قيم الموضوع
(3 أصوات)

حكم الزردة

مع بيان حكم التبرك بالقبور والتوسل بأصحابها

   السؤال : كنا نزور المشايخ بنية صالحة ونتبرك بآثار الصالحين ونتمسح بقبورهم ونتوسل بهم، ونقيم الزردات والوعدات كلما اشتدت بنا المحن فنظفر بالمنن وتُفرج علينا، حتى جاء البادسيون وقطعوا علينا هذه الاحتفالات البهيجة وغابت عنا وغضب علينا ديوان الصالحين . أفليس من الخير أن نعود إلى الزردة والوعدة ونحيي ما اندثر، فإن ذلك عادة الآباء والأجداد، وانصراف الأهوال و إرضاء الرجال، عسى أن تنفرج عنا المحن وتكثر المنن ... فما رأيكم دام فضلكم ؟ السائل عبد الله الغفلان من زمورة بغليزان.

 

حكم الزردة

الجـواب

   الحمد لله والصلاة السلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه:

أولا : سؤال محيرِّ ، لا ندري أصاحبه جاد به أم هازل ، فإن كان جادا أجبناه بعلمنا و لا عتب علينا وإن كان هازلا بنا فإنا نعوذ بالله أن نكون من الهازلين.

فقول السائل :كنا نزور المشايخ بنية صالحة

   الصواب : كنا نزورهم بغفلة فاضحة ، أعيننا مغلقة وعقولنا معطلة. فالشيوخ كانوا عاطلين من كل ما يؤهلهم للزيارة فلا علم ولا زهد ولا صلاح ولكن لنسب مرتاب في صحته، فكنا - كما قيل – نعبدهم ونرزقهم. والزيارة الشرعية تكون للشيخ إذا كان من ذوي العلم والفهم والصلاح، فيكتسب منه الزائر العلم والدين والصلاح ويأخـذ منه المنقول والمعقول و يرجع بفوائد جمة، كما كان عالم المدينة بها وأبو حنيفة بالعراق، هذه هي الزيارة المأذون فيها وكانت تضرب إليها آباط الإبل، فأما إذا كان الشيخ كالصنم فماذا يستفيد منه الزائر؟ أعلما؟ أم زهدا ؟ أم صلاحا؟ أم نصيحة وعقلا ؟ إن المشايخ كانوا خلوا من كل ذلك، وفاقد الشيء لا يعطيه. والذين كان يمكن الاستفادة من علمهم لم يرِدوا في سؤالكم ولا يمكن أن يخطروا ببالكم مثـل ابن باديس والتبسي رحمهم الله، فقد كان يزورهم الطلاب ويرجعون من عندهم بعلم وفير،ونصائح جمة أفادت الوطن والأمة. وإنما حكمت بأنك لا تريد هذا الصنف من العلماء لأنك ذكرت مع زيارتهم، البركة والتمسح بالقبور و الزردة والوعدة، ونسيت الهردة والوخذة والفجور والخمور ، فقد أنقذوا الأمة من هذه الشرور وخلَّصوها من قبضة مشايخ الطرق فكان ذلك مقدمة لتحريرها ورفع رايتها.

     ولـم يكن لغالب مشايخ الطرق إلا فضيلة النسب الشريف وهو مظنون، وإن صح ففي الحديث:" من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه " (مسلم) وأم الشرفاء قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:" يا فاطمة لا أغني عنك من الله شيئا " (متفق عليه) فإذا أردت أخذ البركة من المشايخ فاقصدهم للعلم و الفضل والصلاح والزهد واقتد بهم واعمل عملهم تنتفع و تحصل لك أنواع من البركة الحقيقية لا المتخيلة.

ثانيا : وأما قولك :" نتمسح بقبورهم"

   فإن مثل هذا التمسح نوع من الشرك، ولا يكون [التمسح] إلا للحجر الأسود، بالكعبة فقط مع التوحيد الخالص لله، وقد قال له عمر يخاطبه :" والله ما أنت إلا حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أنـي رأيت رسول الله يقبلك مـا قبلتك" [متفق عليه]. فإن كنت مع الحجر الأسود كما قال عمر فلا بأس أن تقبله، أما غيره فلا يجوز لك أن تتمسح به فإن التمسح به و تقبيله شرك يتنـزه عنه المؤمن الموحّد.

     إن المؤمن يعلم  كما علم عمر  أنه حجر والله يقول– في مثله من الجماد الذي كان يفتن العباد -: (إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ( (فاطر 14). فالبركة المستفادة من هذا التمسح هي الرجوع إلى عهد الجاهلية والشرك بالله، هذا هو التمسح بالقبور فإنها أجداث.  فإن قصدت ساكني القبور فإن ذلك منك أضل ، ألم تر أن صاحب القبر كان حيا يرزق ثم جاءه الموت، والموت كريه لا يحب زيارته أحد من الأحياء، فلم يستطع دفعه عن نفسه واستسلم مكرها له ، ولو استطاع أن يفتدي منه لبذل له الدنيا وما فيها. فمن رجا

الخير من ميت أو دفع الضر المتوقع فلا أضل منه، فادع في كل ما يصيبك الحي الذي لا يموت فإنه النافع الضار وحده ،والله يوصي عباده فيقول: (ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون) (فصلت 37).

ثالثا : وأما قولك :" كنا نتوسل بهم "

   فإن التوسل الشائع بين الناس و هو دعاء - والدعاء هو مخ العبادة -شرك محض، فالتوحيد أن تدعو الله الذي خلقك، ولو عظمت ذنوبك فإنه معك يسمع دعاءك ، فإن كان لا بد من التوسل فتوسل بصالح أعمالك كما فعل الثلاثة أصحاب الغار حينما نزلت عليهم الصخرة و سدته عليهم، فاستجاب لهم من يعلم شدتهم، هذا هو التوسل الصحيح وغيرهم قد يوقع صاحبه في الشرك فلا تحم حوله.

 رابعا : وأما قولك :"كنا نقيم الزردات والوعدات، كلما اشتدت بنا المحن"

   فإن هذه الزردات كانت من آثار غفلتنا منافية ليقظتنا، وكان علماؤنا رحمهم الله يسمونها" أعراس الشيطان" لمـا يقع فيها من سفه و تبذير وعهر وخمر واختلاط وفجور، وإنما كان يشد إليها الرحال من تونس حتى المغرب الغافلون منا المستهترون بالدين والأخلاق ممن نامت ضمائرهم، وكانت من أعظمها"زردة سيدي عابد"بناحيتكم يأتيها الفساق من تونس و المغرب وما بينهما ، وسل الشيوخ الأحياء ينبئونك ، وكانت هذه الزرد كثيرة لأن لكل قوم إلههم من أصحاب القبور من حدود تبسة إلى مغنية، كانت القبور تُعبد من دون الله ولكل قوم من يقدسونه، فسيدي سـعيد في تبسة، و سيدي راشد في قسنطينة،وسيدي الخير بسطيف،وسيدي بن حملاوي بتلاغمة، وسيدي الزين بسكيكدة، وسيدي منصور بولاية تيزي وزو، وسيدي محمد الكبير في البليدة، وسيدي بن يوسف بمليانة، وسيدي الهواري بوهران، وسيدي عابد بغليزان، وسيدي بومدين بتلمسان، وسيدي عبد الرحمن بالجزائر ويزاحمه سيدي محمد. وليعذرني الإخوة ممن لم أذكر آلهة بلدانهم وهم ألوف. ففعل هؤلاء القوم مع هؤلاء المشايخ يشبه فعل [أهل] الجاهلية مع هبل واللات والعزى وخصوصا إقامة الزردة حولها و الذبح لها والتمسح بالقبور، أفتريدنا [أن] نحيي آثار الشرك ونحن الموحدون؟.

    لقد وقف العلماء وقفة صادقة ضد هذه المناكير في الزرد، لا فرق بين علماء الإصلاح و غيرهم ممن كان يناصر جمعية العلماء ومن كان خارجها حتى قضوا على الزردة. وساء ذلك الدوائر الاستعمارية فأرادت أن تحييها و تحافظ عليها، وفي علمي أن آخر زردة قام بها سياسي فشل في سياسته الاندماجية فعادى العلماء واتهمهم و أقام زردة بثيران المعمون بخرافهم ، وأين ؟ في مدينة قسنطينة عرين أسد الإصلاح، لكنه دفن نفسه و لم تقم له قائمة. فمن يريد أن يسير اليوم الدوار بإحياء الزردة والوعدة، فبشره بخيبة تصيبه مثل خيبة الأمس، فاحذر يا صاحب السؤال.

خامسـا: [ حكم طعام الزردة ]

ثم إن الطعام واللحم المقدم في الزردة لا يحل أكله شرعا، لأنه مما نص القرآن على حرمة أكله فإنه سبحانه وتعالى يقول: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به) (المائدة 3) فاللحم المقدم في الزردة من القسم الرابع أي مما أهل لغير الله ،أي ذبح لغير الله بل للمشايخ. فزردة سيدي عابد أقيمت له وهكذا سيدي أحمد بن عودة وسيدي بومدين الخ …أقيمت له الزردة ليرضى وينفع أو يدفع الضر ،وتقول إن هذه الذبائح قد ذكر عليها اسم الله عليها، فأقول:ولو ذكر اسم الله ، فإن النية الأولى وهي تقديمها لصاحب المقام، يجعلها لغير الله.

   برهان ذلك فعل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه مع والد الفرزدق وسحيم ،فإن سحيما علم أن غالبا نحر ليطعم الناس فنحر، فسمع به غالب فنحر عشرات، فغالبه سحيم ونحر مثله وكثر المنحور حتى عد بالمئات، يريدان به الفخر، فلما جاء الأمر إلى علي رضي الله عنه نهى الناس عن أكل لحمها واعتبرها مما أهل لغير الله، ولاشك أن ناحريها قد ذكروا عند نحرها اسم الله، لكن الناحرين قصدا بذلك التباهي والافتخار، فكانت مما أهل به لغير الله. فلحم الزردة حرام وطعامها حرام لأنه صنع بذلك اللحم، والحضور حرام لأنه تكثير لأهل الباطل، ولو كان الذي حضر إماما أو رئيس أئمة أو دكتورا أو عالما. فإنه عار أن نزرِّد بأموال الدولة ونحن غارقون في الديون، وقد شاهدنا في تلفزتنا ما يحب الأوربيون أن نكون عليه من اللعب بالثعابين ..فكل من أحيا فينا الغفلة التي كنا فيها بالأمس ليس بناصح لنا بل غاش ولن يفلح في مقاصده وسيكون كما قال الله في مثله ممن جعلوا المال للكيد للمسلمين(فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ) (الأنفال36) وهذا وعد من الله صادق ولن يخلف وعده.

سادسا: وأما قولك:" حتى جاء البادسيون "

   فالحق أن ابن باديس وأصحابه إنما دقوا الجرس، فاستيقظ الشعب ورأى الخطر المحدق به، فانفضَّ عنهم. ولم يأت ابن باديس بدين جديد، ولا بطريق جديد، وإنما تلا كتاب الله، وحدث بكلام رسول الله، وسار بسيرة السلف الصالح رضي الله عنهم أجمعين، وكفى ابن باديس أن أيقظ المسلمين.

سابعـا:إذا أردنا أن تزول المحن عنا فلنجتنبها، ونخالف طريقها، فلنعبد الله وحده ونطع الله ورسوله، ونوحد الكلمة فيما بيننا، ونعتصم بحبل الله المتين ونجتنب الخلاف والنزاع، ونؤمن بالله ونستقم ونعمل الصالحات. فلابد من العمل المتواصل لأن الله يأمر بـه (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) (التوبة105) هذه وسـائل النجاح وليست إقامة الوعدات والزردات، ودعاء غير الله فهذا عمل الخاسرين، وإن طلبنا النجاح وزوال المحن بغير هذه الطريقة فنحن في ضلال وخسران، كما أقسم علـى ذلك رب الناس ( والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنـوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر). هذا جواب سؤالك يا أخا زمورة وسنعود إلى الموضوع. والسلام عليكم وعلى كل من اتبع الهدى.

 

عن جريدة الشعب 18/11/1991م الصفحة 9

 

تم قراءة المقال 6831 مرة