الجمعة 15 شعبان 1443

على نهج السلف 3 التوحيد سبيلنا إلى الوحدة

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

على نهج السلف 3 التوحيد سبيلنا إلى الوحدة

(المقال الأخير في السلسلة)

د. يزيد حمزاوي _رحمه الله_
إن الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له،
أما بعد:
فبعد المقالين السابقين من هذه السلسلة خرجنا بنتائج هامة جدا، كان من بينها أن الدعوة إلى التوحيد و تحقيقه في المجتمع أولى من تجميع الناس من هنا وهناك على حساب العقيدة و الشريعة، لتحقيق وحدة مزعومة، أو الاستفادة من أصواتها في انتخابات ما، فيَجمع البعض بين الغث و السمين، والنَّطيحة والمتردِّية وما أكل السبع حتى يبدو "تجمهرهم"ولا أقول وحدتهم كالقميص المرقع بعشرات الرُّقَع مختلفة الألوان والأحجام، وهذه سياستهم "قمِّش ثم فتِّش" أو "جمِّع ثم علِّم"، وهو مخالف لهدي النبي - عليه الصلاة والسلام- وعلماء السلف الذين كانوا يعلِّمون ويربون و يُكَوِّنون ثم يجمعون الزبدة و يوحدون الصفوة.
إن حشد الناس، وتجميع الفرق الضالة لإيجاد وحدة على حساب الدين لَهُوَ وقوف في صدر النصوص الشرعية، وأريد أن أشير في هذا المقال إلى ذلك وإلى جملة من الفوائد التي يجهلها كثير من أصحاب الدعوات، أو يتجاهلها بعضهم لغاية في نفس يعقوب.
إن اختلاف الأمة، كما جاء في النصوص الشرعية ضرورة قدَرية فهو واقع لا محال لكن لا يعني هذا أن الله يرضاه شرعا لكن عندما يحدث هذا الاختلاف لسبب أو آخر فنحن مَدْعُوُّون للوحدة، ولمعرفة السبيل إلى الوحدة يجب معرفة سبب الاختلاف أولا لتفاديه.
إنه البعد عن الدين بأي شكل من الأشكال، فمنهم من أراد أن يجتهد في مواطن يحرم فيها الاجتهاد ومنهم من أراد أن يكون ملكيا أكثر من الملك، كما يقول المثل الفرنسي وذلك بأن يدافع عن العقيدة بأساليب تحرِّمها العقيدة، بابتداعه علم الكلام والمجادلات السفسطائية، ومنهم من أغلق باب الاجتهاد وفتح باب المذهبية المقيتة، وهؤلاء كلهم شطحوا ونطحوا الكتاب والسنة، وإن كان بعضهم قد قصد الخير بنية صادقة إلا أنه أخطأ الطريق، وكم من مريد للخير لن يبلغه!
لكن المصيبة الأدهى في المِلَل و النِّحَل التى اندست في صفوف المسلمين، ولقيت دعما قديما وحديثا من أعداء الإسلام لغاية التفريق والتشويه والتخريب وتهوين القواعد من الداخل وإشاعة البلبلة الدينية بين العوام.
ويريد البعض الوحدة مع هؤلاء وأولائك والمصالحة بين أصحاب الخرافات والخزعبلات والنفاق والكفر وأهل السنة، بسياسة التنازل المشترك، كما يسمونها، نعم قد يتنازل الزوج لزوجته أو الزوجة لزوجها عن بعض الحقوق للحفاظ على بنيان الأسرة من الذوبان والانحلال، لكن هل ينفع التنازل عن الدين!؟
هل نتنازل مثلا للذين يَسُبُّون الصحابة ونقول لهم لا تثريب عليكم فهذا أبو بكر وعمر بينكم افعلوا بهما ما شئتم!؟
هل نتنازل للقبوريين ونقول لهم أنتم أحرار في أضرحتكم فاجتهدوا في عبادة أربابكم كما تشاؤون!؟
هل نتنازل للذين يعبثون بالعقيدة والمنهج الدعوي لنقول لهم لن تُسألوا عما تفعلون فَصُولُوا وجُولُوا واركلوا النصوص الثابتة بأرجلكم فالوحدة معكم أهم من ذلك كله!؟
حتى إذا تنازلنا نحن أهل الفرقة الناجية فعن ماذا يتنازل المبتدعون والمنحرفون والمنافقون!؟
بل بالعكس نراهم قد شمروا على ساعد الجِدّ وأقاموا أسواقا للبدعة والخرافة والكفر والزندقة في كل مكان، وأضحت الفرقة الناجية هي الفرقة الضالة صاحبة البدعة وحتى الكفر عند البعض، ولا تستحق عندهم إلا المطاردة والمنابذة بالسيف واللسان.
ولا نريد أن نستطرد أكثر من هذا فخلاصة الوحدة هي أن تكون تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، فلا تزيغ قيد أُنْمُلَةٍ عن الخط المستقيم الذي رسمه لها محمد - صلى الله عليه وسلم - فالوحدة هي أن تكون أهدافنا وغاياتنا وآمالنا ووسائلنا مطابقة لما كان عليه الرَّعيل الأول من الأخيار الذين صدَقوا الله في اتباعهم لدينه ورسوله، وهذا تصديق لقول الرسول -عليه السلام- : "افترقت اليهود... وافترقت النصارى... وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة.. ما أنا عليه وأصحابي" هذا هو السبيل لا غيره أن نكون على ما كان عليه السلف من الصحابة لا أن نحاول اختصار أو تقليص، كيفما اتفق، هذه الفرق إلى سبع عشرة فرقة أو سبع فرق، فكل من أراد الوحدة فما عليه إلا أن يقارن نفسه بما كان عليه السلف ويصوب الخطأ ويقوم الزلل، وكل من يفعل مثله يتوحد معه لزوما وبطبيعة الحال، ولا يضره من خالفه قال المصطفى - عليه الصلاة والسلام -: " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم..."
وأية وحدة لا تجعل قاعدتها الاعتصام الموحد بكتاب الله وسنة نبيه وفهم السلف الصالح للدين، هي وحدة فاشلة، فقد دعا الله عباده إلى الاعتصام بحبل الله قبل اجتناب التفرق فقال تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ...) فالاعتصام هو العاصم من التفرق، وقد جاء هذا واضحا في قوله تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) فهنا اتباع سبيل الله هو الذي يعصمنا من التفرق في لُجَّة السبل الأخرى، والتنازع بين المسلمين يجب أن يُزَال بالرجوع إلى الكتاب والسنة وجعلهما حَكَما بين المتخالفين وبكل إيمان وإخلاص يقف المتخاصمون عندهما، دون أية فلسفة أو سفسطة أو ادعاء للمصلحة لقول الله: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا) ولَمّا فهم السلف الصالح هذه الآيات تحقق فيهم قول الخطيب البغدادي _رحمه الله_ : "كان المسلمون عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم على منهاج واحد في أصول الدين وفروعه غير من أظهر وفاقا أو أضمر نفاقا".
وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا اله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

تم قراءة المقال 157 مرة