الأربعاء 25 جمادة الأول 1435

المعين على تصحيح نيات المتصدرين مميز

كتبه 
قيم الموضوع
(4 أصوات)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك وأنعم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

فقد علم كل من سيره الله بلطيف الحكمة والتدبير إلى تصدر مجالس التعليم أن من أشق الوظائف الشرعية على معلم الناس الخير تصحيح نيته وإخلاص توجهه إلى الله تعالى، فإن من أعظم البلاء الذي يبلو الله به العبد المتصدر للنفع هو ذات نعمة التعليم، وقديما قال الشاعر:

قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت***ويبتلي الله بعض القوم بالنعم

المعين على تصحيح نيات المتصدرين

وذلك أن المعلم إذا رأى العيون ترنو إلى مرآه، والقلوب تهفو إلى تفهم ما ألقاه، كان أقرب ما يكون من عجب النفس بميل النفوس إليها، وتكثرها بإعجاب السامعين بها، فربما كان لسانه بوعظ الخلق في واد، ونفسه من مهيع العجب والفخر في واد آخر، وإن من أعظم مداخل الشيطان على نفوس المتصدرين مدخل الرياء بالقول، فتجد الخطيب والمعلم والمفتي والواعظ يمدون من البلاغة كل رواق، ويستقوون من الفصاحة بكل منطاق، ويشققون الكلام تشقيق الشعر، ويستمطرون ذوارف العيون بعيون من الكلام كالسحر، فإذا أنت أفقت من غلوة سحر الكلام ونظرت في نواظرهم وجدت بارقة العجب لامعة، ومخايل المراءاة ناطقة، من معان في لحن القول، ونغمات بين ثنايا الدرس، تشعر بأن وراء العبارات الرنانة والنبرات الطنانة قلبا غير خالص فيما يبلغ ولا فيما يقول.

إلى كل متصدر من هؤلاء، وممن هو من حالهم على خطر، هذه كلمات يسيرة يذكر بها المتصدر نفسه حين لم يجد من يذكره: اعلم أخي-أخلص الله في العلم نيتي ونيتك-أن الله عز وجل لا يرضى أن يشرك به شرك محادة ومجاهرة، وإن وراء ذلك ضربا من الشرك هو من أبغضه إليه سبحانه، وهو الرياء، وذلك لما يتلبس به من أعمال هي طاعات في الظاهر، فلما صرفت في النية إلى معبود غير الله عز وجل-وهو هوى المرء ولذة نفسه-جمع هذا الفعل الذميم إلى جنس الإشراك سوء الأدب مع الرب سبحانه عز وجل، لما فيه من معنى السخرية والتشبه بفعل المنافقين، فقد ذكر الله من حال المنافقين في كتابه الكريم فقال تعالى: (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون)، فمن راءى بتصدر مجلس التعليم فحاله أنه قدم بين يدي الله ظاهر العمل، ورد لبه وخلاصة قصده إلى شهوات نفسه ونوازعها، فظنه أنه آمَرَ نفسَه على الرحمن، وحقيقته أن نفسه آمَرَت عليه الشيطانَ.

وليس عجبا أن يكون هذا الضرب من الشرك، وهو الشرك الخفي من أبغض الأخلاق السيئة إلى الله تعالى، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن ملك يوم الدين يقدم عقوبة المراءين على سائر العقوبات يوم القيامة، ليعلمهم أنه لم يغفل طرفة عين عما يضمرون، قال عليه الصلاة والسلام: إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء، فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال كله، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار[1]. وكان أبو هريرة رضي الله عنه إذا حدث بهذا الحديث يغشى عليه ما يفيق إلا بجهد[2]، وكأني به رضي الله عنه يتمثل الخبر النبوي في نفسه وقد تصدر للحديث والفتوى من بين أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، هذا ونحن نحسبه من الصالحين بسابقته في صحبة النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنهم كانوا أعلم بما يتلقون عن الله ورسوله، وأخوف على أنفسهم من كل ذنب.

ولا شك أن النفس بطبع الغريزة فيها تحب المدح والثناء، وتسعى إلى تحصيله بالفعل والقول، وإن من أعظم ما يمدح به الرجل ويبقى مدحه عليه مع تطاول الزمان لعدم زوال سببه، الشهرة بالعلم والفضل، ولذلك كان مدخل الشيطان منه أعظم، قال ابن الجوزي رحمه الله: "وقد يلبس إبليس على الكاملين في العلوم، فيسهرون ليلهم ويدأبون نهارهم في تصنيف العلوم، ويريهم إبليس أن المقصود نشر الدين، ويكون مقصودهم الباطن انتشار الذكر وعلو الصيت، والرياسة وطلب الرحلة من الآفاق إلى المصنف"[3].

وإني ههنا أحب أن أعرض تذكرة لنفسي وإخواني بأهم سبل درء العجب والرياء عن نفوس المتصدرين للتعليم والإقراء، على أني أفصلها بين وسائل عامة لإصلاح سائر الأعمال الشرعية وحفظها من مراءاة الناس، ووسائل ذات خصوص بالمعلمين والمدرسين، لما يداخل نفوسهم من مزيد الميل إلى تحصيل ثناء السامعين. فأما الوسائل العامة فهذا بيانها:

1-استحضار عظمة الله تعالى عند كل عمل، واستشعار غناه عن العبادات على حسنها، فما بال صاحبها إن خلطها بشيء من حظ النفس، وليذكر العابد قول رب العزة سبحانه كما في الحديث الإلهي: "يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد، ما زاد ذلك في ملكي شيئا"[4]. فنحن نجتهد في إصلاح عباداتنا على أقصى وجه عسى أن تلقى من الرب الكريم قبولا، فما ينبغي لنا أن نمسك شيئا منها لأنفسنا على شهوة من الدنيا زائلة. ولنذكر قول الله عز وجل: (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون)، قالت عائشة رضي الله عنها تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهل هذه الآية: يا رسول الله، (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة) ، هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر، وهو يخاف الله عز وجل؟ قال: لا يا بنت أبي بكر، يا بنت الصديق، ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق، وهو يخاف الله عز وجل[5].

2-تذكر عاقبة الرياء، وأن الله تعالى مطلع عليه، يعلم سبحانه ما صرف له من العمل وما صرف لغيره، وهو قادر تعالى على أن يقلب إعجاب الناس نفورا، ومحبتهم بغضا، قال صلى الله عليه وسلم: من راءى راءى الله به[6]. فمن خلط نيته لله بشيء من حظ نفسه فهو على خطر عظيم من أن يعاجله الله بالعقوبة في الدنيا قبل الآخرة، وأي خزي في الدنيا أعظم من أن يخزى المرء من حيث طلب أن يكرم، أعاذنا الله من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.

3-كثرة دعاء الله عز وجل والالتجاء إليه والبراءة إليه من الشرك دقه وجله، جليه وخفيه، والاستعاذة به من نزغ الشيطان ووسواسه، فإن الله تعالى أعلم بالمرء من نفسه، وهو سبحانه القادر واحده على أن يسد على الشيطان منافذ النفس التي لا يعلمها ابن آدم من نفسه وهي بين جنبيه، ولذلك جاء في الحديث عن أبي موسى الأشعري مرفوعا: أيها الناس، اتقوا هذا الشرك، فإنه أخفى من دبيب النمل، فقال له من شاء الله أن يقول: وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال: قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه[7]. فالرياء عظيم الخطر من جهة أنه في أكثر أحواله مجاوز لعلم صاحبه متعلق بعلم الله تعالى وحده، ولذلك كان المطلوب من الإنسان أن يلجأ إلى الله في درئه عنه، وألا يتعرض لأسبابه المحسوسة المدركة.

4-الاستغناء بما عند الله تعالى عما عند الناس، فإذا صلحت نية العابد كان له ذكر أعظم من ذكر الناس له، وهو ذكر الرب عز وجل له في الملأ الأعلى، كما قال الله تعالى في الحديث الإلهي: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم[8]. وأما الذين يتصدون للتعليم والتدريس رغبة فيما في أيدي الناس من مال ومتاع، فما نحن بسبيلهم، ولا كلامنا عنهم، فقد دلت أفعالهم على فساد نياتهم، وما أكثرهم في هذا الزمان، والله تعالى المستعان.

وأما الوسائل التي لها مزيد تعلق بوظيفة التعليم والوعظ والإقراء، فإني أدعو إليها وعي القلوب فإنها مهمة، وهذا بيانها:

1-أن تعلم أخي المعلم أنك على مكرمة عظيمة هي العلم، فلا ينبغي أن تشينها بفساد القصد والنية، قال الله تعالى: (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا)، وقال سبحانه: (إنما يخشى الله من عباده العلماء)، وقال عز من قائل: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات)، قال الإمام الآجري رحمه الله معلقا على الآية: فوعد الله عز وجل المؤمنين أن يرفعهم، ثم خص العلماء منهم بفضل الدرجات[9]. وقال صلى الله عليه وسلم: إن الله وملائكته وأهل السموات والأرضين حتى النملة في حجرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير[10]. وسئل الإمام الكبير عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي: هؤلاء المشايخ يحكى عنهم من الكرامات ما لا يحكى عن العلماء، أيش السبب في هذا؟ فقال: اشتغال العلماء بالعلم كرامة، أو قال: أتريد للعلماء كرامة أفضل من اشتغالهم بالعلم؟[11] فما أجمل أن يتحصن هذا الفضل الباهر بنية صادقة، وقصد خالص لله تعالى.

2-أن تعظ-أخي-وتُعلِّم تعليم طالب نجاة لطالبي نجاة، وأن تعلم أنك مقصود بخطاب نفسك قبل سائر السامعين والحاضرين خطاب تذكير إن لم يكن خطاب تعليم، وأن الحجة قائمة عليك بما علِمتَ أكثر مما هي قائمة على سائر من سمع وربما لم يع قلبه ما سمع، ومن أجل ذلك قال محمد بن السماك الواعظ: كم من شيء إذا لم ينفع لم يضر، ولكن العلم إذا لم ينفع ضر[12]. وذلك لأن أقل ما فيه قيام الحجة على صاحبه بترك العمل بما علم، أو بصرفه عن الله مع علمه بأنه لا ينبغي صرفه إلا له. وجاء في المواعظ المروية عن عيسى بن مريم عليهما السلام قال: ينبغي للوصف القليل العمل الكبير، حتى متى تصف الطريق للدالجين، وأنت مقيم في محلة المتحيرين؟[13] فاعلم أخي أنك وسامعيك على سبيل نجاة، ولما ينج أحد بعد، وما أعظمها عبرة للقلوب الحية تلك القصة التي يذكرها الإمام ابن الجوزي عن نفسه إذ يقول: ولقد جلست يوما، فرأيت حولي أكثر من عشرة آلاف، ما فيهم إلا من قد رق قلبه، أو دمعت عينه، فقلت لنفسي: كيف بكِ إن نجوا وهلكتِ؟ فصحت بلسان وجدي: إلهي وسيدي، إن قضيت علي بالعذاب غدا، فلا تعلمهم بعذابي، صيانة لكرمك، لا لأجلي، لئلا يقولوا: عذب من دل عليه[14]. أعاذني الله وإياك من نية تورد النار وتستجلب غضب الجبار.

3-أن تعلم أخي المعلم أنك وسيط بلاغ لا وسيط نجاة، فليست هداية الناس بيدك وإن تحققت، وإنما الهدى والضلال من عند الله وحده لا شريك له، فإن رأيت أنه قد انتفع بعلمك ووعظك أناس، فاحمد الله على منه وتوفيقه بأن جعلك من أسباب الهداية، ولا يجُلْ بخاطرك أن لك منة هدى على أحد من الناس، بل له عليك منة بأن كان سببا لحسنة من حسناتك، فإذا فرغت قلبك من كل منة على أحد من الناس خلصت نيتك في الدعوة والتعليم بإذن من العزيز الرحيم، وليكن قصدك فيهم نفعهم وفي نفسك نفعها، وليكن ذلك من أرجى عملك عنك، روى عبد الرحمن بن محمد بن منصور قال: لما حضرت ابن السماك الوفاة قال: اللهم إنك تعلم أني لم أجلس مجلسا للناس إلا لأحببك إلى خلقك، وأحبب خلقك إليك[15].

4-أنصحك أخي بنصيحة مجربة أرجو أن ينفعني الله وإياك بها، وهي أن تخلو بنفسك قبل الدرس شيئا يسيرا، واستذكر ما كنت ذكرته لك في هذه الكلمات، واجتهد في دعاء الله عز وجل والتضرع إليه أن يطهر من الرياء نيتك، وأن يحفظ عليك أجر عملك، وألا يجعل عيون الناس فتنة لك، واقرأ سيد الاستغفار تعرف قدر ربك، وصل على النبي صلى الله عليه وسلم تكف أمرك.

وفقني الله وإياك لما في صلاح المقاصد وسداد الأفعال، وخلص قلوبنا لذاته وابتغاء مرضاته، وأعاذنا من وساوس الشيطان ومكائده، والحمد لله رب العالمين.



-أخرجه مسلم عن أبي هريرة.

-أخرجه الترمذي والنسائي في الكبرى.

-ابن الجوزي، تلبيس إبليس، ص747.

-أخرجه مسلم عن أبي ذر.

-أخرجه أحمد والترمذي وغيرهما.

-أخرجه مسلم عن ابن عباس.

-أخرجه أحمد.

-أخرجه البخاري عن أبي هريرة.

-أبو بكر الآجري، أخلاق العلماء، ص17.

-أخرجه الترمذي عن أبي أمامة.

-صديق حسن خان، التاج المكلل من جواهر مآثر الطراز الآخر والأول، ص205.

-الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، (3/350).

-أبو بكر المروذي، أخبار الشيوخ وأخلاقهم، ص130.

-ابن الجوزي، صيد الخاطر، 397.

-الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، (3/354).

تم قراءة المقال 10449 مرة