الأحد 25 صفر 1432

قد ضل من كان مثل هذا يهديه (2)

كتبه 
قيم الموضوع
(1 تصويت)

قد ضل من كان مثل هذا يهديه (2)

   فالسلفي إذن في لغة المنطق الصحيح والكلام المفهوم هو العامل بهذه الأحاديث والآثار، والداعي إلى مثل([1]) ما دل عليه حديث :"تركت فيكم اثنين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنتي" ولقوله في حديث العرباض بن سارية:"وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب فقلنا يا رسول الله إن هذه لموعظة مودع فماذا تعهد إلينا، قال: تركتكم على (المحجة) ([2]) البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ بعدي عنها إلا هالك، ومن يعش منكم فسيري اختلافا كثيرا، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، وعليكم بالسمع والطاعة وإن كان عبدا حبشيا عضوا عليها بالنواجذ، فإنما المؤمن كالجمل الأَنِف كلما قيد انقاد" وفي رواية أخرى زيادة :" وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة".

   والأحاديث في هذا المعنى كثيرة لا تفي بها مقالة أو مقالتان، وما ذكرناه يدل على ما سواه لمن طلب الحق.

 

قد ضل من كان مثل هذا يهديه (2)

 

   والداعي إلى قول إلى أمير المؤمنين عمر :"ردوا الجهالات إلى السنن"، ولقوله :"أيها الناس قد سنت لكم سنن وفرضت لكم الفرائض ، وتركتكم على الواضحة إلا أن تضلوا بالناس يمينا وشمالا".

    والداعي إلى قول أمير المؤمنين علي :"إياكم والاستنان بالرجال ، فإن الرجل يعمل بعمل أهل الجنة فينقلب لعلم الله فيه فيعمل بعمل أهل النار فيموت وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيتقلب لعلم الله فيه فيعمل بعمل أهل الجنة فيموت وهو من أهل الجنة، فإن كنتم لا بد فاعلين فبالأموات لا بالأحياء "، ولقول ابن مسعود:"إلا لا يقلدن أحدكم دينه رجلا إن آمن آمن، وإن كفر كفر، فإنه لا أسوة في الشر"، ولقول أحد من آل البيت النبوي في قصيد له يَحث فيه على التمسك بالكتاب وبيانه، وينهى عن تقليد الرجال بغير دليل:

تريد تنام على ذي الشبه    وعلك إن نمت لم تنتبه

فجاهد وقلد كتاب الإله    لتلقى الإله إذا مت به

فقد قلد الناس رهبانهم      وكل يجادل عن راهبه

وللحق مستنبط واحد      وكل يرى الحق في مذهبه

    ويقيني أن الله حفظ طائفة السلفيين من غضب جريدة البلاغ، وحفظ السلف رضي الله عنهم من سوء القالة، وقد خطر لي أن أعرض رسالة المحاسبي رضي الله عنه على مقتضيات الأحوال التي هي ملاك علم المعاني، وفي علوم القرآن نسميها أسباب النزول، فأي الفريقين السلفي والعليوي زعم لنفسه صفة فاق بها السلف، وأعطى لنفسه من الفضائل ما لم يعطه السلف لأنفسهم كان حقيقا بأن يكتب المحاسبي (رضي الله عنه) إليه بهذه الرسالة لادعائه دعاوى ضاق بها المحاسبي (رضي الله عنه) ذرعا حتى كتب ما كتب دفاعا عن السلف، ولا بد من تحقيق المناط بعد تخريجه وتعليقه حتى لا يظلم أحد، فالشيخ ابن عليوة قد أحدث من الأمور ما لا قِبَل للسلف بها ولا حدثتهم بها أنفسهم، فهو الواضع للخلوة التي فنت فيها أتباعه، وهو الذي لقَّب أتباعه بالعارفين بالله على أميتهم، وهو الذي يقول أتباعه إنه([3]) يحضر لهم النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك مما هو من اتباع سبيل غير سبيل السلف، وهو الواضع هذه الأناشيد المستقلة عن القرآن، وهو الذي جمع طلقاء من كل شعب (ليغر)([4]) بهم العامة ووضعوا له الفتاوى.

   ومتى كان من يذهب على السنة يحتاج إلى فتاوى([5])، وهو الذي لقن أصحابه لفظ الله ليرمزوا إلى كل حادث به، وهو الذي زهد في الهداية المحمدية فلم يعن بنشر السنة وأحكام الدين إلى من يطيف به من الغوغاء، بل أحلَّ هدايته في عقولهم زهدا في أحكام الدين التي لم يستغن عنها السلف.

   ففي مجامعهم ومجالسهم لا تجد عالما ولا متعلما لسنة، وإنما تجد غوغاء تَهرف بكلام لا تعرف له وجها، وتتقلَّب في بدع لو خرج عليهم أحد من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لأيقن أنهم من أهل ملة أخرى، وربك يعلم ما تُكن صدورهم وما يعلنون.

   فيا أيها الكاتب خبِّرني عن الذين خرجوا من الخلوة (أهم) ([6]) يُحسنون الصلاة في شروطها وأركانها وسننها إحسانا علميا، أم يأتون بها صورة تضاهي صلاة الأعرابي (صل فإنك لم تصل) الحديث (الصحيح) ([7]) ومع ذلك تلقون عليهم أفخم([8]) الألقاب.

   أما السلفيون الذين نَجَّاهم الله مما كِدتم لهم فهم قوم ما أتوا بجديد ولا أحدثوا تحريفا، ولا زعموا لأنفسهم شيئا مما زعمه شيخكم، وإنما هم قوم أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر في حدود الكتاب والسنة، وما نقمتم منهم إلا أنهم آمنوا بالله وكفروا بكم، وهم الذين يقولون العلم قبل العمل.

   وهم الذين أغضبوكم بمثل حديث عبد الله بن مسعود (قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:" يا عبد الله بن مسعود) ([9])، قلت: لبيك يا رسول الله قال أتدري أي الناس أفضل، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن أفضل الناس أفضلهم عملا إذا فقهوا دينهم". فهل هؤلاء القوم فقهوا الدين ثم عملوا أم أخلوا بالشرط النبوي؟

  (كما أغضبوكم) ([10]) بمثل حديثه قال يا عبد الله بن مسعود أتدري أي الناس أعلم قلت الله ورسوله أعلم، قال : أبصرهم بالحق إذا اختلفت الناس، وإن كان مقصرا في العمل، وإن كان يزحف على استه. قال أبو يوسف صاحب أبي حنيفة :"هذه صفة الفقهاء".

   فهل هؤلاء القوم الذين جعل الله مثلك راعيا عليهم يعرفون حقا يثبتونه؟ أو باطلا ينفونه؟ (أم هم في أيديكم) ([11]) إن اهتديتم اهتدوا وإن ضللتم ضلوا.

يوما يمان إذا لقيت ذا يمن      وإن لقيت معديا فعدنان

   فرسالة المحاسبي رضي الله عنه كأنما كُتِبت إلى الشيخ ابن عليوة لتحقق المعنى الذي يدعو أمثال([12]) المحاسبي رضي الله عنه إلى الإنكار عنه فيه([13]).

   أما صفة السلفيين فلا شيء فيها يدعو إلى الغضب، فإذا زعمت أنهم مقصرون في العمل، فجوابكم([14]) أن التقصير في العمل إذا أُدِّيَت الواجبات (لا)([15]) يمكن أن تنزل على صاحبه رسالة المحاسبي رضي الله عنه، ولو ذهب ذاهب إلى هذا لعُدَّ من ضعفاء الأعاجم لإخلاله بمقتضى المقام.

   وقد (ذكرني) ([16]) عدد 75 من البلاغ بقول علماء الأصول أن المنحرف عن الشريعة تتضارب أدلته وتتخرم([17]) أموره، حيث([18]) نُشر خبر أخ لهم من الرضاعة الدرقاوية صادته([19]) المنون فنسي رسالة شيخه التي يرونها كجزء من تعاليم الأنبياء فوصفه بأنه "بقية السلف" ونسي أن شيخه جعل النسبة إليهم استخفافا بهم.

   وإن عتابي على مجلة الشهاب التي تجمعنا بها كلمة الحق لشديد لأنها أذاعت مقالات زائفة لقوم كأنما ينظرون إلى الأشياء بأقفائهم، ولم تشترط عليهم الإمضاء بأسمائهم الصريحة، ولم تطلب إلى صحيفة البلاغ أن تبيح إلى مخالفيها أن ينشروا بها ما بدا لهم مما يجعل الصحف جزائرية إسلامية لا حزبية أو انتفاعية كما هو دأب صحيفتين([20]).

 ملاحظة:

لو وقفنا على النسخة الأصلية للشهاب لاستغتينا عن أكثر هذه الفروق المثبة في الهامش.

[1]/ في النسختين قتل ولا معنى له ، والذي يناسب مع السياق ما أثبتناه والله أعلم.

[2]/ سقط من مطبوعة الرفاعي (1/111).

[3]/ في الأصل "أن" والتصويب من طبعة الرفاعي (1/114).

[4]/ في الأصل "ليغرر" والتصويب من طبعة الرفاعي (1/114).

[5]/ في طبعة الرفاعي (1/114) "الفتاوي".

[6]/ في الأصل "أنهم" والتصويب من طبعة الرفاعي (1/114).

[7]/ سقط من طبعة الرفاعي (1/114).

[8]/ في الأصل "أضخم" والمثبت من طبعة الرفاعي (1/114).

[9]/ سقط من طبعة الرفاعي (1/115).

[10]/ سقط من الأصل والتصويب من طبعة الرفاعي (1/115).

[11]/ في الأصل "وإنما لهم في أيديكم" والمثبت من طبعة الرفاعي (1/115).

[12]/ في الأصل "مثال" والمثبت من طبعة الرفاعي (1/116).

[13]/ في طبعة الرفاعي (1/116) "فيها" والصواب ما في الأصل لأن الضمير يعود إلى ابن عليوية.

[14]/ في طبعة الرفاعي (1/116) "فجاوبكم" وهو خطأ.

[15]/ ما بين قوسين سقط من الأصل وهو مثبت في طبعة الرفاعي (1/116) ولا يصح المعنى إلا بإثباته.

[16]/ في طبعة الرفاعي (1/116) "ذكر في".

[17]/ في طبعة الرفاعي (1/114) "تنخرم".

[18]/ في الأصل "إذا" والتصويب من طبعة الرفاعي (1/116).

[19]/ في طبعة الرفاعي (1/116) "صادفه" والصواب ما في الأصل.

[20]/ كذا جاءت نكرة ولعله يقصد إلى جانب صحيفة البلاغ صحيفة النجاح التي انقلبت على السلفيين في تلك الحقبة وناصبتهم العداء.

تم قراءة المقال 3547 مرة