قيم الموضوع
(9 أصوات)

وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد: فإن الدعاء والعبادة قرينان في كتاب الله تعالى وهما من أعظم منازل الدين، تجتمع فيهما معاني الخضوع والذل لله رب العالمين، من أخلَصهما لله عز وجل كان من الموحدين ومن أخل بالإخلاص فيهما فهو من المشركين، وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم منزلة الدعاء وأنه أعظم مظاهر العبادة حين قال:" الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ ثُمَّ قَرَأَ (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) (غافر/60) (رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي وصححه) وقد أمرنا ربنا عز وجل بدعائه في غير موضع من القرآن الكريم كما أمرنا بعبادته، فقال: (وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (الأعراف/29) وقال عز وجل: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (الإسراء/110) .

   ومن الآيات التي امتزج فيها الأمر بالدعاء بالأمر بالعبادة قوله سبحانه : (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (الأعراف/55، 56) ، آياتان عظيمتان فيهما معان غزيرة وعبر كثيرة، ووقد رأيت أن أقف وقفة مع قوله عز وجل (وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ) لنتبين بعض المعاني التي دلت عليها هذه الجملة من الآية الكريمة.

 

وادعوه خوفا وطمعا

 

أولا : ما معنى الدعاء في الآية ؟

   الدعاء في القرآن قد يراد به العبادة وقد يراد به المسألة، ودعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعي وطلب كشف ما يضره أو دفعه، وهما متلازمان لأن توحيد الله تعالى في العبادة يتضمن توحيده في الدعاء والاستعانة والاستغاثة والاستعاذة، ولأن الذي يملك النفع والضر هو من يستحق أن يعبد دون من هو عاجز عن ذلك، ولهذا قال عز وجل: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ) (يونس/18) وقال سبحانه: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا) (الفرقان/55)

  قال ابن القيم :« فهو يدعى للنفع والضر دعاء المسألة ويدعي خوفا ورجاء دعاء العبادة فعلم أن النوعين متلازمان فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة وعلى هذا فقوله تعالى : (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ) (البقرة/186) يتناول نوعي الدعاء وبكل منهما فسرت الآية، قيل:" أعطيه إذا سألني"، وقيل:" أثيبه إذا عبدني"، والقولان متلازمان وليس هذا من استعمال اللفظ المشترك في معنييه كليهما أو استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه بل هذا استعمال له في حقيقته الواحدة المتضمنة للأمرين جميعا فتأمله فإنه موضع عظيم النفع قل من يفطن له وأكثر ألفاظ القرآن الدالة على معنيين فصاعدا هي من هذا القبيل» [" بدائع الفوائد "].

ثانيا : ما تفسير قوله خوفا وطمعا ؟

  أما معنى الخوف فالانزعاج لما لا يُؤمن من المضار، وأما الطمع فتوقع أمر محبوب ورجاء حصوله، ومثله قوله تعالى : (وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً) (الأنبياء:90)

  ومن حمل الدعاء على المعنى الخاص وهو دعاء المسألة قدر معنى الآية ادعوه خوفا من الرد وطمعا في الإجابة، ومن حمل الدعاء على معناه العام وهو العبادة قال معنى الآية ادعوه خوفا من عقابه وطمعا في ثوابه.

  وكلا المعنيين تشملهما الآية لما سبق، ومما هو مأثور عن السلف:"خوفا من العاقبة وطمعا في الرحمة"، وعن بعضهم:" خوفا من العدل وطمعا في الفضل"، وعن آخر:" خوفاً من النيران وطمعاً في الجنان"، وكلها معان صحيحة متقاربة.

  ومن المفسرين من قال إن الواو في قوله تعالى:"خوفا وطمعا" للتّقسيم فيكون المعنى ادعوه خوفا أو طمعا، ومن الأول الدّعاء بالمغفرة، ومن الثاني الدّعاء بالتّوفيق وبالرّحمة. وهذا بناء على حمل الدعاء على دعاء المسألة، ولا مانع من اجتماعهما في دعاء المسألة ولكن قد يغلب الخوف على الرجاء أو العكس بحسب الحال وموضوع السؤال. ويؤكد هذا المعنى أبو حامد الغزالي فيقول :«كل ما ورد في فضل الرجاء فهو دليل على فضل الخوف لأنهما متلازمان فإن كل من رجا محبوبا فلابد وأن يخاف فوته، فإن كان لا يخاف فوته فهو إذا لا يحبه فلا يكون بانتظاره راجيا، فالخوف والرجاء متلازمان يستحيل انفكاك أحدهما عن الآخر».

ثالثا : لماذا تكرر الأمر بالدعاء في آيتين متعاقبتين؟

   قد تكرَّر الأمر بالدعاء في آيتين متعاقبتين فبحث علماء التفسير عن سر هذا التكرار فاختلفت آراؤهم وتعددت توجيهاتهم .

-فمن العلماء من حملهما جميعا على دعاء المسألة وقال في الآية الأولى بيان شرط صحة الدعاء (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً) وفي الآية الثانية بيان فائدة الدعاء ومنفعته (وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا).

-وقريب منه قول من قال إنه في الآية الأولى علَّمَ العباد كيفية الدعاء وفي الثانية علمهم الباعث على الدعاء.

-ومنهم من قال إن المراد بالدعاء في الآية الأولى:(ادْعُوا رَبَّكُم) العِبادَة، والمراد بقوله في الثانية (وادعوه) دعاء المسألة، ولو عكس لكان أقرب لأن الإخفاء من آداب دعاء المسألة، ولأن وجوب اجتماع الخوف والرجاء في العبادة أظهر منه في دعاء المسألة.

-ومنهم من قال: إنه لعلو مكانة الدعاء كرر الأمر به موضحا لآدابه، فذكر في الآية الأولى أفعال الجوارح وهي الخشوع والاستكانة وإخفاء الصوت، وفي الثانية أفعال القلوب وهي الخوف والرجاء.

رابعا : خلاصة آداب الدعاء المأمور بها

    قال السعدي : (وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا) أي: خوفا من عقابه، وطمعا في ثوابه، طمعا في قبولها، وخوفا من ردها، لا دعاء عبد مدل على ربه قد أعجبته نفسه، ونزل نفسه فوق منزلته، أو دعاء من هو غافل لاهٍ. وحاصل ما ذكر اللّه من آداب الدعاء: الإخلاص فيه للّه وحده، لأن ذلك يتضمنه الخفية، وإخفاؤه وإسراره، وأن يكون القلب خائفا طامعا لا غافلا ولا آمنا ولا غير مبال بالإجابة، وهذا من إحسان الدعاء، فإن الإحسان في كل عبادة بذل الجهد فيها، وأداؤها كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه، ولهذا قال: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) في عبادة اللّه، المحسنين إلى عباد اللّه، فكلما كان العبد أكثر إحسانا، كان أقرب إلى رحمة ربه، وكان ربه قريبا منه برحمته، وفي هذا من الحث على الإحسان ما لا يخفى».

خامسا : الخوف والرجاء ركنان في العبادة

   وفي هذا الأمر من الله عز وجل تأكيد على أن الخوف والرجاء من أركان العبادة ، وأنه لا يستقيم العبد على منهاج الله تعالى إلا باجتماعهما، فبالخوف ينكف عن المناهي وبالرجاء يكثر من الطاعات، قال ابن عطية (2/477):« قوله تعالى : (وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً) أمر بأن يكون الإنسان في حالة ترقب وتخوف وتأميل لله عز وجل، حتى يكون الرجاء والخوف للإنسان كالجناحين للطائر يحملانه في طريق استقامته، وإن انفرد أحدهما هلك الإنسان».

    ونقل عن مكحول الدمشقي:« من عبد اللّه تعالى بالخوف وحده فهو حروري (خارجي)، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالمحبة وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف والرجاء والمحبة فهو موحّد».

   وقوله:"ومن عبده بالمحبة وحده فهو زنديق" إشارة إلى قول بعض مدعي التصوف الذين يزعمون أنهم يعبدون الله تعالى حبا في ذاته لا طمعا في جنته أو خوفا من ناره، وهذا من أبطل الباطل، كيف والله تعالى لا يزال يأمر عباده في القرآن الكريم بعبادته بالخوف والرجاء بل وصف بذلك أنبياءه والخيرة من عباده فقال: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) (الأنبياء/90) وقال: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) (السجدة/16) لكن هؤلاء القوم ثقلت عليهم العبادات ولم يقدروا على ترك المحرمات فزعموا أن ذلك من الأمور الإضافية "الثانوية" التي يلزم بها الضعفاء في إيمانهم، أما أهل الحقائق من أرباب التصوف فيعبدون الله بالمحبة وبالمحبة فقط، وكأنهم ظنوا أن المحبة أمر باطن لا يمكن كشفه فيسهل ادعاؤه بخلاف الخوف والرجاء فهي أمور باطنة لكن برهان صدقها في الأعمال فعلا للمأمور وتركا للمحظور، فتنصلوا منها بدعوى عبادة الله بالمحبة فحسب، لهذا قال العلماء إن من زعم ذلك فهو زنديق، بل يكفي للدلالة على زندقتهم مخالفتهم لما تظاهر من نصوص القرآن والسنة ترغيبا وترهيبا.

   وهنا قد يتساءل بعض الناس كيف يزعمون لأنفسهم ما لم يزعمه الأنبياء جميعا بما فيهم أبو الأنبياء عليه السلام الذي قال : (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) (الشعراء/82) وسيد ولد آدم وأفضل الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم الذي كان يقول :"إني لأرجو أن أخشاكم لله " (رواه مسلم).

  فنقول له:"نعم" أنهم يدعون هذه المنزلة التي يعدونها فوق منزلة عامة المسلمين الذين يعبدون الله تعالى رغبا ورهبا، ويزعمون أن هذه المنزلة لم يبلغها الأنبياء والمرسلون، وهذا يعني أنهم اعتبروا أنفسهم أفضل من الأنبياء والمرسلين، ولست أبالغ في هذا الزعم، فقد قال أحدهم :« لقد خضنا بحورا وقفت الأنبياء بسواحلها» فتناقلوا عبارته من غير نكير، وقال شاعرهم :

مقام النبوة في برزخ    فويق الرسول ودون الوليّ

    وعللوا أفضليتهم على الأنبياء بأنهم جمعوا علم الشريعة والحقيقة، وعلم الظاهر والباطن, وعلم التنزيل والتأويل, بينما اكتفى الأنبياء بعلم الشريعة والظاهر والتنزيل.

وبهذا يتضح أن عبارة مكحول في وصف هؤلاء القوم بالزندقة لا غبار عليها، ويتضح أيضا أن أتباع هؤلاء من أبعد الناس عن عقائد القرآن فهم يقرأونه ولا يفهمون معانيه البينة بله الخفية، نسأل الله تعالى الهداية والتسديد.

سادسا : أيهما يغلب الخوف أو الرجاء؟

   دلت الآية الكريمة أنه يجب على العبد أن يعبد ربه عز وجل بالخوف والرجاء جميعا، لأن من اقتصر على الخوف وقع في القنوط من رحمة الله، ومن اقتصر على الرجاء وقع في الأمن من مكر الله تعالى وكل من القنوط والأمن من كبائر الذنوب ومن أسباب الضلال والانحراف، وإذا تقرَّر وجوب اجتماعهما فأيهما يغلب؟ اختلفت آراء العلماء في ذلك:

-فقال أبو حيان: وعطف أحدهما على الآخر يقتضي أن يكون الخوف والرجاء متساويين.

-ومنهم من رأى أن يغلب الخوف على الرجاء لأنه مقتضى الاحتياط حتى نقل عن بعض السلف أنه تمنى أن يكون الرجل الذي هو آخر من يدخل الجنة.

-ومنهم من قال ينبغي أن يغلب الخوف على الرجاء طول الحياة فإذا جاء الموت غلب الرجاء، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله" (رواه مسلم)، ونقل هذا الرأي ابن القيم عن السلف، فقال:« القلب في سيره إلى الله تعالى بمنزلة الطائر فالمحبة رأسه والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر جيد الطيران، ومتى قطع الرأس مات الطائر، ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل صائد وكاسر، لكن السلف استحبوا أن يقوي في الصحة جناح الخوف على جناح الرجاء، وعند الخروج من الدنيا يقوي جناح الرجاء على جناح الخوف». وهذا له مغزى فإن العبد إذا خاف اجتهد في العمل وزاد في الطاعة، ولكن العبد إذا كان في فراش المرض حسن له تغليب الرجاء لأنه غير قادر على الاجتهاد والزيادة، بل من أعظم العبادات في مثل هذا الموضع حسن الظن بالله عز وجل.

   ونذكِّر أن تغليب الرجاء في هذه الحال لا يعني إلغاء الخوف، لأنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دَخَلَ عَلَى شَابٍّ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ فَقَالَ كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَ: أَرْجُو اللَّهَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَخَافُ ذُنُوبِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:« لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ» (رواه الترمذي وابن ماجة وحسنه الألباني).

   وهذا من حيث العموم وإلا فالأمر يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فإن من كان عاصيا غارقا في معاصيه لا يفكر في التوبة، لا ينبغي أن يحدَّث بما يورثه رجاء المغفرة كأحاديث الشفاعة ونحوها، بل ينبغي أن يغلَّب له جانب الخوف الذي يردعه ويجعله يقلع عما هو فيه، وكذلك من كان مريدا التوبة لكنه يخاف أن لا يغفر له أو سيطرت عليه وساوس اليأس والقنوط، فينبغي أن يعان على التوبة بتغليب جانب الرجاء.

سابعا : دعوات الإلحاد والإرجاء تحت غطاء الرجاء

   وأنا أسطر أفكار النقطة السابقة تذكرت بعض العبارات التي طرقت سمعي عن بعض الناس في هذا الزمان، أما أحدهم فكان ينتقد بشدة من يشرح للناس أشراط الساعة، وزعم أن ذلك سيرعب الناس، وانتقد آخر يوما ركن الفتاوى الشرعية في أحدى الجرائد وزعم أنها أوامر ونواهي تزعج بعض القراء، واقترح استبدالها بالقصص وحكايات التائبين وأخبار الجنة وفضائل الأعمال، وهذه الأخبار لا تحتاج إلى تحليل أو تعليق لكنها تدل على تمكن فكر الإرجاء في عقول كثير من الناس، وإذا كان مثل هذا الفكر موجودا عند بعض المسلمين، فإنه حينئذ لا يستغرب ما نقل عن العلمانيين المتصرفين في برامج التربية الإسلامية الذين قرروا حذف كل ما يتعلق بالموت واليوم الآخر بهذه الحجة ذاتها، وزعموا أن ذلك من شأنه أن يرعب الصغار ويجعلهم معقَّدِين، بل انتقدوا الكلام عن صفة تغسيل الميت وتكفينه في برامج التعليم من هذا الجانب، فكان لهم ما أرادوا حتى جعلت أركان الإيمان أربعة فقط ليس فيها اليوم الآخر ولا القضاء والقدر.

ثامنا : خاتمة

   قال الطاهر بن عاشور :« وقد شمل الخوف والطّمع جميع ما تتعلّق به أغراض المسلمين نحو ربّهم في عاجلهم وآجلهم، ليدعُوا الله بأن ييسِر لهم أسباب حصول ما يطمعون، وأن يجنبهم أسباب حصول ما يخافون، وهذا يقتضي توجّه همّتهم إلى اجتناب المنهيات لأجل خوفهم من العقاب، وإلى امتثال المأمورات لأجل الطّمع في الثّواب، فلا جرم أنّه اقتضى الأمرَ بالإحسان، وهو أن يعبدُوا الله عبادة من هو حاضر بين يديه فيستحيي من أن يعصيه، فالتّقدير: وادعوه خوفاً وطمعاً وأحسنوا بقرينة تعقيبه بقوله: (إن رحمة الله قريب من المحسنين)».

 

تم قراءة المقال 15034 مرة