الجمعة 6 شوال 1438

مقامات الكليم في مناجاة الكريم مميز

كتبه 
قيم الموضوع
(2 أصوات)

 الحمد لله رب العالمين، أكرم عباده ففتح لهم أبواب دعائه، وسهل لهم سبيل مناجاته، وطيّب أفواههم بأكرم الكلام وأعلاه لخطابه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، من بعثه الله بعز الدنيا والآخرة فعلّم الناس بسنته مراقي الشرف بقوله: "شرف المؤمن قيام الليل"، صلى الله عليه وعلى آله نجوم الهدى ومصابيح الدجى، رهبان الليل وفرسان النهار، ومن سار على هديهم إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا، أما بعد:
فمما يناسب سياق شهر رمضان الفضيل من الحديث عن شعائر الإسلام الظاهرة ومناراته الزاهرة، بيان معلم قيام الليل بالذكر والدعاء وتلاوة القرآن، الذي شرعه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته في شريف سنته، ممتثلا قول مولاه سبحانه: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) )[سورة المزمل]. وقوله تعالى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79) )[سورة الإسراء].
وقيام الليل من التعبدات العظيمة التي يستحضر القلب لها معاني من الشريعة لا يُنال مقصود القيام من دونها. ولأن القيام من جنس المناجاة العامة فقد أردنا من هذه المقالة تطلب هذه المعاني من كتاب الله تعالى، وذلك من خلال أنموذج من نماذج عبادات المصطفين الأخيار من أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام، وهو أنموذج كليم الرحمن موسى بن عمران عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى السلام.
وقد ذكر الله تعالى في كتابه مواقع المناجاة بينه وبين عبده المكلم المكرم موسى عليه السلام في موضع إرساله إلى فرعون كما في سورة طه، وفي موضع مواعدته وإعطائه التوراة كما في سورة الأعراف وسورة طه، وتضمنت هذه المواضع من مقامات المناجاة ومعالم أعمال القلوب والألسنة والجوارح فيها ما ينبغي مراعاته في قيام الليل ومناجاة الباري سبحانه بالدعاء والتسبيح والتمجيد وتلاوة القرآن.
ونحن نقدم بين يدي ذلك إن شاء الله ذكر فضيلة الكليم موسى عليه السلام بمقام المناجاة، ثم بذكر معاني عامة في جوائز القيام وفضائله، ثم نعقب ذلك بما تيسر الوقوف عليه من مقامات موسى عليه السلام بين يدي مولاه، ومعانيها المستفادة في مناجاة المؤمن ربه في قيامه، والله المسؤول أن يفتح بصائرنا على حقائق الإيمان وفضائل الأعمال، وأن يرزقنا علما نافعا مقرونا بعمل صالح متقبل بمنه وكرمه وحسن توفيقه، ولا حول ولا قوة إلا به.

*في فضيلة مرتبة التكليم:
اعلم أخي المسلم أن نبي الله المكلم المكرم موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام من أعظم أنبياء الله ورسله، وقد نطق الكتاب الكريم بفضله وعلو قدره وكرامته على ربه سبحانه في غير ما موضع، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (69) )[سورة الأحزاب]، وقال ربنا سبحانه: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (51) وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (52) )[سورة مريم]، وقال تعالى: (قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144) )[سورة الأعراف]،  وقال سبحانه: (وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (153) )[سورة النساء]. وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على فضيلته وقدره وجميل خلقه، فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "يرحم الله موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر" ، ومنه قوله عليه الصلاة وسلام في حديثة صحيفة عمر: "لو كان موسى بن عمران حيا ما وسعه إلا أن يتبعني" ، ومفهومه أن لو كان لأحد أن يستقل بشرع موحى من الله تعالى عن شرع محمد صلى الله عليه وسلم لكان موسى عليه السلام، لعظم قدره وكمال شريعته. ومنه حديث الشفاعة العظيم الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى السواد العظيم الذين هم قوم موسى خالهم أمته لكثرة أتباعه عليه السلام . ومنه على جهة الإشارة أن النبي صلى الله عليه وسلم رآه ليلة الإسراء في السماء السادسة-على الصحيح-وليس فوقه إلا أبو الأنبياء إبراهيم الخليل عليه السلام .
وقد فضل موسى عليه السلام بفضائل، منها إيتاؤه التوراة، وجعله من أولي العزم من الرسل، وإرساله إلى جبار من جبابرة الأرض-وهو فرعون- وهذه دلالة على اصطفائه. ومن أعظم فضائله وأعلى مكرماته أن الله تعالى اسمه كلَّمه من غير واسطة، كما قال تعالى: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (164) )[سورة النساء]، وقال تعالى: (وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ)[سورة الأعراف: 143]، وقد أسند الله تعالى فعل التكليم في الموضعين إلى نفسه كرامة منه لعبده ونبيه موسى إذ واجهه بالتكليم، فكان في ذلك رفع لمقامه بين الأنبياء بهذه الخصيصة العلية، وقد قال بعض الصلحاء: "ليس الشأن أن تحِبّ، إنما الشأن أن تُحَبّ" .
ودل الكتاب الكريم على أن منزلة التكليم مخصوصة بمزيد فضل دون عموم منزلة الوحي. قال ابن القيم رحمه الله: "فَصْلٌ: فِي مَرَاتِبِ الْهِدَايَةِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ، وَهِيَ عَشْرُ مَرَاتِبَ: الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى: مَرْتَبَةُ تَكْلِيمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِعَبْدِهِ يَقَظَةً بِلَا وَاسِطَةٍ، بَلْ مِنْهُ إِلَيْهِ، وَهَذِهِ أَعْلَى مَرَاتِبِهَا، كَمَا كَلَّمَ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (164) )[سورة النساء]، فَذَكَرَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ وَحْيَهُ إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ، ثُمَّ خَصَّ مُوسَى مِنْ بَيْنِهِمْ بِالْإِخْبَارِ بِأَنَّهُ كَلَّمَهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّكْلِيمَ الَّذِي حَصَلَ لَهُ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ الْوَحْيِ الَّذِي ذُكِرَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ" . ثم قال: "وَقَالَ تَعَالَى: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ)[سورة الأعراف: 143]، وَهَذَا التَّكْلِيمُ غَيْرُ التَّكْلِيمِ الْأَوَّلِ الَّذِي أَرْسَلَهُ بِهِ إِلَى فِرْعَوْنَ، وَفِي هَذَا التَّكْلِيمِ الثَّانِي سَأَلَ النَّظَرَ لَا فِي الْأَوَّلِ، وَفِيهِ أُعْطِيَ الْأَلْوَاحَ، وَكَانَ عَنْ مُوَاعَدَةٍ مِنَ اللَّهِ لَهُ، وَالتَّكْلِيمُ الْأَوَّلُ لَمْ يَكُنْ عَنْ مُوَاعَدَةٍ ، وَفِيهِ قَالَ اللَّهُ لَهُ (يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي)[سورة الأعراف: 144]، أَيْ بِتَكْلِيمِي لَكَ بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ" .
ولما كان هذا التكليم فوق كل مكالمة بين الخلق قدرا وصفة وعظما، فقد هيئ الله لموسى عليه السلام من الأسباب الإيمانية ما ضاعف له به معاني الإيمان واليقين وأعمال القلب في حضرة خطابه، وهو موضوع بسط الكلام إن شاء الله. وينبغي للمسلم أن يعلم أن الصلاة والقيام والمناجاة بهذا المعنى داخلة في عموم ما خص منه فضيلة التكليم لموسى عليه السلام، وإنما ينال المرء من الفضائل المذكورة على قدر ما يستحضر من الأسباب التي سيأتي الكلام عنها، وهذا من الاقتداء الذي ذكره الله تعالى في قوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)[سورة الأنعام: 90]، بلّغنا الله منازل المقتدين بالأنبياء والمرسلين.
*في فضائل القيام الخفية:
قد دلت الآيات في خبر موسى عليه السلام من طريق العبارة والإشارة على عظم قدر مناجاة الله تعالى مما يدخل فيه القيام بطريق الخصوص، فمن ذلك أن الله تعالى قاد عبده ورسوله موسى إلى الهداية الكبرى من طريق طلب الهداية الصغرى، وذلك أنه عليه السلام طلب هدى للطريق الحسي، قال تعالى: (وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10) )[سورة طه]، فساقه الله تعالى بذلك إلى الهداية الكبرى. فكانت المناجاة من أسباب رفع درجات الهداية والبصيرة إلى التي هي أقوم، وقد قال بعض أهل الحكمة: "كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو، فإن موسى ذهب ليقتبس النار، فكلمه الملك الجبار" .
ودلت الآيات كذلك على أن المناجاة والقيام من أسباب العطاءات الإلهية العظيمة التي تفوق الوصف، فإن موسى عليه الصلاة والسلام قد أعطي في مناجاة الرب سبحانه الآيات الحسية التي سمى الله تعالى في كتابه، وهي انقلاب العصا حية تسعى، وإنارة اليد من غير سوء. كما أوتي الآية السمعية العظيمة وهي التوراة المتضمنة شريعة الله لبني إسرائيل، قال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ)[سورة المائدة: 44]، وقال سبحانه: (وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ)[سورة المائدة: 43].
ومما دل أيضا على فضيلة القيام تشريعها بالليل، وقد جاء في التفسير أن الله تعالى ساق بلطيف الحكمة والتقدير عبده ونبيه موسى عليه السلام في ظلمة الليل ، وهو وقت صفاء النفس واستعدادها للقبول عن الله تعالى، قال العلامة ابن عاشور رحمه الله: "وَالنَّفْسُ فِي اللَّيْلِ أَكْثَرُ تَجَرُّدًا لِلْكَمَالَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ، وَالْأَحْوَالِ الْمَلَكِيَّةِ، مِنْهَا فِي النَّهَارِ، إِذْ قَدِ اعْتَادَتِ النُّفُوسُ بِحَسَبِ أصل التكوين الاستيناس بِنُورِ الشَّمْسِ وَالنَّشَاطَ بِهِ لِلشُّغْلِ، فَلَا يُفَارِقُهَا فِي النَّهَارِ الِاشْتِغَالُ بِالدُّنْيَا وَلَوْ بِالتَّفَكُّرِ وَبِمُشَاهَدَةِ الْمَوْجُودَاتِ، وَذَلِكَ يَنْحَطُّ فِي اللَّيْلِ وَالظُّلْمَةِ، وَتَنْعَكِسُ تَفَكُّرَاتُ النَّفْسِ إِلَى دَاخِلِهَا، وَلِذَلِكَ لَمْ تَزَلِ الشَّرِيعَةُ تُحَرِّضُ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ وَعَلَى الِابْتِهَالِ فِيهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ: (تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً)[سورة السجدة: 16]..الْآيَةَ، وَقَالَ: (وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)[سورة الذاريات: 18]، وَفِي الْحَدِيثِ: يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فِي ثُلُثِ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ فَيَقُولُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ، هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ" .
*في المقامات الحاصلة للصفي الكليم عند مناجاة المولى الكريم:
ونحن نذكر ما تيسر فهمه من هذه المقامات، ووراء ما تيسر فهمه ما لا تبلغه العقول القاصرة من الأحوال العظيمة، فإن مناجاة الخالق ليست كمناجاة المخلوقين التي تنقطع على الامتداد بأسباب السآمة، وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الأَيَّامِ، كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا" . هذا وهو عليه الصلاة والسلام منبع المعارف ومعلم الناس الخير، ولكن مناجاة الجبار سبحانه توجب للعبد لذة لا تنقطع، ولذلك جعل الله غاية لذات أهل النعيم في الآخرة النظر إلى وجهه الكريم-لا حرمنا الله ذلك المقام.
وبعض ما نذكر من المقامات متعلق ببعض تعلقا شديدا، إذ كانت خصال الإيمان وشعبه آخذا بعضها ببعض، وإنما يكمل حال الإيمان باستشعارها متعالقة كتعالق الخوف والرجاء، والتعظيم والمحبة. ونحن نذكرها على ما أفادته الآيات منها على وجه التعيين، والله المستعان على كل خير.
1-مقام المعرفة:
من أعظم مقامات الكليم عليه السلام تعرفه على الله عز وجل. وهو أعظم المقامات على الإطلاق، وكل الفوائد والعوائد والكمالات الحاصلة بعد ذلك ما هي إلا ثمار من هذا الغراس العظيم. والعبد إذا تعرف على مولاه حق المعرفة  كانت أفعاله وأخلاقه على الجادة المطلوبة التي تقتضيها معرفته بالله، هذا والعبد إنما يتعرف على الله تعالى من آياته السمعية والحسية، فكيف إذا كان تعرفه عليه من خطاب بغير واسطة، وتفهيم لا تأويل فيه كما حصل لموسى عليه السلام، إذاً تكون المعرفة على أعظم الدرجات وأكمل الحالات.
وقد عرفه الله تعالى نفسه وأسماءه وصفاته وأفعاله وحكمته من تقديره، فقال تعالى: (إني أنا ربك فاخلع نعليك)، وقال تعالى:(إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16) )[سورة طه]. وقال تعالى: (فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) )[سورة النمل]، وقال: (إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (11) )[سورة النمل]، وقال: (نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30) )[سورة القصص].
وعلى قدر ما عرّفه نفسه وصفاته، علت همة الكليم عليه السلام في زيادة التعرف على ربه، وهذا شأن المتعلم، فإنه لا يشبع من المعارف، وكلما كانت المعارف أشرف كان نهمه بها أقوى وتشوفه لها أشد، وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "منهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب دنيا" . فلما تعرف الكليم على الله تعالى بسماع كلامه علت همته إلى كمال التعرف عليه برؤيته، فسأله النظر إليه، قال ابن القيم في حادي الأرواح: "ولهذا سأله موسى عليه السلام النظر إليه وأسمعه كلامه، وعلم نبي الله جواز رؤيته من وقوع خطابه وتكليمه، لم يخبره باستحالة ذلك عليه ولكن أراه أن ما سأله لا يقدر على احتماله، كما لم يثبت الجبل لتجليه" .
2-مقام القرب:
دل عليه قول الله عز وجل: (وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (52) )[سورة مريم]، وهو قرب اصطفاء واختيار وتفضيل، ولذلك قال الله تعالى في الآية التي قبلها: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (51) )[سورة مريم]، فوصفه بالإخلاص الذي هو الاصطفاء بيانا لوجه قربه. وفي تكليمه عليه السلام والامتنان عليه وإجابة دعائه كما سيأتي دلالة على معنى قربه من مولاه، قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه وقد سمعهم يرفعون أصواتهم بالدعاء: "إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا بصيرا، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته" .
3-مقام الأنس بالله:
وقد دل عليه أشياء من المنطوق والمفهوم، فمن ذلك أن موسى عليه السلام نوجي برأس جبل لا أنيس به ولا صاحب، فانظر-رحمك الله- إلى حاله عليه السلام وقد لفه الليل في جلباب ظلامه، وغشى عينيه عن مواضع أقدامه، فلم تسمع أذنه إلا ريحا صماء، فلولا أنه أنس قلبه بالله عز وجل لهلك خوفا. وهذه حال أهل الإيمان، أخرج الخطيب عن جعفر الخلدي قال: سمعت أبا الْقَاسِم يعني الجنيد يَقُولُ: كلمت يوما حسن المسوحي فِي شيء من الأنس، فَقَالَ لي: ويحك ما الأنس؟ لو مات من تحت السماء ما استوحشت" . إذ كانت قلوب الصالحين متعلقة بالحي الذي لا يموت، القريب الذي لا يغيب.
وقد آنس الله كليمه عليه السلام بأضرب من الوسائل المثبتة، فمن ذلك نداؤه باسمه، المنبئ بالمعرفة، وأول إيناس الغريب الخائف نداؤه باسمه، فإن ذلك يزيل عنه شطر الوحشة. ومنه تعريفه إياه نفسه المقدسة بالاسم الدال على الإفضال: قال تعالى: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ)[سورة طه]. فالرب هو الخالق والرازق والحامي والكافي سبحانه وتعالى، ومن كان في كنف ربه فهو في مقام الأنس والأمان. 
ودل عليه إيناسه سبحانه بأن حمله على الكلام بقوله تعالى-وهو أعلم-: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (17) )[سورة طه]. فاستدرجه سبحانه إلى حل عقدة لسانه مما أدركه من دهشة خطابه إياه، بأن رده إلى أقرب الأشياء إليه، فكأن ذهنه ارتد إلى حسه فقال: (هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18) )[سورة طه]. وكأن هذه الآية والله أعلم تدل على أنه استملح الحديث فجعل يفرّع الوصف يصل به الكلام بالكلام، ثم بين في ختام كلامه أن له فيها مآرب أخرى إن سأله عنها تحدث بها، وهذه حال المحب إذ حدث محبوبه، فإنه يصل الحديث بالحديث لئلا تنقطع عنه لذة خطابه.
ودل عليه أن الله أمنه بقوله: (قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21) )[سورة طه]، فإن رؤية آية الانقلاب باعثة على الخوف، كما قال تعالى: (فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ)، فثبت الله جنانه بقوله: (يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) )[سورة النمل]، وبقوله سبحانه: (يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (31) )[سورة القصص].
ومن لطائف الدلائل على إيناس المولى عبده ونبيه موسى عليه السلام، تلطفه له فيما أعطاه ومنعه، كمنعه مسألة الرؤية، فإنه ألطف له وجه المنع بأن بين له العلة، ولو محّض له المنع صرفا لأوحش قلبه، وقد أبدع العلامة ابن عاشور بيان هذا الوجه فقال عند قوله تعالى: (قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي)[سورة الأعراف: 143] قال رحمه الله: "وَالِاسْتِدْرَاكُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ (لكِنِ) لِرَفْعِ تَوَهُّمِ الْمُخَاطَبِ الِاقْتِصَارَ عَلَى نَفْيِ الرُّؤْيَةِ بِدُونِ تَعْلِيلٍ وَلَا إِقْنَاعٍ، أَوْ أَنْ يَتَوَهَّمَ أَنَّ هَذَا الْمَنْعَ لِغَضَبٍ عَلَى السَّائِلِ وَمَنْقَصَةٍ فِيهِ، فَلِذَلِكَ يَعْلَمُ مِنْ حَرْفِ الِاسْتِدْرَاكِ أَنَّ بَعْضَ مَا يَتَوَهَّمُهُ سَيُرْفَعُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِالنَّظَرِ إِلَى الْجَبَلِ الَّذِي هُوَ فِيهِ هَلْ يَثْبُتُ فِي مَكَانِهِ، وَهَذَا يَعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ الْجَبَلَ سَيَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ شَأْنِ الْجَلَالِ الْإِلَهِيِّ، وَأَنَّ قُوَّةَ الْجَبَلِ لَا تَسْتَقِرُّ عِنْدَ ذَلِكَ التَّوَجُّهِ الْعَظِيمِ، فَيَعْلَمُ مُوسَى أَنَّهُ أَحْرَى بِتَضَاؤُلِ قُوَاهُ الْفَانِيَةِ لَوْ تَجَلَّى لَهُ شَيْءٌ مِنْ سُبُحَاتِ اللَّهِ تَعَالَى" . وإيناس الله تعالى أنبياءه المقرون بالعتاب أو التنبيه فيه بسط العذر لهم وتأمينهم، لئلا يغلبهم حق المعرفة بعظمته والخشية منه على أحوالهم، ونظير ذلك ما ذكره القاضي عياض رحمه الله في الشفا عن بعضهم في قوله تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43) )[سورة التوبة] قال: "وَلَوْ بَدَأَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: لِمَ أذنت لهم، لَخِيفَ عَلَيْهِ أنْ يَنْشَقَّ قَلْبُهُ مِنْ هَيْبَةِ هَذَا الْكَلَامِ، لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِرَحْمَتِهِ أَخْبَرَهُ بِالْعَفْوِ حَتَّى سَكَنَ قَلْبُهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ بِالتَّخَلُّفِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الصَّادِقُ فِي عُذْرِهِ مِنَ الْكَاذِبِ؟" .
وقد حمل الإيناس الكليم عليه الصلاة والسلام على التبسط في الكلام والسؤال بحضرة الكبير المتعال، فلما استأنس بالخطاب من رب الأرباب سأل رؤية المولى سبحانه غير جريء جراءة الجاهل، وحاشاه عليه السلام، وإنما حاله حال المتحفز بفرط الشوق، المطمئن بحال الأنس. ومن عجيب ما روي من الأخبار الحسان ما أخرجه الخطيب في تاريخه عن أبي حمدون المقرئ، قال: كنت ليلة قائما أصلي، فحملتني عيني، وصاحب لي يقال له: محمد الخياط قائم يصلي بحذائي على سطح، فرأيت كأن موسى بن عمران قد أهوى إليه بحربة، فطعنه بها فاستيقظت فأوجزت الصلاة، وناديته: يا محمد، يا محمد، أوجز في صلاتك، فقلت له: ويحك مالك وما لموسى بن عمران؟ فقال: قرأت فبلغت إلى هذا الموضع: (قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ)[سورة الأعراف: 143]، فحدثت نفسي فقلت: ما كان أجرأه على الله، يقول لله: أرني أنظر إليك؟ قلت: فأنا قد قلت: ما لي أراه يومئ إليك بالحربة ليطعنك بها" .
والحاصل أن القائم بين يدي الله يحصل له من الأنس بكلام الله تعالى وذكره ومناجاته ما يزيل عنه وحشة الزمان ويملأ عليه فراغ الفؤاد، ويحمله على الإلحاح في المسألة والإكثار من الدعاء، كما جاء الأمر به والحث عليه في الكتاب والسنة، وقد تبين بذلك أن هذه المراتب يفضي بعضها إلى بعض، والله الموفق لكل خير.
4-مقام الشوق إلى الله:
دل عليه المواعدة وضرب الأجل، ومعلوم أن ضرب الأجل يزيد من الشوق. وقد جاء في بعض الآثار أن الله تعالى أمر موسى عليه السلام بالصوم قبل المواعدة تمهيدا لتلقي الوحي عنه سبحانه، وهذا فيه تأكيد لمعنى تشريع الصوم لتلقي القرآن في رمضان. وهذا المعنى مقصود في تشريع الأوقات الفاضلة المباركة وتعيين علمها ليقع التشوق إليها والتحيّن لمواضعها، كتعيين رمضان وعشر ذي الحجة والمحرم وشعبان وغيرها من مواسم الطاعات والقربات. وكتعيين ساعة السحر وبيان عظيم فضلها بنزول المولى إلى السماء الدنيا وقوله: "هَلْ مِنْ سَائِلٍ يُعْطَى؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ؟" .
ودل عليه شوق موسى عليه السلام لرؤية الله بعد سماع كلامه، وهذا يدل على أن الترقي في مدارج المعرفة يزيد المحبة. قال ابن جرير في تفسيره: "حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثني الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ، قَالَ: " لَمَّا تَخَلَّفَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ الثَّلَاثِينَ، حَتَّى سَمِعَ كَلَامَ اللَّهِ اشْتَاقَ إِلَى النَّظَرِ إِلَيْهِ، فَقَالَ: (رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي)[سورة الأعراف: 143]" .
5-مقام التعلم:
وقد حصل لموسى عليه السلام في حال المناجاة من أصناف المعارف ما كملت به حاله العلمية والعملية وقد دل عليه قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ)[سورة الأعراف: 145]. وقد قدم الله تعالى له بين يدي ذلك شرط التعلم الحاصل بالمناجاة وهو إحضار القلب الذي دل عليه قوله تعالى: (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) )[سورة طه]، فأمره الله تعالى بالاستماع المقتضي حضور المحسات لتلقي معاني الوحي عن الله تعالى.
فمن ذلك ما سبق بسطه من تعليمه حق الألوهية بقوله تعالى: (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) )[سورة طه]. وهو أوّل العلوم وأولاها، ولذلك قدمه له الله تعالى إذ كانت كل المعارف بعده لا يتحقق نفعها إلا إذا اقترنت به، وإلا كانت حجة على العارف الذي لم يصرف آثارها في تحقيق التوحيد.
ومن ذلك تعليمه قياس الأولى وضرب المثل، في قوله تعالى: (وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي)[سورة الأعراف: 143]، وفيه تعليم الاستدلال بالآيات الكونية والحسية على معاني الوحي والشريعة. ومن ذلك بيان أن الحقائق الكبار قد تحتاج إلى شدة في التلقين، قال ابن عاشور: "وَقَوْلُهُ: (فَسَوْفَ تَرانِي) لَيْسَ بِوَعْدٍ بِالرُّؤْيَةِ عَلَى الْفَرْضِ لِأَنَّ سَبْقَ قَوْلِهِ: (لَنْ تَرانِي) أَزَالَ طَمَاعِيَّةَ السَّائِلِ الرُّؤْيَةَ، وَلَكِنَّهُ إِيذَانٌ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ نَظَرِهِ إِلَى الْجَبَلِ أَنْ يَرَى رَأْيَ الْيَقِينِ عَجْزَ الْقُوَّةِ الْبَشَرِيَّةِ عَنْ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْأَحْرَى، مِنْ عَدَمِ ثَبَاتِ قُوَّةِ الْجَبَلِ، فَصَارَتْ قُوَّةُ الْكَلَامِ: أَنَّ الْجَبَلَ لَا يَسْتَقِرُّ مَكَانَهُ مِنَ التَّجَلِّي الَّذِي يَحْصُلُ عَلَيْهِ فَلَسْتَ أَنْتَ بِالَّذِي تَرَانِي، لِأَنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ" .
وهناك إشارة تربوية عظيمة في مناجاة الكريم للكليم، وهي أن الله يعلل له أفعاله، فقال تعالى: (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) )[سورة طه]، وقال تعالى: (قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي)[سورة الأعراف: 143]، وقال تعالى: (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16) )[سورة طه]. فمن أسباب تحصيل المعارف معرفة العلل وتطلب الحكم المنصوصة أو المستنبطة، فإن معرفة الحكم بعلته يثبته في القلب ويزيد صاحبه فقها في مواضع إعماله وتركه.
6-مقام الخشية: وهو غير مناف لمقام الأنس السابق ذكره، فإن العبد الفاره هو الذي يجمع إلى الأنس بسيده ومحبته تعظيم قدره وخشية سطوته وعدم الأمن من غضبته بدالة عليه، بل يحمله الأنس على الاستزادة من تعظيم السيد وتفخيم أمره. دل عليه قوله تعالى: (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) )[سورة الأعراف].
7-مقام التوبة: في قوله تعالى: (فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) )[سورة الأعراف]. قال القرطبي: "(فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ) قَالَ مُجَاهِدٌ: مِنْ مَسْأَلَةِ الرُّؤْيَةِ فِي الدُّنْيَا. وَقِيلَ: سَأَلَ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ، فَلِذَلِكَ تَابَ. وقيل: قال عَلَى جِهَةِ الْإِنَابَةِ إِلَى اللَّهِ وَالْخُشُوعِ لَهُ عِنْدَ ظُهُورِ الْآيَاتِ. وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ التَّوْبَةَ مَا كَانَتْ عَنْ مَعْصِيَةٍ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ. وَأَيْضًا عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ الرُّؤْيَةُ جَائِزَةٌ" .
وقوله تعالى: (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) فيه معنى المسارعة والمبادرة إلى تحقيق التوبة، قال ابن عاشور: "وَقَوْلُهُ: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ أُطْلِقَ الْأَوَّلُ عَلَى الْمُبَادِرِ إِلَى الْإِيمَانِ، وَإِطْلَاقُ الْأَوَّلِ عَلَى الْمُبَادِرِ مَجَازٌ شَائِعٌ مُسَاوٍ لِلْحَقِيقَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا وَفِي نَظَائِرِهِ- الْكِنَايَةُ عَنْ قُوَّةِ إِيمَانِهِ، حَتَّى إِنَّهُ يُبَادِرُ إِلَيْهِ حِينَ تَرَدُّدِ غَيْرِهِ فِيهِ، فَهُوَ لِلْمُبَالَغَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ) فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَقَوْلِهِ: (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ" .
ومعنى الأولية هذا كثير الورود في القرآن الكريم، وهو دعوة إلى المبادرة إلى مقامات الخير من التوحيد والطاعة والتوبة والإنابة وغيرها، وهذا كقوله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) )[سورة الأنعام].  وقوله: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14) )[سورة الأنعام]. وقوله: (إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (51) )[سورة الشعراء]. وقوله: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (11) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (12) )[سورة الزمر]. وكقوله تعالى في النهي عن نظير ذلك وهو المبادرة إلى الكفر والتكذيب والشقاق: (وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) )[سورة البقرة].
8-مقام استشعار النعم: فإن الله تعالى عرّف الكليم نعمه وعددها له وعرفه أقدارها وامتن بها عليه، وهو سبحانه ذو المنة والفضل على عباده، ويلزم من استشعار النعمة القيام بموجب الشكر والحمد ووضع آثار النعم في مواضعها، ومما امتن الله به عليه قوله: (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) )[سورة طه]، وقوله تعالى: (قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي)[سورة الأعراف: 144]. وتبين منها أن الله علق الاصطفاء بتلقي الوحي خصوصا، ودل ذلك على ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: "شرف المؤمن قيام الليل، وعزه استغناؤه عن الناس" .
ومن النعم المعطاة له الآيات الظاهرة في قوله: (قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (23) )[سورة طه]، وقد أعطي في المناجاة الأولى من جنس الآيات الظاهرة التي تتشوف إليها النفوس الغليظة، وأما المناجاة الثانية فقد أعطي فيها من جنس الآيات السمعية العلية التي هي من همم النفوس الصافية.
ومنها قوله تعالى: (قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (36) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (37) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى (40) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) )[سورة طه]. فحق على من قام الليل أن يقلب نظر البصيرة في ما جرى عليه من النعم والأرزاق والأفضال من الله تعالى، وما تقلب فيه منها منذ ولد، وما تهيأ له من أسباب الهداية والعلم والحفظ، وما صرف عنه من العوارض والشواغل وموجبات الضرر في الدين والبدن والأهل والمال، فإنه حري به أن يعرف قدر النعمة ويستحيي من ربه أن يقابل النعم بأضدادها.
وليعلم القائم أنه ما منع عطاء إلا عوّض بعطاء يقوم بحق الأول، أو يكون أنفع له في حينه، كما أن موسى عليه السلام لما منع الرؤية العاجلة أعطي من الشرائع التوراتية ما يوجب له بالعمل عظيم الأجر وجزيل الثواب. قال ابن عادل الحنبلي: "لما طلب موسى عليه الصَّلاة والسَّلام الرؤية ومنعه الله تعالى، عدد عليه وجوه نعمه العظيمة، وأمره بشكرها. كأنَّهُ قال له: إن كنت قد منعتك الرؤية فقد أعطيتك من النِّعَمِ العظيمة كذا وكذا، فلا يضيقُ صدرُكَ بسبب منع الرُّؤيةِ، وانظر إلى أنواع النِّعمِ التي خَصَصْتُك بها واشتغل بشكرها، والمراد: تسليةُ موسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - عن منع الرؤية" .
9-مقام الشكر على العطاء: وهو لازم مقام استشعار النعمة وتاليها في الفطر السوية والعقول السليمة، إذ المتعرف على النعمة لا يحسن به إلا شكرها وحمد المنعم عليها، قال تعالى: (فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144) )[سورة الأعراف]، قال القرطبي: "قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ) إِشَارَةٌ إِلَى الْقَنَاعَةِ، أَيِ اقْنَعْ بِمَا أَعْطَيْتُكَ. (وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) أَيْ مِنَ الْمُظْهِرِينَ لِإِحْسَانِي إِلَيْكَ وَفَضْلِي عَلَيْكَ" . وقال ابن عطية: "وقوله فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ تأديب وتقنيع وحمل على جادة السلامة ومثال لكل أحد في حاله، فإن جميع النعم من عنده بمقدار وكل الأمور بمرأى من الله ومسمع" .
10-مقام العزم: في قوله تعالى: (فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا)[سورة الأعراف: 145]. وفيه دليل على أن من فتح له باب من علم لزمه العمل به والدعوة إليه، كل بحسبه. قال تعالى: (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (24))[سورة طه]. وقد ألزم الله موسى العمل بمجرد العلم، فقال سبحانه: (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) )[سورة طه]. وكذا حال القائم، فإنه يأخذ من ليله لنهاره، ومن ساعة عظته لساعة عمله، ومن حظ نفسه لحظ غيره.
11-مقام الرغبة والدعاء: قال موسى عليه السلام لربه: (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) )[سورة طه]، فقال له ربه: (قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (36) )[سورة طه]، فأجمل الله له العطاء، وهذا فيه الإشارة إلى كرم الله تعالى وأنه لا يعجزه شيء ولا يتعاظمه، وأن الإنسان يكثر من سؤاله ويبالغ في دعائه، فإن الله يحب من عبده إظهار الفقر والحاجة. ودلت الآيات على تحري الدعاء عند حصول البركات والعطاءات فإنها ساعة رضا من المولى سبحانه، فإذا حصل للقائم المناجي شيء من أحوال الخشوع ومقامات الفهم، فليجتهد في الدعاء والرغبة إلى الله سبحانه، فإنها أمارات الرضا والقبول.
ودلت الآيات على أن الإنسان يقدم من الدعاء ما يكون أعون له على الطاعة، قال موسى عليه السلام: (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) )[سورة طه]. قال ابن القيم رحمه الله في المدارج: "وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ: تَأَمَّلْتُ أَنْفَعَ الدُّعَاءِ فَإِذَا هُوَ سُؤَالُ الْعَوْنِ عَلَى مَرْضَاتِهِ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ فِي الْفَاتِحَةِ فِي (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)" .
ويلحق بهذا المقام تعميم سؤال الخير واستحضار البر، فإن الكليم عليه السلام لم يقصر دعاءه على حظ نفسه، بل سأل الخير لأخيه في قوله: (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي)[سورة القصص: 34]. قال الحافظ أبو حفص بن شاهين: "ولا نعلم أن أحدا قط من الإخوة  كان أبر من موسى بهارون، لأنه طلب النبوة، والقرآن نطق بذلك فقال: (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) )[سورة طه]" . ومنه قوله تعالى: (أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا)[سورة الأعراف: 155]، وهذا فيه بر موسى عليه السلام بقومه وسؤاله المغفرة لهم.
هذا، والله المحمود على ما فتح به، والمسؤول أن يزيد النعمة ويتم المنة ويعفو عن الزلل، والحمد لله رب العالمين، وصلواته على محمد وآله وصحبه أجمعين.

 -متفق عليه عن ابن مسعود.
 -أخرجه أحمد عن جابر، وحسنه الألباني في الإرواء.
 -متفق عليه عن ابن عباس.
 -هذا الذي عليه الروايات المتظاهرة، وأما رواية أنه كان في السابعة فهي من أخطاء شريك بن أبي نمر في حديث الإسراء.
 -انظر تفسير ابن كثير(3/46).
 -مدارج السالكين(1/60)
 -أي لم يكن عن مواعدة أنبأ الله بها موسى ليستعد لها، وإلا فقد قال تعالى: (ثم جئت على قدر يا موسى).
 -مدارج السالكين(1/61).
 -أخرجه الخطيب(4/686) عن عائشة ولا يصح، ونسب لعبيد الله بن محمد بن عائشة كما في ربيع الأبرار(3/278)، ولمحمد بن علي بن الحسين كما في التذكرة الحمدونية(1/273).
 -انظر تفسير الطبري(16/18).
 -التحرير والتنوير(9/86).
 -متفق عليه.
 -أخرجه البزار عن ابن عباس وصححه الألباني في صحيح الجامع.
 -حادي الأرواح(2/607-608).
 متفق عليه عن أبي موسى الأشعري، واللفظ لأحمد.
 -تاريخ بغداد، (8/355).
 -التحرير والتنوير، (9/92).
 -الشفا بتعريف حقوق المصطفى، (ص70).
 -تاريخ بغداد، (10/494).
 -أخرجه مسلم عن أبي هريرة.
 -تفسير الطبري، (10/419).
 -التحرير والتنوير، (9/93).
 -الجامع لأحكام القرآن، (9/325).
 -التحرير والتنوير، (9/94).
 - أخرجه الحاكم والطبراني في الأوسط عن سهل بن سعد.
 -اللباب في علوم الكتاب، في اللباب(9/305).
 -الجامع لأحكام القرآن، (9/327).
 -المحرر الوجيز، (4/44).
 -مدارج السالكين، (1/100).
 -مجموع مصنفات الحافظ أبي حفص ابن شاهين، ص340.

تم قراءة المقال 346 مرة