالبراهين الساطعة، وأفحموا أهلها بالأدلة القاطعة صاح المتعايشون عليها من أتباعهم المغترين بهم ، لو كان ما نحن عليه باطلا لأنكره العلماء المتقدمون قبل أن ينكره هؤلاء العصريون لكن المتقدمين رحمهم الله رأوه وسكتوا عليه ورضوا به ومضى على ذلك الزمن الطويل وعاش عليه الجيل بعد الجيل ، وقالوا مثل ما قال الأولون:] مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ[(المؤمنون24)، ] إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ[ (الزخرف23)، ولما كان هذا قد يغر الجاهل وشبه الجاهل فيحسب أن الأمر كما ذكروا، وأن العلماء المتقدمين سكتوا وما أنكروا أردنا أن ننقل لقراء السنة بعضا من إنكار أهل العلم على هؤلاء المتسمين بالفقراء الداعين لطريقة الزهد المتمسكين بالبدعة ليعرفوا سنة العلماء في الرد عليهم والتقبيح لحالهم ، والتحذير من ضلالهم فيعلموا أن العلماء الإصلاحيين المعاصرين ما جاءوا إلا بما يفرضه عليهم الدين من نصح المسلمين وإرشاد الضالين والذب عن سنة خاتم الأنبياء والمرسلين r « ([201]).


المبحث الثالث : اعتبار الدعوة إلى التوحيد أولى الأولويات

ومما يتميز به السلفيون عن غيرهم في العصر الحاضر، وفي كل زمان أنهم لا يقدمون شيئا في دعوتهم على التوحيد لا قولا ولا عملا ، وهو أولى الأولويات عندهم ، لأنهم يعتقدون أن التوحيد هو أصل الدين وهدف دعوة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وجميع الأنبياء والمرسلين، بل هو الغاية من خلق الإنس والجن كما أخبر به المولى عز وجل، ولأنهم يعتقدون أنه بالتوحيد (توحيد العبادة ) تكون النجاة في الآخرة ، وأن تحقيقه شرط للتمكين في الدنيا ، خلافا لأهل المناهج الجديدة الأخرى التي ترجئ قضايا التوحيد وتراها من أسباب التفريق بين المسلمين، أو ترى قضايا الحكم والسياسة أولى منها قولا أو حالا ، والشيخ ابن باديس السلفي قد صرح بكون التوحيد هو أساس الدين قال رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ] لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً[ (الإسراء22):» هذا أساس الدين كله وهو الأصل الذي لا تكون النجاة ولا تقبل الأعمال إلا به ، وما أرسل الله رسولا إلا داعيا إليه ومذكرا بحججه ، وقد كانت أفضل كلمة قالها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هي كلمة لا إله إلا الله وهي كلمته الصريحة فيه«([202]). وقال في موضع رد فيه على علماء الزيتونة إذ سكتوا على من يعلن بالعقائد الشركية في الإذاعة :» يعلم العلماء أن التوحيد هو الأساس الذي تبتني عليه أعمال الإيمان أعمال القلوب وأعمال الجوارح ، وأن الله لا يقبل شيئا إذا انبنى على الشرك، وقد قال تعالى :] لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [ (الزمر65)، فما هي قيمة تلك المواعظ والإرشادات المذاعة على من يعتقد أن ابن عبد السلام وأمثاله يتصرفون في الكون ويحكمون فيه وهو في قبضة أيديهم ؟ إن السواد الأعظم من العامة وهم الذين توجه إليهم تلك المواعظ والإرشادات أولا قد نخرت صدورهم تلك العقائد الشركية«([203]).

وقد صرح في موضع آخر بأن همه الأول كان تطهير العقائد مما علق بها من مظاهر الشرك، قال رحمه الله:» لا يكون الإصلاح إلا بالانتقاد فلذلك وجدنا أنفسنا في خطتنا مضطرين إليه، وقد كانت منا انتقادات سياسية واجتماعية وأدبية ودينية، وكانت وجهتنا الأولى في النقد الديني هي الاعتقادات، ولقد كان همنا الأول تطهير عقيدة التوحيد من أوضار الشرك القولي والفعلي والاعتقادي، فإن التوحيد هو أساس السلوك ولذلك ابتدئ بإياك نعبد قبل اهدنا في فاتحة القرآن العظيم. هنا اصطدمنا بزعماء الطرق وشيوخ الزوايا الاصطدام المعروف، لأنه إذا خلص التوحيد توجه الناس إلى ربهم الذي خلقهم وتركوهم واعتقدوا فيهم أنهم مخلوقون مثلهم لا يضرون ولا ينفعون إلى غير ذلك مما ينتجه التوحيد الصحيح من تحرير العقول والأرواح والقلوب والأبدان«([204]). وقد بين كذلك أن علاج أوضاع الأمة الإسلامية يمر حتما بطريق إصلاح العقائد فقال :» فالإيمان والتقوى هما العلاج الوحيد لنا من حالتنا، لأننا إذا التزمناهما نكون قد أقلعنا عن أسباب العذاب …ولنبدأ من الإيمان بتطهير عقائدنا من الشرك وأخلاقنا من الفساد وأعمالنا من المخالفات « ([205]).



المبحث الرابع : اعتقاد شمول الشريعة


ومن أصول العقيدة الإسلامية المستصحبة في كل أبواب الدين اعتقاد شمولية الشريعة الإسلامية لكل ما يحتاج إليه الناس لصلاح دنياهم وأخراهم، فلا يوجد ميدان من ميادين الحياة يمكن فصله عن الشريعة ، لا السياسة وقضايا الحكم ولا الاقتصاد والأمور التجارية ولا قضايا التربية وعلم الاجتماع ولا الطب ولا الصحافة ولا الرياضة الخ ، وليس الدين مقصورا على العبادات فحسب أو العبادات وأحكام الأسرة كما يدعيه الملاحدة ويظنه كثير من جهلة المسلمين، والسلفيون يدافعون عن هذه العقيدة ويقفون في وجه من أنكرها بمقاله وكذا من تنكر لها بحاله ممن يدعي الإسلام بل وحمل لواء الإسلام والدعوة إليه، وفي تقرير هذه القاعدة الاعتقادية يقول الشيخ ابن باديس رحمه الله :» هذا شيء قليل مما للقرآن في الذكر بأنواعه الثلاثة، إلى ما فيه من علم مصالح العباد في المعاش والمعاد، وبسط أسباب الخير والشر والسعادة والشقاوة في الدنيا والأخرى ، وعلم النفوس وأحوالها ، وأصول الأخلاق والأحكام ، وكليات السياسة والتشريع ، وحقائق الحياة والعمران والاجتماع ، ونظم الكون المبنية على الرحمة والقوة والعدل والإحسان إلى ما تقصر عن عده الألسنة وتعجز عن الإحاطة به الأفهام «([206]). وهذا الذي ذكرناه لا ينبغي أن يبقى مجرد دعوى عاطفية مجردة عن التجسيد في الواقع، بل لابد من الرجوع إلى المصادر الحية الخالدة للشريعة الإسلامية لنتبين ذلك ولتبيينه للناس بعد ذلك، وفي هذا المعنى يقول الشيخ رحمه الله وهو يشرح قوله تعالى :] وكل شيء فصلناه تفصيلا [ :» فكل ما يحتاج إليه العباد لتحصيل السعادتين من عقائد الحق وأخلاق الصدق وأحكام العدل ووجوه الإحسان كل هذا فصل في القرآن تفصيلا ، كل فصل على غاية البيان والإحكام ، وهذا دعاء وترغيب للخلق أن يطلبوا ذلك كله من القرآن الذي يهدي للتي هي أقوم في العلم والعمل ويأخذوا منه ويهتدوا به ، فهو الغاية التي ما وراءها غاية في الهدى والبيان « ([207]).

ولما كانت هذه العقيدة أصلا عظيما من أصول الإسلام فلابد أن يجتهد الدعاة في توضيحها والدعوة إلى تجسيدها في الواقع ، وتيسير السبل المؤدية إلى ذلك من نشر العلم والدعوة إلى الاجتهاد وكذلك لابد من توعية الناس بأنه لا شفاء لهم من أمراضهم الفردية والاجتماعية إلا بالرجوع إلى الشريعة الإسلامية وتحكيمها في حياتهم اليومية ولقد كان الشيخ يبين في كثير من المناسبات هذه الحقيقة فقال في موضع :» على أن القرآن هو شفاء للاجتماع البشري كما هو شفاء لأفراده فقد شرع من أصول العدل وقواعد العمران ونظم التعامل وسياسة الناس ما فيه العلاج الكافي والدواء الشافي لأمراض المجتمع الإنساني من جميع أمراضه وعلله « ([208]). وقال في موضع آخر :» العقيدة الثالثة : الإسلام دين الله الذي شرعه وارتضاه ودليلها مستفاد من وصفه بأنه صراط مستقيم ، فهو تشريع تام وعام لجميع أعمال الإنسان، أعمال قلبه وأعمال لسانه وأعمال جوارحه وجميع معاملاته الخاصة والعامة بين أفراده وأممه ، ولا تخرج كلية من كلياته ولا جزئية من جزئياته عن هذا الأصل العام المتجلي في جميع الأحكام وهو الحق والعدل والخير والإحسان « ([209]).

وكما أنه لابد من نشر العقيدة الصحيحة فإنه لابد من التحذير من ضدها ، وهو في هذا الباب الميل إلى الشرائع الأرضية وإلى التقنينات والتنظيمات والنظريات الجاهلية، وكذا لابد من التحذير من أسباب الانحراف عنها في هذا الزمان الذي يرجع إلى الجهل بالشريعة مضافا إلى الانبهار بالحضارة الغربية وزخرفها وبهرجها ، وقد رد الشيخ ابن باديس رحمه الله على النابتة التي كانت في زمانه وقد وقعت في هذه الشراك وفند بعض شبههم فقال: » رأى بعض الناس المدنية الغربية المسيطرة اليوم على الأرض وهي مدنية مادية في نهجها وغايتها ونتائجها فالقوة عندها فوق الحق والعدل والرحمة والإحسان ، فقالوا إن رجال هذه المدنية هم الصالحون الذين وعدهم الله بإرث الأرض ، وزعموا أن المراد بالصالحين في الآية الصالحون لعمارة الأرض ، فيالله للقرآن وللإنسان ، من هذا التحريف السخيف كأن عمارة الأرض هي كل شيء ولو ضلت العقائد وفسدت الأخلاق واعوجت الأعمال وساءت الأحوال وعذبت الإنسانية بالأزمات الخانقة وروعت بالفتن والحروب المخربة الجارفة ، وهددت بأعظم حرب تأتي على الإنسانية من أصلها والمدنية من أساسها، وهذه هي بلايا الإنسانية التي يشكو منها أبناء هذه المدنية المادية التي عمرت الأرض وأفسدت الإنسان ، ثم يريد هذا المحرف أن يطبق عليها آي القرآن كتاب الحق والعدل والرحمة والإحسان ، وإصلاح الإنسان ليصلح العمران ، فأما الصالحون فهو لفظ قرآني قد فسره القرآن كما سبق ، وقد شرف أهله بإضافتهم إلى الله في قوله "عبادي" فحمله على الصالحين لعمارة الأرض تحريف للكلم عن مواضعه أبشع تحريف وأبطله فليحذر المؤمن ومن مثله من تحريفات المبطلين المفتونين « ([210]).


المبحث الخامس: طريق الإصلاح هو التعليم


ولما كانت صور الفساد الواقعة كثيرة ومتراكمة ، ولما كان الانحراف عن دين الفطرة قد شمل كل ميدان كان على دعاة الحق أن تكون لهم خطة محكمة للعمل الدعوي تجنبهم الانحراف عن الطريق وتحفظ جهودهم من الضياع ، وقد رأى السلفيون -كما سبق ذكره- أن التوحيد هو هدف دعوة الرسل وأن كل شيء يهون أمامه ولا سبيل إلى نشره إلا سلوك طريق الأنبياء في تبليغه، وطريقُ نبينا r قد علمناه مفصلا في سيرته العطرة، وهو قد بدأ بالتعليم ونشر مبادئ هذا الدين ، كما أنه كان أول ما أمر بتبليغه هو العقائد المتعلقة بالله والرسول واليوم الآخر وهو الموضوع الغالب على أول ما أنزل من القرآن ، فكذلك ينبغي أن يكون مسير كل الدعوات التي تريد أن تستمر وتطمح أن تكلل بالنجاح ، ولقد اختار السلفيون هذا الطريق وهذا المنطلق بناء على ما ذكرنا، وهم يعتقدون عدم جدوى كل الطرق الأخرى التي يسعى أصحابها من خلالها إلى إعزاز الدين وتحقيق التمكين، وبالخصوص الجماعات الخائضة في ميادين السياسة ومعتركاتها العفنة، وبالنسبة للعلامة ابن باديس فقد سبق أن نقلنا عنه في المبحث الأول من هذا الفصل أقوالا يؤكد فيها أن طريق الإصلاح توقيفي، وأنه متوقف على الرجوع إلى الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح، كما أنه صرح في موضع ترجيحه للعمل الدعوي المبني على إصلاح العقائد على العمل السياسي المبني على تجميع الجماهير ومبدأ المطالبة والمغالبة فقال رحمه الله: » فإننا اخترنا الخطة الدينية على غيرها عن علم وبصيرة ، وتمسكا بما هو مناسب لفطرتنا وتربيتنا من النصح والإرشاد وبث الخير والثبات على وجه واحد والسير على خط مستقيم، وما كنا لنجد هذا كله إلا فيما تفرغنا له من خدمة العلم والدين، في خدمتهما أعظم خدمة وأنفعها للإنسانية عامة. ولو أردنا أن ندخل الميدان السياسي لدخلناه جهرا ولضربنا فيه المثل الأعلى بما عرف عنا من ثباتنا وتضحيتنا، ولقُدْنا الأمة كلها للمطالبة بحقوقها ولكان أسهل شيء علينا أن نسير بها على وفق ما نرسمه لها وأن نبلغ من أنفسنا إلى أقصى غايات التأثير عليها، فإن مما نعلمه - ولا يخفى على غيرنا - أن القائد الذي يقول لها إنك مظلومة في حقوقك وإني أريد أن أوصلك إليها يجد منها ما لا يجده من يقول لها: إنك ضالة عن أصول دينك وإنني أريد هدايتك، فذاك تلبيه كلها وهذا يقاومه معظمها أو شطرها ، هذا كله نعلمه ولكننا اخترنا ما اخترنا لما ذكرنا، فإنا فيما اخترناه بإذن الله لماضون وعليه متوكلون « ([211]). ولقد كان هذا اختيارا من الاختيارات الصعبة التي اختارها العلامة ابن باديس رحمه الله في حركته الإصلاحية، لقد كان هذا الاختيار صعبا في نظرنا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الزمن الذي كان يعيشه والواقع الذي كان محيطا به، إذ لا يجهل ولا ينكر مقدار تأثير ذلك (الواقع ) على اختيارات المفكرين والمصلحين وتوجهاتهم، ولكن العالم الرباني لا يختار شيئا إلا وله فيه مستند شرعي، فهو أخبر أنه ما ترك المعترك السياسي جبنا أو عجزا ولكن ليقينه بعدم جدواه، ولأن فيه اعترافا ضمنيا بشرعية النظام الفرنسي الكافر، وبين للناس أنه كان قادرا على تجميع الجماهير حوله بتلك الأماني والأغاني التي يتغنى بها أهل السياسة في كل زمان، ولكن ليس شيء من ذلك من شأن أهل العلم والإصلاح، وليس ذلك من المنهج الإسلامي القائم على عقيدة التوحيد في شيء، لقد علم الشيخ علم اليقين أن الرجوع إلى الدين الصحيح شرط في التمكين الذي يكون حينها منحة من رب العالمين.

ومما يحسن نقله هنا أن الشيخ وجمعيته قد اضطرا للمشاركة في المؤتمر الإسلامي الجزائري الذي كان يطالب بحقوق المسلمين في الجزائر سنة 1936 من أجل المطالب الدينية المحضة المتعلقة بحرية التعليم في المساجد واسترجاع الأوقاف التي بها يقوم التعليم الديني ، وفي مرحلة من المراحل تخلى عن المؤتمر من كان يتزعمه فاختير الشيخ لرئاسته ولكنه اعتذر عن قبول ذلك وكتب بيانا قال فيه :» قررت اللجنة التنفيذية للمؤتمر الإسلامي الجزائري في جلستها الأخيرة بنادي الترقي إسناد رئاسة المؤتمر إلي بدون أخذ رأيي في هذه المسألة الخطيرة، إذ كنت غائبا عن تلك الجلسة. وأنا مع شكري لإخواني الذين أولوني ثقتهم الاجتماعية ، ومع كون الأمة الجزائرية لم تعرف عني في وقت من الأوقات الفرار من الواجبات مع كل هذا أعلن لهؤلاء الإخوان أنهم غفلوا حين أسندوا الرئاسة إلي عن أشغالي العلمية التي تستغرق أوقاتي كلها والتي أضحي في سبيلها بكل عزيز، كما غفلوا عن ارتباطي بهيئات علمية مروضة على الشورى لا تعرف غير سبيلها سبيلا ، وأنها هي المالكة لحياتي لأني جعلت حياتي وقفا عليها . وبناء على هذا فإني أعلن لهؤلاء الإخوة وللأمة الجزائرية كلها أنني لست لنفسي وإنما أنا للأمة أعلم أبناءها وأجاهد في سبيل دينها ولغتها، وأن كل ما يقطع علي الطريق أو يعوقني عن أداء واجبي في السبيل فإني لا أرضى به ولو كان ذلك مصلحة الأمة  « ([212]).


المبحث السادس : العلم الصحيح هو سلاح الدعاة في معركة الإصلاح


لقد ذكرنا أن أهل الحق قد جعلوا التوحيد هدف دعوتهم ، والدعوة إلى طريق تحقيقه بمفهومه الواسع فكذلك قد جعلوا من العلم الصحيح وسيلة وسلاحا لدعوتهم ولدعاتهم في معركة الإصلاح، وهذا المعنى معلوم من النصوص الشرعية ومن كلام أهل العلم، فإن الدعوة لا تقوم إلا على العلم، ولا يكون داعيا إلى الله تعالى مصلحا متبوعا إلا من كان متسلحا بالعلم الشرعي، لأن هذا العلم هو مادة الإسلام وموضوعه، قال الشيخ ابن باديس رحمه الله في تفسير قوله تعالى :] ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ (النحل:125):» الحكمة هي العلم الصحيح الثابت المثمر للعمل المتقن … فالحكمة التي أمر الله نبيه r أن يدعو الناس إلى سبيل ربه بها هي البيان الجامع الواضح للعقائد بأدلتها، والحقائق وبراهينها والأخلاق الكريمة بمحاسنها ومقابح أضدادها، والأعمال الصالحة من أعمال القلب واللسان والجوارح بمنافعها ومضار خلافها«([213]). وقال في موضع آخر:» العلم هو وحده الإمام المتبع في الحياة في الأقوال والأفعال والاعتقادات « ([214]). وبين بعد ذلك الأثر الناتج عن ترك العلم الشرعي فقال: »ولعمر الله إنه ما دخل الضلال عقائد الناس ولا جرى الباطل والزور على ألسنتهم ولا كان الفساد والشر في أفعالهم إلا بإهمالهم أو تساهلهم في هذا الأصل العظيم «([215]).

وكذلك مما تجدر الإشارة إليه هنا أنه ليس كل علم هو مقصود بهذا الكلام وإنما هو العلم الصحيح المأخوذ من منابعه الصافية من الكتاب والسنة والذي يلقن بالطرق الشرعية السلفية أيضا، وفي هذا يقول الشيخ رحمه الله تعالى: » لن يصلح المسلمون حتى يصلح علماؤهم ، فإنما العلماء من الأمة بمثابة القلب ، إذا صلح صلح الجسد كله ، وإذا فسد فسد الجسد كله وصلاح المسلمين إنما هو بفقههم الإسلام وعلمهم به، وإنما يصل إليهم هذا على يد علمائهم ، فإذا كان علماؤهم أهل جمود في العلم وابتداع في العمل فكذلك المسلمون يكونون فإذا أردنا الصلاح للمسلمين فلنصلح علماءهم، ولن يصلح العلماء إلا إذا صلح تعليمهم …ولن يصلح هذا التعليم إلا إذا رجعنا به إلى التعليم النبوي في شكله وموضوعه وصورته، فيما كان يعلم r وفي صورة تعليمه« ([216]). فالعلم يحتاج إلى تصفية وربط بالمصادر الأصلية لهذا الدين وكذلك المناهج المتبعة تحتاج إلى مراجعة وإلى رجوع إلى المنهج النبوي وقلَّ من الناس من فهم هذا ودعا إليه في هذه الأزمنة وقد سبق أن تحدثنا عن الموضوع في آخر بحث من الفصل الثاني ونكتفي هنا بنقل هذه الكلمة للشيخ رحمه الله إذ يقول : » ونحن بعد أن بينا تعليم الدين من سنة النبي r ومن عمل السلف الصالح من أهل القرون الفاضلة المحمودة، ومنهم إمامنا إمام دار الهجرة مالك، فإننا عقدنا العزم على إصلاح التعليم الديني في دروسنا حسب ما تبلغ إليه طاقتنا إن شاء الله«([217]).



المبحث السابع : نبذ الحزبيات المفرقة لشمل الأمة والمبددة للجهود


ومن الأمور التي يتميز بها أهل السنة والجماعة أنهم أهل الجماعة لا يتفرقون ولا يكونون سببا للفرقة، بل يدعون إلى الاجتماع وهم حريصون على أسبابه، ومن ثَم فهم مجانبون لأهل الحزبيات الضيقة التي تجعل الولاء في تنظيماتها وفي شيوخها وقادتها، ويرون في هذه الحزبيات أنها مقتل العمل الدعوي، ومن أعظم أسباب الانحراف عن النهج السليم وتبديد الجهود وتضييعها، ولابد من التفريق هنا بين مجرد التنظيم الذي هو مظهر من مظاهر الاجتماع وتوحيد الجهود والتعاون على الخير، وبين التحزُّب الذي يعني عقد الولاء والبراء في جماعة ما وإن لم يكن لها تنظيم ، وقد كتب الشيخ ابن باديس رحمه الله تعالى في هذا مقالا عنوانه دعوى الجاهلية قال فيه :» كل من سعى إلى تحصيل شيء مستعينا بذوي عصبية له لنسبة جنس، أو قبيلة أو بلد أو شيخ أو حرفة أو فكرة غير ناظر إلى أنه على حق أو على باطل ، فقد دعا بدعوى الجاهلية وكل من أجابه فقد شاركه في دعواه ، أما من عرف الحق وتيقن من نفسه الصدق في طلبه واستعان على تحصيله بمن تربطهم به روابط خاصة ولا يأبى أن يعينه عليه من لم يكن من جماعته لأن قصده إلى تحصيل الحق بإعانة أي كان ، فهذا لا يكون دعا بدعوى الجاهلية بل دعوى إسلامية لأنها لا تخرج عن التعاون على الحق وهو من التعاون على البر والتقوى « ([218]). وقال بعدها :» ليحذر المسلم من كل كلمة مفرقة من كل ما يثير عصبية للباطل وحمية جاهلية لا يدعو بها ولا يجيب من دعا إليها، فإن بلاء كثيرا حل بنا وفتنة كبيرة أصابتنا من تلك الكلمات المفرقة . ولتكن دعوته إذا دعا بالكلمات الجامعة التي تشعر بالأخوة العامة ، وتبعث على القيام بالواجب بأيد متشابكة وقلوب متحدة ، حتى إذا دعا جماعة خاصة يعلم منها نفعا خاصا في مكان خاص فليكن بما يفهم أنه إلى الحق دعاهم وعلى القيام به استعان بهم دون إباية من انضمام كل من ينضم إليهم « ([219]).

وهذا لا يعني أنه يتبنى فكرة نجتمع وانتهى الأمر، لا!! بل لابد من تحديد الأمور الكلية والقطعية التي لا ينبغي خرمها بحال والأهداف التي يراد الوصول إليها من خلال هذا العمل الجماعي، وهذا ما فعلة الشيخ حيث كتب أصول دعوة جمعية العلماء بنفسه، ووضع مع بقية إخوانه القانون الأساسي للجمعية الذي رضيه من له علم من الطرقية أول الأمر ثم انسحبوا منها ، وهاهو الشيخ يحدثنا عن انسحابهم منها :» ها هو القانون الأساسي للجمعية كما وضع أول مرة منذ خمس سنوات وقد كان الذين وضعوه شطرهم من الطرقيين، ولكنهم ما أكملوا السنة الأولى حتى فروا من الجمعية وناصبوها العداء واستعانوا عليها بالظلمة ورموها بالعظائم وجلبوا عليها من كل ناحية بكل ما كان عندهم من كيد ، ذلك لأنهم وجدوا كثيرا من الآفات الاجتماعية التي تحاربها هي مصدر عيشهم ووجدوا قسما منها مما تغضب محاربته سادتهم ومواليهم وقد شاهدوا مظاهر الغضب بالفعل منهم، فما رفضتهم الجمعية ولا أبعدتهم ولكنهم هم أبعدوا أنفسهم «([220]).


المبحث الثامن : إظهار الحق والأمر بالمعروف والنهي عن كل منكر


ومن أصول الإسلام المتفق عليها ومن صفات أهله المميزة لهم والتي مدحهم بها رب العالمين في القرآن الكريم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لأن من ثمرة الإيمان الحق الغيرة على هذا الدين والبذل في سبيله ، والسلفيون قولا وعملا لا يفرطون في باب الدعوة والتبليغ ولا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك بحسب المراتب التي بيَّنها النبي r ، فهم لا يعرفون المداهنة التي توجب ضياع الحق وعدم بيانه ، وهم بهذا الأصل يتميزون عن طوائف من الناس مالوا إلى الإرجاء وعطلوا الأمر والنهي مداهنة لبعض الناس وحرصا على عدم إغضاب آخرين ، ويقول الشيخ رحمه الله في التحريض على هذه الصفة الحميدة :» على أهل الحق أن يكون الحق راسخا في قلوبهم عقائد، وجاريا على ألسنتهم كلمات ، وظاهرا على جوارحهم أعمالا ، يؤيدون الحق حيثما كان وممن كان ، ويخذلون الباطل حيث كان وممن كان ، ويقولون كلمة الحق على القريب والبعيد على الموافق والمخالف ويحكمون بالحق كذلك على الجميع ، ويبذلون نفوسهم وأموالهم في سبيل نشره بين الناس وهدايتهم إليه بدعوة الحق ، وحكمة الحق وأسبابه ووسائله على ذلك يعيشون وعليه يموتون ، فلنجعل هذا السلوك سلوكنا وليكن همنا ، فما وفينا منه حمدنا الله تعالى عليه ، وما قصرنا فيه تبنا واستغفرنا ربنا، فمن صدقت عزيمته ووطن على العمل نفسه أعين ويسر للخير وربك التواب الرحيم  « ([221]). ويرى الشيخ أن الأمر بالمعروف واجب وجوبا عينيا، لكنه حسب العلم والاستطاعة، فقال رحمه الله :» ومن الدعوة إلى الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو فرض عين على كل مسلم ومسلمة بدون استثناء، وإنما يتنوع الواجب بحسب رتبة الاستطاعة« ([222]). وجمعا بين هذا الأصل والأصل الذي قبله فقد نبه الشيخ على أن أمر الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابد أن يكون عن علم وبصيرة، وذلك حتى لا ينتج عن النهي عن المنكر منكر أعظم منه، فقال الشيخ في موضع وهو يؤكد قضية الوجوب في تفسير قوله تعالى :] قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني [ :« على كل مسلم أن يكون داعيا إلى الله : لقد كان في بيان أن الدعوة إلى الله هي سبيل محمد r وما يفيد أن على أتباعه -وهو قدوتهم ولهم فيه أسوة حسنة- أن تكون الدعوة إلى الله سبيلهم، لكن لتأكيد هذا عليهم، وبيان أنه من مقتضى كونهم أتباعه، وأن اتباعهم له لا يتم إلا به جاء التصريح بذلك هكذا ]أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني[. فالمسلمون أفرادا وجماعات عليهم أن يقوموا بالدعوة إلى الله وأن تكون دعوتهم على بيّنة وحجة وإيمان ويقين وأن تكون دعوتهم وفقا لدعوته وتبعا لها«([223]).

وإذا كان هذا الأصل واجبا على عامة الناس بحسب علمهم، فهو واجب على العلماء وجوبا عينيا ملازما خاصة في بيان المنكرات العامة التي تهم عموم الأمة ، فإن الناس كما يعتبرون فتاوى العلماء فإنهم ينظرون إلى سكوتهم، بل ويستدلون به، لذلك فإن المسؤولية الملقاة على أهل العلم في هذا الباب أعظم بكثير من المسؤولية الملقاة على غيرهم ، وهذا نداء العلامة ابن باديس رحمه الله تعالى إلى علماء الزيتونة يقرر فيه بعض المعاني التي ذكرنا قال رحمه الله:» إن مسؤولية العلماء عند الله فيما أصاب المسلمين في دينهم لعظيمة وإن حسابهم على ذلك لشديد طويل، ذلك بما كتموا من دين الله، وبما خافوا في نصرة الحق سواه، وبما حافظوا على منزلتهم عند العامة وسادة العامة ولم يحافظوا على درجاتهم عنده، وبما شحوا ببذل القليل من دنياهم فيما يرضيه، وبما بدلوا وأسرفوا في الكثير من دينهم فيما يغضبه اللهم إلا نفرا منهم...« ([224]). ثم تعرض لذكر بعض  المسائل المنكرة التي سكت عنها علماء الزيتونة خوفا من فرنسا أو سلطان العوام فقال :» لقد سئلتم عن رفض الشريعة الإسلامية بسبب التجنس ذلك الرفض المخرج عن الإسلام فسكتم ، وقال الناس إنكم خفتم على مناصبكم وها أنتم تسألون اليوم عن البدع والمنكرات الفاشية في المسلمين باسم الدين ، تنكر البدع التي أماتت ضمائرهم وخدرت عقولهم وجمدت أفكارهم وأفسدت أخلاقهم وأضاعت أموالهم، وسلبتهم حقيقة دينهم ، وتركتهم بلاء على أنفسهم ، وفتنة لغيرهم فهل أنتم اليوم ساكتون وبالتخويف على مناصبكم معتذرون؟ إننا ندعوكم بكلمة الله إلى الصدع بالحق وإنقاذ المسلمين ، فإن أجبتم فذلك الظن بكم والله معكم ولن يتركم أعمالكم ، وإن أبيتم فعليكم إثم الهالكين وحسب المسلمين رب العالمين « ([225]).

إن الرد على المخالف من أصول الإسلام القطعية ، وقد رد الشيخ على كثير من المبطلين في زمانه فكتب ردا على أحمد بن عليوه لما أساء الأدب مع الرسول e ، وكتب ردا على الحجوي المغربي لما تساهل في الحكم على الطريقة التيجانية ، ورد على المولود الحافظي في زعمه أن الواصلين يعبدون الله تعالى بلا خوف ولا رجاء ، ورد على شيخه الطاهر بن عاشور في فتواه في القراءة على الأموات وبدع الجنائز ، ورد على بكير المزابي لما طعن في السلف الصالح ، كما رد على فرحات عباس لما زعم أن الجزائر فرنسية الخ ، هذا ما يتعلق بالردود المباشرة على الأشخاص المعينين ، وإلا فإن له مواضع كثيرة يرد فيها الباطل دون تسمية أصحابه لعدم الحاجة إلى ذلك ، لأن القصد من الرد بيان الحق وهداية الخلق ، وليس التنقيص من المخطئين أو تتبع أخطاء المبطلين لأن ذلك ينافي الحكمة ، فقد ينسى الداعية والعالم نفسه وينصرف عن دعوته ويشغل عما هو أهم وهو التربية والتكوين، وفي هذا المعنى يقول الشيخ عبد الحميد بن باديس :« فلا نعجب لمن يعارض ويكايد ويماري ، ولكننا نعجب لأنفسنا ولكم إذا أقمنا لتلك المعارضات والمكائد وزنا أو شغلنا بها حيزا من نفوسنا أو أضعنا فيها حصة من أوقاتنا، وإن أدنى ما يغنمه المبطل أن يضيع الوقت على المحق، وإنني أوصيكم ونفسي في هذا المقام أن يكون في حقكم شاغل لكم عن باطل المبطلين ، فإذا قام حقكم واستوى قضيتم على المبطلين وباطلهم ، وإننا نشهد الله والمنصفين من الأمة على أننا ماضون في بيان الحق وأن مبدأنا الإصلاحي التهذيبي قد ملك علينا حواسنا وأوقاتنا، فإذا بدر منا في بعض الأوقات كلام على باطل المبطلين فليس ذلك عن قصد له وحفل به، ولكن لأنه صادمنا وتوقف إثبات حقنا على نفيه . وما حيلة من يسلك سبيلا فتعترضه الصخور حتى لا يجد عنها محيدا، إن الضرورة تقضي عليه أن يجهد في نزعها وإماطتها ثم لا يكون جهده في ذلك إلا كتماديه في السير»([226]).


المبحث التاسع : الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة


ومن الأصول التي لابد من بيانها وتبنيها في باب الدعوة إلى الله وكذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ أصل سلوك الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي أحسن، الذي يجنب الدعاة وعموم الناس المبلِّغين من الوقوع في الإفساد وهم يقصدون الإصلاح، ويعصمهم من تنفير الناس وتشويه الإسلام من حيث هم يريدون الترغيب فيه وتحسين صورته ، ومن المعاني المندرجة في هذا الأصل ما سبق ذكره من اشتراط العلم في الداعي الموجه ( العلم بأصول الدعوة وأساليبها ) والعلم بكل مسألة يريد المسلم الخوض فيها، ويندرج في هذا الأصل أيضا قضية الحلم في عرض الحق وتبليغه، فلا يقابل الداعي الناس بالتفسيق والتبديع وربما بالتكفير! إن كان المنكر المراد تغييره كفرا، لما في ذلك من مفسدة الصد عن سبيل الله وتبغيض الحق وأهله إلى هؤلاء الناس، الذين يحتاج أكثرهم إلى تبشير ودعوة بالتي هي أحسن، ومما يندرج تحت هذا الأصل الصبر بعد التبليغ الصبر على الأذى وعلى عدم استجابة الناس، فلابد من اجتناب التهور وردود الفعل غير الشرعية، خاصة ممن نطق وتكلم باسم الإسلام، ولابد من الثبات على نفس الطريق الذي رسمه الداعي لنفسه وأن لا يستعجل الثمرة وأن لا يتعجل خطوات العمل الدعوي فيرجع مخربا لعمله ولعمل غيره من الدعاة من حيث لا يشعر ، ولذلك كان من الكلمات التي رددها كثيرا محدث العصر الألباني رحمه الله، وهو ينصح العاملين في ساحة الدعوة والمجتهدين في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:" قل كلمتك وانصرف "، التي تعني أن الداعي مكلف أن يبلغ لا أن يجبر الناس على الامتثال، والحرص الزائد من الداعي على استجابة الناس من أعظم أسباب الانحراف في هذا الزمن، فما ظهر التمييع والمميعون إلا من هذا المنطلق، ولا ظهرت القسوة والشدة إلا منه أيضا، وأهل الحق يسيرون على خط واحد ويعاملون الناس بقواعد شرعية ثابتة، لا تتأثر بواقع ولا بالأحوال النفسية للدعاة .

وفي بيان بعض هذه المعاني يقول ابن باديس رحمه الله تعالى في تفسير قوله عز وجل ]وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً[ (الإسراء54): » وخاطب الله تعالى نبيه r أنه لم يرسله وكيلا على الخلق حفيظا عليهم كفيلا بأعمالهم ، فما عليه إلا تبليغ الدعوة ونصرة الحق بالحق والهداية والدلالة إلى دين الله وصراطه المستقيم ، خاطبه بهذا ليؤكد لخلقه ما أمرهم به من قول التي هي أحسن للموافق والمخالف فلا يحملنهم بغض الكفر والمعصية على السوء في القول لأهلها، فإنما عليهم تبليغ الحق كما بلغه نبيهم r ولن يكون أحد أحرص منه على تبليغه، فحسبهم أن يكونوا على سنته وهديه«([227]). إذن لن يكون في الدعاة أحد أغير على الدين وأكثر حرصا على هداية الناس من نبينا وقدوتنا محمد r ، لذلك حسبنا الاقتداء به في لينه ورفقه مع عدم استعجاله ، وقد ركز ابن باديس على قضية الأسلوب والقسوة في الكلام والجور في الأحكام، وكأنه استشعر وقوع ذلك من الناس، أو علم كثرة فشوه في الناس تبعا لقلة العلم في آخر الزمان فقال في موضع آخر :» أقوى الأحوال مظنة لكلمة السوء هي حالة المناظرة والمجادلة ، وأقرب ما تكون إلى ذلك إذا كان الجدال في أمر الدين والعقيدة ، فما أكثر ما يضلل بعضه بعضا أو يفسقه أو يكفره فيكون ذلك سببا لزيادة شقة الخلاف اتساعا ، وتمسك كل برأيه ونفوره من قول خصمه ، دع ما يكون عن ذلك من البغض والشر …فلا يقال للكافر عند دعوته أو مجادلته إنك من أهل النار، ولكن تذكر الأدلة على بطلان الكفر وسوء عاقبته، ولا يقال للمبتدع يا ضال، وإنما تبين البدعة وقبحها، ولا يقال لمرتكب الكبيرة يا فاسق، ولكن يبين قبح تلك الكبيرة وضررها وعظم إثمها وتُقبح القبائح والرذائل في نفسها وتجتنب أشخاص مرتكبيها « ([228]). وفي هذه الجملة الأخيرة مظهر من مظاهر الحكمة في الدعوة التي ربما غفل عنها من قل علمه بسنة النبي r ومنهجه في الدعوة وهو أن يكون التركيز في العلاج على المرض في حد ذاته وعلى أعراضه وسبل علاجه، ولا يجعل الكلام على أعيان المرضى لأن ذلك من أسباب التنفير وقد كان النبي r إذا رأى منكرا في أناس وضع المنبر وقال ما بال أقوام حتى لا يجرح نفوس من وقع في ذلك المنكر ولا ينفرهم ، وفي السياق نفسه يقول الشيخ رحمه الله تعالى في تفسير قوله عز وجل :] وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن [ :» والتي هي أحسن هي الكلمة الطيبة والمقالة التي هي أحسن من غيرها فيعم ذلك ما يكون من الكلام في التخاطب العادي بين الناس …وما يكون من الكلام في مقام التنازع والخصام فيقتصر على ما يوصله إلى حقه في حدود الموضوع المتنازع فيه، دون إذاية لخصمه ولا تعرض لشأن من شؤونه الخاصة به ، وما يكون من باب إقامة الحجة وعرض الأدلة فيسوقها بأجلى عبارة وأوقعها في النفس خالية من السب والقدح ومن الغمز والتعريض ومن أدنى تلميح إلى شيء قبيح وهذا يطالب به المؤمنون سواء كان ذلك فيما بينهم أو بينهم وبين غيرهم…وهذا الأدب الإسلامي وهو التروي عند القول واجتناب السيئ والاختيار الأحسن ضروري لسعادة العباد وهنائهم، وما كثرت الخلافات والخصومات وتنافرت المشارب وتباعدت المذاهب حتى صار المسلم عدو المسلم…إلا لتركهم هذا الأدب وتركهم للتروي عند القول والتعمد للسيئ بل للأسوأ في بعض الأحيان«([229]). ويقول أيضا :» فالنقائص الشخصية في الإنسان لا تقال في غيبته لأنها غيبة محرمة، ولا يجابه بها في حضوره لأنها إذاية ، إلا إذا واجه بها على وجه النصيحة بشروطها المعتبرة التي من أولها أن لا تكون في الملأ « ([230]).

ومن مظاهر الحكمة عند الجدال التواضع للخصم وعدم ادعاء امتلاك الحقائق المطلقة التي لا تقبل النقاش ، لأن الخصم إن شعر بذلك من الداعي يحرص هو الآخر على نفس الدعوى وانصرف عن تفهم ما يقوله الداعي وجعل همه في الدفاع عما هو عليه، وقد نبه الشيخ رحمه الله إلى هذا المعنى في سياق بديع وهو يفسر قوله تعالى :] قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا [ فقال : »ومن فوائد الآية الكريمة استدراج الضال لقبول الهداية ، وذلك بمناصفته بأنك على ناحيتك وهو على ناحيته وإظهار التساوي معه أمام علم الله وقدرته ، وهذا من أنفع الأسباب في نجاح الدعوة وعليه في القرآن آيات كثيرة منها سورة :] قل يا أيها الكافرون [ فينبغي لدعاة الحق أن يلتزموه ولا يهملوه . والبراءة من أهل الباطل وذلك بإعلان المباينة لهم والمخالفة لهم في عملهم وما انبنى عليه عملهم بأسلوب المناصفة الذي جاءت به الآية الكريمة فتحصل البراءة مع الفائدة المتقدمة«([231]).

وكثير من الناس في هذا الباب لا يعرفون إلا الغلو والتطرف، فلا يستطيع أن يجمع في قلبه بين البراءة من الشرك والبدعة والمعصية، وبين الحكمة في التبليغ والجدال بالتي هي أحسن، ودين الله تعالى بين الغالي فيه والجافي عنه ، وإذا قلنا أنه لابد من تجنب الحكم على الناس بكفر وغيره عند دعوتهم، فلا يعني هذا أن لا نحكم على الفعل بالكفر ونحوه وأن نبغضه ، ولا ينفي ذلك الحكم على الشخص نفسه بعد استيفاء شروط التكفير وانتفاء الموانع ، لذلك نورد بعض نصوص الشيخ في هذا السياق، قال رحمه الله :» فلذا بين تعالى أن هدايته لخلقه إنما تكون برسوله وكتابه فيتمسك بها من يريد الهدى ، وليحكم على من لم يهتد بها بالزيغ والضلال«([232]). وقال أيضا : »والمباينة والتبري لازمة من كل كفر وضلال، وذلك مستفاد من الدعوة إلى الله وتنزيهه ، وإنما خصص المشركين لما تقدم ولأن الشرك هو شر الكفر وأقبحه « ([233]).





خاتمة في انتساب ابن باديس إلى السلفية


قد ينكر بعض الناس أن الشيخ ابن باديس كان سنيا سلفيا ، وفيما ذكرنا فصلنا في هذا البحث إن شاء الله دلالة على أن الشيخ رحمه الله لم يكن إلا كذلك،  ولما كان بعضهم يطلب فوق ذلك دليل الانتساب والتسمية، رأينا أن لا نخلي هذا الموضع من بعض أقواله الدالة على انتسابه إلى السلف وارتضائه النسبة إليهم. على أن عدم انتساب ابن باديس إلى السلفية-لفظا- ليس مما يؤخره عنها، لأننا لو بحثنا عن ذلك في كلام كثير من علماء أهل السنة لما وجدنا ذلك أيضا، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه. ولا بأس أن نذكر في هذا المقام بأصل من الأصول الإسلامية، وهو قبول ما يُظهر الناس وأن أهل السنة هم الذين ليس لهم نسبة إلا السنة ، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على أحدهم :» وإن أردت بالتستر أنهم يجتنون به ويتقون به غيرهم ويتظاهرون به حتى إذا خوطب أحدهم قال أنا على مذهب السلف، وهذا الذي أراده والله أعلم فيقال له لا عيب على من أظهر مذهب السلف وانتسب إليه واعتزى إليه بل يجب قبول ذلك منه بالاتفاق ، فإن مذهب السلف لا يكون إلا حقا، فإن كان موافقا له باطنا وظاهرا فهو بمنزلة المؤمن الذي هو على الحق باطنا وظاهرا، وإن كان موافقا له في الظاهر فقط دون الباطن فهو بمنزلة المنافق فتقبل منه علانيته وتوكل سريرته إلى الله، فإنا لم نؤمر أن ننقب عن قلوب الناس ولا أن نشق بطونهم«([234]).

قال ابن باديس رحمه الله في الدفاع عن الشيخ ابن عبد الوهاب :» قام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بدعوة دينية فتبعه عليها قوم فلقبوا بالوهابيين، ولم يدع إلى مذهب مستقل في الفقه ، فإن أتباع النجديين كانوا قبله ولا زالوا إلى الآن بعده حنبليين ، يدرسون الفقه في كتب الحنابلة ، ولم يدع إلى مذهب مستقل في العقائد ، فإن أتباعه كانوا ولا زالوا إلى الآن سنيين سلفيين أهل إثبات وتنزيه …الخ »([235]).  وقال: » هذا هو التعليم الديني السني السلفي، فأين منه تعليمنا نحن اليوم وقبل اليوم منذ قرون وقرون؟ فقد حصلنا على شهادة العالمية من جامع الزيتونة ونحن لم ندرس آية واحدة من كتاب الله ولم يكن عندنا أي شوق أو أدنى رغبة في ذلك، ومن أين يكون لنا هذا ونحن لم نسمع من شيوخنا يوما منزلة القرآن من تعلم الدين والتفقه فيه ولا منزلة السنة النبوية من ذلك»([236]). وقال وهو يعدد أصول الجمعية : »الأصل الخامس: سلوك السلف الصالح « الصحابة والتابعين وأتباع التابعين » تطبيق صحيح لهدي الإسلام . والأصل السادس: فهوم السلف الصالح أصدق الفهوم لحقائق الإسلام ونصوص الكتاب والسنة … والأصل السابع عشر: ندعو إلى ما دعا إليه الإسلام ، وما بيناه من الأحكام بالكتاب والسنة وهدي السلف الصالح من الأئمة «. وكتب مقالا عنونه بقوله: » مناظرة بين سلفي ومعتزلي في مجلس الواثق« ([237]) . وقال في تقديمه لمقال ملك العرب المنشور في الشهاب :» هي صفحة من تاريخ الملك العربي السلفي عبد العزيز آل سعود الذي شرفه الله بخدمة ذلك البيت المعظم في هذا العهد ، ومد تعالى بملكه رواق الأمن والعدل والتهذيب والدين الخالص عن ربوع الحجاز أرض الحرمين الشريفين ، وإن نهضة هذا الملك العظيم ، وفي حياته وصفاته لدرسا عميقا ومجالا واسعا للعبرة والتفكير « ([238]). وأخيرا هذه كلمة قالها في الثناء على الشيخ الطيب العقبي:» حياك الله وأيدك يا سيف السنة وعلم الموحدين، وجازاك الله أحسن الجزاء عن نفسك وعن دينك وعن إخوانك السلفيين المصلحين « ([239]). وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

فهرس البحث

مقدمة                                                                 3

ترجمة العلامة ابن باديس في سطور                                  7

أولا : النشأة وطلب العلم                                                            7

ثانيا : أعماله وإنجازاته                                                               8

ثالثا : من مواقف ابن باديس البطولية                                                10

مدخل                                                                 15

الفصل الأول : أصول العقيدة                                          16

المبحث الأول : مصادر تلقي العقيدة                                                 20

المبحث الثاني : حجية أخبار الآحاد في إثبات العقائد                                  23

المبحث الثالث : التزام الصحة                                                         24

المبحث الرابع : الالتزام بما كان عليه السلف الصالح                                   26

المبحث الخامس : تضليل طريقة المتكلمين                                             28

المبحث السادس : تجنب الخوض في المسائل الكلامية                                   31

المبحث السابع : تقسيم التوحيد إلى توحيد علمي وتوحيد عملي                       33

المبحث الثامن : التصريح بعقيدة الإثبات والتنزيه في باب الصفات                     35

المبحث التاسع : التصريح بالبراءة من مظاهر الشرك                                    40

المبحث العاشر : الحكم والتشريع من معاني الربوبية                                    43

المبحث الحادي عشر : القول بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص                      45
المبحث الثاني عشر : الإيمان بالقدر مع إثبات الاختيار                                  48
المبحث الثالث عشر : عقيدة العذر بالجهل                                             52

المبحث الرابع عشر : الترضي على جميع الصحابة وإثبات الخلافة                       54

الفصل الثاني : أصول الفقه                                             56

المبحث الأول : مصادر تلقي الفقه هي الكتاب والسنة والإجماع                       60

المبحث الثاني : عدم إحداث الأقوال الجديدة المخالفة لإجماع السلف                   61

المبحث الثالث : التزام الصحة                                                         62

المبحث الرابع : إبطال نظرية التقليد العام الملزم للناس                                  65

المبحث الخامس : إثبات مرتبة الاتباع                                                 68

المبحث السادس : فتح باب الاجتهاد                                                  69

المبحث السابع : إصلاح منهج التعليم والعمل على تصفية الفقه                        73

الفصل الثالث : أصول السلوك                                          77

المبحث الأول : مصادر تلقي السلوك هي الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح        80

المبحث الثاني : إبطال الاحتجاج بالإلهام المجرد أو الكشف أو الذوق                   82

المبحث الثالث : التزام الصحة في إثبات العبادات                                      83

المبحث الرابع : اجتناب العبادات المبتدعة                                             86

المبحث الخامس: البدع الدينية كلها ضلالة                                            90
المبحث السادس: النظر في المصالح يختص بغير أبواب التعبدات                         93

المبحث السابع : إبطال منهج أهل الطرق جملة وتفصيلا                               95

الفصل الرابع : أصول الدعوة والإصلاح                               97

المبحث الأول : اعتماد الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح                           100

المبحث الثاني : اعتقاد بقاء المنهج محفوظا في كل زمان يتوارثه العلماء                 101

المبحث الثالث : اعتبار الدعوة إلى التوحيد أولى الأولويات                            103

المبحث الرابع : اعتقاد شمول الشريعة                                                 104

المبحث الخامس: طريق الإصلاح هو التعليم                                          108

المبحث السادس : العلم الصحيح هو سلاح الدعاة في معركة الإصلاح                111

المبحث السابع : نبذ الحزبيات المفرقة لشمل الأمة والمبددة للجهود                    113

المبحث الثامن : إظهار الحق والأمر بالمعروف والنهي عن كل منكر                   115

المبحث التاسع : الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة                                    119

خاتمة في انتساب العلامة ابن باديس إلى السلفية                     124




[1]/ وقد قال النبي e :» إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط« رواه أبو داود (4843) وحسنه الألباني،.

[2]/ انظر موضح أوهام الجمع والتفريق للخطيب (1/4).

[3]/ قال طاووس:« إن من السنة أن توقر العالم » كما في الجامع لابن عبد البر (1/14) وقال أبو حاتم الرازي :« وعلامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر » انظر شرح أصول الاعتقاد (1/179).

[4]/ انظر صحيح مسلم (ص/28-29) وفيه تصرف لا يخفى على اللبيب.

[5]/ آثار ابن باديس (6/133-134).

[6]/ أحدهما: « عقيدة ابن باديس السلفية وبيان مخالفته للعقيدة الأشعرية » وقد صدر عن دار الإمام مالك.

[7]/ الشهاب (مجلد13/ص355) وقال للإبراهيمي يوما وقد كان مصمما على الخروج من الجزائر :« إن خروجك يا فلان أو خروجي يكتبه الله فرارا من الزحف » قال الإبراهيمي :« فوالذي وهب له العلم والبيان لقد كانت كلمته تلك شؤبوبا من الماء صب على اللهب »  آثار الإبراهيمي (4/338).

[8]/ الآثار(5/293-294).

[9]/ إمام الجزائر عبد الحميد بن باديس لعبد القادر فضيل ومحمد الصالح رمضان (127 – 128).

[10]/ الآثار (6/181).

[11]/ آثار الإبراهيمي (5/284).

[12]/ الإمام عبد الحميد بن باديس رائد النهضة العلمية والفكرية للزبير بن رحال (121).

[13]/ والشيخ لم يعرف بالتميز عن السنة وأهلها بل كان مدافعا عنها وعن أهلها ، وقد سئل الإمام مالك رحمه عن السنة فقال مالا اسم له سوى السنة يعني أن أهل السنة ليس لهم اسم ينسبون إليه سواها انظر الانتقاء لابن عبد البر (35) ومدارج السالكين (3/179) .

[14]/ أشار إلى تحديدها الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد في مقدمة كتابه القيم "حكم الانتماء " وانظر مدارج السالكين (2/318).

[15]/ قال ابن تيمية (19/155-156):» فصل في أن الرسول e بين جميع الدين أصوله وفروعه ، باطنه وظاهره علمه وعمله ، فإن هذا الأصل هو أصل أصول العلم والإيمان ، وكل من كان أعظم اعتصاما بهذا الأصل كان أولى الناس بالحق علما وعملا « .

[16]/ قال ابن القيم في مختصر الصواعق (2/412):» وهذا التفريق باطل بإجماع الأمة ، فإنها لم تزل تحتج بهذه الأحاديث في الخبريات العلميات، كما تحتج بها في الطلبيات العمليات …ولم يزل الصحابة والتابعون وتابعوهم وأهل الحديث والسنة يحتجون بهذه الأخبار في مسائل الصفات والقدر والأسماء والأحكام ، ولم ينقل عن أحد منهم البتة أنه جوز الاحتجاج بها في مسائل الأحكام دون الأخبار عن الله وأسمائه وصفاته ، فأين سلف المفرقين بين البابين ؟ « .

[17]/ قال شيخ الإسلام ابن تيمية (3/379-380) :« وقد يروي كثير من الناس في الصفات وسائر أبواب الاعتقادات وعامة أبواب الدين أحاديث كثيرة تكون مكذوبة ، موضوعة على رسول الله r منها ما يكون كلاما باطلا لا يجوز أن يقال فضلا عن أن يضاف إلى النبي r  والقسم الثاني من الكلام ما يكون قد قاله بعض السلف أو بعض العلماء أو بعض الناس ويكون حقا أو مما يسوغ فيه الاجتهاد أو مذهبا لقائله ، فيعزى إلى النبي e وهذا كثير عند من لا يعرف الحديث … فالواجب أن يفرق بين الحديث الصحيح والحديث الكذب فإن السنة هي الحق دون الباطل وهي الأحاديث الصحيحة دون الموضوعة ، فهذا أصل عظيم لأهل الإسلام عموما ولمن يدعي السنة خصوصا».

[18]/ قال ابن تيمية في العقيدة الواسطية (3/154) من المجموع :» وسموا أهل الجماعة لأن الجماعة هي الاجتماع وضدها الفرقة …والإجماع هو الأصل الثالث الذي يعتمد عليه في العلم والدين ، وهم يزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال باطنة أو ظاهرة، مما له تعلق بالدين ، والإجماع الذي ينضبط هو ما كان عليه السلف الصالح إذ بعدهم كثر الاختلاف وانتشرت الأمة « .

[19]/ قال ابن تيمية رحمه الله معرفا علم الكلام (12/461):« إنما هو حقيقة عرفية فيمن يتكلم في الدين بغير طريقة المرسلين ». وقال ابن عبد البر في جامع بيان العلم (2/95):« أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ، ولا يعدون عند الجميع في جميع الأمصار في طبقات العلماء، إنما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه، ويتفاضلون فيه بالإتقان والميز والفهم» انظر الدرء (1/147)

[20]/ قال ابن تيمية في الدرء (1/45):» والسلف والأئمة الذين ذموا وبدعوا الكلام في الجوهر والجسم والعرض، تضمن كلامهم ذم من يدخل المعاني التي يقصدها هؤلاء بهذه الألفاظ في أصول الدين، في دلائله وفى مسائله نفيا وإثباتا، فأما إذا عرفت المعاني الصحيحة الثابتة بالكتاب والسنة، وعبر عنها لمن يفهم بهذه الألفاظ ليتبين ما وافق الحق من معاني هؤلاء وما خالفه، فهذا عظيم المنفعة وهو من الحكم بالكتاب بين الناس فيما اختلفوا فيه، كما قال تعالى:] كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ[ (البقرة:213)« .

[21]/ قال ابن تيمية بعد شرح مطول للفرق بين النوعين (3/104-105):» فهذا أصل عظيم على المسلم أن يعرفه فإنه أصل الإسلام الذي يتميز به أهل الإيمان من أهل الكفر وهو الإيمان بالوحدانية والرسالة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وقد وقع كثير من الناس في الإخلال بحقيقة هذين الأصلين أو أحدهما، مع ظنه أنه في غاية التحقيق والتوحيد والعلم والمعرفة، فإقرار المشرك بأن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه لا ينجيه من عذاب الله إن لم يقترن به إقراره بأنه لا إله إلا الله، فلا يستحق العبادة أحد إلا هو وأن محمدا رسول الله فيجب تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر « .

[22]/ قال ابن تيمية في العقيدة الواسطية (3/129) من المجموع :» ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه ، وبما وصفه به رسوله محمد e من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل بل يؤمنون بأن الله سبحانه :] ليس كمثله شيء وهو السميع البصير [ «

[23]/ قال ابن تيمية في المجموع (16/203) :» وإبراهيم و موسى قاما بأصل الدين الذي هو الإقرار بالله و عبادته وحده لا شريك له ومخاصمة من كفر بالله « وقال الشيخ ابن عبد الوهاب في الأصول الثلاثة:» الأصل الثاني معرفة دين الإسلام بالأدلة وهو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله«.

[24]/ قال الشيخ ابن باز وهو يتحدث عن مشركي العرب (2/6) من الفتاوى:» فعلم من ذلك أنهم فهموا معناها بأنها تبطل آلهتهم ، وتوجب تخصيص العبادة لله وحده ، ولو كان معناها لا رب إلا الله أو لا مطاع إلا الله ، لما أنكروا هذه الكلمة فإنهم يعلمون أن الله ربهم وخالقهم وأن طاعته واجبة عليهم فيما علموا أنه من عنده سبحانه « .

[25]/ قال ابن تيمية في الواسطية (3/151) من المجموع :» ومن أصول أهل السنة أن الدين والإيمان قول وعمل قول القلب واللسان ، وعمل القلب واللسان والجوارح ، والإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ، وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر ، كما يفعله الخوارج… « .

[26]/ قال ابن تيمية في العقيدة الواسطية (3/148-149):»وتؤمن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة بالقدر خيره وشره، والإيمان بالقدر على درجتين كل درجة تتضمن شيئين، فالدرجة الأولى الإيمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلا، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق … وأما الدرجة الثانية، فهو مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه ما في السماوات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه، لا يكون في ملكه إلا ما يريد، وأنه سبحانه وتعالى على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات … ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله ونهاهم عن معصيته…، والعباد فاعلون حقيقة والله خالق أفعالهم والعبد هو المؤمن والكافر والبر والفاجر والمصلى والصائم وللعباد قدرة على أعمالهم ولهم إرادة والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم « .

[27]/ قال ابن تيمية في الدرء (8/491-492):»فكانت الفطرة الموجبة للإسلام سابقة للتربية التي يحتجون بها، وهذا يقتضي أن نفس العقل الذي به يعرفون التوحيد حجة في بطلان الشرك لا يحتاج ذلك إلى رسول، فإنه جعل ما تقدم حجة عليهم بدون هذا…وهذا لا يناقض قوله تعالى:} وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا { [الإسراء 15] فإن الرسول يدعو إلى التوحيد، لكن إن لم يكن في الفطرة دليل عقلي يعلم به إثبات الصانع لم يكن في مجرد الرسالة حجة عليهم… ثم إن الله بكمال رحمته وإحسانه لا يعذب أحدا (إلا) بعد إرسال رسول إليهم وإن كانوا فاعلين لما يستحقون به الذم والعقاب» وقال في المجموع (12/500):«وإذا عرف هذا فتكفير المعين من هؤلاء الجهال وأمثالهم بحيث يحكم عليه بأنه من الكفار لا يجوز الإقدام عليه، إلا بعد أن تقوم على أحدهم  الحجة الرسالية … فليس لأحد أن يكفر أحدا من المسلمين، وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة  الحجة وإزالة الشبهة« .

[28]/ قال ابن تيمية في العقيدة الواسطية (3/152):» ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ، كما وصفهم الله به في قوله تعالى :] وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ[ (الحشر:10) … ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله eبالجنة كالعشرة وكثابت بن قيس بن شماس وغيرهم من الصحابة، ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب t وعن غيره : من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ويثلثون بعثمان ويربعون بعلي رضى الله عنهم كما دلت عليه الآثار، وكما أجمع الصحابة رضى الله عنهم على تقديم عثمان في البيعة مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي رضي الله عنهما بعد اتفاقهم على تقديم أبى بكر وعمر أيهما أفضل، فقدم قوم عثمان وسكتوا أو ربعوا بعلي، وقدم قوم عليا ، وقوم توقفوا لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان، وإن كانت هذه المسألة مسألة عثمان وعلي ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن المسألة التي يضلل المخالف فيها هي مسألة الخلافة، وذلك أنهم يؤمنون بأن الخليفة بعد رسول الله أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء الأئمة فهو أضل من حمار أهله «.

[29]/ الآثار (1/142).

[30]/ الآثار (4/59) وانظر في معناه (4/48).

[31]/ الآثار (320).

[32]/ الآثار (251).

[33]/ البخاري (2697) مسلم (1718).

[34]/ الآثار (1/370).

[35]/ الآثار (5/94).

[36]/ الآثار (1/320).

[37]/ مبادئ الأصول (49).

[38]/ الآثار (1/143).

[39]/ الآثار (1/143).

[40]/ الآثار (3/238).

[41]/ الآثار (5/154-155).

[42]/ الآثار (3/222).

[43]/ الآثار (3/155).

[44]/ الآثار (1/320).

[45]/ الآثار (1/250).

[46]/ الآثار (1/251) وانظر آثار البشير الإبراهيمي (1/167).

[47]/ الآثار (1/142).

[48]/ الآثار (1/260).

[49]/ الآثار (1/257) وقوله كادوا أي يهلكون ولعله سقط.

[50]/ الآثار (3/85) .

[51]/ العقائد الإسلامية (66).

[52]/ العقائد الإسلامية (67-68) وانظر الآثار (1/97).

[53]/ الآثار (1/96).

[54]/ أبو داود (1479) ابن ماجة (3828) وصححه الترمذي (2969،3247) وابن حبان (890).

[55]/ الآثار (1/299).

[56]/ الآثار (1/299) وانظر (1/158).

[57]/ العقائد الإسلامية (62) وأما من قد يتوهم أن الشيخ كان مفوضا فيقال له هذا مردود من عدة أوجه الأول : أنه في النص السابق صرح بأنه يثبت الصفات بلا كيف ولا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم من اللفظ معنى وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا  أثبت الصفات قاله ابن تيمية (5/41)، الثاني أنه نص على نفي التعطيل والتفويض في حقيقته تعطيل للصفات وتجهيل لصاحب الرسالة ولأصحابه ، الثالث : أن المفوضة يجعلون الصفات من المتشابه الذي يرد علمه إلى الله وقد تكلم ابن باديس عن المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله وحصر ذلك في بضع عشرة كلمة مشيرا إلى الأحرف المقطعة في أوائل السور، ولم يشر إلى آيات الصفات الآثار (1/360،362).

[58]/ الآثار (5/32) ووصف أيضا الملك عبد العزيز آل سعود مؤسس المملكة العربية السعودية بأنه سلفي انظر مقدمته لمقال ملك العرب (3/145) وقال في موضع آخر (3/263) :» فالحكومة السعودية التي طهرت الحجاز من البدع والضلالات والخرافات وأرجعت أتباع الطرق التي تسمي نفسها طرق صوفية إلى عقولهم ودينهم «.

[59]/ وأظن الشيخ محمد الصالح رمضان ما أصاب في تصرفه في الأصل ونقله الكلام عن هاتين الصفتين من موضعه إلى موضع الكلام عن الإثبات والتنـزيه السابق، حيث أوهم كثيرا من القراء أن ابن باديس لا يثبت إلا الصفات السبع على ما هو مشهور عند الأشاعرة، قال في التعليق :« قوله ( نثبت الاستواء والنزول إلى قوله غير مراد ) كان في الفصل بعد صفة الكلام ..من غير استشهاد عليه بالآيات والأحاديث ، وأرجو ألا يكون هذا من التحكم وسوء التصرف » هامش العقائد الإسلامية (62).

[60]/ وتسمى صفات الأحوال والحال قال الجويني في تعريفها :» صفة لموجود غير متصفة بالوجود ولا بالعدم « الإرشاد (37) والأشاعرة المتقدمون مختلفون في إثباتها وممن نفاها الباقلاني في رسالة الحرة المسماة بالإنصاف.

[61]/ انظر تمهيد الأوائل للباقلاني (299) الإرشاد للجويني (42،45-58).

[62]/ الآثار (1/201).

[63]/ الآثار (1/212).

[64]/ أحمد (5/284) أبو داود (4252) والترمذي (2219) وصححه .

[65]/ الآثار (2/96-97) .

[66]/ الآثار (5/34-35).

[67]/ الآثار (1/299).

[68]/ الآثار (2/151).

[69]/ الآثار (1/29-30).

[70]/ الآثار(1/417) وانظر العقائد (69).

[71]/ العقائد الإسلامية (44) وانظر الآثار (1/228) و(6/292).

[72]/ العقائد الإسلامية (48) ويلاحظ هنا إثبات الشيخ ابن باديس الوضع الشرعي خلافا للباقلاني وكثير من الأشاعرة (البرهان للجويني (1/134) والتبصرة (195)) وقد خالف ابن باديس أيضا بقية الأشاعرة القائلين بالاشتراك وذلك بترجيحه للحقائق الشرعية على الحقائق اللغوية –انظر الفتح المأمول (86-87) والبحر المحيط للزركشي (3/474)ومجموع الفتاوى لابن تيمية (7/298).

[73]/ العقائد الإسلامية (50).

[74]/ انظر مثلا فتح الباري لابن رجب (1/88) ويفضل شيخ الإسلام ابن تيمية أن يطلق بدلا من عبارة التصديق عبارة الإقرار المتضمنة لمعنى التصديق والانقياد، قال في الصارم المسلول :« الإيمان وإن كان يتضمن التصديق فليس هو مجرد التصديق ، وإنما هو الإقرار والطمأنينة ، وذلك لأن التصديق إنما يعرض للخبر فقط ، فأما الأمر فليس فيه تصديق من حيث هو أمر ، وكلام الله تعالى خبر وأمر ، الخبر يستوجب تصديق المخبر ، والأمر يستوجب الانقياد له والاستسلام ، وهو عمل في القلب جماعه الخضوع والانقياد للأمر ، وإن لم يفعل المأمور به ، فإذا قوبل الخبر بالتصديق ، والأمر بالانقياد فقد حصل أصل الإيمان في القلب وهو الطمأنينة والإقرار » الصارم المسلول (519) .

[75]/ العقائد الإسلامية (49).

[76]/ العقائد (48).

[77]/ الآثار (1/212-213).

[78]/ العقائد الإسلامية (53).

[79]/ الآثار (1/34) وانظر (1/355).

[80]/ الآثار (1/176).

[81]/ الآثار (1/212-213).

[82]/ آثار ابن باديس (3/308).

[83]/ العقائد الإسلامية (73-74).

[84]/ العقائد الإسلامية (70).

[85]/ الآثار (3/85).

[86]/ الآثار (1/376).

[87]/ العقائد الإسلامية (76).

[88]/ الآثار (1/242) وانظر (1/376) ومنهاج السنة النبوية لابن تيمية (1/369،373).

[89]/ مبادئ الأصول (23).

[90]/ العقائد (77).

[91]/ مبادئ الأصول (45) وانظر مبادئ الأصول (24) والآثار (1/122).

[92]/ الآثار (1/164) وانظر (1/140).

[93]/ الآثار (1/96) وانظر المعنى نفسه (1/164).

[94]/ الآثار (1/406).

[95]/ الآثار (1/55).

[96]/ الآثار (1/158).

[97]/ الآثار (1/372-373و376).

[98]/ الآثار (1/212-213).

[99]/ الآثار (2/133).

[100]/ انظر (2/228) (3/27) (4/170،175،179) وقد رجح أن الآل في الصلاة على النبي e هم الأتباع انظر (2/237).

[101]/ الآثار (3/44،45) (5/373،377).

[102]/ الآثار (2/294) (3/28،46،164،200) (4/75) (5/422).

[103]/ الآثار (2/133) (3/38،40) وقال (3/43):» فعلى الناظر في تاريخ عثمان رضي الله عنه أن يتثبت ويتحرى حتى لا يقع في ظلم وباطل في حق هذا الإمام الشهيد العظيم «.

[104]/ الآثار (2/292) (3/33،180).

[105]/ الآثار (3/164) (4/75).

[106]/ الآثار (2/133) (3/34).

[107]/ والفقه هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المستفاد من الأدلة التفصلية قال ابن تيمية في الاستقامة (1/61) :» والفقه لا يكون إلا بفهم الأحكام الشرعية بأدلتها السمعية الثبوتية من الكتاب والسنة والإجماع نصا واستنباطا «.

[108]/ قال ابن تيمية في المجموع (19/176) :» والمقصود هنا تحقيق ذلك وهو أن الكتاب والسنة وافيان بجميع أمور الدين ، وأما الإجماع فهو في نفسه حق لا تجتمع الأمة على ضلالة … « وقال ابن تيمية (20/498-503): » وهذه الأصول التي أمر بها عمر بن الخطاب لشريح حيث قال اقض بما في كتاب الله فإن لم يكن فبما في سنة رسول الله، فإن لم يكن فبما اجتمع عليه الناس، وفى رواية فبما قضى به الصالحون، وكذلك قال ابن مسعود من سئل عن شيء فليفت بما في كتاب الله فان لم يكن فبما في سنة رسول الله فإن لم يكن فبما اجتمع عليه الناس وكذلك روي نحوه عن ابن عباس وغيره ولذلك قال العلماء الكتاب والسنة والإجماع وذلك أنه أوجب طاعتهم إذا لم يكن نزاع ولم يأمر بالرد إلى الله والرسول إلا إذا كان نزاع « .

[109]/ قال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (5/206):» إن الأمة إذا اختلفت في مسألة على قولين لم يكن لمن بعدهم إحداث قول ثالث « وقال الشافعي رحمه الله تعالى في اختلافه مع مالك (7/389-399):« فهكذا أنتم فما أعرف لما تقولون من هذا إلا أنه خروج من جميع أقاويل أهل العلم في القديم والحديث، وما علمت أحدا سبقكم به فالله المستعان ».

[110]/ قال ابن تيمية في المجموع (1/250-251):» ولا يجوز أن يعتمد في الشريعة على الأحاديث الضعيفة التي ليست صحيحة ولا حسنة، لكن أحمد بن حنبل وغيره من العلماء جوزوا أن يروى في فضائل الأعمال ما لم يعلم أنه ثابت إذا لم يعلم أنه كذب، وذلك أن العمل إذا علم أنه مشروع بدليل شرعي وروى في فضله حديث لا يعلم أنه كذب جاز أن يكون الثواب حقا، ولم يقل أحد من الأئمة إنه يجوز أن يجعل الشيء واجبا أو مستحبا بحديث ضعيف، ومن قال هذا فقد خالف الإجماع « .

[111]/ قال ابن تيمية في المجموع (22/252):» ومن تعصب لواحد بعينه من الأئمة دون الباقين، فهو بمنزلة من تعصب لواحد بعينه من الصحابة دون الباقين، كالرافضى الذي يتعصب لعلي دون الخلفاء الثلاثة، وجمهور الصحابة وكالخارجي الذي يقدح في عثمان وعلي رضى الله عنهما، فهذه طرق أهل البدع والأهواء الذين ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أنهم مذمومون خارجون عن الشريعة والمنهاج الذي بعث الله به رسوله، فمن تعصب لواحد من الأئمة بعينه ففيه شبه من هؤلاء سواء تعصب لمالك أو الشافعي أو أبى حنيفة أو أحمد أو غيرهم « وقال في (20/203-204):» وبإزائهم من أتباع المذاهب من يوجب التقليد فيها على جميع من بعد الأئمة علمائهم وعوامهم، ومن هؤلاء من يوجب التقليد بعد عصر أبى حنيفة ومالك مطلقا، ثم هل يجب على كل واحد اتباع شخص معين من الأئمة يقلده في عزائمه ورخصه على وجهين، وهذان الوجهان ذكرهما أصحاب أحمد والشافعي، لكن هل يجب على العامي ذلك؟ والذي عليه جماهير الأمة أن الاجتهاد جائز في الجملة والتقليد جائز في الجملة لا يوجبون الاجتهاد على كل أحد ويحرمون التقليد، ولا يوجبون التقليد على كل أحد ويحرمون الاجتهاد، وأن الاجتهاد جائز للقادر على الاجتهاد والتقليد جائز للعاجز عن الاجتهاد « وقال (20/208-209):» وإذا نزلت بالمسلم نازلة فإنه يستفتي من اعتقد أنه يفتيه بشرع الله ورسوله من أي مذهب كان، ولا يجب على أحد من المسلمين تقليد شخص بعينه من العلماء في كل ما يقول، ولا يجب على أحد من المسلمين التزام مذهب شخص معين غير الرسول e في كل ما يوجبه ويخبر به، بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله e ، واتباع شخص لمذهب شخص بعينه لعجزه عن معرفة الشرع من غير جهته، إنما هو مما يسوغ له وليس هو مما يجب على كل أحد إذا أمكنه معرفة الشرع بغير ذلك الطريق، بل كل أحد عليه أن يتقى الله ما استطاع ويطلب علم ما أمر الله به ورسوله فيفعل المأمور ويترك المحظور والله أعلم «.

[112]/ قال الشاطبي في الاعتصام (2/342-343):» فإذا المكلف بأحكامها (يعني الشريعة) لا يخلو من ثلاثة أمور ، أحدهما : أن يكون مجتهدا فيها فحكمه ما أداه إليه اجتهاده فيها …الثاني : أن يكون مقلدا صرفا خليا من العلم الحاكم جملة ، فلابد له من قائد يقوده وحاكم يحكم عليه وعالم يقتدي به …والثالث : أن يكون غير بالغ مبلغ المجتهدين ، لكنه يفهم الدليل وموقعه ويصلح فهمه للترجيح بالمرجحات المعتبرة فيه « ، قال ابن القيم في أعلام الموقعين في الرد على المقلد للإمام فيما أخطأ فيه (2/232) :» هو مأجور لاجتهاده، وأنت غير مأجور لأنك لم تأت بموجب الأجر، بل قد فرطت في الاتباع الواجب، فأنت إذا مأزور…… وأما المتعصب الذي جعل قول متبوعه عيارا على الكتاب والسنة وأقوال الصحابة يزنها به فما وافق قول متبوعه منها قبله، وما خالفه رده فهذا إلى الذم والعقاب أقرب منه إلى الأجر والصواب« . وانظر أعلام الموقعين (2/190-200)، وانظر المجموع (4/197-198) في تقرير أن التقليد المذموم هو قبول قول الغير بغير حجة.

[113]/ قال ابن القيم في أعلام الموقعين (2/268):» قيل إذا كان قد انسد باب الاجتهاد عندكم وقطعتم طريقه، وصار الفرض هو التقليد، فالعدول عنه إلى ما قد سد بابه وقطعت طريقه يكون عندكم معصية وفاعله آثما، وفي هذا من قطع طريق العلم وإبطال حجج الله وبيناته وخلو الأرض من قائم لله بحججه ما يبطل هذا القول ويدحضه، وقد ضمن النبي e أنه لا تزال طائفة من أمته على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة، وهؤلاء هم أولو العلم والمعرفة بما بعث الله به رسوله، فإنهم على بصيرة وبينة، بخلاف الأعمى الذي قد شهد على نفسه بأنه ليس من أولي العلم والبصائر، والمقصود أن الذي هو من لوازم الشرع المتابعة والاقتداء وتقديم النصوص على آراء الرجال وتحكيم الكتاب والسنة في كل ما تنازع فيه العلماء، وأما الزهد في النصوص والاستغناء عنها بآراء الرجال وتقديمها عليها والإنكار على من جعل كتاب الله وسنة رسوله وأقوال الصحابة نصب عينيه وعرض أقوال العلماء عليها، ولم يتخذ من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة، فبطلانه من لوازم الشرع ولا يتم الدين إلا بإنكاره وإبطاله، فهذا لون والاتباع لون والله الموفق « وقال أيضا (2/276):» واختلفوا متى انسد باب الاجتهاد على أقوال كثيرة ما أنزل الله بها من سلطان، وعند هؤلاء أن الأرض قد خلت من قائم لله بحجة، ولم يبق فيها من يتكلم بالعلم، ولم يحل لأحد بعد أن ينظر في كتاب الله ولا سنة رسوله لأخذ الأحكام منهما، ولا يقضي ويفتي بما فيهما حتى يعرضه على قول مقلده ومتبوعه، فإن وافقه حكم به وأفتى به وإلا رده ولم يقبله، وهذه أقوال كما ترى قد بلغت من الفساد والبطلان والتناقض والقول على الله بلا علم وإبطال حججه والزهد في كتابه وسنة رسوله، وتلقي الأحكام منهما مبلغها...« ، وانظر الطرق الحكمية (18).

[114]/ الآثار (1/250).

[115]/ الآثار (3/240).

[116]/ الآثار (1/251).

[117]/ الآثار (1/252).

[118]/ الآثار (6/69).

[119]/ الآثار (2/338).

[120]/ الآثار (3/252) و(6/82).

[121]/ الآثار (5/94).

[122]/ الآثار (3/241).

[123]/ الآثار (5/38).

[124]/ الآثار (4/78).

[125]/ الآثار (1/141).

[126]/ الفتح المأمول (163).

[127]/ الآثار (4/81).

[128]/ الآثار (1/142).

[129]/ الآثار (1/98).

[130]/ الآثار (6/43).

[131]/ الآثار (5/60).

[132]/ مبادئ الأصول مع شرحه الفتح المأمول (163-164).

[133]/ الآثار (3/91-92).

[134]/ الآثار (6/23).

[135]/ الآثار (4/60).

[136]/ الآثار (3/285).

[137]/ الآثار (3/257).

[138]/ الآثار (3/257-258).

[139]/ الآثار (3/258).

[140]/ الآثار (3/256).

[141]/ الآثار (3/260-261).

[142]/ الآثار (4/74).

[143]/ الآثار (4/76).

[144]/ قال الشيخ مبارك الميلي وهو يصف منهج ابن باديس في التدريس :« التعليم المسجدي وهو للطلبة والعامة، فأما العامة فكانوا يحضرون للمسجد إما لطلب الاعتقادات من كتب الكلام أمثال صغرى السنوسي ، وإما لمعرفة العبادات من كتب الفقه كابن عاشر وخليل ، وفي هذا الدور أصبحوا يحضرون لمعرفة الاعتقادات من آيات الله ، ولمعرفة العبادات من كتب السنة كالموطأ ، ولمعرفة الشمائل من شمائل الترمذي أو الشفا ، ولسماع العظات من القرآن والحديث ، فالتعليم المسجدي اليوم يقوم على الكتاب والسنة من غير أن يحارب كتب الكلام والفقه ، وإنما يحارب كتب المناقب والرقائق المحشوة بالموضوعات والأساطير ، والتعليم المسجدي ليس بجديد وإنما الجديد فيه دراسة الكتاب والسنة وتوجيه العامة إليهما في اعتقاداتها وعباداتها وسلوكها. أما الطلبة المسجديون فقد نظموا في هذا الدور تنظيما يميز كل طبقة من أخرى ، ويعطيها من المعلومات ما يناسبها ، ولا تزال مادة تعليمه المتن والشرح غالبا ، لكن أسلوبه لم يبق على ما كان عليه ، فقد صار المعلم يشرح المسألة العلمية مستقلة ثم يعود إلى عبارة المؤلف لينزلها عليها ويبين وفاءها أو قصورها » الشيخ مبارك الميلي لمحمد الميلي (183-184).

[145]/ الآثار (5/102).

[146]/ قال ابن تيمية في المجموع (10/362-363) :» فالعلم المشروع والنسك المشروع مأخوذ عن أصحاب رسول الله وأما ما جاء عمن بعدهم، فلا ينبغي أن يجعل أصلا وإن كان صاحبه معذورا، بل مأجورا لاجتهاد أو تقليد، فمن بنى الكلام في العلم الأصول والفروع على الكتاب والسنة والآثار المأثورة عن السابقين فقد أصاب طريق النبوة، وكذلك من بنى الإرادة والعبادة والعمل والسماع المتعلق بأصول الأعمال وفروعها من الأحوال القلبية والأعمال البدنية على الإيمان والسنة والهدى الذي كان عليه محمد وأصحابه فقد أصاب طريق النبوة وهذه طريق أئمة الهدى « .

[147]/ قال ابن القيم في مدارج السالكين (1/494-495):» القاعدة الأولى : أن الذوق والحال والوجد هل هو حاكم أو محكوم عليه فيحكم عليه بحاكم آخر أو ويتحاكم إليه؟ فهذا منشأ ضلال من ضل من المفسدين لطريق القوم الصحيحة، حيث جعلوه حاكما فتحاكموا إليه فيما يسوغ ويمتنع، وفيما هو صحيح وفاسد، وجعلوه محكا للحق والباطل فنبذوا لذلك موجب العلم والنصوص، وحكموا فيها الأذواق والأحوال والمواجيد فعظم الأمر وتفاقم الفساد والشر، وطمست معالم الإيمان والسلوك المستقيم وانعكس السير، وكان إلى الله فصيروه إلى النفوس، فالناس المحجوبون عن أذواقهم يعبدون الله وهؤلاء يعبدون نفوسهم «، وانظر المدارج (2/70-71) و(2/334).

[148]/ قال ابن تيمية في المجموع (18/65-66):» وكذلك ما عليه العلماء من العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، ليس معناه إثبات الاستحباب بالحديث الذي لا يحتج به فإن الاستحباب حكم شرعي ، فلا يثبت إلا بدليل شرعي، ومن أخبر عن الله أنه يحب عملا من  الأعمال من غير دليل شرعي فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، كما لو أثبت الإيجاب أو التحريم، ولهذا يختلف العلماء في الاستحباب كما يختلفون في غيره ، بل هو أصل الدين المشروع، وإنما مرادهم بذلك أن يكون العمل مما قد ثبت أنه مما يحبه الله أو مما يكرهه الله بنص أو إجماع، كتلاوة القرآن والتسبيح والدعاء والصدقة والعتق والإحسان إلى الناس، وكراهة الكذب والخيانة ونحو ذلك فإذا روى حديث في فضل بعض  الأعمال المستحبة وثوابها وكراهة بعض الأعمال وعقابها فمقادير الثواب والعقاب وأنواعه إذا روى فيها حديث لا نعلم أنه موضوع جازت روايته والعمل به بمعنى أن النفس ترجو ذلك الثواب أو تخاف ذلك العقاب كرجل يعلم أن التجارة تربح لكن بلغه أنها تربح ربحا كثيرا فهذا إن صدق نفعه وإن كذب لم يضره ومثال ذلك الترغيب والترهيب بالإسرائيليات والمنامات وكلمات السلف والعلماء ووقائع العلماء ونحو ذلك مما لا يجوز بمجرده إثبات حكم شرعي لا استحباب ولا غيره«.

[149]/ قال ابن تيمية  (1/ 160) :»  وفيهم من ينظم القصائد في دعاء الميت والاستشفاع به والاستغاثة أو يذكر ذلك في ضمن مديح الأنبياء والصالحين، فهذا كله ليس بمشروع ولا واجب ولا مستحب باتفاق أئمة المسلمين، ومن تعبد بعبادة ليست واجبة ولا مستحبة وهو يعتقدها واجبة أو مستحبة، فهو ضال مبتدع بدعة سيئة لا بدعة حسنة باتفاق أئمة الدين، فإن الله لا يعبد إلا بما هو واجب أو مستحب، وكثير من الناس يذكرون في هذه الأنواع من الشرك منافع ومصالح، ويحتجون عليها بحجج من جهة الرأي أو الذوق أو من جهة التقليد والمنامات ونحو ذلك « وقال في اقتضاء الصراط المستقيم (314-315) :» فمن قصد بقعة يرجو الخير بقصدها ولم تستحب الشريعة ذلك، فهو من المنكرات وبعضه أشد من بعض، سواء كانت البقعة شجرة أو غيرها أو قناة جارية أو جبلا أو مغارة، وسواء قصدها ليصلي عندها أو ليدعو عندها أو ليقرأ عندها أو ليذكر الله سبحانه عندها أو لينسك عندها، بحيث يخص تلك البقعة بنوع من العبادة التي لم يشرع تخصيص تلك البقعة به لا عينا ولا نوعا « .

[150]/ قال ابن تيمية في الاقتضاء (269-271):» ولهذا كان الأصل الذي بنى الإمام أحمد وغيره من الأئمة عليه مذاهبهم أن أعمال الخلق تنقسم إلى عبادات يتخذونها دينا ينتفعون بها في الآخرة أو في الدنيا والآخرة، وإلى عادات ينتفعون بها في معايشهم، فالأصل في العبادات أن لا يشرع منها إلا ما شرعه الله، والأصل في العادات أن لا يحظر منها إلا ما حظره الله،… واعلم أن هذه القاعدة وهي الاستدلال بكون الشيء بدعة على كراهته قاعدة عامة عظيمة، وتمامها بالجواب عما يعارضها، وذلك أن من الناس من يقول البدع تنقسم إلى قسمين حسنة وقبيحة بدليل قول عمر t في صلاة التراويح نعمت البدعة هذه، وبدليل أشياء من الأقوال والأفعال أحدثت بعد رسول الله e وليست بمكروهة أو هي حسنة، للأدلة الدالة على ذلك من الإجماع أو القياس، … ثم هؤلاء المعارضون لهم هنا مقامان، أحدهما أن يقولوا إذا ثبت أن بعض البدع حسن وبعضها قبيح فالقبيح ما نهانا عنه الشارع أما ما سكت عنه من البدع فليس بقبيح بل قد يكون حسنا فهذا مما قد يقوله بعضهم، المقام الثاني أن يقال عن  بدعة سيئة هذه بدعة حسنة، لأن فيها من المصلحة كيت وكيت، وهؤلاء المعارضون يقولون ليست كل بدعة ضلالة، والجواب أن القول أن شر الأمور محدثاتها وأن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، والتحذير من الأمور المحدثات، فهذا نص رسول الله e فلا يحل لأحد أن يدفع دلالته على ذم البدع ومن نازع في دلالته فهو مراغم « .

[151]/ قال الشاطبي في الاعتصام (2/627)-دار ابن عفان-:» فهذه أمثلة عشرة توضح لك الوجه العملي في المصالح المرسلة ، وتبين لك اعتبار أمور : أحدها الملائمة لمقاصد الشرع بحيث لا تنافي أصلا من أصوله ، ولا دليلا من دلائله ، والثاني أن عامة النظر فيها إنما هو فيما غفل معناه وجرى على وفق المناسبات المعقولة التي إذا عرضت على العقول تلقتها بالقبول ، فلا مدخل لها في التعبدات ، ولا ما جرى مجراها من الأمور الشرعية ، لأن عامة التعبدات لا يعقل معناها على التفصيل ، كالوضوء والصلاة والصيام في زمن مخصوص دون غيره ، والحج ونحو ذلك « وقال (2/633):» وإذا تقررت هذه الشروط علم أن البدع كالمضاد للمصالح المرسلة لأن موضوع المصالح المرسلة ما عقل معناه على التفصيل ، والتعبدات من حقيقتها أن لا يعقل معناها على التفصيل « وانظر حقيقة البدعة لسعيد بن ناصر الغامدي (2/184-185).

[152]/ قال ابن تيمية في المجموع (11/15):» فمن جعل طريق أحد من العلماء والفقهاء، أو طريق أحد من العباد والنساك أفضل من طريق الصحابة فهو مخطئ ضال مبتدع«، وقال (10/340-341):» فمحمد أرسل إلى كل أحد من الإنس والجن كتابيهم وغير كتابيهم، في كل ما يتعلق بدينه من الأمور الباطنة والظاهرة، في عقائده وحقائقه وطرائقه وشرائعه، فلا عقيدة إلا عقيدته، ولا حقيقة إلا حقيقته ، ولا طريقة إلا طريقته، ولا شريعة إلا شريعته، ولا يصل أحد من الخلق إلى الله وإلى رضوانه وجنته وكرامته، وولايته إلا بمتابعته باطنا وظاهرا في الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة … وليس لله ولى إلا من اتبعه باطنا وظاهرا فصدقه فيما أخبر به من الغيوب والتزم طاعته فيما فرض على الخلق من أداء الواجبات وترك المحرمات، فمن لم يكن له مصدقا فيما أخبر، ملتزما طاعته فيما أوجب وأمر به في الأمور الباطنة التي في القلوب، والأعمال الظاهرة التي على الأبدان، لم يكن مؤمنا فضلا عن أن يكون وليا لله  « وقال (22/524):» فإن الدعاء من أفضل العبادات، وقد نهانا الله عن الاعتداء فيه، فينبغي لنا أن نتبع فيه ما شرع وسن، كما أنه ينبغي لنا ذلك في غيره من العبادات، والذي يعدل عن الدعاء المشروع إلى غيره، وإن كان من أحزاب بعض المشائخ الأحسن له أن لا يفوته الأكمل الأفضل ، وهى الأدعية النبوية، فإنها أفضل وأكمل باتفاق المسلمين من الأدعية التي ليست كذلك، وإن قالها بعض الشيوخ، فكيف يكون في عين الأدعية ما هو خطأ أو إثم أو غير ذلك. ومن أشد الناس عيبا من يتخذ حزبا ليس بمأثور عن النبي e ، وإن كان حزبا لبعض المشائخ ويدع الأحزاب النبوية التي كان يقولها سيد بنى آدم وإمام الخلق وحجة الله على عباده والله أعلم « .

[153]/ الآثار (1/250).

[154]/ الآثار (1/32).

[155]/ الآثار (4/261) وقال بعدها :» إن بعض الشيوخ المنتمين إلى الطريق لما سمعني أستدل بكلام الجنيد على لزوم وزن الأعمال والأقوال والأحوال والفهوم بالكتاب والسنة قال لي وما الجنيد إلا واحد من الناس . وما صار الجنيد واحدا من الناس إلا يوم استدللت بكلامه « .

[156]/ الآثار (5/108).

[157]/ الآثار (3/316).

[158]/ الآثار (3/49-50).

[159]/ الآثار (3/62).

[160]/ مسلم (5).

[161]/ الآثار (2/119).

[162]/ الآثار (1/143).

[163]/ الآثار (3/300).

[164]/ الآثار (1/71).

[165]/ الآثار (1/224).

[166]/ الآثار (5/175).

[167]/ الآثار (1/87).

[168]/ الآثار (3/235).

[169]/ الآثار (2/57).

[170]/ الآثار (3/274).

[171]/ الآثار (3/295).

[172]/ الآثار (3/273).

[173]/ مسلم (867).

[174]/ مسلم (2674).

[175]/ الآثار (3/275).

[176]/ الآثار (2/65-66).

[177]/ الآثار (5/32).

[178]/ الآثار (5/283).

[179]/ الآثار (5/154).

[180]/ الآثار (1/224).

[181]/ ورد هذا اللفظ عند النسائي (1578) وصححه ابن خزيمة (1785).

[182]/ الآثار (1/386).

[183]/ الآثار (5/154).

[184]/ الآثار (3/284).

[185]/ الآثار (5/155).

[186]/ الآثار (3/262).

[187]/ الآثار (5/129).

[188]/ الآثار (3/263).

[189]/ قال ابن القيم في مدارج السالكين (2/70-72):» الاعتراض على ذلك بالسياسات الجائرة التي لأرباب الولايات التي قدموها على حكم الله ورسوله وحكموا بها بين عباده وعطلوا لها وبها شرعه وعدله وحدوده، فقال الأولون: إذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل، وقال الآخرون: إذا تعارض الأثر والقياس قدمنا القياس، وقال أصحاب الذوق والكشف والوجد: إذا تعارض الذوق والوجد والكشف وظاهر الشرع قدمنا الذوق والوجد والكشف، وقال أصحاب السياسة: إذا تعارضت السياسة والشرع قدمنا السياسة، فجعلت كل طائفة قبالة دين الله وشرعه طاغوتا يتحاكمون إليه، فهؤلاء يقولون لكم النقل ولنا العقل، والآخرون يقولون: أنتم أصحاب آثار وأخبار ونحن أصحاب أقيسة وآراء وأفكار، وأولئك يقولون: أنتم أرباب الظاهر ونحن أهل الحقائق، والآخرون يقولون: لكم الشرع ولنا السياسة، فيا لها من بلية عمت فأعمت، ورزية رمت فأصمت وفتنة دعت القلوب، فأجابها كل قلب مفتون وأهوية عصفت، فصمت منها الآذان وعميت منها العيون … «، ويقول الشيخ ربيع بن هادي المدخلي في كتابه منهج الأنبياء في الدعوة (123):« عرفنا فيما مضى منهج الأنبياء في الدعوة إلى التوحيد ومحاربة الشرك ومظاهره وأسبابه ، وأنه منهج قائم على العقل والحكمة والفطرة، وعرفنا أدلة ذلك جملة وتفصيلا من نصوص الكتاب والسنة ومن الناحية العقلية . والآن نسأل هل يجوز للدعاة في عصر من العصور العدول عن منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله الجواب في ضوء ما سبق وما سيأتي لا يجوز شرعا ولا عقلا العدول عن هذا المنهج واختيار سواه. أولا : أن هذا المنهج هو الطريق القويم الذي رسمه الله لجميع الأنبياء من أولهم إلى آخرهم ، والله هو واضع هذا المنهج وهو خالق الإنسان والعالم بطبائع البشر وما يصلح أرواحهم وقلوبهم } ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير{ ».

[190]/ قال شيخ الإسلام ابن تيمية (4/97) عن أهل الحديث :« أما أهل العلم فكانوا يقولون هم الأبدال لأنهم أبدال الأنبياء ، وقائمون مقامهم حقيقة ليسوا من المعدمين الذين لا يعرف لهم حقيقة، كل منهم يقوم مقام الأنبياء في القدر الذي ناب عنهم فيه، هذا في العلم والمقال وهذا في العبادة والحال، وهذا في الأمرين جميعا، وكانوا يقولون هم الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة الظاهرون على الحق لأن الهدى ودين الحق الذي بعث به رسله معهم هو الذي وعد الله بظهوره على الدين كله ».

[191]/ قال ابن تيمية(15/157):« فالدعوة إلى الله تكون بدعوة العبد إلى دينه وأصل ذلك عبادته وحده لا شريك له ، كما بعث الله بذلك رسله وأنزل به كتبه ». وقال ابن القيم في مدارج السالكين (3/411): «التوحيد أول دعوة الرسل وأول منازل الطريق ، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله تعالى …فالتوحيد مفتاح دعوة الرسل ».

[192]/ قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (19/155):« إن رسول الله e بيَّن جميع الدين أصوله وفروعه، باطنه وظاهره، علمه وعمله، فإن هذا أصل أصول العلم والإيمان، وكل من كان أعظم اعتصاما بهذا الأصل كان أولى بالحق علما وعملا ». والذي جاء به الرسول e هو القرآن (كلام الله تعالى ) والسنة ( شرحه وبيانه ). وقال الشافعي مقررا هذا المعنى في الرسالة :« فليست تنـزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها »

[193]/ يقول ابن تيمية (28/232):« فالكتاب هو الأصل ولهذا أول ما بعث الله رسوله أنزل عليه الكتاب ومكث بمكة لم يأمره بالسيف حتى هاجر وصار له أعوان على الجهاد » ويقول ابن القيم في جلاء الأفهام (415):» فمن دعا إلى الله تعالى فهو على سبيل رسوله، وهو على بصيرة وهو من أتباعه ومن دعا إلى غير ذلك، فليس على سبيله ولا هو على بصيرة ولا هو من أتباعه، فالدعوة إلى الله تعالى هي وظيفة المرسلين وأتباعهم وهم خلفاء الرسل في أممهم والناس تبع لهم، والله سبحانه قد أمر رسوله أن يبلغ ما أنزل إليه، وضمن له حفظه وعصمته من الناس، وهكذا المبلغون عنه من أمته لهم من حفظ الله وعصمته إياهم بحسب قيامهم بدينه وتبليغهم لهم « .

[194]/ قال ابن القيم في مفتاح دار السعادة (1/154):»وإذا كانت الدعوة إلى الله أشرف مقامات العبد وأجلها وأفضلها، فهي لا تحصل إلا بالعلم الذي يدعو به وإليه، بل لابد في كمال الدعوة من البلوغ في العلم إلى حد يصل إليه السعي، ويكفي هذا في شرف العلم أن صاحبه يحوز به هذا المقام والله يؤتي فضله من يشاء « .

[195]/ قال ابن تيمية (28/15-16):» وليس للمعلمين أن يحزبوا الناس ويفعلوا ما يلقي بينهم العداوة والبغضاء، بل يكونون مثل الإخوة المتعاونين على البر والتقوى، كما قال تعالى:]  وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإثْمِ وَالْعُدْوَانِ[ وليس لأحد منهم أن يأخذ على أحد عهدا بموافقته على كل ما يريده وموالاة من يواليه ومعاداة من يعاديه« ، وقال (3/347):»فمن جعل شخصا من الأشخاص غير رسول الله rمن أحبه ووافقه كان من أهل السنة والجماعة، ومن خالفه كان من أهل البدعة والفرقة كما يوجد ذلك في الطوائف من أتباع أئمة في الكلام في الدين وغير ذلك كان من أهل البدع والضلال والتفرق، وبهذا يتبين أن أحق الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية أهل الحديث والسنة الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله r».

[196]/ قال ابن تيمية في العقيدة الواسطية(3/158):» ثم هم مع هذه الأصول ، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة « وقال (15/165-166):» إذا تبين ذلك فالدعوة إلى الله واجبة على من اتبعه، وهم أمته يدعون إلى الله كما دعا إلى الله، وكذلك يتضمن أمرهم بما أمر به ونهيهم عما ينهى عنه، وإخبارهم بما أخبر به إذ الدعوة تتضمن الأمر، وذلك يتناول الأمر بكل معروف والنهي عن كل منكر، وقد وصف أمته بذلك في غير موضع كما وصفه بذلك …  « .

[197]/ قال ابن تيمية في الاستقامة (2/233):» فلا بد من هذه الثلاثة العلم والرفق والصبر العلم قبل الأمر والنهي، والرفق معه والصبر بعده، وإن كان كل من الثلاثة لا بد أن يكون مستصحبا في هذه الأحوال« وقال في المجموع (15/167):» والقيام بالواجبات من الدعوة الواجبة وغيرها يحتاج إلى شروط يقام بها كما جاء في الحديث(!) ينبغي لمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر: أن يكون فقيها فيما يأمر به فقيها فيما ينهى عنه، رفيقا فيما يأمر به رفيقا فيما ينهى عنه، حليما فيما يأمر به حليما فيما ينهى عنه، فالفقه قبل الأمر ليعرف المعروف وينكر المنكر والرفق عند الأمر ليسلك أقرب الطرق إلى تحصيل المقصود والحلم بعد الأمر ليصير على أذى المأمور المنهي، فإنه كثيرا ما يحصل له الأذى بذلك، ولهذا قال تعالى:] وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَك[ (لقمان:ة17) وقد أمر نبينا بالصبر في مواضع كثيرة كما قال تعالى في أول المدثر :] قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ولا تمنن تستكثر ولربك فاصبر [  … « .

[198]/ الآثار (1/210).

[199]/ الآثار (1/225).

[200]/ الآثار (4/183).

[201]/ الآثار (5/109).

[202]/ الآثار (1/95-96).

[203]/ الآثار (6/292-293).

[204]/ الآثار (5/75).

[205]/ الآثار (1/166).

[206]/ الآثار (1/41).

[207]/ الآثار (1/79).

[208]/ الآثار (1/190).

[209]/ الآثار (1/370).

[210]/ الآثار (1/210).

[211]/ الآثار (5/286).

[212]/ الآثار (6/181) وبعد مشاورة إخوانه في الجمعية أكد الرفض في بيان آخر انظره في (6/186).

[213]/ الآثار (1/67-68).

[214]/ الآثار (1/139).

[215]/ الآثار (1/140).

[216]/ الآثار (4/74).

[217]/ الآثار (4/77).

[218]/ الآثار (2/93).

[219]/ الآثار (2/94).

[220]/ الآثار (4/198).

[221]/ الآثار (1/187).

[222]/ الآثار (1/61).

[223]/ الآثار (1/60).

[224]/ الآثار (3/267).

[225]/ الآثار (3/269).

[226]/ الآثار (4/165-166).

[227]/ الآثار (1/155).

[228]/ الآثار (1/154).

[229]/ الآثار (1/152-153).

[230]/ الآثار (1/141).

[231]/ الآثار (1/197).

[232]/ الآثار (1/55).

[233]/ الآثار (1/65).

[234]/ مجموع الفتاوى (4/149) رحم الله ابن تيمية كأنه يرد بكلامه هذا على بعض أهل زماننا.

[235]/ الآثار (5/32).

[236]/ الآثار (4/76).

[237]/ الآثار (3/155).

[238]/ الآثار (3/145).

[239]/ الآثار (5/435).

تم قراءة المقال 31937 مرة