قيم الموضوع
(0 أصوات)

تهافت المنصرين

استمعتُ إلى أحد زعماء التنصير العالمي في أمريكا، وهو يخطب في كنيسة مليئة عن بكرة أبيها بالمنصرين، فكان مما قاله: "إنه يحمد يسوع المسيح أن أصبح العالم الإسلامي اليوم مكانًا ملائمًا للتنصير أكثر من ذي قبل"، ولقد أظهر حماسًا منقطع النظير وهو يحث كل نصراني في العالم على التوجه إلى المسلمين بالدعوة؛ لينالوا الخلاص الأبدي بدم المسيح المسفوح على الصليب، كما ورد تقرير تنصيري عن النشاط المبذول في العالم الإسلامي، جاء فيه: إن مليار مسلم سيدخلون جهنم ما لم تنقذهم الكنيسة!
 وفي المؤتمر التنصيري الذي جمع مئات المنصرين سنة 1911 بمدينة لكنو الهندية، اختتم أعماله بتوزيع تذكار على الحاضرين مكتوب على وجهه عبارة: (تذكار لكنو 1911)، وعلى الوجه الأخر عبارة: (اللهمَّ يا من يسجد له العالم الإسلامي خمس مرات في اليوم بخشوع، انظر إلى الشعوب الإسلامية، وألهمها الخلاص بيسوع المسيح).
 وعلى الرغم من كل تلك الجهود التنصيرية الكاسحة، فإنه لا تزال نتائجهم في الميدان كسيحة، فهم لم يستطيعوا إلى الآن، وقف عجلة الإسلام التي تدور بسرعة، بحيث لا تكاد تقدر الدوائر الإحصائية أن تحصي مئات الآلاف من النصارى والملاحدة واليهود والهندوس، الذين يعتنقون الإسلام كلَّ ساعة، مع أن هذا الأخير هو أكثر الأديان تشويهًا في العالم، بفعل أعدائه الذين يشنون عليه حملة دعائية نقدية ظالمة لا مثيلَ لها، وكذلك بفعل كثير من أبنائه الذين يُسيؤون إليه بسلوكهم وأقوالهم صباح مساء، بشعور أو بلا شعور.
 عجيب إذًا هذا الإسلام، تتلقى صورته أشد أنواع التلطيخ على يد أصناف المناوئين، وبدعم كل المبتدعة والضالين والمارقين على منهج سلف الأمة، وبمساندة جماهير لا تُحصى من العوام الموزعين على البسيطة، الذين تحسب سلوكياتهم الرَّعناء على الإسلام، ومع ذلك لا يزال يربح مسلمين جددًا يدخلون في دين الله أفواجًا؛ لا طمعًا في رغيف، أو قرص أسبرين، أو دنانير معدودات يقدمها لهم دعاة الإسلام، بخلاف المنصرين الذين يستغلون معاناة الناس، فيقايضون المساعدة بالصليب.
 تتبَّعتُ بحرصٍ موجات اعتناق الإسلام المتتابعة، بين يدي الآن بعض قوائم المهتدين الغربيين والشرقيين، أنظرُ فيها فأرى الأطباء والمحامين والصحفيين، والباحثين والمفكرين والجامعيين، ومشاهير الفن والرياضة، وحتى رجال الدين، وبالطبع إلى جانبهم من هو أقل من ذلك علمًا ودرايةً وثقافةً، ومستوًى وشأنًا.
إن مَن يعتنق الإسلام اليوم في الغرب والشرق هم النخبة، في المقابل زُرتُ بعض القرى في بلادنا، فقدم لي أحد الشباب قائمة من الذين يزعمون أنهم تنصَّروا في قريته، وإذا كان من شِيَمنا عدم التنقيص من قيمة الناس والازدراء بأي مهنة شريفة، إلا أن الشيء الذي يثير الشفقة أن ترى على تلك القائمة أجهل خلْق الله وأكثرهم أُميَّة، ممن يزعمون أنهم تنصَّروا، لتوصلهم إلى معرفة الحق الذي غفل عنه ذَوو العقل الكبير والفكر المنير!
 ودعونا نرى أُنموذجًا من نماذج أولئك الذين تفرح الكنيسة بتنصيرهم:
اتصل بي أحد طلبة العلم الشرعي، ودعاني إلى لقائه في أسرع وقت مناسب، فلبيت الدعوة، فحضرت إلى مسجده، فأخبرني أن أحد المصلين يشكو من تنصر أخيه، وأن هذا المتنصر صار يقرأ الأناجيل، والكتب النصرانية، ويشاهد البرامج التنصيرية على الفضائيات، وقد استعصى على عائلته، فلم تقدر أن تناقشه أو تَثنيه، فجاء أهله يطلبون مساعدة الإمام؛ لإقناعه بالعودة إلى حظيرة الإسلام، وبدا من حديث الشيخ أنه متردد في الذهاب إلى هذا المتنصر، وقد ذكر أن هذا الأخير ربما يملك شُبهة ما عن الإسلام لا يستطيع ردها، وتواضعًا منه بين أنه غير مطلع على كتب النصارى وعقائدهم؛ لذا دعاني لمصاحبته.
 وافقت على دعوته واتفقنا جميعًا على موعد للزيارة، وعند اقتراب موعدها بأيام زاد نشاطي التفكيري في الموضوع، وبدأت أجمع ما عندي من أدلة على صحة الإسلام، وكذلك الردود على الشبهات المعلبة على ديننا الحنيف، التي ملَلنا من كثرة سماعها، كما أعددت عددًا لا بأس به من البراهين العقلية والنقلية من كتبهم، على فساد خرافاتهم وبُطلان أباطيلهم، وكنت كل مرة أضع سيناريوهات محتملة لنوع النقاش الذي سيدور بيني وبين هذا المتنصر المتبحر في العلوم والمعرفة الدينية، كنت أحاول تخيُّل إستراتيجيات المعركة التي ستجري بيني وبين هذا الذي ترك الإسلام، زاعمًا أن فيه من الأخطاء والأغلاط ما لا يمكن تحمله، ومدعيًا كذلك أن في النصرانية التي درسها بعناية ما يثلج صدره من الإجابات التي منحته السكينة في رحلته الجديدة مع المسيح!
 لا أدري لماذا، لكنني أصارحكم أنها أول مرة أجتهد فيها لتحضير اللقاء أكثر من المرات الأخرى، مع أن المرات السابقة كانت مع قساوسة حاملين شهادة الدكتوراه في اللاهوت!
 حان الموعد المشهود، دخلنا البيت، وجلسنا في الصالون، وبعد حديث المجاملات والسلام، واحتساء لكوب من القهوة مع بعض الحلويات، بدأت الحديث مباشرة في الموضوع، كان هدف أول سؤال طرحته معرفة المذهب الذي ينتمي إليه هذا المخدوع؛ لأن النصرانية مذاهب شتى ونِحَل يلعن بعضها بعضًا، ولكل مذهب كتبه المقدسة الخاصة وعقائده التي لا يشاركها فيها الآخرون.
 كان جوابه غامضًا جدًّا، فيبدو أن الذين نصروه لم يخبره عن تلك المذاهب شيئًا، لكن قلت في نفسي: ربما كانت إجابته نوعًا من التكتيك الذي عهِدناه في مناقشتنا معهم، فأردفت بسؤال ثان عن نوع النسخة المقدسة التي يَدين بها ربه، والتي يعتقد أنها كلمة الله؛ لأن في النصرانية كتبًا مقدسة، وليس كتاب مقدس واحد، يوجد مثلاً أكثر من 24 ألف مخطوط لا يتطابق منها اثنان، مما كان له الأثر البالغ على المطبوع منها، فكل سنة تخرج إلى الناس نسخة مزيدة ومنقحة، فتحذف منها آيات أو فقرات أو أسفار وتضيف أخرى، وكل مرة تظهر ترجمة جديدة في إحدى اللغات، التي بلغت ألفين لغة ولهجة، تنتقد في مقدماتها وهوامشها وملاحقها الترجمات التي سبقتها!
لذا إذا أردتَ - أيها المسلم - أن تناقش نصرانيًّا من كتابه، فحدد نوع النسخة والترجمة التي ستكون المرجع، وإذا قُدر أن عاودت النقاش معه بعد سنة، فأعد الكرة بالتحقق من النسخة التي عُدلت بالضرورة خلال الشهور، فهذه هي حال كتبهم التي يريدون بها مناقضة ومنافسة القرآن العظيم وهيهات هيهات.
كناطح صخرة يومًا ليُوهنها  
فلم يَضرها وأوهى قرنَه الوعلُ  
 أخرج إلي هذا المتنصر نسخة من إنجيل لوقا، وأخبرني أنها الكتاب الوحيد للنصرانية؛ لأن هذا ما أعطته إياه الكنيسة التي يتردد عليها، فسألته عن باقي الكتاب المقدس، أين الأسفار الستة والعشرون الباقية من العهد الجديد، وأين عشرات الأسفار من العهد القديم؟
 استغرب الأمر، وأفهمني أن ما عنده هو الشيء الوحيد المعروف عند النصارى، وإنه الكتاب الوحيد الذي يتعبدون به، فاستفسرت عما إذا لم يعطوه الكتب الأخرى، فرد بالنفي، زاعمًا أن لا وجود لكتب أخرى!!
 أيقنتُ حينها أن الأمر ليس كما صوره لي الأخ الإمام المسلم الذي أحضرني معه، وأن هذا المتنصر المسكين الجاهل قد خدعه فعلاً المنصرون، ولا داعي للدخول في مناقشة كتبه وعقائده؛ لأن الأمر سيكون ضربًا من العبث مع شخص مستواه هزيل إلى هذا الحد.
 إلا أنني أعلم أن كثيرًا من المتنصرين قد حُشيت أدمغتهم بشبهات عن القرآن والرسول والإسلام؛ لذا ربما يكون هذا مثلهم، فسألته عن الشيء الذي لم يعجبه في الإسلام، لعلي أستخرج الشبهات التي زُرعت فيه، فكان مما جادت به جَعبته الفارغة أن ثمة ثلاثة انتقادات على الإسلام والمسلمين، هي أن المسلمين يسرقون الأحذية في المساجد، وأن مساجدهم غير جميلة بعكس الكنائس التي بداخلها صور رائعة - وقد عرفت فيما بعد تردده على كنيسة كاثوليكية مليئة بالصور - والانتقاد الثالث أن في المساجد فصل بين الرجال والنساء، بينما في الكنيسة يجلس النساء والرجال بعضهم إلى جنب بعض.
هذه أقصى شبهاته!
أحذية مسروقة، صور معلقة، واختلاط ماجن.
 وتركت الكلمة للأخ الداعية المسلم الذي أحضرني معه، فوعظ وذكر بمحاسن الإسلام، فأحسن وأجاد، وانفض المجلس.
وبعد أسبوعين اتصل بي هذا المتنصر، ودعاني لغداء في أحد المطاعم وأعرب لي عن شكوكه في النصرانية، فحدثته عن عقائد النصارى الباطلة، وعن مصيرهم بعد الموت، فشهد الشهادتين، وانفضَّ اللقاء بعد أن وعدني بالاغتسال والصلاة في المسجد.
 هذا هو أحد نماذجهم المتهافتة، وأترك للقارئ الحكم على البقية، والله الهادي إلى سواء السبيل.

تم قراءة المقال 326 مرة