الخميس 15 ذو القعدة 1437

إتحاف الحاج والمعتمر والزائر.

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

إتحاف الحاج والمعتمر والزائر.
إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله، أرسله بين يدي السّاعة بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. فهدى بنوره من الضّلالة، وبصّر به من العمى، وأرشد به من الغيّ، وفتح به أعينًا عميًا وآذانًا صمًّا وقلوبًا غلفًا.
وبعد: فلقد أردت –أخي المكرّم الذي أكرمك الله وحباك وشرح صدرك للحج والعمرة وهداك- أن أجتمع بك قبيل سفرك إلى أرض الله المقدّسة، لأضع  بين يديك باقة من الهدايا الأخوية، التي ستجدها أنيسا لك في سفرك وعونا لك على طاعة ربك وحسن أداء مناسكك، وليتيسّر لك الرجوع من حجك كيوم ولدتك أمك...فهذه أكثر من خمسين وصية تنفعك ولا تضرك، فخذها بقوة وأمر رفقاءك يأخذوا بأحسنها..وفقك الله ورعاك وجعل الجنة دارك ومتقلّبك ومثواك..
***
•    لا تنسَ الاستخارة قبل السفر، ففيها من التوكل ما الله به عليم.
•    عجّل بكتابة وصيتك، إن كنت قد غفلت عنها في سالف أيامك.
•    اجتهد في تعلم المناسك، وخذ معك من كتب العلماء الموثوقين ما يعينك على ذلك، ولا تستحي بعد ذلك من سؤال أهل الذكر عما خفي عليك.
•    بادر بالتوبة النصوح ورد الحقوق إلى أهلها والمظالم لأصحابها، حتى تكون خفيفا من التبعات مهيئا للمكرمات.
•    لا تدع أهلك عالة يتكففون الناس، بل وسع عليهم في النفقة بالمعروف، وتذكر قول نبيك صلى الله عليه وسلم:"كفى بالمرء إثما أن يضيّع من يقوت".
•    تزود بالنفقة الحلال وما يكفيك من المال: عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه قالوا: وكيف يذل نفسه؟ قال: يتعرض من البلاء لما لا يطيقه" ابن ماجة وهو حسن.فخذ معك من المال ما يكفيك لسفرك هذا، واحذر التقتيـر والإمساك والبخل، كما تحذر الإسراف والتبذير.
•    استصحب ما يصلحك من مشط ومرآة ومقص ونظارات وساعة ومنبّه وسواك وأدوية ونحوها..
•    ودّع أقاربك وجيرانك ومعارفك قبل السفر، واستسمحهم، وتحلّل من كلّ من تظنّ أنه واجد عليك، والتمس الدعاء من صالحي هؤلاء.
•    لا تثقل نفسك بحمل خزانة من الملابس، فإن محلات الكي والتنظيف الآلي منتشرة بكثرة في مكة والمدينة، فإن أرهقتك أسعار تلك الخدمات التي ترتفع في الموسم عادة، فاعتمد على نفسك في مثل هذه الأعمال البسيطة، لأجل حفظ المال واجتناب مشقة نقل الملابس الكثيرة من بلد إلى بلد...
•    التمس الرفيق قبل الطريق، وعليك بمرافقة أهل الصلاح الذين تشدّ بهم أزرك وتستشيرهم في أمرك..، وإن كنتم جماعة فحبّذا لو أمّرتم أكثركم علما وأحسنكم خلقا وأرفقكم بالأصحاب..
•    إنما سمي السفر سفرا لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، فلا تظهر من أخلاقك إلا ما تحبّ أن تمدح به، واجعل حجك فرصة للتغيير.
•    ستنـزل ببقاع مباركة، فاعلم أنّ الوزر فيها مضاعف كمضاعفة الثواب قال تعالى:"ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم".
•    استثمر وقتك فيما ينفعك ولا تضيّع أيامك المعدودات في القيل والقال، والاستئناس بمقالات الرجال، والاشتغال بالتوسع في المطعم والمشرب، والسمر مع الحجاج، وزيارة المعارف والاجتماع بالأحباب، والتجوّل في الأسواق...
•    احرص على قراءة الأدعية المأثورة منذ أول خطوة تخطوها إلى أن ترجع إلى أهلك..ولا تقصر في التلبية في وقتها فقد قال صلى الله عليه وسلم:"أفضل الحج العج والثج". والعج: رفع الصوت بالتلبية. والثج: إراقة دماء الأضاحي والهدايا لوجه الله الكريم.
•    كن مهتما بتطهير قلبك من كلّ دخن، وكن حذرا متيقظا بصفة خاصة من النية الفاسدة التي تحول دون قبول هذا العمل العظيم.
•    أكثِر من عبادة الطواف، فإنها العبادة الوحيدة التي لا يمكنك أن تتعبدها إلا في تلك البقعة الطاهرة.. في سنن ابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"من طاف بالبيت، وصلى ركعتين، كان كعتق رقبة". قال الشيخ الألباني: حديث صحيح..وعن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال:"أكثروا الطواف بهذا البيت قبل أن يحال بينكم وبينه" رواه عبد الرزاق في "المصنف". وروى ابن حبان في "صحيحه" والحاكم في "مستدركه" من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، أنه قال: (استمتعوا من هذا البيت، فإنه هُدم مرتين، ويُرفع في الثالثة) قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.
•    احرص على قراءة القرآن، فإنها عبادة محبوبة إلى الرحيم الرحمن، ولتكن لك على الأقل ختمة بمكة وختمة بالمدينة، تستغل بهما بركة الزمان والمكان.
•    احذر الزحام في الطواف والسعي والرمي وغيرها من المناسك، فإنّ ذلك لن يزيدك ثوابا، بل هو إلى التأثيم أقرب، ففيه إذاية لنفسك وإخوانك، وتعرض لملامسة الأجنبيات...وغير ذلك من المفاسد والمنكرات..
•    لا تتهاون بالقراريط الكثيرة، أقصد الصلاة على الجنائز، فهي هناك غنائم باردة..، وقد رأينا أقواما كثيرين يضيّعون صلاة الجنازة من غير عذر ولا شغل.
•    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عبادتان جليلتان، وقليل من يوفق للاهتمام بهما، فلا تكن عنهما من المعرضين.
•    ابتعد عن المكيّفات واحذر التبريد المفاجئ.
•    استعمل الشمسية أو نحوها مماّ يقيك حرّ الشمس واحذر ضربة الشمس المهلكة.
•    لا تغسل رأسك مباشرة بعد التعرض لحرارة الشمس.
•    استعمال ما يقي الأنف والفم من سرعة تسرب الهواء الملوث أمر مرغوب فيه.
•    الاهتمام بالنظافة دليل على نباهتك، فاغسل يديك باستمرار واغسل الخضار والفواكه والأواني غسلا جيّدا، واعتنِ بنظافة أماكن طعامك ونومك وجلوسك...وخذ بالقواعد الصحية واعرض نفسك على الطبيب...وحافظ على جسدك فإنه مركب الروح..
•    تجنّب تناول الأطعمة غير الصحية، أو التي لم تطبخ جيدا، ولا تفكر أبدا في شراء الطعام المعرّض للتلوّث.
•    لا تكثر من الأكل والشرب قبيل يوم عرفة وبعده، لصعوبة الوصول إلى المراحيض، مما يكلفك جهدا كبيرا، ويفوّت عليك أوقاتا ثمينة.
•    تجنب داء السماط (التهرية) الناتج عن التعرّق الشديد واحتكاك الفخذين ما استطعت إلى ذلك سبيلا، وذلك بالتقليل من المشي في أوقات الحرّ، وتنظيف الجسم وإزالة العرق باستمرار، وغسل تلك الأعضاء بالماء البارد، واستعمال "البودرة" والمراهم النافعة.
•    لا تتردّد في استشارة الطبيب أو زيارة المراكز الصحية المجاورة كلما أحسست بأعراض الإرهاق أو المرض.
•    لا تنس التطعيم، واصحب دفتره معك لزاما.
•    حاول وضع علامات مميّزة تمكّنك من معرفة مكان إقامتك بسهولة، وخروجك مع بعض الرفقاء يساعدك على تقليل احتمالات التيه والضياع..
•    احفظ وثائقك وأموالك عندك، ولا تتهاون في حفظها، واحذر أن تتركها في الحقيبة، فإنّ الثقة العمياء كثيرا ما كانت سببا في البؤس والشقاء.
•    كن مستعدا لإظهار أخلاق المسلمين للناس أجمعين، واصبر على كلّ ما ينتابك في طريقك ذهابا وإيابا، متذكرا دائما قوله صلى الله عليه وسلم:"الحج جهاد لا قتال فيه".
•    احذر أن تكون من الغافلين الذين يقتلون أوقاتهم بكثرة الانشغال بالأبراج وتصوير الساعة العملاقة، فإن هذه فتنة جديدة قد أخذت بقلوب الكثيرين..
•    كثرة الوافدات على الحرمين من حديثات السن فتنة أخرى، فاتق الله أيها الحاج والمعتمر والزائر وغض من بصرك واستحضر نظر الله إليك..
•    احذر فتنة التصوير، فقد صار شغل كثير من الزائرين التقاط الصور والتباهي بها على صفحات مواقع التواصل وغيرها.
•    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" تهادوا تحابوا"..فاحتسب الأجر في الهدايا وأنت تقتنيها لمعارفك وأقربائك..ولكن اتركها في الأخير قبيل سفرك إلى بلدك حتى لا تكون سببا في تفويت فرص ثمينة للطاعة.
•    لا تثقل كاهلك بالهدايا التي تفلسك ولا تنفع أقرباءك إلا قليلا، فأحسن الهدايا في رأيي: المصحف الشريف، الكتب النافعة، الأقراص التي تحمل في طياتها الهدى والرشاد، ماء زمزم، تمر العجوة،...
•    زيارة قبور الصحابة الكرام وغيرهم من الصالحين غنيمة أخرى، فلا تفرّط في زيارة أهل البقيع وأحد وغيرهم من سادات هذه الأمة رحمهم الله رحمة واسعة، مع الالتزام بآداب الزيارة الشرعية.
•    احذر الغلو والإطراء والتشبه بالمشركين عند قبر النبي الأمين صلى الله عليه وسلم وقبور الصالحين.
•    احذر الإمّعية والتقليد من غير برهان، بل عليك أن تجعل الحق رائدك تدور معه حيث دار وتحط ركائبك حيث حط الصواب ركائبه.
•    حافظ على صلاة الجماعة في الحرمين المباركين، فإن الصلاة فيهما مباركة، ولا تتكاسل عن أية صلاة بما فيها صلاة الفجر.
•    وجودك هناك فرصة للتضلع من ماء زمزم، فأكثر من الشرب من ذلك النبع المبارك، واستحضر النية الطيبة والقصد الحسن كلما هممت بالشرب من زمزم:"ماء زمزم لما شرب له".
•    تزوّد من تمر العجوة، واحرص على الثقة عند اقتنائه.
•    لا تنشغل بأسواق الدنيا فإنه فتنة كبيرة، بل عليك بأسواق الآخرة التي تملأ بها رصيدك من الحسنات.
•    من أنواع الطاعات الجليلة التي تشغل بها وقتك وتطهر بها قلبك: مجالس العلم.. وهي بفضل الله كثيرة في الحرمين ومفيدة، فلا تبخل على نفسك بهذا الخير.
•    لا تقصّر في الدعاء لنفسك وأهلك وأقربائك وجيرانك وأهل بلدتك وإخوانك المسلمين المستضعفين في كل مكان من أرض الله الواسعة، خاصة في يوم عرفة.
•    للحج أسرار عظيمة فلا تكن عنها من الغافلين: فليذكّرك إحرامك وتلبيتك وأدعيتك والمناسك كلها بعظمة التوحيد وجلالة أمر الاستجابة للحميد المجيد، فإنك لا تجد أحدا يقول: لبيك يا سيدي فلان..بل الألسنة مذعنة للتلبية الشرعية: لبيك اللهم لبيك...وليذكّرك لباس الإحرام بكفنك يوم موتك، وليذكّرك البيت العتيق بتاريخ مجيد رائده أنبياء الله ورسله عليه السلام، وليذكّرك زحام الحجاج -وخاصة يوم عرفة- بالبعث والنشور والوقوف في ساحة الحساب بين يدي الرحيم الغفور، وليذكّرك النفير من المزدلفة بالنفخة الثانية في الصور يوم يخرج الناس من قبورهم كأنهم إلى نصب يوفضون،...الخ.
•    أمسك عليك لسانك وابكِ على خطيئتك.
•    قال الحسن البصري –رحمه الله-:" الحج المبرور أن تعود من حجك زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة".
•    قال بعض السلف:"علامة قبول الحسنة الحسنة بعدها" فإذا وجدت نفسك نشيطا في الطاعة بعد رجوعك إلى بلدك فاعلم أن هذه أمارة على قبول أعمالك، أسأل الله تعالى لي ولك الثبات على الحق.
•    ختاماً، لا تنس - أخي الحاجّ - كاتبَ هذه الوصايا وأهله والمؤمنين والمؤمنات، بشيء من صالح دعائك في الأماكن الفاضلة والأزمنة الكريمة التي تستجاب فيها الدعوات..
•    أسأل ربي -جل وعلا- لي ولك حجا مبرورا وذنبا مغفورا وسعيا مشكورا وتجارة لن تبور..والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات..
كتبها أخوكم: أبو زكريا يوسف بن عاطي الجزائري –غفر الله له وستر عيوبه-.
ملحوظة:
نُشر هذا المقال في موقع "منار الجزائر" في شهر ذي القعدة 1428هـ، تحت عنوان:"ثلاثون هدية لك أيها الحاج"// وقد زوّدته ببعض الإضافات التي أملتها عليّ زياراتي المختلفة إلى أرض الحرمين الشريفين..أسأل الله لي ولكم العلم النافع والعمل الصالح.

تم قراءة المقال 291 مرة