الأحد 17 شوال 1431

منهج الألباني في مسائل التبديع والتعامل مع المخالفين

كتبه 
قيم الموضوع
(33 أصوات)

 

 

 

 

 


 
 
    تقريظ الشيخ أبي سعيد بلعيد بن أحمد

 الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين ، وبعد : فقد اطلعت على رسالة أخينا الشيخ أبي عبد الله محمد حاج عيسى الجزائري حفظه الله، والمعنونة بـ:"منهج العلامة الألباني في مسائل التبديع والتعامل مع المخالفين"، فألفيتها رسالة قيمة، استطاع المؤلف أن يصيغ كلام الإمام الألباني المتفرق في أشرطة متنوعة صياغة حسنة، تحت عناوين مفيدة ، فجزاه الله خيرا ، وإني أنصح كل مسلم بالإفادة منها، والسير على منهاجها، ذلك أن الإمام الألباني عالم رباني فتح الله عليه وكان موضحا للأمة منهج السلف الصالح، وهو من المجتهدين الذين ترجع إليهم الأمة خاصة في أيام الفتن حيث يخرجون المسلمين –بتوفيق الله – من الفتن والاختلاف، وكثيرا ما كنت أنصح الذين غلوا في مسائل التجريح والتبديع بوزن كلام طلاب العلم وصغار العلماء بميزان كلام الأئمة الذين اتفقت الأمة على إمامتهم ، والذين ماتوا على السنة، لأن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أسأل الله تعالى أن يجمع كلمة المسلمين على الحق والسنة إنه سميع مجيب .

كتبه أبو سعيد بلعيد بن أحمد

10جمادى الأولى 1429هـ

16ماي 2008م

منهج الألباني في مسائل التبديع والتعامل مع المخالفين

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

 

   إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أما بعد :

   فإن الشيخ العلامة الألباني رحمه الله تعالى أحد كبار العلماء في هذا الزمان، ومجدد علم الحديث وطريقة أهله في هذا القرن، ومن أكثر علماء أهل السنة اعتناء ببحث القضايا المنهجية الدعوية، عالم عاش داعيا إلى الله تعالى وإلى منهج السلف الصالح، ومجاهدا بقلمه ولسانه كل مظاهر الانحراف عن صراط الله تعالى وسنة نبيه e ، وعايش كثيرا من الطوائف والجماعات، وعرف عقائدهم وخبر مناهجهم، وكشف ضلالات الضالين ورد على أخطاء المخالفين([1])، وكان بحق شوكة في حلوق أهل الزيغ والهوى، لكنه -رحمه الله تعالى- عُرِف بالعدل والإنصاف وتجسدت فيه مقولة ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في صفة أهل السنة والعلم والإيمان من أنهم" يعلمون الحق ويرحمون الخلق "([2]).

   وإنه من واجب مبتغي الحق في المسائل الكبار التي تهم عموم الأمة، أن يبحث عن آراء العلماء الجهابذة فيها، وإن من قواعد المنهج الصحيح التي ينبغي أن يتعلمها المسلم لتثبت قدمه على طريق السنة ومنهج السلف أن المسائل الكبار للفقهاء الكبار، وأن من عجز عن الكلام في جزئيات العقيدة والفقه والسلوك فهو عن الكلام في قضايا المنهج الكلية أعجز وبها أجهل، قال المولى عز وجل:] وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً[ (النساء:83).

 

   هذا، ولقد أثير جدل منذ زمن في بعض القضايا المنهجية الدعوية، فاختلف الناس فيها كثيرا وتنافروا وتدابروا، وغلا كثير منهم في تعظيم رأيه حتى جعله هو الحق الذي لا يقبل الجدال، ورأى مخالفه معدودا من أهل الضلال، فتمزق الشمل وتفرقت الصفوف، وظهرت أخطاء علمية وانحرافات سلوكية لم تكن بين أهل السنة من قبل، وقد تبناها طوائف كثيرة يجمعها الغلو والقسوة وتحريف عقيدة الولاء والبراء .

   ولما كان بعض هؤلاء الغلاة يزعمون أنهم مقتفون لآثار السلف وأنهم متبعون لأئمة السنة في هذا العصر ومنهم العلامة الألباني رحمه الله، رأيت أن أجمع ما تناثر من كلام الشيخ رحمه الله في هذه المسائل مما تيسر لدي من أشرطته، وذلك تثبيتا لأهل الحق وردا على المخالفين وإلزاما لهم، ونصيحة لطالبي الحق منهم، خاصة وأن هذه الفتاوى قد أصبحت نسيا منسيا، وأضحى المتكلم بآراء العلامة الألباني والناشر لها معتبرا عند بعضهم ضالا مضلا، وغفل هؤلاء عن أن لازم قولهم رمي الألباني بالضلال.

  ونحن لا نلزم أحدا باتباع آراء العلامة الألباني واختياراته في المسائل الاجتهادية، كما لا نرضى لغيرنا أن يلزمنا بمخالفة الألباني فيما اعتقدنا صواب رأيه فيه، والحَكَم بين المختلفين هو كتاب الله وسنة نبيهe وفهم سلف الأمة، قال الله تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً[ (النساء:59). والإلزام إنما يصح في المسائل القطعية المنصوصة والمجمع عليها([3])، لكن أقل ما نرجوه هو أن يعذر أهل السنة بعضهم بعضا وأن يرفق بعضهم ببعض، نقول هذا مع علمنا بأن بعض المخالفين قد خالفوا منهج أئمة السنة وعلماء العصر الكبار في مسائل قطعية لا تقبل النقاش، ومنها ما يتعلق بعقيدة الولاء والبراء والحكم على الناس.

  وإن بعض هؤلاء الغلاة على دراية تامة بمخالفتهم للعلماء لذلك فقد وصف أحدُهم الألباني بأنه سروري، وكثير منهم يقول: « الألباني لا يفقه واقع الجماعات» بمعنى: أنه يفتي بلا علم! أو أنه «غير متخصص في المنهج!!» بمعنى: يتكلم فيما لا يحسن وفيما لا يعنيه!! أو«لبس عليه الأمر تلاميذه أو فلان» بمعنى: أنه غير متثبت وخفيف العقل!! أو «كلامه قديم »بمعنى: قاله قبل أن يصير سلفيا!! كما يقولون نحو ذلك عن الشيخين ابن باز والعثيمين رحمهم الله تعالى، نعم إنهم يقولون ذلك عنهم بلسان الحال أو المقال، جهرا أو سرا([4])، نسأل الله تعالى لنا ولهم الهداية، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

المطلب الأول : الحكم على الناس بالظاهر

 

   من القواعد المهمة التي ينتهجها أهل الحق والعدل في الحكم على الناس، الحكم عليهم بما أظهروا من إسلام أو سنة أو طاعة، من غير إعمال لسوء الظن ولا تفتيش عن البواطن أو تلمس للعثرات أو امتحان، وفي هذا يقول الشيخ الألباني رحمه الله : «فهذا المنتمي إلى السلف الصالح على نسبة قربه وبعده في تحقيق انتسابه إلى السلف الصالح يقال فيه إنه مع السلف الصالح ، ولذلك فلا يصح أن يطلق القول بإخراج من كان يعلن ولو بلسانه على الأقل، لا يصح أن نقول أنه ليس سلفيا ما دام يدعو إلى منهج السلف الصالح، ما دام يدعو إلى اتباع الكتاب والسنة وعدم التعصب لإمام من الأئمة، فضلا عن أن يتعصب لطريق من الطرق فضلا عن أن يتعصب لحزب من الأحزاب، لكن له آراء يشذ فيها في بعض المسائل الاجتهادية ، وهذا لابد منه …لكن (يعني ينظر إلى) القاعدة هل هو مؤمن بها؟ هل هو داع إليها؟»([5]).

  فمن كان منتسبا إلى منهج السلف وداعيا إليه بلسانه على الأقل، لا يجوز أن يحكم عليه بخلاف ما أظهر ما لم ينقضه بنواقض بَيِّنة، لأننا كلفنا الحكم بالظاهر.

  وهذا الذي قرره الألباني ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إذ قال ردا على أحدهم: « وإن أردت بالتستر أنهم يجتنون به ويتقون به غيرهم ويتظاهرون به حتى إذا خوطب أحدهم قال أنا على مذهب السلف، وهذا الذي أراده والله أعلم فيقال له لا عيب على من أظهر مذهب السلف وانتسب إليه واعتزى إليه، بل يجب قبول ذلك منه بالاتفاق ، فإن مذهب السلف لا يكون إلا حقا، فإن كان موافقا له باطنا وظاهرا فهو بمنزلة المؤمن الذي هو على الحق باطنا وظاهرا، وإن كان موافقا له في الظاهر فقط دون الباطن فهو بمنزلة المنافق فتقبل منه علانيته وتوكل سريرته إلى الله، فإنا لم نؤمر أن ننقب عن قلوب الناس ولا أن نشق بطونهم»([6]).

  ومن دلائل هذه القاعدة الاتفاق الذي نقله شيخ الإسلام ابن تيمية وقد نقله قبله ابن عبد البر-رحمه الله- فقال :« وقد أجمعوا أن أحكام الدنيا على الظاهر وإن السرائر إلى الله عز وجل »([7])، وفي ذلك نصوص شرعية كثيرة، قال الشافعي: «الأحكام على الظاهر والله ولي المغيب، ومن حكم على الناس بالإزكان([8])، جعل لنفسه ما حظر الله تعالى عليه ورسوله e، لأن الله عز وجل إنما يولي الثواب والعقاب على المغيب، لأنه لا يعلمه إلا هو جل ثناؤه، وكلف العباد أن يأخذوا من العباد بالظاهر، ولو كان لأحد أن يأخذ بباطن عليه دلالة كان ذلك لرسول الله e، وما وصفت من هذا يدخل في جميع العلم، فإن قال قائل: ما دل على ما وصفت من أنه لا يحكم بالباطن؟ قيل: كتاب الله ثم سنة رسول الله e، ذكر الله تبارك وتعالى المنافقين فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم :] إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ [ قرأ إلى ] فصدوا عن سبيل الله [ فأقرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يتناكحون ويتوارثون ويسهم لهم إذا حضروا القسمة ويحكم لهم أحكام المسلمين وقد أخبر الله تعالى ذكره عن كفرهم وأخبر رسول الله e أنهم اتخذوا أيمانهم جنة من القتل بإظهار الأيمان على الإيمان وقال رسول الله e :« إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ به فإنما أقطع له بقطعة من النار»([9])، فأخبرهم أنه يقضي بالظاهر»([10]).

  ومن النصوص قول النبي صلى الله عليه وسلم:« إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ»([11]). ومنها حديث أسامة بن زيد لما قتل ذاك الذي قال لا إله إلا الله وزعم أنه قالها خوفا من السلاح فقَالَ صلى الله عليه وسلم: « أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا »([12])، ومنها قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه:« وَإِنَّمَا نَأْخُذُكُمْ الْآنَ بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا خَيْرًا أَمِنَّاهُ وَقَرَّبْنَاهُ وَلَيْسَ إِلَيْنَا مِنْ سَرِيرَتِهِ شَيْءٌ اللَّهُ يُحَاسِبُهُ فِي سَرِيرَتِهِ، وَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا سُوءًا لَمْ نَأْمَنْهُ وَلَمْ نُصَدِّقْهُ، وَإِنْ قَالَ إِنَّ سَرِيرَتَهُ حَسَنَةٌ»([13]).

 

المطلب الثاني : اشتراط قيام الحجة في التبديع

 

ومن أصول أهل السنة العذر بالجهل والتأويل ، في الحكم بالكفر والبدعة والفسق من غير فرق، ومنه فإن من موانع التبديع العيني في بعض الأحيان عدم قيام الحجة ، الأمر الذي يبين أن الواقع في البدعة إن لم يكن معاندا أو متبعا للهوى، فلا يستحق العقوبة في الدنيا ولا في الآخرة ، وللشيخ الألباني رحمه الله كلام كثير يقرر فيه أصل العذر بالجهل في العقائد وغيرها، ويصر فيه على عدم التفريق بين الأصول والفروع، ومن ذلك قوله رحمه الله :« فأقول الأصل أن تكون الحجة قائمة على هذه الأصناف الثلاثة، هذا هو مناط الحكم ، فإذن المسألة بعد تلك الأمثلة التي أوردناها ، فمن كان على علم أو على ثقة بأن زيدا من الناس الحجة قامت عليه جاز تكفيره، جاز تفسيقه جاز تبديعه وإلا فلا ، هذا هو الصواب»([14]).

وذلك لأن من أدلة العذر بالجهل ما هو عام فلا يخصص إلا بدليل ، كقوله تعالى :] رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [ (البقرة:286)، ومن قال بالعذر لمن وقع في الكفر وجب عليه أن يقول به فيما هو دونه ، وإلا كان من المتناقضين في حكمه واستدلاله .

ويصرح الألباني -رحمه الله تعالى-بأكثر من العذر، وهو إثبات الأجر لمن ابتغى الحق باجتهاده فأخطأ، قال في موضع بعد أن قرر أصل العذر في العقيدة والفقه بلا فرق وأن المجتهد المخطئ مأجور بكل حال :« إن كان ابتغى وجه الحق والصواب فأخطأه فلا يجوز أن يقال إنه ليس من أهل السنة بمجرد أنه وقع في خطأ ..أو..وقع في بدعة …لا فرق إذن بين عالم يقع في استحلال ما حرم الله باجتهاد هو مأجور عليه وبين عالم وقع في بدعة دون أن يقصدها وإنما قصده السنة فأخطأها ..لذلك فنحن نشكو الآن من هذه الثورة التي ثارت في السعودية بين أهل السنة أنفسهم حيث ظهر فيهم من يظن بأنه خالف أهل السنة في بعض المسائل فبَدَّعوه وأخرجوه عن أهل السنة »، ثم قال بعد أن سئل عن قضية إقامة الحجة قال : «فإن عاند وأصر فيُبَدَّع، أما إذا قال لم يظهر لي وجه الصواب فيما تقولون، بل هو يعكس ذلك عليهم وهو يخطئهم بدوره فتبقى المسألة مسألة خلافية بينهم وبينه»([15]).

وألزم من خالف هذه القاعدة ، قاعدة العذر وأنه ليس كل من وقع في البدعة وقعت عليه البدعة، بأن يبدع أئمة من الأعلام السابقين حيث قال :« أنت تعلم أن هناك في بعض الأئمة المتبعين اليوم والذين لا يشك عالم مسلم -عالم حقا –بأنه مسلم وليس هذا فقط بل وعالم فاضل، ومع ذلك فقد خالف الكتاب والسنة وخالف السلف الصالح في غير ما مسألة أعني بذلك مثلا النعمان بن ثابت أبا حنيفة رحمه الله الذي يقول بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ويقول لا يجوز للمسلم أن يقول أنا مؤمن إن شاء الله، وأنه إذا قال إن شاء الله فليس مسلما، لا شك أن هذا القول بدعة في الدين لأنه مخالف للكتاب والسنة، لكن هو ما أراد البدعة، هو أراد الحق فأخطأه، لذلك ففتح هذا الباب من التشكيك في علماء المسلمين سواء كانوا من السلف أو من الخلف، ففي ذلك مخالفة لما عليه المسلمون وربنا عز وجل يقول في القرآن الكريم : ]وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً[ (النساء:115)»([16]).

وهذا الذي ألزم به الشيخ الغلاة قد التزمه بعضهم فقدحوا في إمامة أبي حنيفة والطحاوي والنووي وابن حجر وغيرهم من الأعلام وبَدَّعُوهم ، ومنهم من اجترأ فأحرق فتح الباري لابن حجر وشرح مسلم للنووي ، ومنهم من تدرج إلى الطعن في ابن تيمية لكونه يرى العذر؛ بل والأجر للمخطئ في العقائد، ويعمل بقاعدة الموازنة، فضلا عن الأخطاء التي وقع فيها ولا يخلو منها عالم.

المطلب الثالث : هل كل من وقع في البدعة يكون مبتدعا؟

 

   ومن الأمور المتفرعة عن القاعدة السابقة أنه ليس كل من وقع في البدعة يكون مبتدعا، كما أنه ليس كل من وقع في الكفر يكون كافرا، فلابد من التفريق بين الحكم على الفعل والحكم على الفاعل، لأن الحكم على المعين لابد أن تتوفر فيه شروط وأن تنتفي عنه موانع، وبالنسبة للبدعة لا بد أن ينظر في المسألة من حيث درجة الوضوح والخفاء في ميزان النصوص الشرعية ، وفي الشخص هل كان مجتهدا طالبا للحق أو كان مقلدا أو معاندا؟ وهل كان منتسبا لأهل السنة أو لا؟ وأن ينظر -حسب ما سننقله عن الألباني - في ما غلب على الرجل وفي منهجه الكلي لا في بعض القضايا الجزئية، وهذه بعض نصوصه :

  قال رحمه الله:«إذا كان هذا المخالف يخالف نصا أولا: لا يجوز اتباعه، وثانيا لا نبدع القائل بخلاف النص وإن كنا نقول إن قوله بدعة، وأنا أفرق بين أن تقول فلان وقع في الكفر وفلان كفر، وكذلك فلان وقع في البدعة وفلان مبتدع، فأقول فلان مبتدع مش معناه وقع في بدعة، وهو مَن شأنه أنه يبتدع، لأن مبتدع اسم فاعل، هذا كما إذا قلنا فلان عادل ليس لأنه عدل مرة في حياته، فأخذ هذا اسم الفاعل، القصد أن المجتهد قد يقع في البدعة–ولا شك-لكن لا ألومه بها ولا أطلق عليه اسم مبتدع، هذا فيما إذا خالف نصا»([17]). ومعنى قوله:"هذا فيما إذا خالف نصا"، أن الحكم على الفعل بأنه بدعة لابد أن يكون يقينيا أما إذا كانت المسألة اجتهادية لا نصوص فيها قاطعة لكل احتمال، فلا حديث حينئذ عن بدعة ولا تبديع .

   ومن التطبيقات العملية لهذه القاعدة عند الشيخ دفاعه عن الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله- ورده على الشيخ مقبل -رحمه الله -الذي ضلله حيث قال: «سامحه الله، نحن بلا شك لا نؤيد الانضمام إلى أي جماعة، خاصة إذا كانوا معروفين بالمروق عن الشريعة، لكن نحن نتصور أن المسألة قابلة للاجتهاد، فأنا أظن في السيد رشيد رضا وهو قد خدم الإسلام خدمة جليلة، نظن به أن انضمامه إلى الماسونية إنما كان باجتهاد خاطئ منه، ولم يكن لمصلحة شخصية كما يفعله كثير ممن لا خلاق لهم ، فنسبته إلى الضلال لأنه صدر منه خطأ وضلال هذا أظن توسع غير محمود في إطلاق الضلال على مثل هذا الرجل، الذي في اعتقادي له المنة على كثير من أهل السنة في هذا الزمان بسبب إشاعته لها ودعوته إليها في مجلته المعروفة بالمنار حتى وصل أثرها إلى بلاد كثيرة من بلاد الأعاجم المسلمين ، لذلك أرى أن هذا فيه غلو من الكلام ما ينبغي أن يصدر من مثل أخينا مقبل، وعلى كل حال :" تريد مهذبا لا عيب فيه     وهل عود يفوح بلا دخان"»([18]).

   وعرض عليه رحمه الله الكلام الآتي :« كما أنه ليس كل من أتى بكفر فهو كافر، وليس كل من أتى بفسق فهو فاسق، وليس كل من أتى بجاهلية فهو جاهلي أو جاهل، وكذلك ليس كل من أتى ببدعة فهو مبتدع، لأن ثمة فرقا عند أهل السنة بين من وقع في البدعة وبين من أحدث البدعة وتبناها ودعا إليها وهذا أمر متفق عليه»، فقال الألباني:« هو كذلك بلا شك ولا ريب»، ثم قال: «هذا الكلام صحيح جدا»، وأيده ببعض الأدلة على العذر ورد على من فرق بين الأصول والفروع ثم قال :« ولذلك فإذا كان هناك رجل عالم مسلم أخطأ في مسألة ما سواء كانت هذه المسألة أصولية أو عقدية أو كانت حكما شرعيا فرعيا فالله عز وجل لا يؤاخذه إذا علم منه أنه كان قاصدا معرفة الحق»([19]).

   ومن الموانع أيضا من إسقاط حكم الابتداع على من وقع في البدعة إضافة إلى قاعدة العذر : النظر في الحال الغالبة على العالم وإقامة الموازنة العادلة بين أخطائه وصوابه-ما دام المراد تقويمه-، وقال رحمه الله مقررا هذا المعنى :« لا غرابة في أن يخطئ من كان إماما في دعوة الحق ، فإذا أخطأ في مسألة أو أخرى في مسألتين أو ثلاث أو أكثر فذلك لا يخرجه عن دعوة الحق إذا تبناها، الحافظ ابن حجر والإمام النووي وغيره ممن أخطؤوا في بعض المسائل العقدية كما يقولون اليوم، فذلك لا يخرجهم عن كونهم من أهل السنة والجماعة، لأن العبرة بما يغلب على الإنسان من فكر صحيح أو عمل صالح، متى يكون المسلم صالحا ؟ هل يشترط كي يكون صالحا أن لا يقع منه أي ذنب أو معصية؟ الجواب لا، بل من طبيعة الإنسان أن يقع منه الذنب والمعصية مرارا وتكرارا ، فمتى يكون العبد صالحا؟ إذا غلب خيره شره وصلاحه ضلاله، وهكذا كذلك تماما يقال في المسائل العلمية، سواء كانت هذه المسائل العلمية مسائل عقدية أو فقهية، فإذا كان هذا العالم يغلب عليه العلم الصحيح فهو الناجي، وأما أنه له زلة أو زلات في الفقه أو في العقيدة فهذا لا يخرجه عما غلب عليه من العقيدة الصحيحة ..فابن حجر مع ما ذكرت مما له من تلك الزلات فلا يعني ذلك أنه لا ينبغي أن نستفيد من كتابه وأن لا نترحم عليه وأن لا نحشره في زمرة علماء المسلمين المتمسكين بالكتاب والسنة « ([20]).

 

المطلب الرابع : حكم التسلسل في التبديع

 

    ومن القواعد الفاسدة التي تبناها الغلاة في العصر الحاضر قاعدة التسلسل في التبديع أو قاعدة "أَلحِقهُ به"، وهي قاعدة مخالفة لأصول عظيمة من أصول الدين والمنهج الحق أولها قاعدة العذر التي شرحناها من قبل، وكذلك هي مبنية على تقديس آراء الرجال ونسبة بعض المشايخ إلى العصمة، وترتكز على إلزام الناس بما لم يلزمهم به الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم.

   وقد بين الشيخ الألباني-رحمه الله- فسادها إذ سئل عن صحة هذه القواعد: "من لم يكفر الكافر فهو كافر، ومن لم يبدع المبتدع فهو مبتدع، ومن ليس معنا فهو ضدنا"، فقال على سبيل التعجب والإنكار:« من هو صاحب هذه القواعد ومن قعدها؟!!» ، ثم قص قصة أحد المنتسبين إلى العلم في ألبانيا كيف كفَّر من لم يهيئ له نعله للخروج من الدار حيث قال-واللفظ للألباني- :« هذا كفر لأنه لم يحترم العالم ، ومن لم يحترم العالم لا يحترم العلم ، والذي لا يحترم العلم لا يحترم من جاء بالعلم ، والذي جاء بالعلم هو محمد e وهكذا سلسلها إلى جبريل إلى رب العالمين فإذا هو كافر ». ثم قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى :« ليس شرطا أبدا أن من كفَّر شخصا وأقام عليه الحجة أن يكون كل الناس معه في التكفير ، لأنه قد يكون هو متأولا، ويرى العالم الآخر أنه لا يجوز تكفيره ، وكذلك التفسيق والتبديع، فهذه الحقيقة من فتن العصر الحاضر ومِن تَسَرُّع بعض الشباب في ادعاء العلم، المقصود أن هذا التسلسل وهذا الإلزام غير لازم أبدا، هذا باب واسع قد يرى عالم الأمر واجبا ويراه الآخر ليس كذلك ، وما اختلف العلماء من قبل ومن بعد إلا لأنه من باب الاجتهاد، لا يلزم الآخرين أن يأخذوا برأيه ، الذي يلزم بأخذ برأي الآخر إنما هو المقلد الذي لا علم عنده وهو الذي يجب عليه أن يقلد ، أما من كان عالما فالذي كفّر أو فسّق أو بدّع ولا يرى مثل رأيه فلا يلزمه أبدا أن يتابع ذلك العالم» ([21]).

  ومحل الإنكار هو تعميم هذه القاعدة إلى كل من يُحكم عليه بالكفر والبدعة حتى من يُحكم عليه بنظر واجتهاد كما هو واضح في كلام الألباني رحمه الله ، أما من لم يكفر النصراني واليهودي وصحح دينه فهذا لا شك أنه يقال عنه كافر، وكذلك من لم يبدع المعتزلي الذي ينكر رؤية الله وعذاب القبر، ويخلد أهل الكبائر في النار ويقول بخلق القرآن ويعطل الصفات، والرافضيُّ الذي يشتم أصحاب رسول الله e ويدعي العصمة في آل البيت، فهذا لا يشك في ابتداعه، وقد بدع السلف من وقف في القرآن، وقال لا أقول مخلوق ولا غير مخلوق ، أما الغلاة في زماننا فيكفرون فلانا وهو عند عامة الناس من المسلمين، ويبدعون علانا وهو عند غيرهم سني سلفي بنظر قد يكون صحيحا أو خاطئا (وهو في الغالب خاطئ)، ثم يطبقون القاعدة على عموم الناس من لم يكفر الكافر -في رأيهم- فهو كافر ، ومن لم يبدع المبتدع –في ظنهم – فهو مبتدع .

   ومن وافقهم في تكفير فلان وتبديع علان ، لكنه يخالفهم في تكفير من أبى تكفير فلان، وفي تبديع من أبى تبديع علان، فإنهم يلحقونه بهم لأنه استقر عندهم كفرهم وابتداعهم ولا يجوز للناس نظر غير نظرهم ولا اجتهاد غير اجتهادهم، نعوذ بالله من الضلال.

 

المطلب الخامس : حكم الموازنة بين الحسنات والسيئات

 

   قد سمى الألباني رحمه الله إيجاب ذكر حسنات المخالف في مقام الرد عليه بدعة العصر، لأن الإيجاب حكم شرعي لابد له من دليل، وهو أمر لم يعرف به قائل من العلماء المتقدمين ولا المتأخرين ، بل عملهم المتواتر على خلاف ذلك ، سواء كان المردود عليه سنيا موافقا أم مبتدعا مخالفا ، وقد وافقه على ذلك غيره من العلماء كابن باز والعثيمين رحمهما الله، ولكن بعض الناس لم يفهم كلامهم وأصبح يعد كل موازنة بين الحسنات والسيئات داخلة في المعنى الذي ذموه ويعده بدعةً ضلالةً، ولو من غير إيجاب ولو كان ذلك في مقام الترجمة أو الحكم على الشخص وتقويمه، وهذا أيضا لم يقل به عالم قط، فإن العلماء متفقون على وجوب الموازنة بين الخطأ والصواب في الحكم على الناس بالفسق أو العدالة، وبالضعف أو الثقة، وبالبدعة أو السنة، وهذه بعض نصوص للألباني في توضيح الموازنة المذمومة من غيرها.

1-قال رحمه الله: « …فأقول النقد إما أن يكون في ترجمة الشخص المنتقد في ترجمة تاريخية فهنا لابد من ذكر ما يحسن وما يقبح فيما يتعلق بالمترجم، من خيره ومن شره . أما إذا كان المقصود من ترجمة الرجل هو تحذير المسلمين وبخاصة عامتهم الذين لا علم لهم بأحوال الرجال ومناقب الرجال ومثالب الرجال ، بل قد يكون له سمعة حسنة ومنزلة مقبولة عند العامة لكن هو ينطوي على عقيدة سيئة أو خلق سيئ ، هؤلاء العامة لا يعرفون شيئا من ذلك عن هذا الرجل حينذاك لا تأتي هذه البدعة التي سميت اليوم الموازنة ، ذلك لأن المقصود من ذاك النصيحة وليس الترجمة الوافية الكاملة »([22]).

2-وقال أيضا:« إذا كان المقصود هو بيان الحق الذي جاءت مناسبته فهذا شيء ، وإذا كان المقصود ترجمة من نرى أنه أخطأ في مسألة ما ، فهذا شيء آخر، ففي الحالة الأولى ليس شرطا حينما يرد على المخالف أن تذكر حسناته ، أما إذا كان الوضع خلاف هذا أن يتحدث عن الشخص ذاته ونفسه فهنا بلا شك ينبغي ألا يتوجه الناقد إلى ذكر أخطائه ، وإنما يقرن معها أن يذكر محاسنه وحسناته انطلاقا من قوله تعالى :] وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى[ (المائدة:8) » ([23]).

3-وقال :« أنا كثيرا ما أُسأل ما رأيك في فلان ؟ فأفهم أنه متحيز له أو عليه ، وقد يكون الذي يسأل عنه من إخواننا ، وقد يكون من إخواننا القدامى الذين يقال إنهم انحرفوا ، لكن يا أخي ، ماذا يهمك بزيد أو عمرو ؟ استقم كما أمرت ، تعلم العلم ، هذا العلم سيميز لك الصالح من الطالح والمخطئ من المصيب ، ثم لا تحقد على أخيك المسلم لمجرد أنه أخطأ أو انحرف في مسألة أو اثنتين ، لكن المسائل الأخرى ما انحرف فيها ، فنحن نجد في تراجم (أهل) الحديث من يقبلون حديثه ويقولون عنه في ترجمته أنه مرجئي أو خارجي أو ناصبي ، كلها عيوب وضلالات، لكن عندهم ميزان يتمسكون به ولا يرجحون كفة سيئة على الحسنات ، أو سيئتين أو ثلاث على جملة حسنات ، ومن أعظمها لا إله إلا الله » ([24]).

4-وراجع النصوص المذكورة عنه في المطلب الأول وما سيأتي في المطلب السادس والسابع، ففي كثير منها تطبيق لمبدأ الموازنة الواجب تطبيقه في الحكم على الناس ، وتأمل جوابه لسؤال من قال: «هل يشترط في المجدد أن يكون سالما من كل بدعة ؟» حيث قال : «ومن الذي يسلم من كل بدعة » ([25]).

وقال الشيخ العثيمين رحمه الله :«لكننا نقول كل إنسان له قدم صدق في الأمة الإسلامية من أول الأمة إلى آخرها، لا شك أنه يحمد على ما قام به من الخير، وثانيا نقول كل إنسان مهما بلغ من العلم والتقوى فإنه لا يخلو من زلل سببه إما الجهل أو الغفلة أو غير ذلك، لكن المنصف كما قال ابن رجب رحمه الله في خطبة كتابه القواعد : » المنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه«، ولا أحد يأخذ الزلات ويغفل عن الحسنات إلا كان شبيها بالنساء، فإن المرأة إذا أحسنت إليها الدهر كله ، ثم رأت منك سيئة قالت : لم أر خيرا قط . ولا أحد من الرجال يحب أن يكون بهذه المثابة أي مثابة الأنثى يأخذ الزلة الواحدة وينسى ويغفل عن الحسنات الكثيرة  … لكن عندما نريد أن نقوم الشخص يجب أن نذكر المحاسن والمساوئ لأن هذا هو ميزان العدل« ([26]).

وليس هذا الكلام من مخترعات الشيخين الألباني والعثيمين رحمهما الله بل هو منهج أهل الحق والعدل جميعا من لدن أصحاب النبي e ([27])، قال ابن القيم رحمه الله: « وهذا أمر معلوم عند الناس مستقر في فطرهم أن من له ألوف من الحسنات فإنه يسامح بالسيئة والسيئتين ونحوها»([28]). وقال ابن رجب رحمه الله :« إن أكثر الأئمة غلطوا في مسائل يسيرة، مما لا تقدح في إمامتهم وعلمهم، فكان ماذا؟ فلقد انغمر ذاك في محاسنهم وكثرة صوابهم، وحسن مقاصدهم ونصرهم للدين»([29])، بل قال ابن تيمية-رحمه الله-:« ومن جعل كل مجتهد في طاعة أخطأ في بعض الأمور مذموما معيبا ممقوتا فهو مخطئ ضال مبتدع »([30]). وقال:« الجاهل في كلامه على الأشخاص والطوائف والمقالات بمنزلة الذباب الذي لا يقع إلا على العقير (أي الجريح) ولا يقع على الصحيح، والعاقل يزن الأمور جميعا هذا وهذا »([31]).

 

المطلب السادس : من أخطأ في جزئية لم يخرج من السلفية

 

   ومن الأصول العلمية الكلية للدعوة السلفية أن من أخطأ أو خالف في جزئية من الجزئيات، لم يجز لنا أن نحكم عليه بالبدعة والخروج من طريق السنة ومنهج السلف لمجرد ذلك، كما لا نحكم عليه بمثل ذلك بالخروج من الإسلام، وهذا الأصل مبني على قاعدة الموازنة السابقة وأدلته أدلتها، ولقد كان من النتائج الحتمية لإنكار الغلاة قاعدة الموازنة أن أصبحوا يبدعون الناس بالخطأ والخطأين والزلة والزلتين ، وصار كل من رام الدفاع عن إمام من الأئمة يُشهَر في وجهه سلاح تحريم الموازنة التي عدها الغلاة –لا العلماء- بدعة من أخطر البدع، وللعلامة الألباني رحمه الله نصوص كثيرة في بيان القاعدة المشار إليها، نذكر منها ما يأتي :

قال الشيخ رحمه الله ردا على من فهم من كلامه أنه يخرج كل الإخوانيين من الفرقة الناجية:« لأننا نعتبر الذي يخرج عن الإسلام عملا في جزئية ما ذلك لا يجعلنا نخرجه من دائرة الإسلام مطلقا، وإنما هو في هذه الجزئية خرج عن حكم الإسلام، وكذلك إذا كنا نتكلم في المنهج السلفي والدعوة السلفية ، إذا ثبت أن شخصا ما في مسألة ما خرج عن منهج السلف الصالح ، نحن لا نحكم عليه بأنه خرج عن دائرة السلف ، ولكننا نقول في هذه المسألة خالف السلف كما قلنا في الأول الذي خالف الإسلام في مسألة أنه خالف الإسلام، لكننا لا نخرجه في كلا الحالتين من دائرة الإسلام أو من دائرة السلفية ». وقال في السياق نفسه :« ما أعتقد أني قلت إنهم من الفرق الضالة (يعنى الإخوان)، لأنني كثيرا ما أُسأل سؤالا صريحا، وأنا ما أعتقد في تلك الجلسة قلت هذا الكلام، وكنت أشتهي أن تسمعني الشريط حتى إذا كان هناك خطأ أو خطأ لفظي نتراجع عنه، ولكني أظن بنفسي في بعض الأحيان خيرا ، يعني لا يصل بي الوهم إلى هذا الحضيض أن أحكم على شخص ما بأنه من الفرق الضالة أو أنه من الفرق الثنتين والسبعين لمجرد مخالفة واحدة ، وكثيرا ما سئلت عن الأحزاب القائمة اليوم، وبخاصة حينما ينصون على حزب الإخوان المسلمين هل تعتبرهم من الفرق الضالة ؟ فأقول : لا لأن هؤلاء أقل ما يقال فيهم إنهم يعلنون تبعا لرئيسهم الأول حسن البنا أنهم على الكتاب والسنة وعلى فهم السلف الصالح ، وإذا كانت هذه دعوى تحتاج إلى تأصيلها قولا وتطبيقها عملا ، وذلك ما لا نراه فعلا في الجماعة، ولكن نحن نكتفي منهم أنهم يعلنون الانتماء إلى الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح ، ولكنهم يخالفون ذلك في قليل أو كثير وفيهم أفراد وهم معنا في العقيدة لكنهم ليسوا معنا في المنهج ، ولذلك فأنا شخصيا على الأقل لا أجد رخصة لأحد أن يحشرهم في زمرة الفرق الضالة ، وإنما هم يخالفوننا في مواضع طالما نخالفهم ونجادلهم فيها ، أما أنهم يستحقون بها أن نخرجهم إلى فرقة من الفرق الضالة، لا، لأن هؤلاء ما اتخذوا لهم منهجا على خلاف الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح كما هو شأن الفرق الأخرى المعروفة منذ القديم» ([32]). وقال له أحدهم بعدها: لما سئلت عن السلفيين الذين تحزبوا هل يخرجون عن السلفية قلت نعم خرجوا عن السلفية، فقال الألباني رحمه الله :" في هذه الجزئية".

   وهذا الكلام الأخير الذي قرره الألباني -رحمه الله-قد قرره قبله شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله- إذ قال:« وشعار هذه الفرق مفارقة الكتاب والسنة والإجماع، فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة »([33]).

  وقال الألباني رحمه الله في موضع آخر:« انحرافهم عن العلم في موضوع ما أو منهج ما لا يعني الحكم عليهم بالانحراف في كل مناهجهم، مثلا أنت تعلم جيدا أن أكثر علماء المسلمين المتمذهبين أكثرهم لا يعتنون بنقد الأحاديث وتمييز صحيحها من ضعيفها، هذا يخالف منهج أهل الحديث، يخالف منهج أهل السنة، يخالف أحاديث صحيحة وصريحة، فنحن نكتفي بانتقادهم والاعتراض عليهم من هذه الزاوية، لكن ذلك لا يسوغ لنا أن نخرجهم من الجماعة التي تدين بالكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح، فإذا قال قائل منهم:"بلاش"منهج السلف الصالح خرج عن الجماعة، أما الشذوذ والانحراف في بعض الجزئيات ..فهذا لا يخرجهم عن الدائرة»([34]). ولولا هذه القاعدة لما سلم أحد من أعلام الإسلام وعلمائه، فإنه لا يخلو بشر من زلة وخطأ، بل ولا يسلم لنا حتى أصحاب رسول الله e، ولكن الله تعالى زكاهم ورسوله e ، فعلمنا أن الأخطاء الجزئية لا تقدح في العدالة في حق الصحابة وفي غيرهم والله أعلم .

 

المطلب السابع : إنصاف المخالفين

 

    ومن أصول الإسلام وخصائص دعوة أهل الحق الإنصاف للمخالف ولو كان مبتدعا بل ولو كان كافرا ، قال الله تعالى :] وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى[ (المائدة:8)، ولا يشك أحد أن من خصائص منهج الألباني رحمه الله في التعامل مع مخالفيه الإنصاف لهم وعدم إنكار ما لهم من خير وحسنات، فالشيخ رحمه الله لم يمنع منعا مطلقا من الثناء على من وقع في البدعة، بل فصَّل في ذلك تفصيلا حسنا حيث قال :« الجواب يختلف باختلاف المقاصد، إذا كان المقصود بالثناء على مسلم نظنه مبتدعا ولا نقول إنه مبتدع …فإذا كان المقصود بالثناء عليه هو الدفاع عنه اتجاه الكفار فهذا واجب ، وأما إذا كان المقصود بالثناء عليه هو تزيين منهجه ودعوة الناس إليه ففيه تضليل لا يجوز»([35]). وقول الألباني "الدفاع عنه اتجاه الكفار" فيه تنبيه إلى بناء قضية الثناء على الأشخاص على عقيدة الولاء والبراء، فمهما أبغضنا شخصا لخلافه للسنة ، فلا ينبغي أن نهدر حقه في الولاء ما دام مسلما، ولا يجوز أن نتزلف إلى الكفار والمنافقين بالقدح فيه وبيان مثالبه ، بل الواجب علينا أن ندافع عنه ونثني عليه بما هو فيه مع البراءة من خطئه الذي لا نعتقده ولا نتبناه.

   وتبنى هذه القضية أيضا على مسألة الموازنة التي سبق شرحها، حيث أجاز الشيخ أن تذكر محاسن المخالف في مقام التعريف والترجمة.

وهذه بعض النماذج التطبيقية التي تبين إنصاف الشيخ الألباني -رحمه الله-للمخطئين والمخالفين .

 

أولا : إنصافه لابن حزم رحمه الله 

  قال رحمه الله بعد أن تحدث عن انحراف ابن حزم في باب الصفات:« فلا نستطيع أن نقول في ابن حزم ولا في غيره بأنه كافر ، بل و لا أستطيع أنا شخصيا أن أقول إنه ضال ، وإن كان وقع في الضلال، لأنني أشعر من مطالعتي لكتبه ولطريقة احتجاجه واستدلالاته على أصوله أنه يبتغي الحق، فحسبنا أن نقول فيه وفي أمثاله أنه مأجور أجرا واحدا ، لكن هذا لا يمنعنا من الصدع والتصريح بتخطئته سواء كان خطؤه في العقيدة أو في الفقه »([36]).

ثانيا : إنصافه لمحمد رشيد رضا رحمه الله

   قال في ترجمته للشيخ محمد رشيد رضا : « السيد محمد رشيد رضا رحمه الله له فضل كبير على العالم الإسلامي بصورة عامة وعلى السلفيين منهم بصورة خاصة ، ويعود ذلك إلى كونه من الدعاة النادرين الذين نشروا المنهج السلفي في سائر أنحاء العالم بواسطة مجلة المنار، وقد جاهد في سبيل الله جهادا يشكر عليه ، ويرجى أن يكون أجره مدخرا له عند ربه.

  بالإضافة إلى كونه داعية إلى اتباع منهج السلف الصالح فيما كانوا عليه من عقيدة وفكر وسلوك، فقد كانت له عناية تشكر بالأحاديث الصحيحة والضعيفة … فكثيرا ما نبه إلى ضعف بعض الأحاديث من حيث إسنادها عبر مجلته المنار التي أصبحت نواة طيبة لفتت أنظار المسلمين للعناية بأحاديث الرسول عليه السلام، فإذا كان من الحق أن يعترف أهل الفضل بالفضل لذوي الفضل ، فأجد نفسي في هذه المناسبة الطيبة مسجلا هذه الكلمة ليطلع عليها من بلغته، فإنني بفضل الله عز وجل، بما أنا فيه من الاتجاه إلى السلفية أوَّلاً، وإلى تمييز الأحاديث الضعيفة والصحيحة ثانيا يعود الفضل الأول في ذلك إلى السيد رضا رحمه الله عن طريق أعداد مجلته المنار التي وقفت عليها في أول اشتغالي بطلب العلم ……إلا أن تقديرنا للسيد رشيد رضا لا يحملنا على أن لا نذكر ما وقع فيه من انحراف، قلما ينجو منه إنسان، ولكي لا يتورط الناس ، ويزلوا بزلة عالم كالسيد رشيد رضا رحمه الله … وقد تأثر رشيد بشيخه عبده إلى حد كبير في علم الإيمان بالمغيبات، فتأول ما استطاع من بعض النصوص الغيبية، بل وشكك في كل شيء منها إذا استطاع إلى ذلك سبيلا …» ([37]).

ثالثا : إنصافه لحسن البنا رحمه الله

1-قال رحمه الله :« ونحن انطلاقا من قوله تبارك وتعالى :] وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى[ (المائدة:8) ..لا نبخس داعية حقه ونعتقد فيه دون إفراط ودون تفريط، فحسن البنا أعتقد أن له يدا حسنة على كثير من الشباب المسلمين الذين كانوا ضائعين وراء اتباع الملاهي والعادات الغربية كالملاهي والسنمايات، فجمعهم حوله، وهو تكتل حزبي لا نرضاه، لكن قد كان دعاهم إلى الكتاب والسنة والتمسك بالإسلام الذي كان هو على علم به فنفع الله به وانتشرت دعوته في أقطار العالم الإسلامي، وهذا ما ندين الله به بالنسبة لدعوته ولكننا لا نغالي فيه كما يقول المتحزبون، فإنه لم يكن -مع الأسف- على علم بالكتاب والسنة ولم يكن داعية إلى الكتاب والسنة على منهج السلف » ([38]).

2-وقال فيه :» هذا الرجل له حسنات وله انحرافات …الذي أعرفه قديما أنهم كانوا يعدون الملايين (يعنى المتأثرين بدعوته) بسبب إخلاص هذا الرجل في دعوته، والانحراف الذي نعده عليه لعله كان باجتهاد منه يؤجر عليه إن شاء الله «([39]).

رابعا : إنصافه لسيد قطب رحمه الله

1-قال رحمه الله وهو ينتقد سيد قطب في وصفه لهذا الزمن بأنه زمن جاهلية :« ثم إن في كلام سيد قطب رحمه الله وفي بعض تصانيفه ما يشعر الباحث أنه كان قد أصابه شيء من التحمس الزائد للإسلام في سبيل توضيحه للناس، ولعل عذره في ذلك أنه كان يكتب بلغة أدبية؛ ففي بعض المسائل الفقهية كحديثه عن حق العمال في كتابه العدالة الاجتماعية أخذ يكتب بالتوحيد وبعبارات كلها قوية تحيي في نفوس المؤمنين الثقة بدينهم وإيمانهم، فهو من هذه الخلفية في الواقع قد جدد دعوة الإسلام في قلوب الشباب » ([40]).

2-وقال رحمه الله:» وسيد قطب هذا الرجل نجله على جهاده لكنه لا يزيد على كونه كان كاتبا كان أديبا منشئا، لكنه لم يكن عالما فلا غرابة أن يصدر منه أشياء وأشياء وأشياء تخالف المنهج الصحيح «([41]).

3-وقال الألباني رحمه الله:« رأينا أنه رجل غير عالم وانتهى الأمر!! ماذا تريد - يعني- أكثر من هذا ؟!! إن كنتَ تطمع أن نكفِّره، فلستُ من المكفّرين، ولا حتى أنتَ أيضاً من المكفّرين .. ، أنا بقول لك ، أنا بشهد معك ، لكن ماذا تريد إذاً ؟؟!!

  يكفي المسلم المنصف المتجرِّد أن يُعطي كل ذي حق حقه، وكما قال تعالى: (ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين ) .

الرجل كاتب ، ومتحمس للإسلام الذي يفهمه، لكن الرجل أولاً ليس بعالم، وكتاباته (العدالة الاجتماعية) هي من أوائل تآليفه، ولما ألّف كان محض أديب، وليس بعالم .

  لكن الحقيقة أنه في السجن تطوّر كثيراً، وكتب بعض الكتابات كأنها بقلم سلفي ليست منه .. لكن أنا أعتقد أن السجن يُربّي بعض النفوس، ويُوقظ بعض الضمائر فكتب كلمات، يعني يكفي عنوانه الذي يقول: (لا إله إلا الله، منهج حياة)، لا إله إلا الله منهج حياة.

  لكن إذا كان هو لا يفرِّق بين توحيد الألوهية، وبين توحيد الربوبية، هذا لا يعني أنه لا يفهم توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وأنه يجعلهما شيئاً واحداً .. لكن يعني أنه ليس فقيهاً، وليس عالماً، وأنه لا يستطيع أن يُعبّر عن المعاني الشرعية التي جاءت في الكتاب وفي السنة، لأنه لم يكن عالماً .

فقال السائل: ألا ترى - يعني- مع هذا التأثر وهذه الأمور التي كتبها ، أن يُرد عليه مثلاً ؟

فقال الألباني- رحمه الله-: نعم يُرد عليه، ولكن بهدوء وليس بحماس..يُرد عليه، وهذا واجب.. ليس الرد على المخطئ محصوراً بشخص أو أشخاص.. كل من أخطأ في توجيه الإسلام بمفاهيم مبتدَعة، وحديثة ولا أصول لها في الكتاب ولا في السنة، ولا في سلفنا الصالح، والأئمة الأربعة المتبَعين؛ فهذا ينبغي أن يُرد عليه.

لكن هذا لا يعني أن نعاديه وأن ننسى أنه له شيئا من الحسنات ، ويكفي أنه رجل مسلم وكاتب إسلامي –على حسب فهمه للإسلام كما قلت أولا- وأنه قتل في سبيل دعوته للإسلام ، وأن الذين قتلوه هم أعداء الإسلام ، وأما كونه كان منحرفا في كثير أو قليل من الإسلام ، فأنا في اعتقادي قبل ما تثور هذه الثورة ضده ، أنا الذي قوطعت من جماعة الإخوان المسلمين بزعم إني كفرت سيد قطب، وأنا الذي دللت بعض الناس على أنه يقول بوحده الوجود في بعض كتاباته بل في نفس التفسير ، لكن في نفس الوقت أنا لا أنكر أنه كان مسلما وأنه كان غيورا على الإسلام وعلى الشباب المسلم وأنه يريد إقامة الإسلام ودولة الإسلام ، لكن الحقيقة أوردها سعد وسعد مشتمل ما هطكذا يا سعد تورد الإبل .

فقال السائل: هل يحذَّر من كتبه؟

فقال الشيخ الألباني- رحمه الله- : يحذَّر من كتبه من الذين لا ثقافة إسلامية صحيحة عندهم «([42]).

 

   وهذه الطريقة التي سلك الشيخ رحمه الله تعالى هي طريقة أهل السنة والجماعة وأهل العدل والاعتدال ، التي لا غلو فيها ولا انحلال ، قال ابن القيم :« فهم حكام بين الطوائف لا يتحيزون إلى فئة منهم على الإطلاق، ولا يردون حق طائفة من الطوائف ولا يقابلون بدعة ببدعة ولا يردون باطلا بباطل، ولا يحملهم شنآن قوم يعادونهم ويكفرونهم على أن لا يعدلوا فيهم، بل يقولون فيهم الحق ويحكمون في مقالالتهم بالعدل، والله سبحانه وتعالى أمر رسوله أن يعدل بين الطوائف فقال:]فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ [ (الشورى:15) فأمره سبحانه أن يدعو إلى دينه وكتابه وأن يستقيم في نفسه كما أمره وأن لا يتبع هوى أحد من الفرق، وأن يؤمن بالحق جميعه ولا يؤمن ببعضه دون بعض وأن يعدل بين أرباب المقالات والديانات، وأنت إذا تأملت هذه الآية وجدت أهل الكلام الباطل وأهل الأهواء والبدع من جميع الطوائف أبخس الناس منها حظا وأقلهم نصيبا، ووجدت حزب الله ورسوله وأنصار سنته هم أحق بها وأهلها وهم في هذه المسألة وغيرها من المسائل أسعد بالحق من جميع الطوائف»([43]).

 

المطلب الثامن : التفصيل في الحكم على الجماعات

 

   ومن الأمور المنهجية التي تبين حرص الشيخ الألباني رحمه الله على الإنصاف والعدل في أحكامه اجتنابه للتعميم في الحكم على الجماعات والفرق الإسلامية ، فهو يقرر أن الحكم بالضلال أو الاستقامة إنما يكون على الأفراد ، قال تعالى :]مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً[ (الإسراء:15) .

   فقد سئل الشيخ عن جماعة الإخوان وجماعة التبليغ هل هم من الفرق الضالة فقال:« الإخوان المسلمون فيهم من جميع الطوائف، فيهم سلفيون فيهم خلفيون فيهم شيعة فيهم كذا وكذا، فلا يصح أن يطلق عليهم صفة واحدة ، وإنما نقول من تبنى منهاجا خلاف الكتاب والسنة من أفرادهم؛ فهو ليس من الفرقة الناجية بل هو من الفرقة الهالكة([44])، أما جماعةً!! والله أنا أقول السلفيين.. أنا ما أقول عنهم من الفرقة الناجية، السلفيين إيش رايكم ؟؟!! »([45]).

  وما قرره الشيخ يعضده أن من معتقد أهل السنة أن لا يشهد لمعين من أهل الإسلام بأنه في النار، قال ابن تيمية رحمه الله :« فهذا ونحوه من نصوص الوعيد حق لكن الشخص المعين لا يشهد عليه بالوعيد، فلا يشهد لمعين من أهل القبلة بالنار لجواز أن لا يلحقه الوعيد لفوات شرط أو ثبوت مانع، فقد لا يكون التحريم بلغه وقد يتوب من فعل المحرم، وقد تكون له حسنات عظيمة تمحو عقوبة ذلك المحرم، وقد يُبتلى بمصائب تُكَفِّر عنه، وقد يشفع فيه شفيع مطاع »([46]).

  وقال رحمه الله في المناظرة حول الواسطية :« ثم قلت لهم وليس كل من خالف في شيء من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكا، فإن المنازع قد يكون مجتهدا مخطئا يغفر الله خطأه وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة، وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته، وإذا كانت ألفاظ الوعيد المتناولة له لا يجب أن يدخل فيها المتأول والقانت وذو الحسنات الماحية والمغفور له وغير ذلك، فهذا أولى بل موجب هذا الكلام أن من اعتقد ذلك نجا في هذا الاعتقاد ومن اعتقد ضده فقد يكون ناجيا وقد لا يكون ناجيا»([47]).

   وقال :« ومما يتعلق بهذا الباب أن يعلم أن الرجل العظيم في العلم والدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يوم القيامة أهل البيت وغيرهم قد يحصل منه نوع من الاجتهاد مقرونا بالظن ونوع من الهوى الخفي فيحصل بسبب ذلك مالا ينبغي اتباعه فيه وإن كان من أولياء الله المتقين. ومثل هذا إذا وقع يصير فتنة لطائفتين طائفة تعظمه فتريد تصويب ذلك الفعل وابتاعه عليه وطائفة تذمه فتجعل ذلك قادحا في ولايته وتقواه بل في بره وكونه من أهل الجنة بل في إيمانه حتى تخرجه عن الإيمان وكلا هذين الطرفين فاسد.

  والخوارج والروافض وغيرهم من ذوي الأهواء دخل عليهم الداخل من هذا، ومن سلك طريق الاعتدال عظم من يستحق التعظيم وأحبه ووالاه وأعطى الحق حقه فيعظم الحق ويرحم الخلق، ويعلم أن الرجل الواحد تكون له حسنان وسيئات؛ فيحمد ويذم ويثاب ويعاقب ويحب من وجه ويبغض من وجه، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافا للخوارج والمعتزلة ومن وافقهم»([48]).

  ومعنى قول الشيخ الألباني رحمه الله أنه لا يشهد للسلفيين بالنجاة أي لا يشهد لأعيانهم على سبيل العموم، لأن الانتساب إلى السنة رسما واسما ليس هو كل المطلوب، فالمنتسب إلى السلف إذا كان من أهل الغيبة والسعي بالنميمة! أو ممن يأكل أموال الناس بالباطل!! أو ممن يتعامل بالربا والرشوة ونحو ذلك!! هل يشهد له بالنجاة جزما!! لا شك أنه لا يشهد له بذلك لأنه من أهل الوعيد. قال الحافظ ابن رجب:« ومراد هؤلاء الأئمة بالسنة طريقة النبي e التي كان عليها هو وأصحابه السالمة من الشبهات والشهوات ، ولهذا كان الفضيل بن عياض يقول : "أهل السنة من عرف ما يدخل بطنهُ من حلال "!! وذلك لأن أكل الحلال من أعظم خصال السنة التي كان عليها النبي e وأصحابه رضي الله عنهم . ثم صارت في عرف كثير من العلماء المتأخرين من أهل الحديث وغيرهم ؛ السنة عبارة عما سلم من الشبهات في الاعتقادات خاصة في مسائل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وكذلك في مسائل القدر وفضائل الصحابة، وصنفوا في هذا العلم تصانيف سموها كتب السنة ، وإنما خصوا هذا العلم باسم السنة لأن خطره عظيم والمخالف فيه على شفا هلكة، وأما السنة الكاملة فهي: الطريقة السالمة من الشبهات والشهوات، كما قال الحسن ويونس بن عبيد وسفيان والفضيل وغيرهم»([49]).

 

المطلب التاسع: هل يكون المسلم شرا من اليهود والنصارى؟

 

   بعض الغلاة اليوم يصفون إخوانهم في الدين المخالفين لهم في بعض المسائل الاجتهادية؛ فضلا عن المبتدعين المفارقين لجماعة المسلمين بأنهم شر من اليهود والنصارى بإطلاق، ويعتقدون ذلك اعتقادا يجعلهم يفضلون اليهودي والنصراني على المسلم، ويسوقهم إلى التفريط في الولاء الواجب عليهم بحق كلمة:" لا إله إلا الله محمد رسول الله ".

   وقد سئل الشيخ الألباني رحمه الله عمن قال:" إن الإخوان المسلمين أشد خطرا على الإسلام من اليهود والنصارى"، فرد قائلا :« ما أعتقد أن هذا إلا نوع جديد من الغلو، ونوع جديد من التحزب والتباغض والتدابر .. كل الجماعات الإسلامية فيها خير وفيها شر، فالحكم على الجماعات –يا إخواننا- كالحكم على الأفراد ، الحكم على الجماعات كالحكم على الأفراد، فلا يوجد هناك فرد مسلم جمع خصال الكمال كلها، وإنما بعضا دون بعض، وصلاحه أكثر من طلاحه، أو طلاحه أكثر من صلاحه، وحتى في هذه الصورة الأخيرة (طلاحه أكثر من صلاحه) ما ينبغي أن ننكر الصلاح الذي يصدر منه، فالإخوان المسلمون وحزب التحرير وجماعة التبليغ فيهم خير ، لكن فيهم بُعدٌ عن الإسلام إما جهلا أو تجاهلا، ولذلك فإن هذا القول فيه خطورة متناهية جدا ، فلا يجوز أن نطلق هذا الكلام»([50]).

  ولو كان الأمر متعلقا بجزئية من الجزئيات، ولم يُبنَ عليه البراء المطلق لما كان هناك وجه للانتقاد ، فإننا نعتقد أن الأشاعرة مثلا أقرب إلى السنة من المعتزلة لما أثبتوه من الصفات ومن الغيبيات ولسلامة موقفهم من الصحابة ، لكن قربهم هذا جعل أمرهم يلتبس على كثير من الناس فكانوا أخطر على عوام أهل السنة من المعتزلة ، لكن لا يجوز لنا أن نتبرأ منهم تبرأ مطلقا أو أن نفضل المعتزلة عليهم، فإن هذا ليس من العدل في شيء.

وقال ابن تيمية رحمه الله:« وهذا كالحجج والأدلة التي يذكرها كثير من أهل الكلام والرأي، فإنه ينقطع بها كثير من أهل الباطل ويقوى بها قلوب كثير من أهل الحق، وإن كانت في نفسها باطلة فغيرها أبطل منها، والخير والشر درجات فينتفع بها أقوام ينتقلون مما كانوا عليه إلى ما هو خير منه، وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين من الرافضة والجهمية وغيرهم إلى بلاد الكفار فأسلم على يديه خلق كثير وانتفعوا بذلك وصاروا مسلمين مبتدعين وهو خير من أن يكونوا كفارا»([51]).

أقول : وأما الذين هم فعلا شر من اليهود والنصارى ولا خلاف في ذلك فهم أهل الحلول والاتحاد، المحكوم عليهم بالردة والخروج من ملة الإسلام كابن عربي وابن الفارض وابن سبعين والحلاج ونحوهم ([52])، ويطلق ذلك على الزنادقة الكفار المتسترين بدين التشيع والتجهم ، وإنما صح وصفهم بذلك لأن الإلحاد والشرك أعظم جرما عند الله تعالى من دين اليهود والنصارى.

 

المطلب العاشر : حكم الترحم على المخالفين

 

  لقد جهل الغلاة المخالفون أحكام الولاء والبراء ، وبناءها على الموازنة العادلة ، وغفلوا عن طريقة أهل السنة القاضية بتجزُّئها وتفاوتها، لذلك فقد شابهوا الخوارج الذين لا يقرون بهذا التجزُّؤ والتفاوت، وصرح كثير منهم بما يقتضي تكفير من يعتقدون ابتداعه ، كمنعهم من الترحم عليهم والصلاة عليهم ، بل قال أحد كبرائهم إذا صليت الجنازة على من لا تعرفه فقل : اللهم اغفر له إن كان من أهل السنة.

  وقد سئل الشيخ الألباني عن ذلك فقيل له :" ما رأيكم فيمن يقول إنه لا يترحم على من خالف عقيدة السلف كالنووي وابن حجر وابن حزم …ومن المعاصرين سيد قطب وحسن البنا ؟"

  فأجاب رحمه الله :« نحن نعتقد أن الرحمة أو بعبارة أصرح الدعاء بالرحمة جائزة لكل مسلم ، ومحرمة على كل كافر، فالجواب هذا يتفرع على اعتقاد يقوم في نفس الشخص ، فمن كان يرى أن هؤلاء الذين سُمُّوا في السؤال وفي أمثالهم يرى أنهم مسلمون ، فالجواب عرف مما سبق أنه يجوز الدعاء لهم بالرحمة والمغفرة ، ومن كان يرى -لا سمح الله -أن هؤلاء المسلمين الذين ذكروا في السؤال هم ليسوا من المسلمين فلا يجوز الترحم عليهم لأن الرحمة قد حرمت على الكافرين ».

فلما ذكر السائل أن صاحب هذا القول يزعم أن هذا هو منهج السلف.

  قال الشيخ رحمه الله :« ثم يا أخي بارك الله فيك ، هذه مجرد دعوى ، أي أن السلف كانوا لا يصلون على عامة المبتدعة وعلى كل المبتدعة ، هذه مجرد دعوى تقوم في أذهان بعض الناس الطيبين الذين يأخذون المسائل بحماس وعاطفة غير مقرونة بالعلم الصحيح القائم على قال الله قال رسول الله e … لكن إن لم يُصلّ مُصَل ما أو عالم ما على مسلم ما ، فذلك لا يعني أن الصلاة عليه لا تجوز ، وإنما يعني أنه يرمي إلى حكمة قد لا تتحقق هذه الحكمة بغيره ، مثل الأحاديث التي لابد أنك تذكر شيئا منها ، التي يقول النبي e في بعضها صلوا على صاحبكم ..ما صلى الرسول e ، ترى آلرسول الممتنع عن الصلاة على مسلم أهم أم العالم السلفي إذا امتنع من الصلاة على مسلم أهم؟؟ …… فإذا كان ترك النبي e الصلاة على مسلم لا يدل على أنه لا تجوز الصلاة عليه ، فمن باب أولى أن ترك عالم من علماء السلف الصلاة على مسلم مبتدع لا يدل على أنه لا يصلى عليه » ([53]).

 

المطلب الحادي عشر : لا هجر للمخالفين في هذا الزمان

 

  إن كلام الشيخ الألباني رحمه الله في استعمال الزجر بالهجر معروف مشهور كرره في غير ما موضع، فقد قرر رحمه الله أن الهجر من العقوبات التي يناط تطبيقها بالمصالح والمفاسد([54])، وأكد على أن الهجر في زماننا زمان الغربة لا يصلح، وأنه لا يسبب إلا التفرقة بين المسلمين، وتضييع النصيحة الواجبة، ونحن ننقل منها هذه المقتطفات من أشرطة مختلفة سجلت في أزمنة متفاوتة، ليظهر استقرار هذا الرأي عنده وثباته عليه.

  قال رحمه الله:« وهذا له صلة بمبدأ المقاطعة المعروفة في الإسلام أو الهجر لله([55])، كثيرا ما نُسأل فلان صاحبنا وصديقنا، ولكن ما يصلي يشرب دخان نقاطعه؟؟ أقول له أنا لا يقاطعه لأن مقاطعته لا تفيده بالعكس تسره وبتخلِّيه في ضلاله، لذلك فالمقاطعة وسيلة شرعية وهو تأديب المهاجر والمقاطع، فإذا كانت المقاطعة لا تؤدبه بل تزيده ضلالا على ضلال حينئذ لا ترد المقاطعة لذلك نحن اليوم لا ينبغي أن نتشبث بالوسائل التي كان يتعاطاها السلف أنهم ينطلقون من موقف القوة والمنعة« ثم تحدث عن قلة الصالحين في هذا الزمان وقال:» فلو نحن فتحنا باب المقاطعة والهجر والتبديع لازم أنعيش في الجبال وإنما نحن واجبنا اليوم :] ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ[ »([56]).

  ولما اعترض أحدهم واستفسر عما إذا كان الظهور لأهل الحق فقال الألباني رحمه الله :« ينبغي هنا استعمال الحكمة، الفئة القوية هل إذا قاطعت الفئة المنحرفة عن الجماعة يعود الكلام السابق: هل ذلك ينفع الطائفة المتمسكة بالحق أم يضرها هذا من جهتهم ، ثم هل ينفع المُقَاطَعِين والمهجورين من الطائفة المنصورة أو يضرهم، يعني لا ينبغي أن نأخذ هذا الأمر بالحماس والعاطفة وإنما بالروية والحكمة والأناة …وآخر الدواء الكي …وأنا بصورة عامة لا أنصح اليوم باستعمال علاج المقاطعة أبدا لأنه يضر أكثر مما ينفع، وأكبر دليل الفتنة القائمة الآن في الحجاز»([57]).

  وأورد سائل ما وصفه بشبهات يستدل بها بعضهم على وجوب هجر المبتدع كالآثار المنقولة عن بعض السلف في ذلك، فقال الألباني رحمه الله:« الذي أراه والله أعلم أن كلام السلف يرِد في الجو السلفي يعني الجو العامر بالإيمان القوي والاتباع الصحيح للنبي e والصحابة ، هو تماما كالمقاطعة، مقاطعة المسلم لمسلم تربيةً وتأديبا له هذه سنة معروفة، لكن في اعتقادي وكثيرا ما سئلت فأقول زماننا لا يصلح للمقاطعة، زماننا إذن لا يصلح لمقاطعة المبتدعة لأن معنى ذلك أن تعيش على رأس الجبل، أن تنزوي عن الناس وأن تعتزلهم ذلك أنك حينما تقاطع الناس إما لفسقهم أو لبدعتهم لا يكون ذلك الأثر الذي كان يكون له يوم كان أولئك الذين تكلموا بتلك الكلمات وحضوا الناس على مجانبة أهل البدعة »([58]).

  هذا كلامه في هجر المخالفين الواقعين في البدع، وهو يشمل من باب أولى المخالفين من أهل السنة، وقد نص على نحو من ذلك فقال رحمه الله:» من المؤسف أن هناك نوعا من التفرق ونوعا من التنازع لأسباب تافهة جدا، لذلك يجب أن نضع نصب أعيننا ما يسمى اليوم في لغة العصر الحاضر بالتسامح الديني، لكن بالمعنى الذي يسمح به الإسلام، التسامح الديني قد وسعت دائرته إلى حيث لا يسمح به الإسلام، ولكن نحن نعني التسامح بالمعنى الصحيح، وذلك أننا إذا رأينا شخصا من غير السلفيين فضلا عمن كان من السلفيين أن له رأيا خاصا أو اجتهادا خاصا أو…بل رأيناه أخطأ فعلا في شيء من تصرفاته أن لا نبادر إلى نَهرِه ، ثم إلى مقاطعته بل يجب علينا أن نسلك طريق النصح الذي ابتدأنا به هذه الكلمة بالحديث الدين النصيحة الدين النصيحة، فإن نصحناه وتجاوب معنا ذلك ما كنا نبغي وإن لم يستجب فليس لنا عليه من سبيل، ولا يجوز لنا أن نبادره أو نقاطعه، بل علينا أن نظل معه نتابعه بالنصيحة ما بين الفينة والفينة وما بين آونة وأخرى حتى يستقيم على الجادة… وهناك بعض الأحاديث الصحيحة التي نحن بحاجة إلى أن نتذكرها عمليا وليس فقط فكرا وعلما، وهو قوله عليه الصلاة والسلام:" لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا"، لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، لماذا يهجره تباغضا وتحاسدا لا لأمر شرعي، لا لأنه عصى الله ورسوله ولكن هو لم يجاهر بالمعصية لم يعتقد أن هذه معصية، ومع ذلك فهو يعصي الله عز وجل فجاء أحدنا وقاطعه، هذه مقاطعة مشروعة، ولكن التقاطع في سبيل اختلاف الأفكار ..في المفاهيم هذا هو التدابر المنهي عنه في الحديث«([59]). 

  وقال رحمه الله:» أنا لا أعلم أن المسلم لا يلقي السلام على أخيه المسلم، وهو يعتقد أنه مسلم، وهذه مغالطة لا تجوز إسلاميا، وكون المسلمين مختلفين هذا الأمر ليس بالحديث بل هو قديم، لكن التناصح هو الذي يجب أن يكون قائما بين المسلمين، وأن يتوادوا وأن يتحابوا في الله عز وجل، فالتدابر والتقاطع أمر منهي عنه في الإسلام، والحب في الله أمر مرغوب في الإسلام والبغض في الله كذلك، لكن بعض الناس لا يحسنون التطبيق، وأنا كثيرا ما أسأل عن مقاطعة المسلم عن أخيه المسلم لسبب ما..فأنا أقول المقاطعة اليوم وإن كانت في الأصل هي مشروعة، لكن اليوم ليس هو زمن التطبيق، لأنك إذا أردت أن تقاطع كل مسلم أنكرت عليه شيئا بقيت وحيدا شريدا ، فليس لنا اليوم أن نتعامل على طريقة البغض في الله والمقاطعة في الله، هذا إنما وقته إذا قويت شوكة المسلمين وقوي مظهر المسلمين في تعاملهم بعضهم مع بعض، حين يشذ فرد من الأفراد عن الخط المستقيم فقوطع، إذ ذاك المقاطعة تكون دواء له وتربية له، أما الآن فليس هذا زمانه…لذلك فهذا ليس في العصر الحاضر ليس من الحكمة أبدا أن نقاطع الناس لسبب انحرافهم سواء كان هذا الانحراف فكريا عقديا أو كان انحرافا سلوكيا، وإنما علينا أن نصبر في مصاحبتنا لهؤلاء، وأن لا نضلل ولا نكفر، لأن هذا التضليل وهذا التكفير لا يفيدنا شيئا، وإنما علينا بالتذكير كما قال عز وجل:] وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ[»([60]).

  هذا منهج الألباني ، وأما الغلاة فقد تفننوا في استعمال هذه المقاطعة، فبعضهم لا يلقي السلام على العوام وعلى من يسميهم مجهولين من الملتزمين، وفي بعض المناطق اصطلحوا على هيئة معينة في اللباس ليعرف بعضهم بعضا فلا يسلمون إلا على صاحب تلك الهيئة، وفي بعض القرى لا تجد إلا ثلاثة أو أربعة من الملتحين!! ومع ذلك فقد قرروا مقاطعة كل الناس إلا من يحتاج إلى التعامل معه كالبقال وصاحب النقل …الخ ، وأفتى بعضهم بترك صلاة الجمعة خلف السنيين المخالفين له وأدائها خلف أهل البدع لأن الاغترار بهؤلاء حاصل أكثر من أولئك!!. ومنهم من قال:" يجب على المقيمين إقامة مؤقتة في العاصمة ترك الجمعة، إذا لم يجدوا إماما سلفيا غير مجهول ولا مجروح"([61])!

 

 

المطلب الثاني عشر : حكم بيع كتب المخالفين وأشرطتهم

 

  من المسائل المتعلقة بما سبق من قضية الهجر والولاء والبراء مسألة توزيع أشرطة المخالفين وكتبهم ، وللشيخ رأي فيها جار على أصوله الثابتة المستقيمة غير المتناقضة ، ففصل تفصيلا تقره الفطر السليمة ويشهد له عمل المسلمين سلفا وخلفا، خلاصته أن الكتاب أو الشريط الذي فيه دعوة إلى ما دعا إليه الكتاب والسنة يجوز نشره ، بغض النظر عن صاحبه ، ولم يوافق من اعتبر هذا الصنيع تزكية لهذا المخالف ورضا بكل مؤلفاته وأشرطته ([62]).

  قال السائل : أنا أعمل في التسجيلات الإسلامية (الأشرطة ) وقد عَنَّ لي أن أسأل بعض أهل العلم فيما يتعلق بالمسؤولية عن نشر أشرطة بعض من لا ينهجون منهج السلف ينتمون مثلا لبعض الجماعات التي نعرفها في الساحة كجماعة الإخوان المسلمين أو التبليغ أو ما إلى ذلك ، فبعضهم أفتى بأن لا أسجل أو أنشر هذه الأشرطة بالمرة والبعض الآخر قال : تخير منها ما ترى فيه الصلاح ولا يكون فيه تصريح بمخالفة لمنهج السلف ، فالحيرة ما زالت تلازمني حتى الآن ، وأسأل الله عز وجل أن يزيل هذه الحيرة بما تراه وتشير به علينا في هذا المجال جزاكم الله خيرا؟

فأجاب الشيخ رحمه الله :

  لا شك عندي أن الرأي الثاني الذي حكيته عن بعض أهل العلم هو الصواب لأن « الحكمة ضالة المؤمن من أين سمعها التقطها » ، هذا الحديث وإن كان حديثا ضعيفا لا يصح وولع به بعض الناس في بعض البلاد فكتبوه في اللوحات وعلقوه في صدور المجالس على أنه حديث ثابت عن النبي e وليس بالثابت ، ولكن حسبنا منه أن يكون حكمة فعلا، فحينئذ نعمل بها ولا نتعصب لمذهبنا اعتبارا بتعصب أصحاب المذاهب الأخرى ، فنحن أتباع الحق حيثما كان هذا الحق ومن حيث ما جاء، والحكمة ضالة المؤمن أين وجدها التقطها ، فإذا جاء أو وقفت على مقال أو بحث علمي لجماعة من تلك الجماعات التي مع الأسف لا تنهج منهج السلف لكن كان فيها تذكير بآيات الله..ببعض أحاديث رسول الله e الصحيحة ، وليس هناك ما يمنع من نشر هذه البحوث بطريقة التسجيل ما دام أنه ليس فيها ما يخالف الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح ، وهذه المشكلة في الواقع لا تنحصر في التسجيل بل تتعداه حتى إلى المؤلفات وهي أكثر انتشارا من المسجلات هذه ، فهل يصح لناشر الكتب وبائع الكتب أن يطبع ما ليس على منهج السلف الصالح، وهل يجوز له أن يبيع كذلك مثل هذه الكتب الجواب قد لا يخلو كتاب ما من مخالفة ما، وإنما العبرة بملاحظة شيئين اثنين، الشيء الأول أن لا يكون الكتاب وعلى ذلك التسجيل داعية إلى منهج يخالف منهج السلف الصالح، ثانيا أن يكون صوابه يغلب خطأه، وإلا من منا كما قال الإمام مالك رحمه الله، ما منا من أحد إلا رَدَّ ورُدَّ عليه إلا صاحب هذا القبر، ولذلك فالتسجيل وطبع الكتب وبيعها يجب أن يراعى فيها هاتان القاعدتان، وإذ سألت عن تسجيل ليس فيه مخالفة للمنهج السلفي فأنا لا أرى مانعا أبدا من نشر هذا التسجيل بمجرد أن الذي يتحدث فيه ليس سلفي المنهج وإنما هو خلفي أو حزبي أو ما شابه ذلك، هذا هو الذي يقتضيه العلم ويقتضيه الإنصاف ويقتضيه محاولة التقريب بين الاختلافات القائمة اليوم بين الجماعات الإسلامية مع الأسف ، هذا خلاصة ما عندي جوابا على ما سألت.

قال السائل: إكمالا لهذا الأمر بعض القائلين بالمنع لهذا الأمر يقولون: إن في نشر حديث أو شريط لمثل هؤلاء فيه تزكية لمنهجهم وكأنه رضا بكل ما يقولون غثه وسمينه.

فأجاب الشيخ رحمه الله :« أعتقد أن هذا فيه مبالغة، لو فرضنا رجلا ألف رسالة جمع فيها أحاديث الأذكار من صحيح البخاري وهو ليس سلفي المنهج كيف يصدق هذا الكلام عليه، وما صلة نشر مثل هذه الرسالة بتأييد منهجه، لا، نحن نؤيد منهجنا بنشر رسالته لأنه سلك طريقتنا في اختيار ما صح عن نبينا r ، فأنا أعتقد أن فيه مبالغة والله أعلم»([63]).

  ومن التطبيقات الصحيحة لهذا الرأي الذي تبناه الشيخ رحمه الله، كتب العقيدة التي يؤلفها بعض المنتمين إلى جماعة الإخوان على طريقة أهل السنة والجماعة كعمر سليمان الأشقر ، والبحوث المتخصصة التي لا علاقة لها بالمنهج الدعوى كفقه الزكاة للقرضاوي، والكتب التعليمية كالمواريث للصابوني. ومن يخالف الألباني في رأيه بإطلاق يلزمه تحريم نشر كتب التفاسير وشروح الحديث وأصول الفقه التي ألف علماء الأشعرية وغيرهم ، وهذا هو رأي الحداد وأتباعه.

   والذي جرى عليه عمل العلماء نشر ما فيه فائدة من كتبهم مع التعليق على ما زلوا فيه أو ضلوا كما علق عبد الرزاق عفيفي على الإحكام للآمدي، والشيخ ابن باز على فتح الباري …

  ومما يقترب في المعنى من نشر كتب المخالفين والمنتسبين لغير السنة، النقل عنهم والاستشهاد بصحيح أقوالهم، وخاصة لإلزام أتباعهم، وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية :« وملاك الأمر أن يهب الله للعبد حكمة وإيمانا بحيث يكون له عقل ودين حتى يفهم ويدين ثم نور الكتاب والسنة يغنيه عن كل شيء ولكن كثيرا من الناس قد صار منتسبا إلى بعض طوائف المتكلمين ومحسنا للظن بهم دون غيرهم ومتوهما أنهم حققوا في هذا الباب ما لم يحققه غيرهم، فلو أتى بكل آية ما تبعها حتى يؤتى بشيء من كلامهم، ثم هم مع هذا مخالفون لأسلافهم غير متبعين لهم فلو أنهم أخذوا بالهدى الذي يجدونه في كلام أسلافهم لرُجِي لهم مع الصدق في طلب الحق أن يزدادوا هدى »([64]).

  وبعض الغلاة لشدة بعده عن ميدان العلم يمنع من استفادة العارف من مثل كتاب الزمخشري في التفسير، ويعد من يصرح باستفادته منه أو النقل عنه من المروجين لآراء الزمخشري الاعتزالية والمعظمين له والمغررين بالناس ، ومن أجل هذه الشبه التافهة وجد بعضهم حرجا كبيرا في عزو الأحاديث إلى بعض المحدثين الأشعرية ، فأصبح يقول في تخريج الحديث : رواه البيهقي الأشعري وابن عساكر الأشعري ، نعوذ بالله من مثل هذه الوساوس .

 

المطلب الثالث عشر : حكم أخذ العلم عن أهل البدع

 

   ومن المسائل المتعلقة بالهجر وبالموازنة بين المصالح والمفاسد مسألة أخذ العلم النافع عن المخالفين والمبتدعين ، ولا شك أن هذا لا يطلق فيه حكم عام مطرد بل الأمر يختلف باختلاف العلم المراد تحصليه، وباختلاف نوع البدعة التي تلبس بها المدرس، ودعوته إليها وسكوته عنها ، وباختلاف حال قوة أهل السنة وضعفهم، ويختلف أيضا باختلاف حصانة الطالب ضد البدع وتمكنه من عقيدة السلف ، وإلى هذه المعاني أرشد الألباني رحمه الله من سأله عن حكم أخذ العلم عن أهل البدع حيث قال في موضع : « مثلا بعض المبتدعة عندهم علم بقراءة القرآن والتجويد والقراءات ونحو ذلك، عندهم معرفة بعلم النحو والصرف ، عندهم معرفة بعلم أصول الفقه وأصول الحديث …ولا يوجد حواليه السني الحريص على اتباع السنة ممن يتعلم منه بعض هذه العلوم، فلا مانع أن يتلقى هذا العلم أو ذاك منه، لكن بشرط أن يكون حَذِرا من بدعته » ([65]). وقال في موضع آخر :« إن كان متمكنا في العقيدة جاز وإلا فلا» ([66]).

ولابن القيم رحمه الله كلام مهم في قضية قبول شهادة المبتدعة ، قسم فيه المنتسبين إلى البدع الظاهرة تقسيما بديعا، وبَيَّن حكم كُلِّ قسم، وبعضه يمكن نقله في قضية أخذ العلم عنهم، قال ابن القيم :« فأما أهل البدع الموافقون لأهل الإسلام ولكنهم مخالفون في بعض الأصول كالرافضة والقدرية والجهمية وغلاة المرجئة ونحوهم فهؤلاء أقسام:

أحدها ؛ الجاهل المقلد الذي لا بصيرة له فهذا لا يكفر ولا يفسق ولا ترد شهادته إذا لم يكن قادرا على تعلم الهدى وحكمه حكم "المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا ".

القسم الثاني: المتمكن من السؤال وطلب الهداية ومعرفة الحق ولكن يترك ذلك اشتغالا بدنياه ورياسته ولذته ومعاشه وغير ذلك فهذا مفرط مستحق للوعيد آثم بترك ما وجب عليه من تقوى الله بحسب استطاعته، فهذا حكمه حكم أمثاله من تاركي بعض الواجبات فإن غلب ما فيه من البدعة والهوى على ما فيه من السنة والهدى ردت شهادته وإن غلب ما فيه من السنة والهدى قبلت شهادته

القسم الثالث : أن يسأل ويطلب ويتبين له الهدى ويتركه تقليدا وتعصبا أو بغضا أو معاداة لأصحابه فهذا أقل درجاته أن يكون فاسقا وتكفيره محل اجتهاد وتفصيل فإن كان معلنا داعية ردت شهادته وفتاويه وأحكامه مع القدرة على ذلك ولم تقبل له شهادة ولا فتوى ولا حكم إلا عند الضرورة، كحال غلبة هؤلاء واستيلائهم وكون القضاة والمفتين والشهود منهم ففي رد شهادتهم وأحكامهم إذ ذاك فساد كثير ولا يمكن ذلك فتقبل للضرورة»([67]).

 

المطلب الرابع عشر : الأصل في الرد هو الرفق واللين

 

هذا الأصل معدود من أصول الإسلام ومن أصول السنة الواضحة المعلومة ، لكنه في هذا الزمن أضحى مجهولا، لذلك كان لزاما التأكيد عليه، ولقد شاهد الألباني رحمه الله انحراف الناس عنه فلا يزال يذكر به ، حتى إنه أكد عليه في آخر وصية له للمسلمين عامة ولأهل السنة خاصة([68]). إنما قلنا الأصل في الرد على المخالف هو الرفق واللين ردا على من يجعل من العنف والغلو في التشنيع والسب منهجا له في رده على كل مخالف (من أمراء وعلماء، وسنيين ومبتدعة، ومسلمين وكفار) متغافلين عن الأدلة الواضحة في هذا الباب كقوله تعالى :] اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى[ (طـه:44) وقوله :] وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ [ (الأنعام: 108)، والعجب أن بعضهم يعمل بهذه الأدلة مع الكفار والفراعنة وينساها مع إخوانه أهل ملته وطريقته.

والأصل -كما هو معلوم -قد يطرأ عليه الاستثناء حين يقتضي المقام التشديد تشديدا يقره الشرع وتقبله المروءة، وعليه فلا يستنكر أن يصدر من أهل العلم تشديد في العبارة أحيانا، ولا يصلح أن تكون هذه الأحوال النادرة التي اقتضتها المصلحة قادحة في الأصل ملغية له ومبطلة لأدلته، وما أجمل كلمة ابن تيمية في هذا الباب إذ قال:« فإن المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى، وقد لا ينقلع الوسخ إلا بنوع من الخشونة، لكن ذلك يوجب من النظافة والنعومة ما نحمد معه ذلك التخشين » ([69]).

قال الشيخ الألباني رحمه الله :« ويقابل هؤلاء الناس الذين لا يهتمون بتصحيح العقائد وتصحيح المفاهيم أناس آخرون على عكس هؤلاء تماما، يهتمون الاهتمام الواجب بمعرفة الحق مما اختلف فيه الناس، ولكنهم يعادون أشد المعاداة ذاك الجنس الأول ، والحق بين هؤلاء وهؤلاء،  يجب أن يكون موقفنا تجاه الجماعات الإسلامية موقف الأخوة المؤمنة، وإذا رأى المسلم في أخيه خطأ ، بل ولو رأى منه خطيئة فليس ينبغي عليه أن يعاديه بل أن ينصحه، وأن يكون نصحه إياه بالرفق والحكمة المأمور بها في الكتاب والسنة، ] ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن[ (النحل: 125)، وينبغي أن يلاحظ هؤلاء الذين يهتمون بمعرفة الحق مما اختلف فيه الناس أن سائر الناس إذا كانوا في خطأ ، فإنهم كالمرضى الذين يجب أن يعالجوا بإخلاص، وبكل رفق ولا يجوز أن يعاملوا بالشدة والغلظة ، وقد علمنا الله عز وجل، خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم تعليما لنا ] وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [ (آل عمران:159) فدعوتنا التي تنحصر في اتباع الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح لا تعادي جماعة من الجماعات الإسلامية لأشخاصها وإنما تخالفهم في بعض أفكارها أو مناهجها، وهذا مما يوجب علينا أن ننصحهم وأن ندعوهم مهما اشتطوا ومهما ابتعدوا عن سبيلنا الذي هو سبيل ربنا»([70]).

وقال في آخر وصية له :« وأحذرهم من مشاركة كثيرين ممن خرجوا عن الخط السلفي في أمور كثيرة جدا يجمعها كلمة الخروج عن المسلمين وعلى جماعتهم، وإنما نأمرهم أن يكونوا كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح :" وكونوا عباد الله إخوانا "… وعلينا أن نترفق في دعوتنا المخالفين إليها وأن نكون مع قوله تبارك وتعالى :]ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن[ وأحق من يكون باستعمالنا معه هذه الحكمة هو من كان أشد خصومة لنا في مبدئنا وفي عقيدتنا حتى لا نجمع مع ثقل دعوة الحق –التي امتن بها الله عز وجل علينا- وبين ثقل سوء أسلوب الدعوة إلى الله عز وجل ، فأرجو من إخواننا جميعا في كل بلاد الإسلام أن يتأدبوا بهذه الآداب الإسلامية، ثم أن يبتغوا من وراء ذلك وجه الله عز وجل » ([71]).

المطلب الخامس عشر: حكم إقحام الشباب في مسائل التبديع

 

  ومن الأخطاء التربوية التي يقع فيها الغلاة وغيرهم إقحام الشباب وحدثاء العهد بالاستقامة في مسائل التبديع ونقد المخالفين والعلماء والدعاة([72])، الأمر الذي يؤدي إلى تشكيكهم في أهل العلم والدين الجارحين والمجروحين على حد سواء([73])، كما يؤدي إلى إصابتهم بداء الغرور والتعالم ، فإذا خاض أحدهم في هذه القضايا سماعا وقراءة وتكلما لا يزال العلماء والدعاة يصغرون في عينه، ولا يزال يرى نفسه تعلو مكانتها يوما بعد يوم، كيف وهو يرى العلماء والدعاة يُخطِئُون ويَبتَدِعُون ، وهو سالم من ذلك ، بل قد صار أبصر منهم وأعلم لأنهم يُخطِئُون وهو لا يُخطِئ ، وكثير منهم تتطلع نفسه بعد استحكام المرض فيها إلى رتبة الاجتهاد في الجرح، فيقلب النظر فيمن حوله من دعاة وأئمة لعله يجد لهم أخطاء أو بدعا يرفعها إلى شيوخه لينال الشهادة والتزكية وينخرط بذلك في سلك حماة السنة([74]).

  وهذا الأمر قد عاينه الشيخ الألباني رحمه الله وانتقده ، وبَيَّن أن هؤلاء الشباب بخوضهم في التبديع واقعون في البدعة ولولا العذر بالجهل لحكم عليهم بالابتداع، قال الشيخ -بعد أن تكلم عن معنى حديث من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما -:« لكن أريد أن ألحق به ..من بدع مسلما، فإما أن يكون هذا المسلم مبتدعا وإلا فهو المبتدع، وهذا هو الواقع الذي قلته آنفا أن شبابنا بيبدعوا (يعني يبدعون) العلماء وهم الذين وقعوا في البدعة، ولكنهم لا يعلمون ولا يريدون البدعة بل هم يحاربونها (يعني الشباب) لكن يصدق عليهم قول من قال قديما:

أوردها سعد وسعد مشتمل    ما هكذا يا سعد تورد الإبل

لذلك نحن ننصح شبابنا أن يلتزموا العمل بالكتاب والسنة في حدود علمهم ولا يتطاولوا على غيرهم ممن لا يقرنون بهم علما وفهما وربما وصلاحا»([75]).

  وفي موضع آخر أقر رحمه الله كلام أبي حازم عدنان عرعور([76]) إذ قال:« إن أحكام هذه المسائل من التمييز بين البدعة والمبتدع وما يلحق بذلك لا ترجع إلى أحداث الأسنان، بل ترجع إلى أهل العلم والتقوى الذين يحكمون في البدعة والمبتدعة ، ذلك لأن معظم أحداث الأسنان لا يفرقون بين أنواع البدع وطبقات المبتدعين …ولا يدركون المصالح والمفاسد ولا يفهمون مقاصد الشريعة »([77]).

وبعد مضي قرابة عشر سنوات من وصول هذه الفتنة إلى الجزائر فقد عاين العقلاء آثارها في الشباب، وشاهدوا نتائجها على الدعوة بما لا يدع شكا في بطلانها وسوء منقلب أهلها، نسأل الله تعالى أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل.

 

المطلب السادس عشر: الفصل والإقصاء من منهج الحزبيين

 

  بناء على ما تقرر من معاملة الناس بحسب الظاهر، وعدم التسرع في تبديع إلا من علم عناده أو صرح بانتمائه لغير أهل السنة، فإن ظاهرة إخراج الناس السنيين والمنتسبين إلى السلفية من إطار السلفية، وإدعاء الوصاية على المنهج قد أدخلت أهلها في الحزبية من حيث لا يشعرون، وقد انتقد الشيخ الألباني رحمه الله هذا المنكر وقال: «أما ما أسمعه الآن من هذا السؤال في أن يُفصل المسلم عن الجماعة والجماعة السلفية !! لمجرد أنه أخطأ في مسألة أو في أخرى فما أراه إلا من عدوى الأحزاب الأخرى ، هذا الفصل هو نظام بعض الأحزاب الإسلامية التي لا تتبنى المنهج السلفي منهجا في الفقه والفهم للإسلام ، وإنما هو حزب يغلب عليه ما يغلب على الأحزاب الأخرى من التكتل والتجمع على أساس الدولة المصغرة من خرج عن طاعة رئيسها أُنذر أولا وثانيا وثالثا-ربما -، ثم حُكِم بفصله ، مثل هذا لا يجوز أن يتبناه جماعة ينتمون بحق إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله وعلى منهج السلف الصالح«. ثم ختم الجواب بقوله:» هذا ابتداع في الدين ما أنزل الله به من سلطان«([78]).

وهذا الواقع المر هو ما دفع ببعض أهل العلم الكبار إلى رفض التسمي بالسلفية، بل صدرت منهم عبارات يفهم منها اعتبار السلفيين حزبا من الأحزاب كجماعة الإخوان والتبليغ ([79])، والحق أن من أساء من المنتسبين إلى السنة فإنما أساء إلى نفسه  والسنة وأهلها بريئون منه، كما يقال فيمن أساء من المسلمين.

  ومن الأمور التي نحسبها ظاهرة في هذا الباب ولا تحتاج أن يبرهن عليها أنه ما من جماعة انتسبت إلى شخص معين، تقدس أقواله وتجعله معصوما يُعقَد عليه الولاء والبراء ؛ إلا وهي جماعة خارجة عن الجماعة وعن السنة، ملتحقة بأهل الفرقة والهوى والضلال، وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: « ليست هذه المنزلة لغيره من الأئمة بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن جعل شخصا من الأشخاص غير رسول الله rمن أحبه ووافقه كان من أهل السنة والجماعة، ومن خالفه كان من أهل البدعة والفرقة كما يوجد ذلك في الطوائف من أتباع أئمة في الكلام في الدين وغير ذلك كان من أهل البدع والضلال والتفرق، وبهذا يتبين أن أحق الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية أهل الحديث والسنة الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله e»([80]).

 

  خاتمة

  وفي الأخير ننبه على أمور مهمة فيها إجابة عن بعض التساؤلات، وربما  تكون عند بعض الناس شبهات، نذكرها تكميلا لما سبق وتعميما للنفع بإذن الله تعالى .

 
أولا : بين البراءة من الباطل والبراءة من أهله
 

  مما ينبغي أن يُعلم أن البراءة من الباطل هي الأصل الواجب قبل البراءة من أهله، ولا ينفع الواحد منا أن يتبرأ من أهل الباطل وهو مقر بباطله ومؤيد له، فلا ينفعنا البراءة من هؤلاء الغلاة دون البراءة من منهجهم وطريقتهم، فقد تبرأ أقوام من محمود الحداد منشئ هذا المذهب وبقوا سائرين على قواعده، وتبرأ آخرون من فلان وهم سائرون على طريقته، وليس المطلوب هو إقصاء فلان أو علان على طريقة الحزبيين، ولكن المطلوب هو الاستقامة على الصراط المستقيم والمنهج القويم.

  ومن هنا نعلم أن العلماء الكبار قد بينوا الحق وجاهدوا الباطل وردوا على أهل الغلو ببيان القواعد والأصول، وسكوتهم عن تسمية بعض الغلاة بأعيانهم لا يعني بتاتا أنهم ما قاموا بواجب النصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا الشيخ الألباني قد علمنا نصحه وبيانه، وكذلك قد كتب الشيخ ابن باز رحمه الله بيان النصيحة([81])، وتكلم الشيخ العثيمين عن هذه القضايا في غير ما موضع ومناسبة([82])، وكتب فيها الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله كتابا سماه "تصنيف الناس بين الظن واليقين"([83])، وللشيخ صالح الفوزان كلام مكتوب([84]) ومسموع، وكتب الشيخ عبد المحسن العباد رسالة "رفقا أهل السنة بأهل السنة"، فقوبلت بالرفض وبتبديع من ينشرها([85]) !! فأردفها برسالة "الحث على الاتباع والتحذير من الابتداع"، فكشف عن كثير من مظاهر الغلو المنتشرة التي أصبحت هي الأصل عند كثير ممن لم يعرف حقيقة منهج السلف قبل حدوث هذه الفتنة.

 
ثانيا : الغلو في التبديع وعلاقته بالغلو في التكفير
 

  يرى بعض الناس في انتشار فكر الغلاة في التبديع وقاية من أفكار التكفيريين والحزبيين وهم مخطئون في ذلك خطأ عظيما، فإن الحق لا ينتصر بالباطل أبدا([86])، والعلم يستحيل أن ينشره الجهال، والتكفير والتبديع أَخَوَان وإن افترقا برهة من الزمان، لأن أصلهم واحد هو الغلو في الدين، فالتكفيريون يقولون من وقع في الكفر كَفَرَ بلا ضوابط ومن لم يكفر الكافر فهو كافر، والآخرون يقولون من وقع في البدعة هو مبتدع([87])، ومن لم يبدع المبتدع فهو مبتدع([88])، والتكفيريون يكفرون بالمعصية، ويقولون الإسلام كُلٌّ لا يتجزأ فكل من أخل بجزء منه كفر، والآخرون يبدعون بالخطأ، ويقولون السنة كُلٌّ لا يتجزأ فكل من أخل بجزء منها فهو مبتدع.

  والتكفيريون يقولون الأصل في المنتسبين إلى الإسلام الكفر حتى يثبت إسلامهم لأن ثبوت الإسلام مع انتشار مظاهر الشرك ونواقض الإسلام عزيز، ومنهم من يتوقف حتى يتبين، والآخرون يقولون: الأصل في المسلمين البدعة لكثرة انتشار البدع ولأن الحكم بالسنة متوقف على التزكية، ومنهم من يقول بل الأصل فيهم الجهالة.

  التكفيريون يقولون : من وازن بين خير الحكام وشرهم في الحكم عليهم والتعامل معهم فهو مرجئ، والآخرون يقولون من وازن بين صواب الدعاة وأخطائهم للحكم عليهم والتعامل معهم فهو مميع (أي مرجئ).

والتكفيريون يُكفرون من لم يهجر المجتمعات التي كفروها بجهلهم ومساجدها ولم يعلن البراءة منها، والآخَرون يبدعون من لم يهجر من بدَّعوا ومساجدهم.

والتكفيريون يقولون: العلماء لا يفقهون واقع السياسة أو مداهنون، والآخرون يتهمونهم بعدم فقه واقع الأشخاص والجماعات الإسلامية وربما اتهمومهم بالمداهنة أو غفلة الصالحين!!

  إن مما نعتقده جزما أن الغلو في التبديع هو طريق الغلو في التكفير، كما أن الخروج على العلماء طريق الخروج على الحكام. وأهل التبديع في هذه الأيام يمهدون الطريق لأهل التكفير بنشر فكر الغلو وبفصل الناس عن العلم والعلماء والدعاة المصلحين، وإنه إذا فشا الغلو ولُقِّح بالجهل المركب والتعالم فما الذي يمنع من الانتشار الواسع لفكر التكفير من جديد([89]).

 

ثالثا : كيف نفهم كلام السلف في الهجر

 

   قد وقف بعض الشباب المغرورين على كلام الألباني رحمه الله في مسألة الهجر وغيرها فرده قائلا اتباع السلف أولى، والألباني خالف الإمام أحمد ومنهج السلف في قضية الهجر([90])، والحق أن هؤلاء هم الذين خرجوا عن المنهج الصحيح في التعامل مع كلام السلف والأئمة، حيث سلكوا طريقة التخير والانتقاء وهي طريقة أهل الأهواء، ولا يفهم مقاصد العلماء إلا من وقف على كلامهم في مواضع التفصيل أو على متفرق كلامهم ورد المجمل إلى المفصل والمتشابه إلى المحكم([91])، ولقد غلط أناس على الإمام أحمد فنسبوا إليه التكفير للمخالفين في العقائد بإطلاق، ونسب آخرون إلى السلف مذهب التفويض، وظن كثيرون أن ابن عبد الوهاب لا يعذر بالجهل مطلقا، وما سبب ذلك إلا التمسك ببعض نصوص هؤلاء الأئمة وغض الطرف عن نصوص أخرى تفسرها أو تقيدها، وقد رأيت أن أنقل كلاما طويلا لشيخ الإسلام ابن تيمية يوضح فيه حكم الهجر ويوفق فيه بين الروايات التي ظاهرها التعارض عن الإمام أحمد رضي الله عنه.

  قال ابن تيمية رحمه الله:« في مسائل إسحاق بن منصور -وذكره الخلال فى كتاب السنة فى باب مجانبة من قال القرآن مخلوق- عن إسحاق أنه قال لأبي عبد الله: من   قال القرآن مخلوق؟ قال: ألحق به كل بلية. قلت: فيظهر العداوة لهم أم يداريهم؟ قال: أهل خراسان لا يقوون بهم.

  وهذا الجواب منه مع قوله فى القدرية لو تركنا الرواية عن القدرية لتركناها عن أكثر أهل البصرة، ومع ما كان يعاملهم به في المحنة من الدفع بالتي هي أحسن ومخاطبتهم بالحجج؛ يفسر ما في كلامه وأفعاله من هجرهم والنهي عن مجالستهم ومكالمتهم، حتى هجر فى زمن غيرها أعيانا من الأكابر، وأمر بهجرهم لنوع ما من التجهم، فإن الهجرة نوع من أنواع التعزير، والعقوبة نوع من أنواع الهجرة التي هي ترك السيئات فإن النبي e قال:« المهاجر من هجر السيئات »، وقال: «من هجر ما نهى الله عنه » ، فهذا هجرة التقوى ، وفي هجرة التعزير والجهاد؛ هجرة الثلاثة الذين خلفوا وأمر المسلمين بهجرهم حتى تيب عليهم.

   فالهجرة تارة تكون من نوع التقوى إذا كانت هجرا للسيئات، كما قال تعالى:] وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (الأنعام:68-69) فبين سبحانه أن المتقين خلاف الظالمين، وأن المأمورين بهجران مجالس الخوض فى آيات الله هم المتقون، وتارة تكون من نوع الجهاد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وإقامة الحدود، وهو عقوبة من اعتدى وكان ظالما، وعقوبة الظالم وتعزيره مشروط بالقدرة، فلهذا اختلف حكم الشرع فى نوعي الهجرتين بين القادر والعاجز، وبين قلة نوع الظالم المبتدع وكثرته وقوته وضعفه، كما يختلف الحكم بذلك فى سائر أنواع الظلم من الكفر والفسوق والعصيان، فإن كل ما حرمه الله فهو ظلم إما فى حق الله فقط وإما فى حق عباده، وإما فيهما.

   وما أمر به من هجر التَّرك والانتهاء وهجر العقوبة والتعزير؛ إنما هو إذا لم يكن فيه مصلحة دينية راجحة على فعله، وإلا فإذا كان فى السيئة حسنة راجحة لم تكن سيئة، وإذا كان فى العقوبة مفسدة راجحة على الجريمة لم تكن حسنة، بل تكون سيئة، وإن كانت مكافئة لم تكن حسنة ولا سيئة.

  فالهجران قد يكون مقصوده ترك سيئة البدعة التي هي ظلم وذنب وإثم وفساد، وقد يكون مقصوده فعل حسنة جهاد البدعة، والنهي عن المنكر وعقوبة الظالمين لينزجروا ويرتدعوا، وليقوى الإيمان والعمل الصالح عند أهله، فإن عقوبة الظالم تمنع الظالم عن ظلمه وتحضها على فعل ضد ظلمه، من الإيمان والسنة ونحو ذلك، فإذا لم يكن فى هجرانه انزجار أحد ولا انتهاء أحد، بل بطلان كثير من الحسنات المأمور بها، لم تكن هجرة مأمورا بها كما ذكره أحمد عن أهل خراسان، إذ ذاك أنهم لم يكونوا يقوون بالجهمية، فإذا عجزوا عن إظهار العداوة لهم سقط الأمر بفعل هذه الحسنة، وكان مداراتهم فيه دفع الضرر عن المؤمن الضعيف، ولعله أن يكون فيه تأليف الفاجر القوي، وكذلك لما كثر القدر في أهل البصرة فلو ترك رواية الحديث عنهم لاندرس العلم والسنن والآثار المحفوظة فيهم، فإذا تعذر إقامة الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك إلا بمن فيه بدعة مضرتها دون مضرة ترك ذلك الواجب، كان تحصيل مصلحة الواجب مع مفسدة مرجوحة معه خيرا  من العكس، ولهذا كان الكلام فى هذه المسائل فيه تفصيل، وكثير من أجوبة الإمام أحمد وغيره من الأئمة خرج على سؤال سائل قد علم المسؤول حاله، أو خرج خطابا لمعين قد علم حاله، فيكون بمنزلة قضايا الأعيان الصادرة عن الرسولe، إنما يثبت حكمها فى نظيرها، فإن أقواما جعلوا ذلك عاما فاستعملوا من الهجر والإنكار ما لم يؤمروا به، فلا يجب ولا يستحب، وربما تركوا به واجبات أو مستحبات وفعلوا به محرمات، وآخرون أعرضوا عن ذلك بالكلية فلم يهجروا ما أمروا بهجره من السيئات البدعية، بل تركوها ترك المعرض، لا ترك المنتهي الكاره أو وقعوا فيها وقد يتركونها ترك المنتهي الكاره ولا ينهون عنها غيرهم، ولا يعاقبون بالهجرة ونحوها من يستحق العقوبة عليها فيكونون قد ضيعوا من النهي عن المنكر ما أمروا به إيجابا أو استحبابا، فهم بين فعل المنكر أو ترك النهي عنه، وذلك فعل ما نهوا عنه وترك ما أمروا به، فهذا هذا ودين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه»([92]).

  وبهذا الشرح المفصل المستفيض من شيخ الإسلام رحمه الله يُعلم أنه لا خلاف بين علماء أهل السنة بين الإمام أحمد وابن تيمية والألباني وغيرهم، بل هم سائرون على طريق واحد ومنهج واحد، ويُعلم أن الاختلاف في التطبيق لا يرجع إلى الاختلاف في التأصيل دائما. نسأل الله تعالى أن ينفعني وإخواني بهذه الكلمات ويجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 

الفهرس

تقريظ الشيخ أبي سعيد                                                                                3

مقدمة :                                                                                                     4

المطلب الأول : الحكم على الناس بالظاهر                                                         7

المطلب الثاني : اشتراط إقامة الحجة في التبديع                                               9

المطلب الثالث : هل كل من وقع في البدعة يكون مبتدعا؟                                  12

المطلب الرابع : حكم التسلسل في التبديع (قاعدة ألحقه به)                              15

المطلب الخامس : حكم الموازنة بين السيئات والحسنات                           17

المطلب السادس : من أخطأ في جزئية منهجية لم يخرج من السلفية                  21

المطلب السابع : إنصاف المخالفين                                                                24

المطلب الثامن : التفصيل في الحكم على الجماعات                                         29

المطلب التاسع : هل يكون المسلم شرا من اليهود والنصارى؟                            32

المطلب العاشر : حكم الترحم على المخالفين                                                 34

المطلب الحادي عشر : لا هجر للمخالفين في هذا الزمان                                   36

المطلب الثاني عشر : حكم بيع كتب المخالفين وأشرطتهم                                41

المطلب الثالث عشر : حكم أخذ العلم عن أهل البدع                                        44

المطلب الرابع عشر : الأصل في الرد هو الرفق واللين                                        46

المطلب الخامس عشر : حكم إقحام الشباب في مسائل التبديع                         49

المطلب السادس عشر : الفصل والإقصاء من منهج الحزبيين                               51

خاتمة :

-أولا: بين البراءة من الباطل والبراءة من أهله                                                   53

-ثانيا : الغلو في التبديع وعلاقته بالغلو في التكفير                                           54

-ثالثا : كيف نفهم كلام السلف في الهجر                                                       56

 

 
 

 

 



[1]/ وقد صدر عن تسجيلات الرغائب والنفائس قرص جمع فيه كلام الشيخ الألباني على الفرق والجماعات الإسلامية، ضمنوه حديثه في الفرق الإسلامية القديمة والجماعات الحديثة .

[2]/ مجموع الفتاوى لابن تيمية (16/96).

[3]/ قال ابن تيمية في منهاج السنة(5/132):« فالأمور المشتركة بين الأمة لا يحكم فيها إلا الكتاب والسنة، ليس لأحد أن يلزم الناس بقول عالم ولا أمير ولا شيخ ولا ملك». وقال أيضا (35/386): «ولي الأمر إن عرف ما جاء به الكتاب والسنة حكم بين الناس به، وإن لم يمكنه أمكنه أن يعرف ما يقول هذا وما يقول هذا، حتى يعرف الحق حكم به. وإن لم يمكنه لا هذا ولا هذا ترك المسلمين على ما هم عليه كل يعبد الله حسب اجتهاده، وليس له أن يلزم أحدا بقبول قول غيره وإن كان حاكما».

[4]/ ومن علامة أهل البدع الوقيعة في أهل العلم والطعن فيهم، والطعن منه ما يكون بأسلوب صريح مقذع، ومنه ما يكون بمثل هذه العبارات التي يدعى أنها مؤدبة ولينة وهي أشر من الطعن الصريح لانطلائها على من لم يفقه معناها ومؤداها.

[5]/ سلسة الهدى والنور (848) الوجه الأول.

[6]/ مجموع الفتاوى لابن تيمية (4/149).

[7]/ التمهيد لابن عبد البر (10/157).

[8]/ الإزكان في اللغة اليقين والمراد هنا الباطن بدليل قوله:« فإن قال قائل: ما دل على ما وصفت من أنه لا يحكم بالباطن؟».

[9]/ البخاري (6967) مسلم (1713).

[10]/ الأم للشافعي (4/114).

[11]/ البخاري (4351) مسلم (1064).

[12]/ البخاري (4269) مسلم (96) واللفظ له.

[13]/ البخاري (2641).

[14]/ سلسلة الهدى والنور (778) الوجه الأول.

[15]/ سلسلة الهدى والنور (734) الوجه الأول.

[16]/ سلسلة الهدى والنور (666) الوجه الأول.

[17]/ سلسلة الهدى والنور (850) الوجه الثاني وراجع الكلام نفسه مطولا مع المثال في فتاوى المدينة الشريط الرابع الوجه الأول.

[18]/ سلسلة الهدى والنور (42) الوجه الثاني وقال في الشريط رقم (226) الوجه الثاني: » ومنه استقينا نحن هذا المنهج السلفي الحديثي»، يقول هذا مع أنه نقل عنه بعض الأخطاء، وتسليم الشيخ الألباني لكون محمد رشيد رضا انضم إلى الماسونية فيه نظر، وقد وقفت على كلام للشيخ محمد رشيد رضا في مجلة المنار يتبرأ فيه من هذه الجماعة قال رحمه الله ( المجلد 15 الجزء 1 ص 32 ‌ المحرم 1330 ـ يناير 1912):« قد بينا من قبل أن هذه الجمعية سياسية أنشئت في أوروبة لإزالة استبداد الملوك وسلطة البابوات ، وفصل السياسة عن الدين بأن يكون التشريع من حقوق الأمة غير مقيدة فيه بدين ، وقد فعلت في أوروبة فعلها وأدت وظيفتها . والذين ينشرونها في الشرق لهم أهواء مختلفة، ومنافع متعددة، والرياسة العامة التي يرجعون إليها أوروبية ، وإذ قد عرفتم حقيقتها وغرضها ، فقد عرفتم حكم الدخول فيها ، وما سبب اختلاف الأقوال في حكم الانتظام في سلكها إلا اختلاف العلم بحقيقتها » وبرأه أيضا من هذه التهمة فهد بن عبد الرحمن الرومي في منهج المدرسة العقلية في التفسير (186)، وانظر ثناء الألباني عليه في المطلب السابع .

[19]/ سلسلة الهدى والنور (795) الوجه الأول.

[20]/ سلسلة الهدى والنور (727) الوجه الأول .

[21]/ سلسلة الهدى والنور (778) الوجه الأول.

[22]/ شريط بدعة الموازنة.

[23]/ سلسلة الهدى النور (638).

[24]/ سلسلة الهدى النور (784).

[25]/ سلسلة الهدى النور (791) الوجه الأول .

[26]/ لقاء الباب المفتوح الشريط (111) الوجه الأول، وانظر الشريط (121) و(127) من السلسلة نفسها، والتعليق على مقدمة المجموع للنووي الشريط الثاني الوجه الثاني.

[27]/ قال أحدهم: «… حتى كلام الألباني والعثيمين هذا غلط للي يقولك في حال التقييم كما يقول الشيخ العثيمين الله يحفظه ، والله لقد نصروا المنهج السلفي وهدموا منهج الموازنات لكن بَقُّولهم ثغرة ينفذون منها ، وهم دخلوا منها فعلا.. وما عندهم أدلة أبدا على أنك تفرق بين حال التقويم وبين حال التحذير ما عندهم دليل ... إذن هذا الكلام ما هو صحيح وإن صدر من شيخين عظيمين من أئمة السنة ...بعض العلماء احتج بحديث كذا وكذا والله ليس فيه أي دليل وناقشته فيه ..يعنى إذا حكمت بين اثنين فلا تستعجل حتى تنظر ما عند هذا وعند هذا. وماذا في هذا ؟ انظر قضية الخلاف بينهم والصراع بينهم بس ما فيه منهم الموازنات هذا الذي احتجوا به ..أما الشيخ الألباني فما جاب ولا دليل الله يرحمه ، وأما الشيخ ابن عثمين فنسبوا إليه هذا الدليل وليس فيه أي شيء ، فنحن نشكر الشيخين، والله لقد نصرا المنهج السلفي نصرا عظيما لكن بقيت هذه اجتهاد منهما، لكن نحن على المنهج السلفي كل يؤخذ من قوله ويرد»، أقول : ومما يرد به عليه أن يقال ماذا تقولون في البيهقي ابن حزم وابن عساكر والنووي وابن حجر والشوكاني وغيرهم من الأعلام الكبار الذين لهم أخطاء عظام؟ هل إذا ترجم لهم لا يذكر عنهم إلا سيئاتهم حتى لا يغتر بهم وينفر الناس عنهم، أم لا تذكر إلا محاسنهم باعتبار علمهم فيكون في ذلك تغرير بالقارئ الذي ليس بطالب علم؟ وإذا حكمنا عليهم هل ننظر إلى أخطائهم فقط فنحذر منهم؟ والدليل الذي يطلبه -دليل الألباني والعثيمين-هو إجماع العلماء العملي في كتب التراجم والجرح والتعديل وعموم الأدلة الآمرة بالعدل والإنصاف، بل الفطرة السليمة كما قال ابن القيم، وأما في مقام الرد فإنه إذا صحت لدينا أدلة شرعية تنفي الوجوب، فانتفاء الوجوب لا يعني التحريم، ومما ينبغي أن يعلم أن قوله في مقام الرد على الألباني والعثيمين أنهما نصرا منهج السلف وأنهما شيخان عظيمان من أئمة السنة من معنى الموازنة التي يحرمها وينهى عنها ويبدع القائل بها !!

[28]/ مفتاح دار السعادة لابن القيم (1/176).

[29]/ مجموع الرسائل لابن تيمية (2/637).

[30]/ مجموع الفتاوى لابن تيمية (11/15).

[31]/ منهاج السنة لابن تيمية (6/150).

[32]/ سلسلة الهدى والنور (849) الوجه الثاني.

[33]/ مجموع الفتاوى لابن تيمية (3/346).

[34]/ سلسلة الهدى والنور (851) الوجه الأول.

[35]/ سلسلة الهدى والنور (666) الوجه الثاني.

[36]/ فتاوى جدة (6) الوجه الأول.

[37]/ حياة الألباني لمحمد بن إبراهيم الشيباني (1/400-402).

[38]/ سلسلة الهدى والنور (805) الوجه الثاني.

[39]/ سلسلة الهدى والنور (216) الوجه الأول.

[40]/ حياة الألباني (1/394) ومن أقدم من نبه على بعض أخطاء سيد قطب رحمه الله الشيخ الألباني ، حيث انتقد كلامه الموهم للاتحاد في مجلة المجتمع الكويتية (سنة 1400) وانتقده أيضا في تسميته لهذا العصر بجاهلية القرن العشرين كما في حياة الألباني (1/391)، وكذلك الشيخ عبد الله بن محمد الدويش المتوفى سنة (1407) في كتابه المورد العذب الزلال في التنبيه على أخطاء تفسير الظلال، وسليم الهلالي مع الدبيح في كتاب الجماعات الإسلامية في ضوء الكتاب والسنة الصادر عام 1399هـ، وآخرون قبلهم وبعدهم كمن رمز لاسمه (ع أبو عزة) في سلسلة مقالات نشرها في مجلة الشهاب اللبنانية عام 1393هـ، وقد اجتهد عبد الفتاح صلاح الخالدي في الإجابة عن تلك الانتقادات في كتابه الصادر سنة 1405 هـ"في ظلال القرآن في الميزان"، فلم يوفق في كثير مما ذهب إليه خاصة في قضية التكفير ومعنى الألوهية، والأسماء والصفات، والعجيب أنه اعترف بكون سيد قطب لا يقبل أخبار الآحاد في العقيدة ومع ذلك قرر أن عقيدته سلفية !!.

[41]/ سلسلة الهدى والنور (666) الوجه الأول، وانظر أيضا (785) الوجه الأول .

[42]/ سلسلة الهدى والنور (814) الوجه الثاني.

[43]/ شفاء العليل لابن القيم (52).

[44]/ وحكى عن نفسه في الشريط (37/الوجه الأول) أنه أنكر على الشيخ حامد الفقي لما لقيه بمصر وصفه للإخوان المسلمين بالخُوان. والمقصود أنه أنكر عليه التعميم وإلا ففي من ينتسب إلى الإخوان اليوم وقبل اليوم من يستحق أكثر من ذلك.

[45]/ سلسلة الهدى والنور (666) الوجه الثاني.

[46]/ مجموع الفتاوى (23/345) والعجب من بعض الغلاة يحكمون على كل من خالفهم من الفرق الضالة بأنه في النار عينا ويبغضونهم كما يبغضون الكفار أو أكثر، ثم إذا مات أعدى أعداء الإسلام من حكام أوروبا وباباواتها يتورعون عن الشهادة لهم بالنار، بل ويدافعون عنهم بحماس منقطع النظير.

[47]/ مجموع الفتاوى لابن تيمية (3/179).

[48]/ منهاج السنة لابن تيمية (4/543) ولمثل هذا الكلام يَعُدُّ الغلاة شيخ الإسلام مُميَّعا يقول بالموازنة .

[49]/ كشف الكربة لابن رجب (14).

[50]/ سلسلة الهدى والنور (752).

[51]/ مجموع الفتاوى لابن تيمية (13/95-96)، ولأجل هذا وغيره يزعم محمود الحداد وأتباعه أن ابن تيمية هو مؤسس مذهب الموازنة !! وأنه قد اغتر به تلاميذه كالذهبي وابن القيم وكثير من المعاصرين كالألباني والعثيمين وكل هؤلاء في ضلال مبين !! على حد زعم الحداد وأتباعه.

[52]/ انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (8/103) (10/669) (11/225) (19/187).

[53]/ سلسلة الهدى والنور (666) الوجه الأول.

[54]/ الهجر من مسائل التعزير الخاضعة للمصلحة والمفسدة الواقعة والمتوقعة ، يختلف حكمه باختلاف الزمان والمكان؛ وباختلاف درجة ظهور الحق وقوة أهله، وغلظ البدعة وخفتها، وإظهار أهلها لها وتسترهم بها، وينظر لذلك كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في المجموع (28/203-213) وفي الجزائر مثلا لا خلاف أن المصلحة في هجر من يظهر التشيع ويدعو إليه وفي فضحه والتحذير منه، لأن التشيع فيها قليل جدا والسنة في معناها العام ظاهرة والحمد لله رب العالمين.

[55]/ بعض من لا يفهم ينقل في المسألة إجماعا وهو لا يفرق بين الإجماع على المشروعية ، والإجماع على الوجوب ، بل أكثر من ذلك يؤيد إجماعه بأقوال علماء الأشعرية ؟!.

[56]/ سلسلة الهدى والنور (666) الوجه الأول.

[57]/ سلسلة الهدى والنور (666) الوجه الثاني.

[58]/ سلسلة الهدى والنور (551) الوجه الثاني.

[59]/ سلسلة الهدى والنور (23) الوجه الأول، وقال في الشريط (37/الوجه الثاني):« وأنا كنت أتردد على الإخوان المسلمين وأرحل معهم في رحلاتهم وأحضر محاضراتهم، طبعا معروف الغاية من ذلك وهو نقل الدعوة إليهم  ».

[60]/ سلسلة الهدى والنور (80) الوجه الثاني وتحدث في الشريط رقم (173) عن قضية القسوة في الدعوة وقال لمن أنكر الهجر :» هذا حق « وأيده بحكاية قصة رجوع محمد زهدي النجار عن بدعة الطرقية بفضل مخالطة الشيخ الألباني رحمه الله له.

[61]/ في هذه القضية الأخيرة يقول ابن تيمية كما في المجموع(4/542):« وتجوز الصلاة خلف كل مسلم مستور باتفاق الأئمة الأربعة وسائر أئمة المسلمين، فمن قال: لا أصلي جمعة إلا خلف من أعرف عقيدته في الباطن، فهذا مبتدع مخالف للصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأئمة المسلمين الأربعة وغيرهم» وقال في موضع آخر (23/351):« ليس من شروط الائتمام أن يعلم المأموم اعتقاد إمامه، ولا أن يمتحنه، فيقول: ماذا تعتقد؟ بل يصلي خلف مستور الحال… وقول القائل لا أصلي خلف من لا أعرفه كما لا أسلم مالي إلا لمن أعرفه، كلام جاهل لم يقله أحد من أئمة الإسلام ».

[62]/ وكلامه هنا مُقَيَّد ككلامه في الهجر، فإن من كانت بدعته كبيرة والمصلحة في هجره متحققة بلا مفسدة في زمان ما ومكان ما، فإنه لا يجوز توزيع مؤلفاته وأشرطته، خاصة أنه يوجد-لا محالة -ما يغني عنها من مؤلفات وأشرطة من هم أقرب إلى الحق والسنة منه .

[63]/ فتاوى جدة (رقم:9) آخر الوجه الثاني، ولما وُزِّعت هذه الفتوى من دون أي تعليق، رد أحد الغلاة في شريط على من وزعها واتهمه بالتدليس، ثم أطال في شرحها وتوجيهها بكلام فارغ وبعضه خارج عن محل النزاع، ثم إني لما قابلته ناقشته ببعض الأمثلة التطبيقية فسكت ولم يجد جوابا، ولما استخرجت نص الفتوى لأقرأها عليه قال لي: بارك الله فيك إذ أحضرتَها لقد كنتُ أبحث عنها ؟؟!!

[64]/ مجموع الفتاوى لابن تيمية (5/100).

[65]/ سلسلة الهدى والنور (511).

[66]/ سلسلة الهدى والنور (79).

[67]/ الطرق الحكمية (255).

[68]/ سلسلة الهدى والنور (900).

[69]/ مجموع الفتاوى لابن تيمية (28/53-54).

[70]/ سلسلة الهدى والنور (170) الوجه الأول.

[71]/ سلسلة الهدى والنور (900).

[72]/ وقد عد الشاطبي رحمه الله من يتبجح بذكر المسائل العلمية لمن ليس من أهلها أو ذكر كبار المسائل لمن لا يحتمل عقله إلا صغارها مخالفا للتربية المشروعة وموقعا في مصائب، انظر الموافقات (1/87).

[73]/ والشك في المجروحين المتكلم فيهم هو الأكثر وقوعا لقلة المروءة في أهل الزمان.

[74]/ وكثير منهم يستقل عن شيوخه الذين علموه هذا الغلو، بل وينقلبون عليهم ليحوزوا منزلتهم، وأصبح كثير منهم يشكل وسيلة ضغط على مشايخهم، "إما تجرحون من نريد أو نرفع أقوالكم وتصرفاتكم إلى من يسقطكم"، وفي الواقع شهادات لا تحصر على هذه الحقيقة المرة.

[75]/ سلسلة الهدى والنور (666) الوجه الأول، ولقد نشأ عن إقحام الشباب وحدثاء العهد بالاستقامة في هذا الباب انتشار ظاهرة التعالم بشكل فظيع، حيث اتخذ أهل كل منطقة من هؤلاء المتعالمين الأصاغر رأسا يسوسهم ويوجههم، ويصدهم عن العلم والعلماء والدعاة وعن كل سبل العلم النافع ليربطهم بشخصه ولتدوم له نشوة الرئاسة ولذة الزعامة.

[76]/ الشيخ عدنان عرعور من أقدم تلاميذ الشيخ الألباني رحمه الله، قال الألباني ردا على من يطعن فيه : « أحذركم من أن تتبرءوا منه، ففيما علمت هو معنا على الدرب منذ كان أو كنا في سوريا، وهو لا يزال معنا إن شاء الله إلى آخر رمق من حياتنا جميعا، فهو شاب متحمس وسلفي وعنده نسبة معينة من الفقه في الكتاب والسنة ولا نزكي على الله أحدا، والتبرؤ منه تبرؤ من دعوته الحق وهذا لا يجوز» سلسلة الهدى والنور (752) وله أيضا تزكية بخط الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى نص فيها على أنه من أهل السنة والجماعة، ومؤلفاته وأشرطته تدل بكل وضوح على استقامة منهجه، وقال الشيخ محمد عيد عباسي في تقديمه لكتاب عدنان منهج الاعتدال :« فما زلت منذ ثلاثين سنة أعرف أخي العزيز الشيخ عدنان أبا حازم حفظه الله سباقا إلى طلب العلم وتحصيله ، منذ التحق بركب الدعوة السلفية وشارك في الأخذ عن أستاذنا العلامة محمد ناصر الدين الألباني -شفاه الله -منذ أكثر من ثلاثين سنة، ولقد كان لأخي عدنان منزلة خاصة عند أستاذنا، فكان يلقي دروسه في بيته ويبات فيه، حتى رغب شيخنا في مصاهرته ، ثم طلب العلم على كثير من كبار العلماء وبخاصة سماحة الإمام الجليل عبد العزيز بن باز رحمه الله » (كتب التقديم في 10ربيع الآخر 1420).

[77]/ سلسلة الهدى والنور (795) الوجه الأول.

[78]/ فتاوى جدة 13 الوجه الثاني.

[79]/ راجع آخر شريط من شرح حلية طالب العلم للعثيمين رحمه الله .

[80]/ مجموع الفتاوى لابن تيمية (3/347).

[81]/ وقد عده الغلاة زلة من زلاته، بل اعتبروه طعنة شديدة في السلفية، نسأل الله الهداية والعافية.

[82]/ وقد ردوا عليه بأنه المنهج ليس من اختصاصه، وأن له تلامذة سروريين هم من يملي عليه الإجابات.. "رمتني بدائها وانسلت".

[83]/ نقل لي أحدهم عن شيخه بأنه قد ظهر له أن الشيخ بكر لا يعرف السلفية أصلا؟؟!!

[84]/ انظر " ظاهرة التبديع والتفسيق والتكفير" ضمن محاضرات في الدعوة والعقيدة له (3/375-395).

[85]/ يبدعون من نشرها ويسكتون عمن كتبها في الظاهر، وقد رأينا كثيرا من الناس تقبل هذا الكلام: "الكاتب سلفي والناشر والموزع مبتدع"، صدق ابن تيمية إذ يقول (2/357):« وإن العقول إذا فسدت لم يبق لضلالها حد معقول ».

[86]/ قال ابن تيمية في المجموع (17/419):« وهذا الذي قصدوه حق و كل مسلم يوافقهم عليه لكن لا ندفع باطلا بباطل آخر ولا نرد بدعة ببدعة» وقال في منهاج السنة (3/77):« ونحن إنما نرد من أقوال هذا وغيره ما كان باطلا وأما الحق فعلينا أن نقبله من كل قائل وليس لأحد أن يرد بدعة ببدعة ولا يقابل باطلا بباطل».

[87]/ إذا كانوا لم يثبتوا العذر بالجهل وردوا أدلته وعطلوها في باب البدعة، فكيف يعذرون في باب الشرك الذي هو أظهر من البدع وأوضح !! وقد قال بعضهم من وقع في البدعة فهو مبتدع قبل إقامة الحجة فإذا أقمنا عليه الحجة كفرناه ، وهذا هو مذهب التكفير للمسلمين المخالفين بعينه.

[88]/ وقد نقل غير واحد كلام ابن تيمية فيمن يدافع عن الزنادقة (2/131-132) وحمله على من يدافع عن بعض السنيين المُبَدَّعين أو أراد إنصاف بعض المخالفين، وهذا إما تلبيس أو تكفير للمخالفين .

[89]/ أهل الغلو في التبديع يهاجمون الأشخاص والجماعات دون نقد علمي للأفكار والعقائد المنحرفة التي تحملها، وهذا يجعل أتباعهم الذين نشأوا في زمن الغلو ولم يعرفوا منهج أهل الحق عرضة للوقوع في الباطل والانحراف، إذا ما جاءهم من غير الجهة التي حذروا منها ، لذلك هم واقعون الآن في الحزبية التي يحاربون، وكثير منهم يعتقد أفكار التكفيريين الذين يعادون.

[90]/ وهذا الكلام في هجر المبتدع المتفق على أنه مبتدع، لا في هجر أهل السنة بعضهم بعضا لأجل اختلافهم في هجر بعض المبتدعة أو اختلافهم في تبديع بعض الناس، فإن هذا خارج عن البحث ولا  سند شرعيا لأكثر الواقعين فيه إلا الهوى وحب الرئاسة والخوف من وشاية الغوغاء، والرد على هؤلاء إنما يكون بالوعظ والتذكير بالله تعالى وباليوم الآخر، لا بالحجج العلمية والبراهين الشرعية.

وقد علمنا أن بعض من يأمر بهجر أهل السنة لأجل هذه القضايا التي هو مخطئ فيها، يلبي دعوات وجهت له بمناسبة المولد النبوي ليلة المولد ولا يبين ولا ينصح، فترك الهجر الواجب بكل حال وهو هجر التقوى، وبالغ وتجاوز الحد في هجر التعزير، صدق رسول الله e إذ يقول:« يُبصر أحدكم القذاة في عين أخيه وينسى الجذع في عينه »!!! صححه ابن حبان .

[91]/ قال ابن تيمية في الجواب الصحيح (4/44):« يجب أن يفسر كلام المتكلم بعضه ببعض ، ويؤخذ كلامه ههنا وههنا، وتعرف ما عادته يعنيه ويريده بذلك اللفظ إذا تكلم به، وتعرف المعاني التي عرف أنه أرادها في موضع آخر، فإذا عرف عرفه وعادته في معانيه وألفاظه كان هذا مما يستعان به على معرفة مراده ».

[92]/ مجموع الفتاوى لابن تيمية (28/210-213).

تم قراءة المقال 24007 مرة