قيم الموضوع
(1 تصويت)

إرهاب بحسب الطلب
إذا كنت سياسيا فاشلا، فلا عليك، فثمة حل سحري ينتشلك من فشلك ويلمع صورتك في لمحة بصر.
إذا كنت سياسيا موشكا على فقدان شعبيتك بين منتخبيك، فلا تقلق، فثمة وصفة ترفع شعبيتك إلى أعلى مما كنت تحلم به.
إذا كنت سياسيا دكتاتوريا عز عليك فراق الكرسي، وقد حاصرك الديمقراطيون الصادقون والمزيفون، فلا تيأس فثمة تكتيك يبقيك على كرسيك إلى أن ينتزعه منك ملك الموت.
إذا كنت سياسيا مُقدما على اتخاذ حزمة من القرارات التي لا تحظى بقبول مواطنيك، فلا تحزن، فثمة علاج ناجع يجعل الجماهير تنقاد لقراراتك بسرور وحبور.
إذا كنت سياسيا امبرياليا استعماريا ولك أجندة توسعية، فلا تخف، فثمة إكسير سيحولك إلى بطل محرر للشعوب المضطهدة.
إذا كنت سياسيا انتهازيا ومصاصا لخيرات الأمم، فلا تفزع، فثمة طريق سريع يجعل منك مستثمرا وشريكا اقتصاديا واعدا.
إذا كنت سياسيا غارقا إلى أذنيك في الفساد، وأردت أن تصرف أنظار المعارضة والمحاكم عنك، فلا تكترث، فثمة منظف يبيضك من كل دنسك ويشغل غرماءك عن خططك.
.....
وإذا بأولئك السياسيين جميعا يصيحون متوسلين: أدركنا، أدركنا، أدركنا…
فاجتمعت بهم وألقيت لهم ـ متبرعا ومشفقا ـ طوق النجاة، فقلت ناصحا: إنه الإرهاب، ولتحرصوا على أن يكون "إرهابا إسلاميا"، فالإرهابات الأخرى أضحت عقيمة، وقد فاتها موسم الموضة، ابدءوا باسم البرجماتية والغاية تبرر الوسيلة، والمصلحة العليا والضرورات الأمنية ..
فجروا الطائرات والمباني والقطارات، فخخوا المصانع والشوارع والسيارت، اقتلوا الركاب والمارة والجالسين والنائمين والعابدين واللاعبين، اخطفوا الخبراء والسياح ورجال الدين، أرسلوا الطرود الملغمة، استخدموا لنقلها البريد والجنود ـ عفوا ـ العبيد، جندوا شبابا منكم أو من المغفلين... مروهم بإعفاء لحاهم، ولا بأس بحجاب ونقاب وحزام ناسف بينهما، دربوهم، حركوهم...اغسلوا أدمعتهم.. خدروهم حتى يقبلوا بالقتل بل والانتحار إذا اقتضى الحال.. حددوا لهم الهدف والمكان والزمان، زودوهم بالخرائط، بالأسماء، بالجوازات، بالوثائق، بالعٌدة المناسبة لأداء المهمة أو الواجب أو المأمورية، ثم انتهى. لقد وصلتم إلى نصف الطريق....
توقفوا واستريحوا على كراسيكم، فبقية الطريق سيكملها الإعلام، الأشرطة الحمراء للأخبار العاجلة، والفضائيات المتنافسة، الإذاعات المحلية والدولية والصحف الصفراء والسوداء والتي بكل الألوان...
كلما أثخنتم في الأبرياء الجراح كلما أبليتم حسنا، دعوا صور الأجساد المتناثرة تتجمع لترفع صوركم، دعوا دماء الأطفال التي أخرست تتكلم عنكم، دعوا الأشلاء الممزقة ترفع أسهمكم، دعوا الدمار يعمر نزواتكم....
نددوا..استنكروا..اشجبوا...هددوا..توعدوا..انطلقوا.
ولم أكد أنهي نصيحتي حتى ضج مجلس الساسة الذين جاءوا يستنصحون، فقال كبيرهم الذي به يأتمرون، بعد أن فوضوه كعادتهم ليتحدث باسمهم: تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟
فقلت: وما ذاك!!؟
فقال: لقد ضيعت وقتنا الثمين لتصدع رؤوسنا بنصيحة كهذه، وأي جديد أفدتنا به!!!؟
إن ما تنصحنا به نعمل به منذ أن فتحنا أعيننا على السياسة، وإن ما تتفضل غير مشكور بشرحه نحن صناعه وخبراؤه، ولقد حسبناك تأتينا بمخترع مبتكر، فإذا بك تعيد قراءة دفاتر خططنا المطبقة في كل مكان وزمان، والمنفذة باحترافية واتقان..
انفض المجلس وانصرف الساسة إلى مؤامرة "الإرهاب الإسلامي"، ... أما أنا _الناصح الذي أراد أن يشفق على السياسيين المساكين!! _ فوقفت معاتبا سذاجتي ومرددا المثل الشعبي الجزائري القائل : "جاي يبيع الماء في حارة السقايين"!!.

تم قراءة المقال 362 مرة