الأحد 8 ربيع الثاني 1443

الأمية الدينية إلى أين !؟

كتبه 
قيم الموضوع
(2 أصوات)

الأمية الدينية إلى أين !؟
 
  صحيفة اليرموك السبت 30 أكتوبر 1993 ( العدد 278 )
   إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له أما بعد فإن الله تعالى يقول : (إنما يخشى الله من عباده العلماء) ويقول (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) والآيات كثيرة في رفع قيمة العلم ومكانة العلماء .
وكذا قول الرسول عليه السلام "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" وقوله "الدنيا ملعونة ، ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالما ومتعلما" والأحاديث كذلك التي تدعو إلى العلم ونبذ الجهل تعد بالمئات ، ويكفي أن ديننا دين المعرفة وليس دين الجهل والأمية .
   ورغم كل النصوص الدينية عن قيمة العلم ومكانة أصحابه، إلا أن الأمة الإسلامية تغرق إلى أذنيها في بحر الأمية الدينية، وهي أخطر بكثير من أمية القراءة والكتابة .
   وتبرز معالم هذه الأمية في الجهل المركب والفاضح لأكثرية أبناء الأمة بدينها عقيدة وشريعة ، خلقا ونظام حياة ومنهج دعوة.
   و أسباب الأمية الدينية في الوطن الإسلامي كثيرة نذكر منها أسبابا تاريخية، أهمها التعصب المذهبي والجمود الفكري الذي أخرج إلينا مجموعة من المتعصبين لمذاهبهم الفقهية، فقسموا الإسلام إلى دين جغرافي، فالمغرب العربي يجب أن يكون مالكيا و مصر والأردن شافعيين، والعراق وسوريا أحناف والجزيرة العربية حنابلة وهكذا .. وليس لأحد من المسلمين يعيش في تلك البلاد إلا أن يقلد المذهب ويقفل عينيه عن العلم الشرعي!! وإذا ما حاول الاجتهاد أحاط نفسه بالكتب الصفراء المليئة بالحواشي وشرح الشروح والتعليق على الحواشي !!
  السبب الثاني من أسباب الأمية الدينية الفرق الصوفية التي كانت تعلم الناس الدروشة في الحلقات والرقص على النغمات أما غير ذلك فلا كلام ولا علم، (ومن اعترض على الشيخ انطرد) و (كن بين يدي شيخ الطريقة كما يكون الميت بين يدي مغسله).
  والسبب الثالث للأمية الدينية هي خروج جماعات إلى الساحة الإسلامية المعاصرة وهي بلقع في العلم، فارغة من النور الرباني والهدي النبوي تدعو أتباعها إلى الدعوة فقط أو الجهاد فقط أو السياسات فقط أما العلم فيزهدون فيه لأن في ظنهم أنه يشغلهم عن هذه الغايات التي ذكرناها سابقا، ثم يقولون ليس مطلوبا من الأمة أن تكون كلها متعلمة أو مجتهدة، ويكفي تعلم الدعاة والعلماء فقط، لكن إذا نظرنا حتى في هؤلاء الذين يسمون قيادات دينية أو دعاة إسلاميين نجدهم في جهل كبير وأمية عمياء.
  أليس من الأمية أن يحسن أحدهم الكلام في السياسات اللاشرعية، والخطب النارية، وإلهاب العواطف وهو يحمل عقيدة منحرفة، وقد أحاط به الجهل من كل مكان من عقيدته وعبادته ومنهجه ...!؟
   أليس من الأمية الدينية أن تجلس عند صاحب مشروع نهضوي يصول ويجول في المعسكر الشرقي والغربي ويحلل وينتقد وينظر، وعندما يذكر حديثين شريفين فقط في محاضرته الطويلة يكون الحديثان موضوعين ولا أصل لهما أولهما : (كلكم على ثغرة من ثغرات الإسلام فليحذر أحدكم أن يؤتى من قبله) والحديث الثاني (من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم) !؟
   أليس من الأمية الدينية أن ترى دكتورا في الشريعة يصلي أمامك وهو لا يحسن الصلاة، بل إن بعض العوام يصلي أفضل منه، فتجد صاحبنا الدكتور يصلي لغير سترة وينظر ويرمق الناس بعينيه يمينا وشمالا، ومرة يسجد على ركبتيه ومرة على يديه، ومرة يضع يديه على صدره وفي ركعة أخرى على بطنه، مرة يستند إلى الأرض في قيامه ومرة يقوم كالسهم بدون استناد ومرة يضع جبهته وأنفه على الأرض ومرة يضع جبهته وينسى أنفه ..!؟
  أما أولئك الذين يقولون نحن نقوم بجهد النبي في الدعوة و لا يتجاوزون قراءة كتابي رياض الصالحين وحياة الصحابة فأين هم من كتب الفقه  والأصول و الحديث و العقيدة إلى ماذا يدعون ؟ وقد أتوا من قبل جهلهم فاشتعلت فيهم البدعة ودب فيهم الانحراف !؟.
  نرجع إلى العوام الآن، أليس من الأمية الدينية أن يعرف المسلمون تفاصيل الأفلام والمسلسلات والفنانين، زوجاتهم وأولادهم أكلهم المفضل، وألبستهم المفضلة أخبار قططهم وكلابهم وحبهم وعشقهم... بينما يجهلون دينهم، يجهلون من هو أفضل من الفنانين وهم الصحابة والتابعون !؟.
  أليس من الأمة الدينية أن يعرف المسلم تفاصيل الكرة وتصفيات الكأس وأخبار البطولة واللاعبين و الأهداف والفرق... بينما يجهل أصحاب هذه الاهتمامات أحكام الصلاة والوضوء وأحكام البيع إذا كانوا تجارا أو أحكام الزكاة إن كانوا أغنياء !؟
  أليس من الأمية الدينية أن يترك الناس الدوام في المؤسسات و يتركوا صلاة المغرب والعشاء لمشاهدة مباراة مشبوهة يكشف فيها عن أفخاذ اللاعبين وهذا محرم في الدين !؟
  أليس من الأمية الدينية أن تعرف الفتاة تفاصيل الألبسة والموضات والأزياء  والمناكير والموديلات ومصطلحات الكوافيرات...بينما تجهل شروط الحجاب الشرعي فتراها إذا تحجبت خرجت متزينة ملونة كأنها قوس قزح أو علبة ألوان !؟
  وقد تجد بعض الناس ضليعا في معرفة دقائق الطب و الهندسة والكمبيوتر لكن في العلم الشرعي، وحتى في الضروريات، تجده كما ولدته أمه !؟
  فكيف إذا ً لأمة تجهل ربها ودينها أن تقول أنها أمة متعلمة ؟ وكيف لها أن تكون رائدة بين الأمم ؟
   لهذا على كل من يريد الخير لهذه الأمة من دعاة ومربين أن يبدؤوا من هذه الطريق، طريق التعليم والتربية، على الإسلام الصحيح المصفى من جميع الشوائب وعندما نتعلم نستطيع أن نقول أننا لسنا أميين وأننا أمة بحق، وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

تم قراءة المقال 168 مرة